رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رسالة طمأنينة في زمن القلق

في أوقات التوتر والأحداث الإقليمية، قد تتسلل مشاعر الخوف والقلق إلى نفوس الأطفال، خصوصًا عند سماع أصوات اعتراض الصواريخ أو متابعة الأخبار المتسارعة، فالطفل بطبيعته لا يملك القدرة الكاملة على تفسير ما يحدث حوله، وقد تتحول الأصوات أو المشاهد التي يراها إلى مصدر هلع أو قلق داخلي، فكيف نتعامل مع مخاوف اطفالنا وأصوات القلق. هنا يأتي الدور الأول للأسرة، فالبيت هو خط الدفاع النفسي الأول لحماية الطفل من القلق، ومن المهم أن يتعامل الوالدان مع هذه المخاوف بهدوء وثقة، وأن يشرحوا للأطفال ما يحدث بلغة بسيطة ومطمئنة، مع التأكيد لهم أن الدولة توفر الحماية والأمان للجميع. كما يُنصح بعدم ترك الأطفال يتابعون الأخبار أو المقاطع المتداولة دون توجيه، لأن كثيرًا من هذه المشاهد قد تضخم الخوف لديهم، والأفضل إشغالهم بأنشطة إيجابية داخل المنزل مثل القراءة أو الألعاب أو الحديث العائلي الهادئ الذي يعزز شعور الأمان. تولي دولة قطر اهتمامًا كبيرًا بالصحة النفسية للأطفال، حيث توفر المؤسسات الصحية خدمات متخصصة لدعم الأطفال الذين قد يتعرضون لحالات خوف أو قلق نتيجة الأحداث الطارئة. فالكوادر الطبية والنفسية المؤهلة موجودة لتقديم الاستشارات والعلاج النفسي عند الحاجة، إضافة إلى البرامج التوعوية التي تساعد الأسر على التعامل الصحيح مع الضغوط النفسية لدى أبنائهم. هذه الجهود تعكس رؤية الدولة في أن الصحة لا تقتصر على العلاج الجسدي فقط، بل تشمل أيضًا سلامة النفس واستقرارها، خصوصًا لدى الفئات الأكثر حساسية مثل الأطفال. في الجانب المعيشي، أكدت الجهات المعنية في الدولة أن دولة قطر تمتلك منظومة متقدمة للأمن الغذائي، مع مخزون استراتيجي من المواد الغذائية الأساسية يكفي لفترات طويلة. وقد طمأنت الجهات الرسمية المواطنين والمقيمين بأن توفر السلع والمواد الغذائية مستمر دون أي نقص، وأن الأسواق تعمل بشكل طبيعي ومنظم، بفضل الخطط الاستراتيجية التي وضعتها الدولة خلال السنوات الماضية لتعزيز الاكتفاء والاستقرار الغذائي. في هذا الإطار، دعت الجهات المختصة المواطنين والمقيمين إلى التحلي بالهدوء وعدم الاندفاع نحو شراء كميات كبيرة من المواد الغذائية أو مياه الشرب بدافع القلق. فمثل هذه التصرفات قد تسبب ضغطًا غير مبرر على الأسواق، في حين أن الواقع يؤكد أن المخزون الغذائي والمائي في الدولة متوفر بكميات كبيرة تكفي الجميع. الالتزام بالتعليمات الرسمية، واتباع الإرشادات الصادرة عن الجهات المختصة، هو الطريق الأمثل للحفاظ على الاستقرار المجتمعي وتجنب الشائعات أو التصرفات غير المدروسة. لقد أثبتت التجارب السابقة أن دولة قطر تمتلك القدرة والكفاءة في إدارة الأزمات وتوفير احتياجات المجتمع في مختلف الظروف. فالخطط الاستراتيجية والبنية التحتية القوية، إلى جانب الوعي المجتمعي، تشكل منظومة متكاملة تحافظ على الأمن والاستقرار. كسرة أخيرة إن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على متابعة الأحداث، بل تمتد إلى تعزيز الطمأنينة داخل بيوتنا، خاصة في نفوس أطفالنا، والالتزام بالتوجيهات الرسمية، والثقة في قدرة الدولة على حماية المجتمع وتأمين احتياجاته، فحين يجتمع وعي المجتمع مع جاهزية الدولة، تبقى الطمأنينة هي العنوان الأبرز للحياة في وطن آمن ومستقر اللهم اجعل بلدنا آمنا مطمئنا واحفظ ولاة أمرنا ووفقهم وسدد خطاهم وأزل عنا الغم والهم.

282

| 11 مارس 2026

أمن الخليج مسؤولية مشتركة

في عالم تتغير فيه التحالفات بين ليلة وضحاها، وتُشعل فيه الحروب لأسباب قد تبدو عابرة أو مفتعلة، لم يعد السؤال: هل نحتاج إلى تكتل خليجي أقوى؟ بل: متى نحسم أمرنا وننتقل من التنسيق إلى الوحدة الاستراتيجية الشاملة؟ دول مجلس التعاون ليست كيانات متباعدة جغرافياً أو ثقافياً، بل نسيج واحد ممتد عبر التاريخ والدم والمصير. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبدو الحاجة ملحّة للارتقاء بهذا الترابط إلى منظومة دفاع وأمن مشترك متكاملة، تتجاوز ردود الفعل المؤقتة إلى رؤية دائمة تحفظ الاستقرار وتصون السيادة. المنطقة الخليجية تقع في قلب صراعات دولية وإقليمية متشابكة. من تهديدات أمن الملاحة إلى استهداف المنشآت الحيوية، مروراً بالتوترات المستمرة مع إيران، بات واضحاً أن المخاطر لا تفرّق بين عاصمة وأخرى. الاعتداء حين يقع، يمس الخليج كله، والرسالة حين تُوجّه، تكون للجميع. في ظل هذا الواقع، لا يكفي أن تمتلك كل دولة قدراتها الدفاعية المنفردة، مهما بلغت قوتها. الردع الحقيقي اليوم يقوم على التكتلات الكبرى، وعلى الرسائل الموحدة التي لا تحتمل التأويل. لقد تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية على قاعدة التنسيق والتكامل، وحقق إنجازات مهمة في مجالات الاقتصاد والتنمية، لكن المرحلة الراهنة تتطلب نقلة نوعية، عبر إنشاء قيادة عسكرية موحدة دائمة، توحيد أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، بناء شبكة استخبارات مشتركة متقدمة، توحيد العقيدة العسكرية والتدريب واعتماد مبدأ “الاعتداء على دولة هو اعتداء على الجميع” بصورة ملزمة وواضحة. التحالفات العالمية الكبرى أثبتت أن التكامل الدفاعي لا ينتقص من السيادة، بل يعززها ويحصّنها. دول الخليج تملك الإمكانات المالية، والبنية التحتية المتطورة، والكفاءات البشرية القادرة على بناء قاعدة صناعات عسكرية مشتركة، فإن التحول من مستورد للسلاح إلى شريك في تصنيعه يحقق عدة أهداف: تقليل الاعتماد الخارجي في أوقات الأزمات، خلق وظائف نوعية للشباب الخليجي، نقل التكنولوجيا وتعزيز البحث العلمي وبناء اقتصاد أمني مستدام. الصناعة العسكرية ليست دعوة للحرب، بل ضمانة للسلام، فالدولة القادرة على الدفاع عن نفسها تفرض احترامها وتمنع المغامرات ضدها. ما يربط دول الخليج ليس مجرد حدود سياسية، بل روابط عميقة منها وحدة الدين والهوية الثقافية، الروابط الأسرية الممتدة عبر الدول، البيئة الجغرافية المتشابهة، المصالح الاقتصادية المتقاطعة، وأفضل ميزة استراتيجية هي أمن الممرات البحرية المشتركة بالإضافة الى التحديات المناخية والمائية نفسها. هذه العوامل تجعل مشروع الوحدة الأمنية أمراً طبيعياً، لا طارئاً فالدم واحد، والمياه واحدة، والمصير واحد. حين تتحدث دولة منفردة، يُصغى إليها. لكن حين يتحدث الخليج بصوت واحد، يُعاد حساب الموازين. موقف سياسي موحد في القضايا الإقليمية والدولية يعزز القدرة التفاوضية، ويمنح ثقلاً استراتيجياً في ملفات الطاقة، والملاحة، والأمن الإقليمي. كما يقلل من فرص استغلال الانقسامات أو اللعب على التباينات، فالأمن ليس فقط حماية الحدود، بل حماية المجتمعات من الفوضى والاختراقات والحروب بالوكالة، منظومة دفاع مشترك تعني استقراراً اقتصادياً أكبر وثقة استثمارية أعلى وطمأنينة للمواطن والمقيم وقدرة أفضل على إدارة الأزمات. وما أحوج الخليج في هذه المرحلة إلى أن يكون على قلب رجل واحد، دفاعاً عن أمنه، وصوناً لاستقراره. *كسرة أخيرة التاريخ يعلمنا أن الأمم التي تتوحد في مواجهة التحديات تخرج أقوى، وأن الانقسام يفتح الأبواب أمام التدخلات، الخليج يمتلك كل المقومات ليكون قوة إقليمية موحدة تحمي مصالحها وتحفظ كرامتها وتدافع عن أمن شعوبها. المطلوب اليوم ليس شعارات عاطفية، بل إرادة سياسية واضحة، وخارطة طريق عملية، وجدول زمني للتكامل الدفاعي والصناعي. فكما قال الشاعر: تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسّراً وإذا افترقن تكسّرت آحادا

