رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قيل قديماً إن الحديث، أي الكلام بين شخصين أو أكثر، يكون على ثلاثة أوجهٍ لا رابع لها، فهو إما أن يكون حديثًا في الأغيار، أو حديثًا في الأخبار، فإن خلا منهما فلن يخلو من كونه حديثًا في الأفكار وذلك ما ندر. ويقصد بالأغيار في الوجه الأول من الحديث الأفراد من الناس، وهذا لعمرك إن لم يكن لمنفعةٍ فهو من أردى أنواع الحديث وأدناها منزلةً، فهو لا يخلو من أمرين إما «غيبة» أو «نميمة» وكلاهما محرمٌ شرعًا ومن الكبائر لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما سئل عن الغيبة قال: «ذكرك أخاك بما يكره قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته»، أما «النميمة» فهي نقل الكلام بين الناس لقصد الإفساد وإيقاع العداوة والبغضاء، وهو محرمٌ أيضًا بنص الكتاب والسنة، لقوله تعالى (هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ)، وقوله صلى الله عليه وسلم (لا يدخل الجنة نَمَّام). والوجه الثاني هو الحديث في الأخبار، سواء كانت أخبارا سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، ولا ضير في ذلك ما لم يؤد إلى جدل عقيم يوغر الصدور، أو أن يستنزف الوقت فيطغى على المجلس، وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تناقل الأخبار والأحداث حال وقوعها في التو واللحظة، كما امتلأت الهواتف الذكية عبر مختلف التطبيقات بأصناف المحتويات وسهلت وصول الجميع إليها، المختص وغير المختص، العالم والجاهل، الكبير والصغير. تنهض في الصباح الباكر وتبدأ بهاتفك قبل كل شيء لتجده يعج بالأخبار ومقاطع الفيديو من كل حدب وصوب، هذا فضلًا عن العبارات المزخرفة التي ترسل لك يوميا وبشكل تلقائي من البعض دون إحساس بقيمة الوقت، ثم إنك لا تكاد تلتقي بصديق أو حتى بأحد أفراد عائلتك إلا وحدثك عن تلك الأخبار، ظنًّا منه أنها لم تصلك بعد. أما الوجه الثالث فهو أن يكون الحديث في الأفكار، وهو أرقى أنواع الحديث وأكثرها فاعلية وفائدةً للفرد وللمجتمع، ويشمل هذا النوع من الحديث، إضافةً إلى دروس العلم، الندوات والمحاضرات والجلسات النقاشية للكتب والأطروحات العلمية في كافة المجالات، والمشارك في هذه المجالس إما أن يكون عالماً أو متعلماً وذاك ما يمكث في الأرض وينتفع به الناس، وماعدا ذلك فهو غثاء كغثاء السيل، قال تعالى «فأما الزبد فيذهب جفاءً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض». يقول المثل الصيني «يتكلم العاقل عن أفكاره والذكي عن أعماله والسوقي عن طعامه».
1878
| 14 يونيو 2023
ظل يقال لنا طيلة عشرات السنوات إن التفكير الإيجابي هو المفتاح إلى حياة سعيدة ثرية، فلنكن صادقين، السيئ سيئ، وعلينا أن نتعايش مع هذا، لا يتهرب "مانسون" من الحقائق ولا يغلفها بالسكر، بل يقولها لنا كما هي: جرعة من الحقيقة الفجة الصادقة هي ما ينقصنا اليوم"، تلك العبارة كتبها المؤلف "رايان هوليداي" معلقًا على كتاب "فن اللامبالاة" الذي اشتهر به الكاتب والمؤلف "مارك مانسون". ولسنا هنا لاستعراض كتاب "مانسون"، فقد نختلف أو نتفق على بعض نظرياته، ولكن لنا وقفة مع منهجه في التفكير المعتمد على الاعتراف بوجود بعض السلبيات أو المشكلات وتقبلها بدلًا من معاناتنا ونحن نحاول إنكارها بحجة نشر الإيجابية، وتلك مهارة من مهارات التطوير الذاتي التي يسوق لها المؤلف، أما "ظاهرة اللامبالاة" التي تعاني منها بعض المجتمعات الحديثة، فجذورها وأسبابها وتداعياتها مختلفة تمامًا، وإن كان الاعتراف بالسلبيات هو العامل المشترك بينهما. ونقصد باللامبالاة هنا تقلص الإحساس بالمسؤولية تجاه الوسط الذي نعيش فيه، والتي تجسدها العديد من الظواهر السلبية، على سبيل المثال.. تجاهل صرخات الجمهور من تردي الخدمات العامة، أو تصرف موظف حكومي بطريقة غير لائقة، أو تراها في إتلاف الممتلكات العامة من قبل الجمهور، أو تجدها في سلوكيات مؤذية لمرتادي الطريق، أو حتى في الاستهلاك غير الرشيد للموارد، وتلك الظاهرة قد تكون شرارة انطلاقتها هي مقاومة الإصلاح وإنكار السلبيات والترويج بأن الأمور على ما يرام. يقول أحد الموظفين المجتهدين في عملهم: كنت أنا وبعض زملائي في اجتماع مع المسؤول الأول في المؤسسة بعد شهرين من انطلاق مبادرته الجديدة لتحسين الأداء، كان علينا أن نقدم ما يسمى بـ "التغذية الراجعة" عن المبادرة، وكنت أول المتحدثين في الاجتماع فذكرت بكل صراحة الإيجابيات والسلبيات التي لاحظتها بعد انطلاق تلك المبادرة، ولا أدري لماذا بدا الرئيس ممتعضا من حديثي، وعندما تحدث زملائي كانوا أكثر ذكاءً وواقعية مني، فقد التزموا جميعًا بذكر الإيجابيات لعلمهم بأن المسؤول لا يحب سماع الانتقاد والسلبية، وكان ذلك الدرس الأول الذي تعلمته في مكان عملي، ومنذ ذلك الحين أصبحت أتجنب أن أقع في ذلك الموقف، وأنا الآن أؤدي عملي وأتحدث مع الجمهور عن الإيجابيات ولا أبالي بسماع السلبيات أو الاهتمام بها. إنه لشيء