رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وأخيراً قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الأربعاء 4 يناير تحويل ملف الانتهاكات الإسرائيلية إلى مجلس الأمن (وهو الجهاز الأممي الأقوى لأن قراراته تنفيذية ولو بقوة أممية)، وأيدت أغلبية ساحقة هذا القرار وطبعا ندد به نتنياهو واعتبره «معادياً للسامية!!!».
أمام العنجهية والعربدة التي طبعت الأيام الأولى لأكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفاً يمينياً التي شكلها بنيامين نتنياهو وعاد بها مزهواً إلى الحكم رغم ما يجره وراءه من معضلات قضائية تعوقه منذ اتهامه مع زوجته بتلقي رشاوى ولكنه استطاع أن «يحقق» ما عجز عنه منافسوه ورفضوه إما تجنبا لورطات التحالف مع أحزاب متعصبة خارجة عن القانون وعن الرسالة السياسية وبعضها بل أشرسها حزب عضو الكنيست (إيتمان بن غفير) أو لأسباب «أخلاقية» جعلت (لابيد) مثلا يأبى رغم تطرفه هو ذاته التورط في مستنقع بن غفير الإرهابي الذي يدعو من كل المنابر إلى ما سماه: «تطهير أرض إسرائيل الكبرى من غير اليهود وحتى من اليهود المعتدلين والمعترفين ببعض حقوق الفلسطينيين والعرب من سكان فلسطين التاريخية بمسلميهم ومسيحييهم!.
(نعتت صحيفة سويدية أيديولوجية بن غفير بأنها نازية هتلرية جديدة تهدد كل مكاسب العالم) وبن غفير هو الذي عربد كوزير للأمن القومي في حكومة نتنياهو فاقتحم باحات المسجد الأقصى يوم الثلاثاء يحميه أعضاء حركته مسلحين وأعوان الحراسة الحكومية وهو يتديك (يتشبه بالديك) رافعا عقيرته بالأناشيد اللاهوتية مناديا بأعلى صوته باتجاه الإعلام وكاميراته أن لليهود الحق «الثابت بالتوراة» أن يصلوا هنا (يقصد الأقصى الشريف) يقصد في الهيكل الذي شيده (جدودنا) قبل أن يأتي المسلمون بما سماه (أستغفر الله) أسطورة المعراج فشيدوا فوق هيكلنا المقدس مسجدا لصلواتهم بقصد محو آثار هيكلنا وفرض دينهم الجديد على أرضنا التي وعدنا الرب ملكيتها....! وطبعا ترتكب هذه الجريمة في حين تصوت أغلبية الدول في الأمم المتحدة على إحالة ملف الانتهاكات الإسرائيلية إلى محكمة الجنايات الدولية كما يتم هذا التحدي للقانون الدولي بعد ارتكاب إسرائيل لأبشع جريمة مدانة وهي اغتيال الإعلامية شيرين أبو عاقلة برصاصة شديدة الدقة مما يؤكد سابق الإضمار والترصد غايتها ضرب قناة الجزيرة وترويع الإعلاميين عموما حتى لا ينقلوا أحداث الجرائم وقتل الأطفال وهدم بيوت الفلسطينيين وعمليات تهويد القدس وفلسطين جميعاً على حساب كل ساكنيها منذ النبي إبراهيم عليه السلام والكنعانيين وبيت لحم والعهدة العمرية.
وهنا كانت قطر في مقدمة الدول التي أدانت اقتحام الأقصى وانتهاك القانون الدولي بأشد العبارات وخاصة اقتحام وزير الأمـــن الــقــومــي الإســرائــيــلــي بــاحــات المـسـجـد الأقـــصـــى تــحــت حــمــايــة ســلــطــات الاحــتــلال الإسرائيلي، واعتبرت قطر هذا الاقتحام انتهاكاً سافراً للقانون الـدولـي والـوصـايـة الهاشمية على المقدسات في القدس المحتلة، وحـذرت وزارة الخارجية في بيان صدر يوم الأربعاء من السياسة التصعيدية التي تتبناها الـحـكـومـة الإسـرائـيـلـيـة فـي الأراضــي الـفـلـسـطـيـنـيـة المـحـتـلـة، وأكـــدت أن مــحــاولات المساس بالوضع الديني والتاريخي للمسجد الأقــصــى لـيـسـت اعــتــداء عـلـى الـفـلـسـطـيـنـيـين فحسب بل على مليار ونصف المليار من المسلمين حول العالم، وحملـت وزارة الـخـارجـيـة القطرية سـلـطـات الاحـتـلال وحـدهـا مـسـؤولـيـة دائــرة العنف الـتـي ستنتج عـن هـذه الـسـيـاسـة التصعيدية الممنهجة ضـد الشعب الفلسطيني وأراضـيـه ومقدساته الإسلامية والمسيحية.