240

| 04 مارس 2026

رمضان.. حين تتجدّد الحياة وتستيقظ القلوب

في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة المنورة، نزل النداء الذي غيّر مسار أمة كاملة، يوم قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. لم يكن تشريع الصيام حدثاً عابراً، بل كان بداية مدرسة إيمانية متجددة، تُربّي الإنسان من الداخل قبل أن تهذّب سلوكه في الخارج، استقبل الصحابة رضي الله عنهم أول رمضان بطاعة وتسليم، وصام رسول الله ﷺ تسعة رمضانات حتى لقي ربه، ومن يتأمل هديه في هذا الشهر يدرك أن الصيام لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان موسم قرب خاص بين العبد وربه، موسم مراجعة ومحاسبة وتجديد. رمضان في سيرة النبي ﷺ… عبادة وعطاء وتوازن كان جبريل عليه السلام يلقى النبي ﷺ في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، وكأن الشهر موعد سنوي لتجديد العهد مع كتاب الله. وكان ﷺ أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، حتى وصفه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بأنه «أجود بالخير من الريح المرسلة»، كما جاء في صحيح البخاري وصحيح مسلم. صيام بالنهار، وقيام بالليل، وصدقة متواصلة، وقلب معلق بالقرآن. هذا هو رمضان كما عاشه النبي ﷺ: توازن بين العبادة والعمل، بين الروح والحياة، بين السكينة والبذل. بل إن أول رمضان في الإسلام شهد حدثًا مفصليًا في التاريخ، حين وقعت غزوة بدر. خرج المسلمون وهم صائمون، قليل عددهم وضعيف عتادهم، لكن قلوبهم كانت عامرة باليقين، فجاء النصر ليؤكد أن رمضان ليس شهر ضعف أو خمول، بل شهر قوة داخلية، وانتصار على الخوف قبل العدو، وعلى الشهوة قبل المعركة. شهر الرحمة… ليس عادة سنوية بل محطة تغيير مع مرور الزمن، قد يتحول رمضان عند بعض الناس إلى نمط متكرر: موائد عامرة، سهر طويل، إرهاق في النهار، وسباق استهلاكي يطغى أحيانًا على روح الشهر. بينما الحقيقة أن رمضان لا يأتي ليختبر قدرتنا على الجوع، بل ليختبر قدرتنا على التغيير. هو شهر يعيد ترتيب الأولويات: يذكّرنا بأن الجسد ليس هو القائد، بل الروح، وأن العطاء لا ينقص المال، بل يزكيه، وأن القرآن ليس للبركة في البيوت فحسب، بل للهداية في القرارات والمواقف. رمضان فرصة سنوية لإعادة تشغيل القلب، ومراجعة المسار، وتصحيح الاتجاه. هو دورة تدريبية مكثفة في الانضباط: نمتنع عن الحلال طاعةً لله، فكيف لا نمتنع عن الحرام بعده؟ نضبط أوقاتنا للصلاة والإفطار والسحور، فكيف لا ننظم بقية عامنا على قيم واضحة وأهداف أسمى؟ من الصيام إلى التقوى… جوهر الرسالة غاية الصيام كما نصت الآية الكريمة هي «التقوى»، والتقوى ليست كلمة تقال، بل حالة وعي دائمة بأن الله مطّلع على السر قبل العلن، حين يصوم الإنسان في خلوته، ويترك ما يشتهي لأنه يعلم أن الله يراه، يتشكل في داخله ضمير حيّ، ورقيب لا يغيب، ومن هنا يبدأ التغيير الحقيقي: لسان أنقى من الغيبة واللغو، قلب ألين تجاه المحتاجين، يد أسرع إلى الصدقة، نية أصدق في العمل. إذا خرج رمضان وقد اقترب القلب من الله، وهدأت النفس، واستقام السلوك، فقد تحققت الثمرة، أما إن مرّ الشهر كما مرّ غيره دون أثر، فنحن من ضيّع الفرصة. رمضان… حياة تتجدد رمضان ليس ضيفاً عابراً، بل محطة سنوية لإحياء المعاني التي تبهت وسط صخب الحياة، هو شهر الرحمة الذي يذكرنا بأننا نستطيع أن نكون أفضل مما نحن عليه، وأن التغيير ممكن إذا صدقت النية. لا يأتي رمضان ليملأ موائدنا، بل ليطهّر قلوبنا. لا يأتي ليغيّر مواعيد نومنا فحسب، بل ليغيّر اتجاه حياتنا. ولا يتكرر كل عام إلا ليمنحنا فرصة جديدة لنبدأ من جديد. فليكن رمضان هذا العام بداية حقيقية: بداية صفحة أنقى، وعلاقة أعمق مع الله، ونمط حياة أقرب إلى القيم التي نؤمن بها، فالأيام تمضي سريعًا، لكن الأثر الذي يتركه رمضان في أرواحنا قد يبقى عمرًا. كسرة أخيرة رمضان محطة الوقود الوحيدة وأنت في صحراء العام وسيارتك تحتاج إلى تزويد بالوقود، وبقية العام طريق طويل يستنزف الإيمان ويضعف القلب ويستهلك الروح ورمضان يأتي ليملأ خزانك من جديد، فلماذا لا ننتظره بهذا الشغف بهذا القلق بهذا الترقب بهذا الإحساس أنه طوق النجاة في حياة كثير من الناس، قد يجوز رمضان هو الأخير، آخر فرصة، آخر محطة، آخر تعبئة قبل الوقوف بين يدي الله، كم من إنسان صام معنا العام الماضي، ولم يدرك هذا العام، أنت الآن على طريق طويل ولمبة قلبك تضيء ورمضان أمامك محطة النجاة فإما أن تتزود حتى آخر قطرة وإما أن تكمل الطريق بخزان فارغ.