جيد أن نحاول نشر الأخبار الإيجابية عن أداء مؤسسة أو وزارة ما، إما عن طريق مشاهير السوشيال ميديا، أو كتاب المقالات، أو عن طريق مقاطع دعائية مدفوعة الثمن حتى نكسب ثقة المجتمع في الخدمات المقدمة، وفي المقابل قد تكون نفس المحاولة مدمرة للمؤسسة على المدى البعيد إذا ما استخدمت للتغطية على العيوب ومحاربة النقد البناء بحجة نشر الإيجابية تحت شعار "أبشرك الأمور طيبة". لا شك أن الشغف بالتميز شيء جيد، فهو يدفع الأفراد والمؤسسات إلى القيام بالعديد من المراجعات لتحسين الأداء، ولكن الشغف المذموم هو ذلك الدافع وراء البروباغندا الدعائية المنفصلة تمامًا عن الواقع، وقد يؤدي ذلك إلى سباق محموم نحو الصدارة بين المؤسسات، وقد نلمس ذلك السباق بين الدول أيضًا، فهذه الأولى في الرفاهية، وتلك الأولى في التعليم، والأخرى الأولى في الصحة، والأولى في غزو الفضاء، والأولى في عدد المطبات في الشوارع، وحتى الأولى في عدد المرضى... إلخ، لا يهم الموضوع بقدر ما يهم الترتيب، وذلك الشغف الوهمي بالصدارة يذكرني بالطالب الذي يظهر لأبيه المواد التي نجح فيها ويخفي تلك التي رسب فيها بامتياز. قد يسأل أحدهم وما علاقة ذلك باللامبالاة؟..... نحن نكرس اللامبالاة عندما نسوق لنجاحات لا يلمسها المجتمع، وعندما نمتدح خدمات سيئة ونرفض الانتقاد البناء، وعندما تغيب العدالة في أي مؤسسة، وعندما نساوي بين المجتهد والمقصر، وعندما نحتفي بالتافهين، وعندما ننتهج المحسوبية والمحاباة، وعندما لا نضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وعندما لا نبالي بالمخلصين والجادين في مؤسساتنا فإن ذلك يدفعهم ليصبحوا منتفعين غير مبالين أيضًا، وليصبح ولاؤهم للمؤسسة ولاءً هشًا....... وقس على ذلك.
3192
| 07 يونيو 2023
انتهت الانتخابات التركية بفوز الرئيس رجب طيب أردوغان لفترة رئاسية تمتد إلى عام 2028م، وكانت قطر في طليعة المهنئين للرئيس أردوغان، وتقاطرت التهاني والتبريكات من دول مجلس التعاون الخليجي تباعًا، ولكي نتعرف على مدى وعي الشعب التركي وحرصه على المشاركة في العملية الديمقراطية، لنلقي نظرة على نسبة المشاركة ونقارنها بنسب المشاركة في أعرق الديمقراطيات الغربية، ففي آخر انتخابات جرت كانت نسبة المشاركة في أمريكا 66%، وفي بريطانيا 67%، وفي إيطاليا 64%، وفي فرنسا 72% أما في تركيا فبلغت 89% على أقل تقدير. أما مواقف الدول والأحزاب ووسائل الإعلام التي هاجمت حزب العدالة والتنمية وهاجمت الرئيس أردوغان فقد جاءت متباينة، فمنهم من اكتفى بتهنئة الرئيس أردوغان "وهم له كارهون"، متجرعين كأس المرارة، وهؤلاء هم رؤساء الدول التي تتبنى قيم الديمقراطية كمعظم الدول الأوروبية، أو تلك الدولة الغربية التي تبشر بالديمقراطية في دول العالم الثالث وتأخذها ذريعة للتدخل في شؤونها إلى درجة الغزو العسكري وتغيير الأنظمة بالقوة القاهرة، وهذه تعرفونها كما تعرفون أبناءكم. تلك الفئة من الرؤساء، الذين كانوا ينعتون الرئيس أردوغان بالديكتاتور، أسقط في أيديهم فوز المرشح غير المرغوب فيه في الجولة الثانية من الانتخابات وعن طريق عملية انتخابية نزيهة وإقبال من الناخبين حطم الأرقام القياسية لأي مشاركة انتخابية في الدول الغربية على مدى عقود من الزمن، لذا دفعها الإحراج الشديد أمام شعوبها إلى التراجع عن موقف الهجوم غير المبرر إلى الاعتراف بنتائج الانتخابات وقبولها على مضض. وهناك أنظمة متربصة لم تبد أي موقف أثناء العملية الانتخابية لكن مواقفها السابقة تنم عن رغبتها في ألا ترى الرئيس أردوغان على كرسي السلطة مجددًا، لم تجد تلك الأنظمة مبررًا لاتخاذ موقف عدائي معلن خوفًا من المواجهة لخمس سنوات قادمة في حال فاز الرئيس أردوغان، وهذه الفئة المتربصة أخطر من سابقتها فهي كما قال جل وعلا "ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓاْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَٰفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوٓاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا". أما وسائل الإعلام المشبوهة وبعض من يسمون أنفسهم بالمفكرين فقد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، تلك الفئة لم تخف خيبة أملها في نتائج الانتخابات التركية بل بدأت تسوق لنظريات غبية من قبيل أن أكثر من 47% من الشعب لا يريد أردوغان، تخيل كيف تكون أطروحات المفلسين إعلاميًا، وقال أحدهم إن الانتخابات غير عادلة والسبب أن أردوغان يُنْتَخَب وهو في السلطة في حين خصومه لا يتمتعون بتلك الميزة، طبعًا هذا الإبداع في الطرح يأتي من كمية خيبة الأمل التي يعانون منها. وفي الختام نقول للشعب التركي هنيئًا لكم نجاح هذا العرس الانتخابي، وهنيئًا لكم هذا الوعي السياسي، وهنيئًا لكم وصول مرشح الأغلبية، ونردد كشعوب محبة لتركيا ما يردده دائمًا فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان "لا غالب إلا الله"، حمى الله تركيا قيادةً وشعبًا.