هذا الموقف القطري هو ثبات على منهج نصرة قضية المسلمين الأولى، ورفض لمشروع مشبوه يسمى صفقة القرن، وهي صفقة العار كما رفضت نهائيا تصنيف المقاومة المشروعة تنظيما إرهابيا، وهو حرص لم يتغير على تعزيز القانون الدولي الكفيل وحده بحل الأزمات السياسية مع إجماع 180 دولة على حل الدولتين ووقف الاستيطان وهدم جدار العار المدان أمميا، والكف عن توسيع المستوطنات بحجة كاذبة وهي (نمو طبيعي للسكان..!).
ومن جهتها دعت المقاومة الفلسطينية إلى تصعيد المقاومة بكل أشكالها دفاعاً عن الأقصى كما دعت فصائل فلسطينية أبرزها حماس والجهاد وكتائب القسام والأحرار والمجاهدين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية إلى «تصعيد الاشتباك» مع إسرائيل دفاعا عن المسجد الأقصى في مدينة القدس المحتلة، معتبرة أن هذه الخطوات تقر المواجهة مع الاحـتـلال في كافة ساحات الاشتباك دفاعا عن المسجد الأقصى»، وذلك ردا على اقتحام وزيـر الأمـن القومي الإسـرائـيـلـي بن غفير.
وأضـــــاف بيان المنظمات: «هـــذه المــحــاولــة الــجــبــانــة من بن غـفـيـر تمثل تـصـعـيـداً خـطـيـراً واسـتـفـزازاً لمـشـاعـر شعبنا الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية ينذر بحرب دينية فـي المـنـطـقـة»، وأردف: «لـن يفلح الاحـتـلال في تغيير الوقائع على الأرض وستبقى القدس عربية إسلامية ومحور الصراع مع الاحتلال» والمــقــدســات الإســلامــيـة، ودعا الشعب في الضفة والقدس إلى «شد الرحال للمسجد الأقصى وتكثيف الرباط فيه لإفشال المخططات الإرهابية التلمودية المؤسسة على الخرافات التي لا تستند إلى أي برهان تاريخي أو علمي.
نحن العرب والمسلمين وصلنا إلى مفترق طرق خطيرة مع عدو محتل بل يعتبر آخر استعمار استيطاني في العالم، وأخطر من يهدد السلام والأمن الإقليميين والدوليين، وهو ما تحرص قطر على إدانته مع إعانة الشعب الفلسطيني باستمرار في القطاع والضفة بالأموال الضرورية لتأمين حياتهم ومعاشاتهم وإعمار مدنهم وتعليم أجيالهم وضمان صحتهم بلا من ولا إشهار وهو ما يعتبره الفلسطينيون دليلا على مروءة الشعب القطري وجرأة قيادته على نصرة الحق.
النظام في إيران بين خطاب التبرير وسياسات التصعيد
دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر الأمني مع اتساع رقعة الحرب التي اندلعت في 28 فبراير... اقرأ المزيد
660
| 17 مارس 2026
وداعاً أيها الراقي المتميز
يوم الأحد الماضي وردنا خبر وفاة مذيع قناة الجزيرة المتألق الراحل جمال ريان، رحمه الله وغفر له، والذي... اقرأ المزيد
510
| 17 مارس 2026
رمضان ليس موسماً للتسول
يأتي شهر رمضان كل عام محملًا بقيم الرحمة والتكافل الاجتماعي، وهو شهر تتضاعف فيه أعمال الخير، ويحرص الناس... اقرأ المزيد
165
| 17 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
1869
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1521
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1275
| 11 مارس 2026