261

| 25 فبراير 2026

رمضان.. فرصة عبادة لا موسم موائد

مع إطلالة شهر رمضان المبارك، نستشعر نفحات إيمانية خاصة، وندرك أننا أمام موسم استثنائي تتجدد فيه الروح قبل أن تتغير فيه المواعيد والعادات، رمضان ليس شهر أطباق متنوعة وصور تُنشر على عجل، بل شهر عبادة وتزكية، شهر يُعيد ترتيب أولوياتنا ويذكرنا بأن الغاية أسمى من المظاهر. الصيام مدرسة أخلاقية قبل أن يكون امتناعًا عن الطعام والشراب، هو تدريب يومي على الصبر، وضبط النفس، والشعور بالآخرين، لذلك من المؤسف أن يتحول عند البعض إلى سباق في إعداد الموائد، وكأن قيمة الشهر تُقاس بعدد الأصناف لا بعمق الخشوع. الرسالة التربوية الأولى في رمضان هي أن نُحسن استثمار الوقت في الصلاة وقراءة القرآن وصلة الرحم، وألا نستهلك ساعاتنا في المطبخ بما يفوق الحاجة، فنفقد لذة التفرغ للعبادة. والإسراف لا ينسجم مع روح الشهر، موائد عامرة تُرمى بقاياها في القمامة مشهد يتكرر كل عام، بينما هناك أسر لا تجد ما يسد رمقها، في ظل ما يشهده العالم من أزمات إنسانية في أماكن مثل غزة والسودان وغيرها، يصبح استحضار معاناة المحتاجين مسؤولية أخلاقية. رمضان فرصة حقيقية لإحياء قيمة التكافل: أن نقلل من الكماليات، ونوجه الفائض للإنفاق والصدقات، ونحرص على تفقد الأسر المتعففة في محيطنا. فالإنفاق في هذا الشهر ليس عملًا ثانويًا، بل جوهر من جوهر رسالته. بعد صيام يوم كامل، يحتاج الجسم إلى تعويض متدرج ومتوازن، لا إلى صدمة مفاجئة بأطعمة دهنية ومقلية بكثرة أو مشروبات مليئة بالسكر، من الحكمة أن نبدأ الإفطار بخيارات خفيفة ومغذية، وأن نحرص على وجود البروتينات والخضراوات والحبوب الكاملة، مع تقليل الحلويات الثقيلة التي ترهق المعدة وتؤثر في النشاط خلال صلاة التراويح. كما يجدر بنا متابعة الإرشادات الصحية الصادرة عن الجهات الطبية الموثوقة، والاطلاع على النشرات التوعوية التي تركز على أساليب التغذية السليمة في رمضان، حتى نجمع بين الأجر والصحة. رمضان لا يدعونا إلى الحرمان ولا إلى المبالغة، بل إلى الاعتدال، أن نأكل لنقوى على الطاعة، لا أن ننشغل بالطعام عن الطاعة. أن نُقدّر النعمة، لا أن نُفرط فيها. وأن نتذكر دائمًا أن خلف كل وجبة بين أيدينا دعاء محتاج ينتظر من يستجيب له. ولنحرص أن نبدأ إفطارنا بتمرة وكوب من أي نوع من الألبان أو أكلة خفيفة كما جاء في السنة النبوية، وبعد تناول ثلاث حبات من التمر نؤدي صلاة المغرب، وبعدها نبدأ في تناول الوجبة الرئيسية الغذائية التي يحتاجها الجسم لأن الفترة ما بين تناول التمرات وقليل من البقوليات مثل (اللوبيا أو حبات الحمص المسلوكة) وتناول الوجبة الرئيسية يحتاج جسم الإنسان ليستوعب الوضع الجديد بعد صيام أكثر من 15 ساعة متواصلة خاصة أن المعدة كانت فارغة وبالتالي تنكمش عضلات المعدة وهذه السعرات الحرارية تعطي الفرصة لتمدد عضلات المعدة وتجويفها الداخلي وتهيئتها لاستقبال الأطعمة واستعدادها لبدء عملية الهضم، لذلك نشعر عند مفاجأتنا للمعدة بالأكل مباشرة تصيبنا بعض التقلصات وتعثر في عملية الهضم وأحياناً التقيؤ لعدم تهيئتنا لمعدتنا بالصورة الصحيحة والسليمة، تعودوا وعودوا أبناءكم على هذه الطريقة التي تعتبر هي المثالية للاستفادة من صيامنا. كسرة أخيرة بهذا الفهم، يتحول رمضان إلى محطة إصلاح حقيقية: نُهذّب فيها عاداتنا، ونُعيد فيها ترتيب علاقتنا بالطعام، وبالناس، وبالله. رمضان عبادة… فلنجعله كذلك.

318

| 18 فبراير 2026

احتفالية وطنية تُجسّد ريادة قطر الرياضية

في مشهد وطني متجدّد، واصلت دولة قطر للعام الثالث عشر على التوالي احتفالاتها بـ اليوم الرياضي للدولة، الحدث الذي لم يعد مجرد مناسبة سنوية لممارسة الرياضة، بل تحوّل إلى منصة مجتمعية شاملة تعكس رؤية الدولة في بناء إنسانٍ صحي، وبيئةٍ نشطة، ومجتمعٍ يؤمن بأن الرياضة أسلوب حياة لا ترفًا عابرًا. ما يلفت الانتباه في النسخ الأخيرة من اليوم الرياضي هو هذا التطور الواضح في آلية التنظيم واتساع دائرة المشاركة، حيث انتقلت الفعاليات من مبادرات فردية لكل جهة على حدة إلى تجمعات رياضية كبرى ضمّت عدة جهات حكومية في مواقع موحّدة، ما أضفى على الاحتفال طابعًا احترافيًا ومنظمًا، وعكس روح العمل الجماعي والتكامل المؤسسي. هذا التطور لم يكن شكليًا فحسب، بل شمل مضمون الفعاليات نفسها، من حيث تنوع البرامج، وجودة التنظيم، وملاءمتها لمختلف الفئات العمرية والوظيفية، الأمر الذي عزز الإقبال والمشاركة الفاعلة. كان للحضور اللافت للمؤسسات الرياضية المتخصصة أثر بالغ في إنجاح الاحتفالات وإبرازها بصورة مشرّفة، فقد قدّمت كل من أكاديمية أسباير الرياضية، واتحاد الرياضة للجميع، واللجنة الأولمبية القطرية، والاتحاد القطري لكرة القدم، ومؤسسة أسباير زون، والحي الثقافي كتارا، واتحاد رياضة المرأة برامج رياضية نوعية، صُممت بعناية لتناسب أفراد الأجهزة الحكومية والمجتمع على حد سواء. تنوعت هذه البرامج بين أنشطة بدنية، وألعاب جماعية، ومسابقات تفاعلية، وفقرات توعوية، لتجمع بين المتعة والفائدة، وتؤكد أن الرياضة قادرة على أن تكون رسالة صحية وتربوية في آن واحد. لم تكن الفعاليات مجرد ممارسة عابرة، بل حملت في طياتها رسائل سامية تعزز مفهوم الوقاية الصحية، وتشجع على تبني أنماط حياة نشطة، وتسهم في رفع الوعي بأهمية الرياضة في تحسين جودة الحياة، والحد من الأمراض المرتبطة بقلة الحركة. وقد أسهم هذا الزخم الرياضي في خلق أجواء إيجابية، تفاعلت فيها القيادات والموظفون والأسر، في صورة تعكس عمق الوعي المجتمعي بأهمية الصحة البدنية والنفسية. أصبح اليوم الرياضي للدولة مناسبة وطنية يعتز بها الشعب القطري أمام العالم، ليس فقط لكون قطر أول دولة تخصص يومًا وطنيًا للرياضة، بل لما يمثله هذا الحدث من نموذج متقدم في توظيف الرياضة كأداة للتنمية البشرية والاجتماعية. ولا غرابة في ذلك، فالدوحة اليوم تحتل مكانة رياضية عالمية مرموقة، يصعب على مدن عريقة أخرى مجاراتها، بفضل ما تمتلكه من بنية تحتية متقدمة، واستضافات عالمية، ورؤية استراتيجية واضحة جعلت من الرياضة ركيزة أساسية في مشروعها الوطني. القيادة تشارك الشعب… صورة ملهمة وتوّجت احتفالات اليوم الرياضي بمشاركة القيادة الرشيدة وأصحاب السعادة الوزراء وكبار المسؤولين، في مشهد وطني بالغ الدلالة، يجسّد القرب من المجتمع، ويؤكد أن الرياضة قيمة مشتركة تبدأ من القمة وتصل إلى كل فرد. هذه المشاركة لم تكن رمزية، بل حملت رسالة واضحة مفادها أن الدولة، بقيادتها ومؤسساتها، تقف صفًا واحدًا في دعم نمط الحياة الصحي، وترسيخ ثقافة الرياضة كأساس لبناء الإنسان. هكذا، يواصل اليوم الرياضي للدولة ترسيخ مكانته كحدث وطني متكامل، يتجاوز حدود الاحتفال إلى مشروع مجتمعي مستدام، يعكس رؤية قطر الطموحة، ويؤكد أن الاستثمار في صحة الإنسان هو الاستثمار الأجدى لمستقبل الوطن، ويعكس شعار 2026 (اخترتُ الرياضة) رسالة مفادها أن الرياضة قرار واعٍ ومسؤول يعكس نضج المجتمع ووعيه بقيمة النشاط البدني، وتشير الدولة عبر هذا الشعار إلى أن ممارسات اللياقة يجب أن تكون عادة يومية وليست موسمية. كسرة أخيرة من خلال تخصيص يوم عطلة رسمية للرياضة، توجه قطر للعالم رسالة بأن الحكومات قادرة على تغيير سلوك مجتمعاتها إذا أولت الأولوية للصحة والنشاط البدني، وتُعد التجربة القطرية نموذجًا يمكن للدول الأخرى استلهامه وتطبيقه.