2382
| 31 مايو 2023
في يوم ما حضرت دورة تدريبية في الإدارة المتقدمة عقدت في إحدى دول الخليج، كان المحاضر بروفيسور يدعى «ماك» وهو أمريكي الجنسية، ولم تكن تفصلنا عن انتخابات الرئاسة الأمريكية حينها سوى أيام معدودة، سألته عن رأيه في المرشحين لكرسي الرئاسة الأمريكية، فأخبرني بأنه مقاطع للانتخابات الرئاسية منذ سنين، فسألته عن سبب المقاطعة فقال: «لقد لاحظت أن الذي يصل إلى كرسي الرئاسة غالبًا ما يكون الأكثر شهرة وليس الأفضل، واستخدم مصطلح “The most Popular “، وأردف قائلًا: هناك فرق كبير بين أن تكون الأفضل من حيث إمكانية تبني برنامج انتخابي واقعي وامتلاك القدرة على تنفيذ وعودك الانتخابية، وأن تكون الأكثر شهرة بغض النظر عن مؤهلاتك وخبراتك وبرنامجك الانتخابي، لذا تجد أن بعض أصحاب المال ومشاهير السوشيال ميديا والرياضيين والفنانين وغيرهم من المشاهير هم الأكثر حظًا بالفوز في الحملات الانتخابية من المفكرين وأساتذة الجامعات والرؤساء التنفيذيين وغيرهم ممن يطلق عليهم مصطلح «التكنوقراطيين» أي أصحاب الخبرات، والشواهد على ذلك كثيرة» انتهى كلامه. قد نتفق أو نختلف بعض الشيء مع تلك النتيجة التي توصل إليها البروفيسور «ماك» ولكن، هل المشكلة في المرشح غير الكفء أم في الناخب؟ بلاشك أن المجتمعات الإنسانية متباينة في معتقداتها وعاداتها ووعيها أيضًا، فما هو مهم للناخب الأمريكي ليس بالضرورة أن يكون مهما للناخب في مجتمع آخر، وما هو طبيعي في مجتمع ما قد لا يكون مقبولًا في مجتمعات أخرى، لذا لا نستطيع إذا ما فاز «المرشح الضعيف» أن نلقي باللوم على وعي المجتمع، لأن ذلك مدعاة للتقاعس من باب صعوبة تغييره، في المقابل لا يمكن حرمان أي شخص وإن كان غير كفء من حقه في الترشح. في مقال الأربعاء الماضي والذي كان عنوانه «من سبق لبق والانتخابات التركية»، كانت هناك رسالة واضحة للناخب تؤكد على أهمية اختيار المرشح بوعي تام، وبما سيترتب عليه ذلك الاختيار من تداعيات مستقبلية، فضلًا عن أنها شهادة سنسأل عنها يومًا ما، لذا سأتوجه برسالتي للمرشح الذي يرى في نفسه الكفاءة في أي موضع كان، بأن عليه أن يبني حملته الانتخابية على أساس الوعي التام بحالة الناخب وتطلعاته وطريقة تفكيره، وعدم تجاهل ثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده ومعتقداته. إنه من الخطأ أن ننظر أو نتعامل مع أي مجتمع بشري ككتلة واحدة متجانسة، فالمفكرون والفلاسفة وأصحاب الرأي لا يشكلون أكثر من 1% من أي مجتمع، ومن المفترض ألا نقلق من اختيارات هؤلاء، لذا يجب ألا يكون خطاب المرشح نخبويًا أو مثاليًا أكثر مما ينبغي، بل يجب أن يكون بسيطًا متواضعًا بغير خلل ولا تكلف، ولنا في الانتخابات التركية خير مثال على ما سبق ذكره. لم تنته فصول سباق الرئاسة التركية بعد، فنحن على موعد مع الجولة الثانية من الانتخابات التركية التي ضرب فيها الناخب التركي أروع المثل في الوعي بالمسؤولية ونسبة المشاركة التي نتمنى أن تنتقل عدواها إلى الوطن العربي، وأيًا كانت النتيجة أعتقد كما يعتقد الكثيرون بأنها لن توصل المرشح الضعيف الى الرئاسة.