264

| 11 فبراير 2026

رمضان بين التهيئة الروحية والترشيد

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، شهر الخير والبركة والرحمة، تتجه أنظار المسلمين حول العالم إلى هذه المناسبة العظيمة التي تحمل في طياتها محطات إيمانية وروحانية تُعيد للنفس صفاءها وللقلوب سكينتها، وفي خضم التحضير لاستقبال الشهر الكريم، تقع كثير من الأسر في فخ الإسراف والمبالغة في الاستعدادات المادية، متغافلةً عن جوهر رمضان وغاياته السامية. إن قيمة هذا الشهر لا تكمن في كثرة الأطباق ولا في امتلاء الأسواق، بل في عمق التجدد الروحي والتقوي بالإيمان، وتأسّي الأسرة بأخلاق النبي ﷺ والصحابة الكرام في استقبال هذه الأيام المباركة. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: 183 فغاية الصيام هي التقوى، وتهذيب السلوك، وتربية النفس على الطاعات والصبر، لا غير ذلك من مظاهر الاستهلاك التي باتت تطغى في بعض المجتمعات، وقد قال رسول الله ﷺ: “من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ”متفق عليه كان السلف الصالح يتهيؤون للشهر الكريم بالدعاء والعمل، لا بالتسوق المفرط، كانوا يقولون سلفاً: «اللهم سلّمنا لرمضان، وسلّم رمضان لنا، وتسلّمه منا متقبلاً»وكانوا يبدأون من شعبان بإصلاح النفس، وصقل الروح، وكثرة الذكر والاستغفار. قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان.»،رواه البخاري وأنصح الأسر الكريمة بتجنّب الإسراف في شراء الأطعمة لأنه منهيا عنه شرعاً لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ الأعراف: 31، ومن الحكمة أن تُعد الأسرة ما تحتاج إليه فقط، وأن تخصّص ميزانية معتدلة للشهر، فالبركة ليست في كثرة الأكل، بل في القناعة والشكر. وعلى الأسر الحرص عند قرب الشهر الفضيل بوضع برنامج ديني وخطط مقترحة بإحياء المجالس القرآنية اليومية، وتعليم الأبناء آداب الصيام والقيام وتدريبهم على الدعاء وذكر الله، والحديث عن قصص الصحابة في رمضان لتعزيز القدوة، ووضع الخطط اليومية طوال الشهر الكريم (30) يوما لختم القرآن مرة او اكثر حسب القدرة، وحفظ 10 أحاديث نبوية، والحرص على أداء صلوات التراويح في المسجد لتعزيز الروابط الروحية وتخصيص وقت للأسرة بعد الإفطار لحديث ايماني او جلسة ذكر. رمضان شهر العطاء، وقد قال النبي ﷺ:“أفضلُ الصدقةِ صدقةٌ في رمضان ”رواه الترمذي، ومن الجميل تعويد الأبناء على المساهمة في إعداد سلال رمضانية أو مساعدات للمحتاجين، وأن شهر رمضان فرصة لتجديد العلاقة مع الله، ولابد ان يعلموا الأبناء بأن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام بل عن الغيبة والغضب وإيذاء الآخرين، والتعوّد على تنظيم الوقت والنوم المبكر، والتدرّب على الصوم التدريجي للصغار مع تشجيعهم بلطف. كان النبي ﷺ أجود الناس، وكان يكون في رمضان أجود من الريح المرسلة، وكان ﷺ يكثر من تلاوة القرآن مع جبريل عليه السلام، وكان الصحابة يتسابقون لخدمة الفقراء والقيام بالليل، هذه القدوة ينبغي أن نحملها لأبنائنا، ليعلموا أن رمضان ليس موسماً للطعام، بل مدرسة تربوية متكاملة. *كسرة أخيرة* إن الاستعداد الحقيقي لرمضان يبدأ من تهذيب القلب وتنقية السريرة، لا من ازدحام المتاجر ولا من تكديس الأطعمة. فلنستقبل الشهر الفضيل بشكر وخشوع وتفكّر، ولنغرس في أبنائنا أن رمضان هدية من الله، ومحطة سنوية تتجدد فيها معاني الإيمان والرحمة والعطاء، نسأل الله أن يبلّغنا رمضان، ويعيننا على صيامه وقيامه، وأن يجعلنا من المقبولين فيه. وكل عام وأنتم إلى الله أقرب.

402

| 04 فبراير 2026

أقلام على مقعد.. ودرس لا يُنسى

في قاعات الاختبار، ينشغل الجميع بالأسئلة والأجوبة والدرجات، بينما تمر بعض المواقف الصغيرة مرور الكرام، رغم أنها تحمل من الدروس ما لا تحمله المناهج، يحكي أحد المعلمين الموجهين أنه لاحظ تحت مقعد أحد الطلاب أثناء تأدية أحد الامتحانات كمية من الأقلام في كيس فسأله المعلم ألا يكفيك قلم واحد؟، فرد الطالب بأنه أتى بهذه الأقلام ليساعد بها زملاءه قد ينسى أحدهم قلمه أو ينكسر منه فأكون سبباً في مساعدته ليؤدي الامتحان، مشهد بسيط تحت مقعد طالب كشف حقيقة تربوية كبيرة، الخير لا يحتاج إلى إمكانات، بل إلى نية صادقة وقلب واعٍ، فالطالب لم يحمل أقلاماً كثيرة ليشعر بالأمان، بل ليكون مصدر أمان لغيره، لم ينتظر طلبًا، ولم يبحث عن شكر، بل تصرّف بعفوية من تربّى على أن العطاء جزء من الحياة، وأن مساعدة الآخرين عبادة قبل أن تكون سلوكًا اجتماعيًا. التربية التي لا تُكتب في الدفاتر هذا الموقف لم يكن نتاج درس مدرسي، ولا نتيجة توجيه مباشر، بل ثمرة تربية بدأت في البيت، حيث تُغرس القيم قبل الكلمات، ويُمارَس الخير قبل أن يُطلب، هناك مدارس لا تُعلّق لوحات شرف، لكنها تصنع شرفًا حقيقيًا في النفوس، مدرسة البيت، حين تنجح، تُخرِج أبناءً يسبقون معلميهم إلى المعنى، ويعلّمون الكبار دون خطاب أو موعظة، فقط بسلوك صادق. حين يصبح الطالب معلمًا أقسى ما في القصة – وأجمل ما فيها – أن المربي اكتشف أن هذا الخير البسيط غاب عن باله وبال مؤسسته التعليمية، بينما حضر بقوة في وعي طفل، هنا يتحول الميزان، ويصبح الطالب معلّمًا، لا بالكلام، بل بالفعل، إنها لحظة مراجعة صامتة لكل من يظن أن التربية تُقاس بالتحصيل فقط، أو أن النجاح يُختصر في الشهادات. الخير الصغير… أثره كبير قلم زائد قد يبدو تفصيلاً تافها، لكنه في ميزان القيم فعل عظيم، هو جبر خاطر، ورفع حرج، ومشاركة في لحظة توتر، هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع إنسانًا متوازنًا، يشعر بالآخرين، ويتحرك بدافع داخلي لا خوفًا ولا مجاملة. رسالة إلى الآباء والمربين لسنا بحاجة إلى تربية أبنائنا على التفوق فقط، بل على الرحمة، والكرم، وملاحظة احتياجات الآخرين، نحتاج أن نعلّمهم أن الحق لا يُطلب دائمًا قبل الواجب، وأن الأخلاق لا تقل أهمية عن الذكاء، فصلاح الأبناء لا يأتي مصادفة، بل هو حصاد يومي لتربية واعية، وصبر طويل، وقدوة صادقة، ربوا أبناءكم على تحمُّل المسؤولية منذ الصغر واستشيروهم في الأمور الحياتية للأسرة وأخذ آرائهم وهذا يُنمي فيهم قوة الشخصية والقدرة على تحمُّل المسؤولية، وتعويدهم على ذلك. أما احتقار الأبناء وعدم نصحهم يجعلهم يشعرون بعقدة النقص، فيبحثون عمَّا يثبتون به ذواتهم من أمور منحرفة وأصدقاء ضالين، وتصرفاتهم جوفاء ليس من ورائها شيء سوى محاولة لفت الأنظار إليهم. كسرة أخيرة التربية الصالحة لا تُقاس بما يحمله الابن من شهادات، بل بما يحمله من قيم. والخير لا يحتاج إلى موارد كبيرة، بل إلى قلب حي. وخير ما يتركه الآباء لأبنائهم تربية تقودهم إلى الإنسانية أولًا، وإلى الله قبل كل شيء.

306

| 28 يناير 2026

«إيقاد شعلة التعلم» تضيء طريق الإبداع والريادة

تأتي إستراتيجية وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي للأعوام 2024– 2030 تحت شعار (إيقاد شعلة التعلّم) منسجمة مع إستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة، ومترجمة بعمق لطموحات رؤية قطر الوطنية 2030، التي جعلت الإنسان محور التنمية وغايتها. وتستند هذه الإستراتيجية إلى إيمان راسخ عبّرت عنه القيادة الحكيمة مرارًا، وفي مقدمتها مقولة سمو أمير البلاد المفدى: «بكم تعلو، ومنكم تنتظر»، باعتبارها بوصلة وطنية تؤكد أن نهضة الوطن تبدأ من عقول أبنائه وقدرتهم على القيادة والإبداع. فالتعليم في هذه الرؤية ليس مرحلة عابرة، بل مشروع وطني طويل الأمد، يهدف إلى بناء كوادر بشرية مؤهلة، تمتلك الوعي والمعرفة والمهارة، وقادرة على حمل مسؤولية الدولة في مختلف مجالاتها الاقتصادية والمجتمعية، وصناعة مستقبلها بثقة واقتدار. التعليم رافعة للتنمية وصناعة القادة تركّز الإستراتيجية على تطوير نظام تعليمي متكامل يواكب التحولات العالمية المتسارعة، ويستجيب بمرونة لمتطلبات سوق العمل، مع الحفاظ على الهوية الوطنية والقيم الأصيلة، وهي تسعى إلى إعداد جيل لا يكتفي بالتلقي، بل يمتلك أدوات التفكير النقدي، وروح المبادرة، والقدرة على اتخاذ القرار، ليكون شريكًا فاعلًا في مسيرة التنمية، وقائدًا في موقعه، أيًا كان مجاله. لماذا «إيقاد شعلة التعلّم»؟ لم يكن اختيار الشعار مجرد صياغة لغوية، بل تعبيرًا صادقًا عن فلسفة تعليمية تؤمن بأن التعلّم شغف متجدد، ومسؤولية مستمرة، تبدأ من الطفولة ولا تنتهي عند شهادة. فـ (إيقاد شعلة التعلّم) يعني إشعال فضول المعرفة في نفوس الطلبة، وتحويل المدرسة والجامعة إلى بيئات حاضنة للإبداع، تُنمّي الثقة بالذات، وتفتح آفاق الريادة، وتُعدّ الإنسان ليكون فاعلًا ومؤثرًا في مجتمعه. محاور إستراتيجية تصنع الفرق تنطلق الإستراتيجية من محاور رئيسية، تشمل تطوير المناهج وطرائق التدريس، والارتقاء بجودة التعليم، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتعزيز البحث العلمي والابتكار. كما تولي اهتمامًا خاصًا ببناء شخصية الطالب المتوازنة، وترسيخ القيم، وتعزيز الانتماء الوطني، بما ينسجم مع توجه الدولة في إعداد جيل واعٍ بدوره ومسؤولياته. تمكين المعلّم… استثمار في الإنسان تضع الإستراتيجية المعلّم في صدارة التحول التعليمي، باعتباره حجر الأساس في بناء الأجيال. فالاهتمام بتأهيله، وتطوير مهاراته، وتحفيزه على الإبداع، يعكس قناعة القيادة بأن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان، وأن جودة التعليم تبدأ من جودة المعلّم، القادر على الإلهام وصناعة الفارق. مهارات المستقبل في قلب الرؤية تُعلي الإستراتيجية من شأن مهارات القرن الحادي والعشرين، مثل التفكير التحليلي، والابتكار، والعمل الجماعي، والتواصل الفعّال، والتعلّم المستمر. وهي مهارات تُعد اليوم شرطًا أساسيًا لتمكين الكوادر الوطنية، وتهيئتها لتولي أدوار قيادية في مختلف قطاعات الدولة، ومواكبة عالم سريع التغير. نحو مجتمع معرفة واقتصاد ابتكار في جوهرها، تمثل إستراتيجية 2024– 2030 خارطة طريق لبناء مجتمع قائم على المعرفة، واقتصاد متنوع يقوده الابتكار، ويعتمد على كفاءات وطنية قادرة على المنافسة عالميًا. إنها تجسيد عملي لرؤية القيادة الحكيمة التي تراهن على الإنسان القطري، وتثق بقدرته على حمل الأمانة وصناعة المستقبل. كسرة أخيرة (إيقاد شعلة التعلّم) ليست شعارًا مرحليًا، بل التزام وطني طويل الأمد، بأن يبقى التعليم في قطر حيًا ومتجددًا، وأن تكون المدرسة والجامعة منصتين لصناعة القادة، لا مجرد قاعات للتلقين، هو التزام بأن تظل مقولة سمو الأمير «بكم تعلو، ومنكم تنتظر» حاضرة في كل سياسة تعليمية، وكل برنامج، وكل طالب يُعدّ ليكون ركيزة من ركائز نهضة الوطن ومستقبله.