1161
| 24 مايو 2023
اخترت عنوان المقال وهو مثل خليجي ويعني أن مَن وَصل أوّلاً فهو أولى بالحصول على الشيء، ويقال أحيانًا بمثابة تحفيز على السَبْق وإدراك فضل الأولوية، كما ويستعمل أحيانًا للتبرير، بمعنى لو اتصل بك أحد المرشحين يطلب منك انتخابه لأي منصب كان، مجلس بلدي، مجلس إدارة، جمعية خيرية... إلخ، غالبًا ستقول له «تم» من باب الفزعة، أما المرشح الآخر فسيكون ردك عليه إذا اتصل بك «للأسف اتصل بي فلان قبلك» أو تختصر ردك بالمثل الشعبي «من سبق لبق». نرجع لموضوع الانتخابات التركية، ففي يوم الأحد الماضي كنا جميعا على موعد مع سباق الرئاسة التركي، جلسنا ساعات طويلة نراقب نتائج الاقتراع الرئاسي والبرلماني، نتابع عملية التصويت ونتنقل بين القنوات الفضائية نبحث عن آخر المستجدات، ونستمع لتحليلات المختصين. جرت العملية الانتخابية بكل سلاسة ولمسنا تحضر الشعب التركي وحرصه على المشاركة حيث تراوحت نسبة المشاركة ما بين 88 إلى 93% وهو ما يعد إقبالا تاريخيا على الانتخابات. ورغم الاستقطاب في الساحة التركية إلا أنها لم تسجل أي حادث يذكر، ورغم تباين توجهات المرشحين وبرامجهم الانتخابية إلا أننا لم نشهد ما يعكر صفو العملية الانتخابية. في المقابل لم تكن هناك أي محاولة من الحزب الحاكم «حزب العدالة والتنمية» في تزوير الانتخابات أو التأثير على العملية الانتخابية بشكل مباشر أو غير مباشر، بل لعب الحزب الحاكم دورا كبيرا في الحفاظ على سمعة تركيا كبلد ديموقراطي ودولة مؤسسات وذلك من خلال الحفاظ على نزاهة الانتخابات وشفافيتها. يستطيع أي مراقب منصف لذلك العرس الديموقراطي أن يستشف إحساس الناخب التركي بمسؤوليته تجاه وطنه الذي أعطاه هذه الفرصة الحقيقية للتعبير عن رأيه وانتخاب ممثليه، كما يستطيع أن يلمس حماس الناخبين ورضاهم عن العملية الانتخابية التي لم تتعرض لأي ضغوطات من مؤسسات الدولة أو نافذين في مؤسسة الحزب الحاكم أو الأحزاب الأخرى، ورغم التحديات الاقتصادية التي يعيشها المواطن التركي لم نسمع عن أي استغلال لذلك الوضع أو ابتزاز للمحتاجين مقابل التدخل في اختياراتهم الحرة. المشاركة في الانتخابات، أي نوع من الانتخابات سواء رئاسية أو برلمانية أو حتى شركة مساهمة صغيرة، هي شهادة وتزكية من الناخب للمرشح وليست فزعة، وهي أمانة في عنق الناخب تجاه الله أولًا ثم الوطن، وفضلًا عن ذلك هي في الحقيقة فرصة للمشاركة في صنع المستقبل، فرصة حساسة ومهمة جدًا، لا يجب الانتقاص من أهميتها والتعامل معها بوعيٍ مغيب، أو بلا مسؤولية، ولا تستحمل أن تختزل في منظور ضيق لا يخدم الأمة والمجتمع، كما لا يجب أن تختطفها القبلية أو العنصرية أو المذهبية من يد الكفاءة والأهلية، إن اهتمامنا بإختيار الكفؤ الذي يتبنى أفكارنا ويستطيع أن يحقق آمالنا هو جزء من اهتمامنا بمستقبلنا، وهذا أبعد ما يكون عن مبدأ المثل الشعبي «من سبق لبق».
3126
| 17 مايو 2023
أسْكَنْتُكَ العَيْنَ مِنْ نَفْسِي وَلا أَزَلُ فَاخْتَرْ مَكَانَكَ فِيهَا أيُهَا البَطَلُ لَا يُخْطِيءُ السَّهْمُ مِنِّي في فَراسَتِهِ ويُبْصِرُ القَلْبُ مَالَا تُبْصِرُ المُقَلُ يا "طَيِّبٌ" طَابَ ذِكْرَاهُ وسِيرَتُهُ فِي وَجْهِكَ البِشْرُ يُحْذِي سِرَّهُ الأملُ أُهْدِيكَ مِنْ كَعْبَةِ المَضْيُومِ قَافِيَةً تَرْنُو إِليكَ ومِنْ لُقْيَاكَ تَكْتَحِلُ أَلْبَسْتُهَا عَبْقَرِيَّ النَّظْمِ نَافِلَة حَتَى تَلَأْلَأْ مِنْهَا الحَرْفُ والجُمَل ًوَذَاعَ مِنْ عِطْرِهَا اَلْفَوَّاحِ ما كَتَمَتْ ُمِنْ فَارِطِ اَلْشَوْقِ تُبْدِي ثُمَّ تَعْتَزِلُ كأنها لامستْ كفَ الأميرِ ضحى عيدٍ فأودع فيها النصرَ مؤتملُ أوصى بها "طالعَ الشرطين" فانطلقت تَحُفُّهَا النَّجمةُ الحمراءُ والمُقلُ تَنُوبُ عَنْ عُصْبَةٍ جَادَ الزَّمَانُ بِها قَوْمٍ كِرَامٍ مِنَ العلياءِ تَنْتَسِلُ يَافَارِسَ اَلْتُرْكِ مَنْ يَجْحَدْ مَوَاقِفَكُم قَدْ سُطِّرَتْ فِي كِتَابِ النَّخْوَةِ الأُوَلُ ْقَدْ جِئْتَ فِي زَمَنٍ شَابَتْ ذَوائِبُهُ والوَهْنُ يَغْشَى قُلُوبًا مِلْؤُهَا الوَجَلُ مَرْضَى وَإِنْ صَحَّتْ الْأَبْدَانُ مِنْ سَقَمٍ هَزْلَى وَإِنْ بَانَ مِنْهَا اَلْشَحْم’ وَاَلْكَسَلُ لَا يَأْلَفُوُنَ وَإِنْ كَثُرَتْ مَجَالِسُهُم مُبَعْثَرِينَ فَأَنَّى يُجْمَعُ اَلْشَّمْلُ ْلَوْلَا اَلْيَقِيِنُ بِأَنَّ اَللهَ جَامِعُهُمْ لِيَوْمِ فَصْلٍ لَعُدَّ اَلْجَمْعُ مُفْتَعَلُ فإن تباهوا بذي حسبٍ وذي نسبٍ وثروةٍ وادعوا الإيمان وانتحلوا كفاك أنك في قلب الشعوب إذا قامت إلى الله تدعوه وتبتهل