288

| 21 يناير 2026

بطاقة الثقة لمعلمي الدروس الخصوصية

في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق دروس التقوية والارتقاء بجودتها، أصدرت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي أول بطاقة تعريفية رسمية لمعلمي دروس التقوية المرخّصين، لتكون مرجعًا واضحًا يطمئن الطلبة وأولياء الأمور، ويضع هذه الخدمة التعليمية في إطارها الصحيح. هذه البطاقة ليست مجرد إجراء شكلي، بل وثيقة معتمدة من الوزارة تثبت أن المعلّم حاصل على ترخيص رسمي لمزاولة دروس التقوية، ويحق له تقديمها سواء داخل المراكز التعليمية المرخّصة أو في المنازل. وبذلك يصبح من السهل على الأسرة التحقق من أهلية المعلّم، ومعرفة أنه خضع للاشتراطات المهنية والتربوية المعتمدة، بما يحفظ الحقوق ويعزّز الثقة المتبادلة بين جميع الأطراف. تنظيم يحد من الفوضى ويُحسّن الممارسات التعليمية إصدار البطاقة التعريفية يأتي استجابة لحاجة واقعية، فرضتها سنوات من الانتشار غير المنظّم للدروس الخصوصية، فغياب الرقابة أفرز ممارسات سلبية، من تفاوت كبير في جودة التدريس، إلى مبالغة في المقابل المادي، وصولًا إلى استغلال قلق الأسر على مستقبل أبنائها، التنظيم الجديد يضع حدًا لهذه الفوضى، ويعيد لدروس التقوية دورها الحقيقي كخدمة داعمة لا بديلًا عن المدرسة. الدروس الخصوصية في المنازل… أعباء تربوية ومالية رغم حسن نية كثير من أولياء الأمور، فإن الاعتماد المفرط على الدروس الخصوصية داخل المنازل يحمل أضرارًا لا يمكن تجاهلها. أول هذه الأضرار هو إنهاك الأسرة ماديًا، خاصة مع وجود معلمين يغالون في الأجور، مستندين إلى ضغط الامتحانات وخوف الأهالي على أبنائهم، ومع الوقت، يتحول هذا الخيار إلى عبء دائم يثقل كاهل الأسرة دون ضمان نتائج حقيقية. أما تربويًا، فإن الطالب الذي يعتاد على المعلّم الخصوصي يفقد تدريجيًا ثقته بنفسه، ويصبح أقل تفاعلًا داخل الفصل، وأضعف ارتباطًا بمعلم المادة في المدرسة. كما يتكوّن لديه شعور بأن الفهم الحقيقي لا يتحقق إلا خارج المدرسة، وهو تصور خاطئ يضر بالعملية التعليمية من أساسها. المدرسة هي الأساس… ودروس التقوية استثناء الرهان الحقيقي يجب أن يبقى على الحصص المدرسية اليومية، فهي البيئة الطبيعية للتعلّم، وفيها تُبنى شخصية الطالب قبل تحصيله العلمي. معلمو المدارس يقدّمون الشرح، ويوفّرون المذكرات، ويتابعون مستوى الطلبة بشكل مستمر. المطلوب من الأسرة ليس البحث الدائم عن بدائل، بل حث الأبناء على التركيز داخل الفصل، وطرح الأسئلة، وحل الواجبات أولًا بأول، عندما يلتزم الطالب بالمتابعة اليومية، ويجد دعمًا أسريًا في تنظيم وقته ومراجعته، تتراجع الحاجة إلى الدروس الخصوصية إلى حدّها الأدنى، وتصبح – إن لزم الأمر – دعمًا مؤقتًا لا قاعدة ثابتة. دور الأسرة في تصحيح المسار على أولياء الأمور أن يدركوا أن التعاطف مع الأبناء لا يكون بدفع المزيد من المال، بل بتعزيز الاعتماد على النفس، وبناء علاقة إيجابية بين الطالب ومعلميه في المدرسة. التواصل مع إدارة المدرسة، ومناقشة مستوى الطالب، ومعالجة جوانب الضعف مبكرًا، كلها خطوات أكثر فاعلية وأقل كلفة. كسرة أخيرة إطلاق البطاقة التعريفية لمعلمي دروس التقوية المرخّصين خطوة ذكية في الاتجاه الصحيح، لأنها تنظّم ولا تلغي، وتدعم دون أن تنتقص من دور المدرسة، ويبقى النجاح الحقيقي لهذه الخطوة مرهونًا بوعي الأسرة، والتزام المعلّم، وثقة الطالب بأن المدرسة هي الأساس، وكل ما عداها وسائل مساندة لا أكثر.

771

| 14 يناير 2026

حين يكون المعلم قدوة قبل أن يكون شارحاً

ليس التعليم صفوفًا مصطفّة ولا مناهج محكمة فقط، بل هو قبل ذلك علاقة إنسانية دقيقة، تُبنى فيها القيم كما تُبنى المعارف، فالمعلّم في جوهر دوره، ليس ناقل معلومات، بل صانع وعي، وحارس ضمير، ومرافق رحلة التكوين الأولى للإنسان. ومن قصة المعلّم الذي اختار الستر بدل الفضيحة، والاحتواء بدل العقاب، نستطيع أن نعيد قراءة معنى التربية الحقيقي، بعيدًا عن القوالب الجامدة. الموقف الصغير الذي كشف المعنى الكبير في لحظة عابرة داخل فصل بسيط، ارتُكب خطأ عادي قد يتكرر في أي مدرسةـ كان من السهل على المعلّم أن يرفع صوته، أن يحدد الفاعل، أن يُحرج طفلًا أمام زملائه. لكنه اختار طريقًا آخر؛ طريقًا لا تلتقطه اللوائح ولا تُدرّسه المناهج، لكنه يُغيّر النفوس. لم يسأل: من المخطئ؟ بل تساءل في صمت: كيف أُصلح دون أن أجرح؟، ذلك القرار لم يكن ضعفًا، بل حكمة تربوية نادرة. المعلّم المربّي.. حين تسبق الأخلاق القوانين المعلّم الواعي يدرك أن القانون التربوي بلا إنسانية يتحول إلى أداة قسوة، وأن الحزم حين ينفصل عن الرحمة يفقد قيمته، التربية الأخلاقية لا تُبنى على الخوف، بل على الإحساس الداخلي بالمسؤولية، وحين يُمنح الطفل فرصة ليُراجع نفسه دون إهانة، ينمو ضميره أقوى من أي عقوبة. الستر التربوي ليس تساهلًا يخلط البعض بين الستر التربوي والتساهل، بينما الحقيقة أن الستر فعل شجاع، يحتاج إلى معلّم واثق من رسالته. فالتشهير قد يحقق انضباطًا لحظيًا، لكنه يزرع في الداخل خوفًا أو تمردًا. أما الستر الحكيم فيُنشئ إنسانًا يُحاسب نفسه بنفسه، وهذا هو جوهر التربية الأخلاقية. كيف تُصنع الأخلاق داخل الفصل؟ الأخلاق لا تُدرّس كدرس محفوظ، بل تُنقل بالمواقف اليومية، بنبرة صوت هادئة بدل الصراخ، أو بنظرة احترام بدل الاتهام، أو بفرصة تصحيح بدل وصمة دائمة، حين يرى الطالب معلّمه عادلًا دون قسوة، وحازمًا دون إهانة، يتعلّم معنى العدالة عمليًا، لا نظريًا. واقع التعليم اليوم… أين نقف؟ في ظل الضغوط الأكاديمية، وكثافة المناهج، وهوس الدرجات، تراجعت أحيانًا مساحة التربية لصالح التلقين. كثير من الفصول امتلأت بالمعلومات، لكنها افتقرت إلى القيم، وهنا تظهر الحاجة الملحّة للعودة إلى نموذج المعلّم المربّي، الذي يرى في الطالب إنسانًا يتكوّن، لا رقمًا في سجل. ما نريده من معلّم هذا العصر لسنا نطلب معلّمًا مثاليًا، بل معلّمًا واعيًا بدوره الأخلاقي: يعرف أن كلمته قد تترك أثرًا لا يُمحى، ويدرك أن موقفًا واحدًا قد يُنقذ مستقبلًا، ويؤمن أن الانضباط وسيلة بناء لا أداة كسر، ويعلم تماما بأن التعليم رسالة تُحمل بالضمير قبل الوظيفة، وبالقدوة قبل الشرح. حين يتكلم الصمت بعد سنوات المواقف التربوية الصادقة قد تمرّ بلا ضجيج، لكنها لا تضيع. قد ينساها الفصل، لكن لا ينساها القلب الذي تشكّل بها. وبعد عقود، حين يقف ذلك الطفل رجلًا ناضجًا، سيظل يتذكر معلّمًا لم يفضحه… بل علّمه كيف يكون إنسانًا، المعلم لا يصبح مربياً أخلاقياً بالأوامر، بل بالتمكين، والدعم، والاحترام، والانسجام المؤسسي.، والمؤسسة التي تريد معلماً مربياً، عليها أولاً أن تكون هي نفسها مؤسسة تربوية أخلاقية في رؤيتها وممارساتها. كسرة أخيرة حين يختار المعلّم أن يُربّي بصمت، فإن صدى فعله يبقى عاليًا في الزمن. وحين تنتصر الإنسانية على السبورة، يصبح التعليم فعلًا أخلاقيًا خالدًا… لا يُمحى، ولو بعد عشرات السنوات.

462

| 08 يناير 2026

معجم الدوحة التاريخي إنجاز لغوي يتجاوز حدود الزمان

أعلنت قطر مؤخرًا عن اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية وهو مشروع لغوي غير مسبوق في العالم العربي، يرصد تاريخ اللغة العربية على مدى نحو عشرين قرنًا منذ أقدم النصوص العربية الموثقة حتى العصر الحديث، بمناهج علمية ومعايير حديثة ترتبط بالمعاجم التاريخية العالمية، هذا المعجم ليس مجرد قائمة بالمفردات، بل خريطة زمنية لتطور ألفاظ العربية ومعانيها داخل سياقاتها التاريخية، مع توثيق شامل لمصادرها واستخداماتها. ماذا يحتوي المعجم؟ يحتوي المعجم على أكثر من 300 ألف مدخل معجمي، أو مجموعة من الجذور والكلمات، مستمدة من مخطوطات ونقوش ونصوص تاريخية تمتد لأكثر من ألفي عام، كما يحتوي على نحو مليار كلمة، موزعة على نصوص متنوعة، موثقة زمنياً ودلالياً، ما يجعل رصده لتطور المعنى واستخدامات الكلمات أكثر دقة وشمولاً، كما ان المعجم يضم اكثر من 10 آلاف مصدر وببليوغرافيا تغطي حقول الأدب، التاريخ، العلوم، والشعر العربي في مختلف العصور، ما يتيح للباحث تتبع الأصل الدلالي لأي كلمة ضمن سياقاتها الأصلية، ويحتوي على أبواب وفصول زمنية، كما أن المعجم لا يقتصر على قوائم كلمات وحدها، بل مصمم على أساس تاريخي ومنهجي. مراحل المعجم تم إعداد المعجم ليضم ثلاث مراحل، وهي: المرحلة الأولى وتغطي أقدم ما وصلنا إليه من نصوص عربية حتى نهاية القرن الثامن الميلادي، وتُظهر أصل الكلمات في أقدم استخداماتها، أما المرحلة الثانية: امتدت من القرن التاسع حتى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، موثِّقة التحولات الدلالية في العصور الوسطى، والمرحلة الثالثة تشمل ما بعد القرن الحادي عشر حتى العصر الحديث، وتكمل مسار تطور المعنى والاستخدام، مع تحديث المادة اللغوية باستمرار، العمل على هذه المراحل شارك فيه 500 مشارك من الباحثين والخبراء من مختلف الدول العربية في اللسانيات والحوسبة والبحث المعجمي، ما يجعله مشروعاً جماعياً بمعايير علمية عالية. البوابة الإلكترونية: نافذة المستقبل أطلقت قطر بوابة إلكترونية حديثة للمعجم، تتيح للمستخدمين البحث داخل المادة النصية، تصفح المفردات، مشاهدة التطورات الدلالية، وحتى استخدام خدمات تحليل نصوص وإحصاءات لغوية، هذه الواجهة الرقمية تجعل المعجم أداة ليس فقط للباحثين الأكاديميين، بل للمبرمجين والمعنيين بتقنيات اللغة، والمستخدمين العاديين المهتمين بتاريخ العربية. لماذا هذا المعجم مهم للغة العربية؟ أهم ما يقدمه المعجم هو توثيق رحلة الكلمات عبر الزمن: كيف بدأت، كيف تغيرت دلالاتها، وما علاقاتها بسياقات عصرها، هذا أمر غير متوفر بنفس الشمولية في أي معجم عربي آخر، كما أن المعجم يعد قاعدة بيانات ضخمة لأي باحث في الأدب والتاريخ واللسانيات، ويمكن استخدامه في تحليل النصوص وتاريخ الكلمات وفهم المعاني القديمة بدقة، كما أن المادة اللغوية المهيكلة والمؤرخة صالحة لتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي العربية، وتقليل الفجوة الرقمية بين العربية واللغات الأخرى في تقنيات مثل الترجمة الآلية والتعرف على الكلام، وسوف يستفيد معلمو العربية وطلابها من هذا المورد الكبير لفهم أصل الكلمات، اختلافاتها الدلالية، وكيفية استخدامها في نصوص مختلفة عبر العصور. أهمية المعجم لمجامع اللغة العربية في الدول العربية تأتي أهمية المعجم بالنسبة لمجامع اللغة العربية في القاهرة، دمشق، الرباط، وغيرها، والتي تستخدم المعاجم كمرجع أساسي في وضع المصطلحات الحديثة، وسوف يساهم هذا المعجم في توحيد معايير الاستخدام بين الدول العربية، وتصويب الفهم الدلالي للنصوص القديمة والمعاصرة، إن وجود هذا المعجم التاريخي يوفر لهذه المجامع قاعدة علمية موثوقة يمكن الرجوع إليها في كل هذه المجالات، ما يعزز التعاون اللغوي بين المجامع. كسرة أخيرة معجم الدوحة التاريخي للغة العربية ليس مجرد مشروع ثقافي قطري، بل ثروة معرفية عربية رائدة ترسم تاريخ الكلمة ودلالتها عبر القرون، وتربط بين التراث والذكاء الاصطناعي، وتفتح آفاقاً جديدة في البحث والتعليم والتقنية، قطر بهذا الإبداع وضعت أداة لغوية ضخمة في متناول العالم العربي والعالم كله، لتعميق فهمنا للغة القُرآن والشعر الكلاسيكي والنصوص الحديثة، وتوفير قاعدة قوية لأي تطور لغوي أو تقني قادم.