1617
| 13 مايو 2023
اعتلى المنبر وهو يعلم عظمة الوقوف على منبر رسول الله، أعد الخطبة واعتنى بها كعادته، وبدأ بالحديث الذي يرويه أبو سعيد الخدري وأبو هريرة رضي الله عنهما مرفوعًا: «ما بعث الله من نبي ولا اسْتَخْلَفَ من خليفةٍ إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتَحُضُّهُ عليه، وبطانةٌ تأمره بالشر وتَحُضُّهُ عليه، والمعصوم من عصم الله»، ثم فصل في ذلك فجاء بالعجائب مما ورد في كتاب الله عز وجل عن البطانة، فذكر رؤيا الملك كما وردت في القرآن «وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ»، الملك يقص رؤياه على بطانته ويطلب منهم تعبيرها، فيأتيه الرد «قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ». لو استمع الملك لكلام بطانته التي استخفت بالرؤيا، فقط لأنها تجهل تأويلها، لحلت بمملكته كارثةٌ ولهلك الحرث والنسل، لكنه مع تكرار الرؤيا أصر على تفسيرها، فانبرى له رجل من عامة الناس كان يعمل ساقيًا في قصر الملك، لم يكن من البطانة المقربين، ولا مستشارًا للملك ولا عضوًا في البرلمان، بل كان مسجونًا مع سيدنا يوسف عليه السلام ثم ظهرت براءته فأفرج عنه كما جاء في نص الآية «وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ». ثم أورد خطيبنا قصة بلقيس عندما جاءها كتاب سيدنا سليمان «قَالَت یَـٰأَیُّهَا ٱلمَلَؤُا إِنِّی أُلقِیَ إِلَیَّ كِتَـٰب كَرِیمٌ إِنَّهُ مِن سُلَیمَـٰنَ وَإِنَّهُ بِسمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ أَلَّا تَعلُوا عَلَیَّ وَأتُونِی مُسلِمِینَ»، الملكة تخبر بطانتها بآخر المستجدات السياسية، هكذا كان التنظيم السياسي في اليمن قبل أكثر من ثلاثةِ آلاف سنة، ثم تستشيرهم: «قَالَت یَـٰأَیُّهَا ٱلمَلَؤُا أَفتُونِی فِی أَمرِی مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمرًا حَتَّىٰ تَشهَدُونِ». الكتاب من سيدنا سليمان الذي سَخَّر الله له كل شيء وآتاه ملكًا عظيمًا وجيشا جرارًا من الريح العاصفة والبشر وعفاريت الجن والدواب، فماذا كان رأي البطانة التي تجهل قوة سيدنا سليمان؟ «قَالُوا نَحنُ أُولُوا قُوَّة وَأُولُوا بَأس شَدِید وَٱلأَمرُ إِلَیكِ فَٱنظُرِی مَاذَا تَأمُرِینَ»، ولحكمة أرادها الله ثم لفطنة الملكة بلقيس امتنعت عن مواجهة سيدنا سليمان «قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ». وانظر إلى بطانة فرعون كيف يقلبون الحقائق ويحرضون على الشر والقتل «وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَٰهِرُونَ»، هكذا بطانة الشر في كل عصر تتهم المصلحين بالفساد، فماذا كان رد فرعون الطاغية الذي ادعى أنه الرب «قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَٰهِرُونَ»، لكن النصيحة الحق جاءت من رجل من عامة الناس لو أخذ بها فرعون لما غرق في اليم «وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ» فجاءه رد الطاغية المستكبر «قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ». هكذا القرآن لا تنتهي عجائبه، وهذا ما اتسع به المجال..... إلى اللقاء.
1596
| 10 مايو 2023
بالأمس القريب، التحق أحد الأصدقاء من حملة الماجستير في الهندسة في إحدى الجامعات الغربية لنيل شهادة الدكتوراه، وبعد ستة أشهر من التسجيل، وبينما هو منهمك في جمع مادة البحث، جاءه إتصال من سفارة بلده في تلك الدولة يخبره بأن الجامعة المعنية قد أرسلت «شهادة الدكتوراه» باسمه إلى السفارة، وطلب منه موظف السفارة، عنوانه حتى يرسل إليه الشهادة، اتصل صاحبنا في الجامعة للاستفسار لعل أن يكون هناك خطأ ما، فكانت الصدمة أن الجامعة قد أصدرت الشهادة بالفعل، وطلب منه تسديد باقي الرسوم ومن ثم إرسال البحث (رسالة الدكتوراه) متى ما شاء. تلك القصة قد تفسر لنا ما حدث في أحد الاجتماعات الدولية التي حضرتها وكان من بين المدعوين شاب خليجي، في الأربعينيات من العمر، ويشغل منصبًا مرموقًا، كنا نشاهد عرضًا تقديميًا باللغة الإنجليزية لأحد المسؤولين الأجانب، كان يبدو وكأنه يستمع للمحاضر بعناية، ويهز رأسه بين الفينة والأخرى، لكنه لم يسأل أو يستفسر عن أي شيء، ولم يتواصل شفهيًا البتة مع المحاضر، وبعد انتهاء العرض التقديمي طلب مني ذلك الشاب أن أسأل المحاضر عن بعض الأشياء التي تم شرحها أصلًا، هنا اكتشفت أن الرجل كان يمثل التفاعل مع المحاضر وأنه في الحقيقة لا يعرف إلا الحد الأدنى من اللغة الإنجليزية، وكم كانت المفاجأة عندما علمت أنه حاصل على شهادة دكتوراة من إحدى الجامعات الأوروبية التي تعتبر اللغة الإنجليزية لغتها الرسمية. ليس خطأ أن يسعى الإنسان لنيل الدرجات العلمية ويبذل الغالي والنفيس من أجل ذلك، بل إن شريعتنا الإسلامية تحث على العلم والتعلم ففي الحديث الذي رواه أبوهريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنَّةِ)، لكنَّ التحديات الكبرى كقضايا الفساد والاستبداد، وانتهاك حقوق الإنسان، وتبديد الموارد العامة، وتدني الجدية والإنتاجية، وانعدام المسؤولية، والعبث في الهوية، لا يمكن أن يواجهها أولئك الذين حرصوا على الألقاب العلمية ولم يحرصوا على العلم، فهم جزءٌ من المشكلةِ أصلًا، لقد نالوا الدرجة العلمية لكنهم لم ينالوا شرف العلم. إن هذا الهوس من البعض بالألقاب والمسميات الشكلية، في ظل شح إنتاجهم الفكري والعلمي، وتدني مشاركتهم الجادة في الحراك الثقافي والاجتماعي، وضبابية مواقفهم من المنعطفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للأمة، لمدعاة للمراجعة والتأمل، والعجيب أنه لم تسلم شريحة من شرائح المجتمع العربي من هذا الوباء الذي تغلغل حتى أصاب البعض ممن يتصدر للدعوة والإصلاح، ونسي أولئك أن هناك قامات علمية وفكرية على امتداد التاريخ العربي والإسلامي، لم تحمل لقب دكتور أو بروفيسور، ومع ذلك كان لها عظيم الأثر على الفرد والمجتمع، بل ما زالت كتبهم تدرس في الجامعات العربية والأجنبية وتشكل مراجع وأمهات الكتب، ويضيء سناها دور العلم. وحتى نكون منصفين، فلا بد لنا أن نثني على الشخصيات المعاصرة من علماء وأدباء ومفكرين، أولئك الذين بذلوا أنفسهم وأعمارهم، وسخروا إمكاناتهم العلمية والأدبية لخدمة مجتمعاتهم بكل الوسائل المتوفرة، نشاهدهم على وسائل الإعلام المختلفة، وتزخر رفوف الكتب بإنتاجهم الفكري الرصين، كما تشبع مصنفاتهم خواء الأرواح، وتملأ إبداعاتهم فضاء المعرفة.
2034
| 03 مايو 2023
في إحدى زياراتي للمستشفى أوقفت سيارتي في المواقف الخاصة بالزوار وفي طريقي إلى المدخل الرئيسي كانت هناك مجموعة من المواقف لذوي الاحتياجات الخاصة، كانت كل المواقف مليئة بالسيارات، وكلها تحمل لاصقا خاصا بذوي الاحتياجات الخاصة، أي أن الجميع ملتزم بالقانون، لكن ماذا لو كان هناك من يستغل سيارة أو ملصقا لذوي الاحتياجات الخاصة وهو من الأصحاء؟، لا شك أن وضع السيارة من الناحية القانونية سليم ولن يعرض صاحبها للمخالفة ولكنها في الوقت ذاته ممارسة غير أخلاقية واستغلال لميزة أعطاها القانون لمن يستحقها، هنا يبدو الفعل قانونيًا لكنه ليس أخلاقيًا. عندما نتعامل مع القوانين دون النظر إلى مقاصدها الأخلاقية فإننا نفرغها من محتواها وننزع منها روح الإنسانية حتى لو كانت تصرفاتنا في الإطار القانوني، وهنا تبرز الحاجة لتطوير القوانين وجعلها أكثر صرامة للحد من استغلالها من أولئك الذين لا يملكون الحس الأخلاقي في المجتمع، وتلك العملية للأسف تجعل من حياة الناس أكثر صعوبة ومشقة، فتجدهم يعانون حتى لا يقعوا تحت طائلة القانون. في المقابل هناك أعمال تبدو أخلاقية ولكنها ليست قانونية، أي أنها تستغل الأخلاق لاختراق القانون، مثال على ذلك جمع التبرعات بدون تصريح من الجهات المعنية، سواءً كان ذلك في أماكن العمل أو المجمعات التجارية أو المساجد أو حتى المجالس، وبغض النظر عن نبل غايتها وعلاقتنا بمن يعمل على جمعها، فإنها يجب أن تكون ضمن إطار القانون وذلك حماية للمجتمع وأفراده من الاستغلال السيئ لقيم المجتمع وأخلاقه. وهناك ممارسات ليست أخلاقية ولا قانونية، أدناها أن يقطع السائق الإشارة الحمراء إذا لم يلاحظ وجود رادار، لذا فهي تمارس في غياب القانون والرقابة والوازع الديني والأخلاقي، فهي باب الفساد الذي ينخر المجتمعات ويقوض النظام، فمن خلاله تشترى الذمم وتنتهك الأمانة، ومن مظاهره أن يؤتمن الخائن، ويوكل الأمر لغير أهله، فتنتشر الرشوة والمحسوبية، وتستغل المناصب، ويسرق المال العام، أو يهدر بدون طائل، وتنحسر النزاهة والشفافية. وفي الختام أقول من الممكن أن نتصور مجتمعا بلا قانون، ولكن من المستحيل تصور مجتمع بلا قيم، فالقيم هي أساس القانون ومادته، فإذا ما تبنى مجتمع ما منظومة القيم وأصبحت تمارس بصفة عفوية بين أفراده يصبح المجتمع كالأسرة الواحدة، والأسرة لا يحكمها القانون بل يحكمها الوجدان المشترك والتراحم بين أفرادها.