291

| 31 ديسمبر 2025

السفر في منتصف العام الدراسي... قرار عائلي أم مخاطرة تعليمية

في منتصف العام الدراسي، تأتي الإجازات القصيرة كاستراحة ضرورية للطلبة والأسر، لكنها في الوقت ذاته تُعد محطة حساسة تتطلب قدراً عالياً من الوعي في كيفية التعامل معها. فهذه الإجازات، على قِصر مدتها، قد تكون عاملاً مساعداً على تجديد النشاط الذهني والنفسي، وقد تتحول إن أُسيء استغلالها إلى سبب مباشر في تراجع التحصيل الدراسي وصعوبة العودة إلى النسق التعليمي المعتاد. من الطبيعي أن يشعر الأبناء برغبة في كسر الروتين المدرسي، وأن يطالبوا بالسفر والتغيير، غير أن الانصياع التام لهذه الرغبات دون النظر إلى طبيعة المرحلة الدراسية وتوقيتها يحمل في طياته مخاطر تربوية لا يمكن تجاهلها. فالسفر إلى دول تختلف بيئتها ومناخها وثقافتها عن بيئتنا، وفي وقت قصير ومزدحم دراسياً، يؤدي غالباً إلى انفصال ذهني كامل عن أجواء الدراسة، ويضع الطالب في حالة من التشتت يصعب تجاوزها سريعاً عند العودة. توقيت الإجازة وأثره المباشر على المسار الدراسي التجربة التربوية تؤكد أن الطالب بعد الإجازات القصيرة التي تتخلل العام الدراسي يحتاج إلى قدر من الاستقرار والروتين، لا إلى مزيد من التنقل والإرهاق الجسدي والذهني. فالسفر، مهما بدا ممتعاً، يفرض تغييرات في مواعيد النوم والاستيقاظ، ويُربك النظام الغذائي، ويُضعف الالتزام بالواجبات والمتابعة الدراسية، وهو ما ينعكس لاحقاً على مستوى التركيز داخل الصف، ويجعل العودة إلى الإيقاع المدرسي عملية بطيئة ومجهدة. وتكمن الخطورة الحقيقية في أن هذه الإجازات لا تمنح الطالب الوقت الكافي للتكيّف مرتين: مرة مع السفر، ومرة أخرى مع العودة إلى المدرسة. فيضيع جزء غير يسير من زمن الفصل الدراسي في محاولة استعادة النشاط الذهني والانخراط مجدداً في الدروس، وهو زمن ثمين كان الأولى الحفاظ عليه، خصوصاً في المراحل التي تكثر فيها الاختبارات والتقييمات. قطر وجهة سياحية غنية تناسب الإجازات القصيرة في المقابل، تمتلك دولة قطر بيئة مثالية لاستثمار هذه الإجازات القصيرة بشكل متوازن وذكي، فالأجواء الجميلة خلال معظم فترات العام، وتنوع الوجهات السياحية والترفيهية، من حدائق ومتنزهات وشواطئ ومراكز ثقافية وتراثية، تمنح الأسر خيارات واسعة لقضاء أوقات ممتعة دون الحاجة إلى مغادرة البلاد. وهي خيارات تحقق الترفيه المطلوب، وتُشعر الأبناء بالتجديد، دون أن تخلّ باستقرارهم النفسي والتعليمي. كما أن قضاء الإجازة داخل الوطن يتيح للأسرة المحافظة على جزء من الروتين اليومي، ويمنح الأبناء فرصة للعودة السلسة إلى مدارسهم دون صدمة التغيير المفاجئ. ويمكن للأسر أن توظف هذه الفترة في أنشطة خفيفة تعزز مهارات الأبناء، مثل القراءة، والرياضة، والأنشطة الثقافية، وزيارات الأماكن التعليمية والتراثية، بما يحقق فائدة مزدوجة: متعة الإجازة واستمرارية التحصيل. ترشيد الإنفاق خلال العام الدراسي ومن زاوية أخرى، فإن ترشيد الإنفاق خلال هذه الإجازات القصيرة يمثل بُعداً مهماً لا يقل أهمية عن البعد التربوي. فالسفر المتكرر خلال العام الدراسي يستهلك جزءاً كبيراً من ميزانية الأسرة، بينما يمكن ادخار هذه المبالغ وتوجيهها إلى إجازة صيفية طويلة، حيث يكون الطالب قد أنهى عامه الدراسي، وتصبح متطلبات الاسترخاء والسفر مبررة ومفيدة نفسياً وتعليمياً. الإجازة الصيفية، بطولها واتساع وقتها، هي الفرصة الأنسب للسفر البعيد، والتعرف على ثقافات جديدة، وخوض تجارب مختلفة دون ضغط دراسي أو التزامات تعليمية. حينها يستطيع الأبناء الاستمتاع بالسفر بكامل طاقتهم، وتعود الأسرة بذكريات جميلة دون القلق من تأثير ذلك على الأداء المدرسي. دور الأسرة في تحقيق التوازن بين الراحة والانضباط في المحصلة، ليست المشكلة في الإجازة ذاتها، بل في كيفية إدارتها، فالإجازات التي تقع في منتصف العام الدراسي ينبغي أن تُفهم على أنها استراحة قصيرة لإعادة الشحن، لا قطيعة مع المسار التعليمي. ودور الأسرة هنا محوري في تحقيق هذا التوازن، من خلال توجيه الأبناء، وضبط رغباتهم، واتخاذ قرارات واعية تضع مصلحة الطالب التعليمية في المقام الأول، دون حرمانه من حقه في الترفيه والاستمتاع. كسرة أخيرة إن حسن استثمار هذه الإجازات يعكس نضجاً تربوياً، ووعياً بأن النجاح الدراسي لا يُبنى فقط داخل الصفوف، بل يبدأ من البيت، ومن قرارات تبدو بسيطة، لكنها تصنع فارقاً كبيراً في مستقبل الأبناء.

2250

| 24 ديسمبر 2025

alsharq
إلى من ينتظرون الفرد المخلص

سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...

8640

| 08 مارس 2026

alsharq
الخليج ليس ساحة حرب

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...

4377

| 09 مارس 2026

alsharq
مواطن ومقيم

من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...

1356

| 11 مارس 2026

alsharq
«التقاعد المرن».. حين تكون الحكمة أغلى من «تاريخ الميلاد»

حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...

1245

| 11 مارس 2026

alsharq
العقل العربي والخليج.. بين عقدة العداء لأمريكا وغياب قراءة الواقع

أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...

1041

| 11 مارس 2026

alsharq
الخليج محمي

وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...

954

| 10 مارس 2026

alsharq
التجربة القطرية في إدارة الأزمات

عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...

846

| 09 مارس 2026

alsharq
فلنرحم الوطن.. ولننصف المواطن والمقيم

عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...

729

| 12 مارس 2026

alsharq
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...

651

| 12 مارس 2026

alsharq
إعادة ضبط البوصلة

ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...

645

| 13 مارس 2026

alsharq
قطر.. «جاهزية دولة» عند الأزمات

-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...

633

| 08 مارس 2026

alsharq
الخليج بين نارين

لا شك أن إيران تمثل خطرا لا يستهان...

531

| 10 مارس 2026

أخبار محلية