3318
| 25 أبريل 2023
منذ سنوات وفي إحدى سفراتي القصيرة، التقيت صدفةً بأحد الأصدقاء في الطائرة وكان كرسيه بجانبي فتجاذبنا أطراف الحديث كما هي العادة عندما نلتقي بالأصدقاء في مثل هذه الظروف، وبعد طقوس السلام والتحية، سألته بدايةً عن أحوال الوزارة التي يعمل بها بعد قرار تحويلها إلى مؤسسة مستقلة؟ - فقال: بعد مرور أكثر من عامين على ذلك القرار ما زلنا نسير ببطء، رغم تكليف استشاري عالمي للقيام بعملية التحويل وتدريب العاملين في الوزارة على الإجراءات الجديدة، ولكن للأسف ما زلنا ندير الأمور بنفس الطريقة القديمة. - قلت: ماذا تقصد؟ - قال: يفترض أن يكون القطاع المؤسسي أكثر كفاءة في إنجاز الأعمال المناطة به من القطاع الحكومي، وذلك من حيث استقلالية القرار وانحسار البيروقراطية، بالإضافة إلى فرص تمكين الإدارة الوسطى وتفويضها للقيام بمسؤولياتها، دون الرجوع إلى الإدارة العليا، في حين يتسم القطاع الحكومي غالبا بالمركزية والصلاحيات المحدودة، ولكن هذا ما لم يحدث حتى الآن. - قلت: هل تتحدث عن ثقافة مؤسسية؟ - قال: نعم ثقافة مؤسسية لا تقف عند حدود تغيير الهيكل التنظيمي والمسميات والأوراق والأختام أو زيادة الرواتب والأجور، يجب أن تكون هناك رؤية واضحة وأهداف محددة وخطة إستراتيجية ومؤشرات أداء تعكس كفاءة عمل الإدارة التنفيذية بعيدًا عن الارتجالية، ثقافة تستمد قيمها من المفهوم الإيجابي لدورنا في المجتمع ونظرتنا للعمل. - قلت متعجبًا: نظرتنا للعمل! لقد ذكرتني بمقالٍ قرأته منذ مدة عن عامل نظافة يعمل في وكالة ناسا، عندما سئل عن ماهية عمله في هذه المؤسسة التي تعد من أكبر المؤسسات العلمية في العالم، قال أنا هنا لأسهم في إطلاق الصواريخ إلى الفضاء، هل هذه النظرة للعمل التي تقصدها؟ - قال: فعلًا هكذا يرى هذا العامل البسيط أهمية دوره، لذلك نما عنده شعور عميق بقيمة العمل الذي يقوم به ودافع قوي للمثابرة والإخلاص وإتقان العمل، لكن إذا لم يكن هناك قناعة في ضرورة التغيير ولم تكن هناك عزيمة لدى الجميع فلن نصل إلى الهدف المنشود. - قلت: إذًا أمامك طريق طويل حتى يتحقق كل ذلك. - قال: نعم طريق طويل نقطعه بالعزيمة والإخلاص والتعاون مع من يشاركوننا المسؤولية لتغيير هذا الواقع، فالوطن يستحق منا الأفضل، هنا انقطع حوارنا مع إعلان كابتن الطائرة بداية الهبوط التدريجي إلى وجهتنا المنشودة. كانت رحلة قصيرة إلى الماضي القريب استحضرتها وأنا أتابع أخبار إنجازات تلك الوزارة التي كانت مثقلة بالبيروقراطية ثم استطاعت أن تحقق مشروع التحول إلى مؤسسة رائدة ذات كفاءة عالية، كل ذلك بفضل جهود ومثابرة أبنائها المخلصين. إلى اللقاء
645
| 19 أبريل 2023
في إحدى بوادي بلاد الشنقيط، في أقصى غرب عالمنا العربي المترامي الأطراف جلس محمد وابن عمه بين يدي معلم القرآن في خيمةٍ من الوبر مفترشين حصيرًا من الخوص وفي يد كل واحدٍ منهما لوح خشبي يصنع غالبًا من شجرة السدر، أما القلم فمن خشب شجرةٍ تسمى «السبط»، حيث تسن مقدمته بشكل مائل، وتقوم الأمهات غالبًا بصناعة الحبر من الفحم والصمغ العربي وقليل من السكر والماء، يكوّن الخليط مادة سوداء توضع في دواة من الحجر المجوف وتستخدم للكتابة. يكتب الطالب الآيات المراد حفظها على اللوح تحت إشراف المعلم، ويبدأ في ترديد الآيات حتى يحفظها عن ظهر قلب بالتكرار، وفي اليوم التالي يغسل اللوح بالماء قبل أن يتوجه للمعلم لأخذ درس جديد، هكذا كانت حياتهم وما زالت حتى يومنا هذا. وبالرغم من شغف العيش وقلة الموارد وبساطة الحياة إلا أنها شكلت أرضًا خصبة للعديد من العلماء والمبدعين والأدباء والمثقفين، وما ذاك إلا تجسيدًا لأصالة وعمق الموروث الحضاري للشعب الموريتاني. وحتى لا نذهب بعيدًا عن بطل قصتنا، محمد الشنقيطي، فبينما هو وابن عمه عند المعلم يكتبان الآيات على اللوح، نفد حبر محمد قبل أن يفرغ من كتابة الدرس، فطلب محمد من ابن عمه شيئًا من الحبر كي يكمل كتابة الآيات على اللوح، إلا أن ابن عمه، ولسبب ما، رفض أن يعطيه، والمعلم يراقب الحدث دون أن ينبس ببنت شفة. انتهى الدرس وعاد محمدٌ إلى بيته وقد تمكن الحزن من محياه، كانت أمه كعادتها في انتظاره لدى الباب، وما أن رأها حتى أجهش بالبكاء شاكيًا ابن عمه الذي خذله في ذلك الموقف، فما كان منها إلا أن ضمته إليها وهدأته محاولةً إصلاح ذات البين والتماس العذر لابن عمه، ووعدته أنها ستعالج الأمر. وفي صباح اليوم التالي وقبل أن يتوجه إلى المعلم، أعطته دواته وقد ملأتها بالحبر ودواة أخرى مليئة بالحبر أيضًا قائلةً له «أعط هذه لابن عمك»!، موقفٌ لم يتوقعه محمد من أمه ولم يستوعبه، لكنه يثق بحكمتها. انطلق محمد إلى خيمة المعلم، وما أن وصل حتى دفع بالدواة المليئة بالحبر، كما أوصته أمه، إلى ابن عمه على مرآى ومسمعٍ من المعلم الذي عبَّر عن دهشته من الموقف أن التفت للآخر قائلًا له «لقد قتلك»، وهو تعبير يختزل الكثير من المعاني، وكأنه يقول له لقد اختار محمد مكانه في الثريا بحسن صنيعه وترك لك الثرى وشتان بين المكانين. تلك الحكمة الشنقيطية تبين لنا أننا عندما نتسامى بأخلاقنا في بعض المواقف قد نحقق من الأهداف ما لا يمكن تحقيقه بالانحدار إلى سفاسف الأمور والمصادمات التي تستنزف طاقاتنا وتخدش مبادئنا، قال تعالى «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا».
2076
| 12 أبريل 2023
في طريق عودتي من المسجد لمحت مشهداً لفتيةٍ يلعبون كرة القدم في أرض فضاء، ولا أدري ما الذي استوقفني وشدني لمشاهدتهم، هل هي ذكريات الطفولة أم شيء آخر؟، بدا بعضهم وكأنه يرتدي فانلة ناديه المفضل، والبعض الآخر رقم لاعبه المحبوب، وقد اتخذوا من بعض أحذيتهم علامات لتحديد الهدف تمامًا كما كنا نفعل من قبل. لقد جال فكري في أيامٍ خلت واستحضرت نفس المشهد من نصف قرن تقريباً، كان الفرق بين المشهدين هو غياب الفتيات الصغيرات اللاتي كن يلعبن، ليس ببعيدٍ عنا، لعبة القفز على الحبل، تلك اللعبة المشهورة عندنا في الخليج، والتي اندثرت مع اندثار العديد من الرياضات والألعاب الشعبية التي تعتمد على الجهد البدني، ومن ثم بدت مظاهر السمنة وتحدياتها تبرز في المجتمع. أذكر أننا لم نكن نهتم بتسجيل الأهداف كفريق واحد بقدر ما كان الواحد منا يهتم بالاستحواذ على الكرة باستمرار، والحرص على أن يكون هو من يسجل الهدف، لذا لم نعرف طعم اللعب الجماعي ولا قيمة مشاركة النجاح، ومع أن الهدف كان متواضعاً وسهل المنال إلا أنه كان يصعب علينا تسجيله، لقد كانت نظرتنا قاصرة ولا تتعدى جواربنا، إذا صح التعبير، هل لأن الهدف مصنوع من الأحذية؟، أم لأن أنفسنا لم تقبل أن تتنازل عن الأنا؟ وأنا غارقٌ في استذكار تلك المشاهد، يتوقف اللعب فجأةً إثر شجار بين الفتية، ثم بدأوا يتنازعون الكرة وإذا بأحدهم يأخذها عنوة ويغادر المكان، نفس المشهد القديم يتكرر، كنا نتشاجر لأتفه الأسباب رغم البداية الجميلة والأهداف الواضحة المحسوسة، ليعلن صاحب الكرة انتهاء اللعب قبل الأوان، بينما تبقى الفتيات يواصلن اللعب بسلام وسعادة رغم عدم وجود هدف حسي عدا الاستمتاع لبعض الوقت، ذلك الهدف المتغلغل في وجدانهن قادهن بالفطرة إلى السعادة. لقد تعلمت من ذلك الموقف البسيط أن الأهداف التي نتبناها في الحياة قد لا تعكس حقيقة ما نضمره، ولا تعبر بالضرورة عن تطلعاتنا وطموحاتنا الحقيقية، وكما ينطبق ذلك على الأفراد، فهو ينطبق أيضًا على المؤسسات التي تتبنى أهدافًا وخططًا إستراتيجية ومؤشرات أداء فقط لتضفي شرعية على وجودها وأهميتها وهي في الحقيقة صورة من صور الإفلاس الوجودي، ومحاولة لكسب الوقت من أجل تحقيق مصالح ضيقة كما يفعل الطفل الذي يحاول الاستحواذ على الكرة أكثر وقت ممكن. إذا لم تكن الأهداف مدروسة وواقعية ويحترمها الجميع ويسعون لتحقيقها، فتأكد أن النتائج لن تتجاوز الأحذية، وفي تلك الحالة تكون الأهداف والخطط المعلنة مجرد شماعة نبرر بها قراراتنا ونزين بها مظهرنا، وتبقى المؤسسات التي تؤمن وتحترم أهدافها السامية، حتى لو لم تكن مكتوبة، أفضل أداءً واكثر متعةً. أكملتُ طريقي إلى منزلي وقد تعلمت من ذلك المشهد المعتاد درساً لا ينسى ومبدأً من مبادئ الإدارة الحديثة، ولا يزال المشهد يختزل الكثير من العبر تركتها لمخيلة القارئ.
1647
| 05 أبريل 2023
مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي...
1674
| 28 ديسمبر 2025
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة...
837
| 29 ديسمبر 2025
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك...
648
| 31 ديسمبر 2025
أين المسؤول؟ سؤال يتصدر المشهد الإداري ويحرج الإدارة...
519
| 29 ديسمبر 2025
لا تزال الاضطرابات مستمرة في الشرق الأوسط وشمال...
516
| 29 ديسمبر 2025
لا تمثّل نهاية العام مجرد انتقال زمني، بل...
477
| 31 ديسمبر 2025
في بيئة العمل، لا شيء يُبنى بالكلمة بقدر...
459
| 01 يناير 2026
شكّلت دار الإفتاء ركنًا أساسيًا في المجتمعات الإسلامية،...
456
| 28 ديسمبر 2025
الطفل العنيد سلوكه ليس الاستثناء، بل هو الروتين...
453
| 02 يناير 2026
ليس هذا معرضًا يُطالَب فيه المتلقي بأن يفهم...
441
| 30 ديسمبر 2025
إذا كان المشرع قد أعطى الحق في اللجوء...
420
| 29 ديسمبر 2025
لم تعد المخاطر الصحية في عالم اليوم مرتبطة...
396
| 31 ديسمبر 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل