رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنت أنوي الحديث عن الشخصيات التي اشتهرت بكذبها بترتيبها التاريخي، ولكنني وجدت أشهر هذه الشخصيات على الإطلاق مسيلمة الذي ألصقت به كلمة الكذاب، فبات يعرف بها.وأبدأ بمسيلمة لأنه كان سببا رئيسيا في حرب اليمامة التي حدثت إثر وفاة الرسول –صلى الله عليه وسلم- وكانت من أخطر الحروب في التاريخ الإسلامي، حيث وقف الصديق في حروب الردة صلبا قويا أمام الكذابين والمرجفين ليمهد الطريق من بعده لعمر بن الخطاب ليرسي العدل وينتشر في البلاد طولا وعرضا.تتحدث الروايات التاريخية أحاديث متشابهة عن مسيلمة الكذاب، وذكرها يعد ضربا من التكرار، ومن ثم فالبحث عن تحليل هذه الشخصية الكاذبة أولى من البحث في سيرتها، لأنها شخصية تتكرر في كل الأزمان، ومفتاح هذه الشخصية نابع من حب الظهور بين الناس، مما جعله ينسج الأكاذيب والأساطير منذ فترة كبيرة، ومما يؤثر في ذلك هذا الحوار الذي كان بينه وبين سيدنا عمرو بن العاص –رضي الله عنه – حيث ذكروا أن وفد عمرو بن العاص على مسيلمة، وكان صديقا له في الجاهلية، وكان عمرو لم يسلم بعد، فقال له مسيلمة: ويحك يا عمرو، ماذا أنزل على صاحبكم - يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم - في هذه المدة؟ فقال: لقد سمعت أصحابه يقرأون سورة عظيمة قصيرة فقال: وما هي؟ فقال: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) [سورة العصر]، ففكر مسيلمة ساعة، ثم قال: وقد أنزل علي مثله. فقال: وما هو؟ فقال: "يا وبر إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر نقر، كيف ترى يا عمرو؟ "فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك لتكذب".إن هذه القصة على طرافتها يمكن أن نستخلص منها ما يأتي:أولا: إذا كان عمرو بن العاص –رضي الله عنه- مشهورا بالذكاء والفطانة فيبدو أن مسيلمة كان مشهورا أيضا بالكذب في الحديث.ثانيا: إن الدراية باللغة لم تكن خافية على الاثنين، ولذلك لم يحتج الأمر إلى عناء كبير حتى يعرفوا الفرق بين القرآن الكريم وبين ما يقوله مسيلمة.ثالثا: فإذا كان مسيلمة يعلم أن عمرو يعلم أنه كذاب فلماذا عرض عليه هذه الكذبة؟في الحقيقة هو لم يعرضها على عمرو كي يكذبها أو يصدقها، وإنما يختبر حال المتلقي إذا سمع هذا الكذب، هل سيصدقه أم لا؟ وعمرو بن العاص من صفوة المتلقين، فإذا قبلها عمرو وأعجب بها، فقد نجح الكذاب في نسج كذبه، وإذا لم يعجب بها فعليه أن يعيد ضبط إيقاع الكذب ليدخل العقول فتقتنع به.هذا هو التحليل المنطقي الذي أراه، ولكن مسيلمة أدرك أن فئة من العقول ستنكر ما يقول، وهي الصفوة، وعليه الآن أن يوجه كذبه لشريحة أخرى من الناس تكون فاقدة لذائقة اللغة، غير محسة ببواطن الجمال في الكلام، وهذه الفئة هي التي ستتبعه فيما بعد. وهذا نستنتج منه أنه كانت شريحة كبيرة من المجتمع في ذلك الوقت عقلها في أذنيها تصدق ما تسمعه ومن أجل ذلك حذر الله من هذه الشريحة التي قال الله عنها، (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم)، والخطاب هنا موجه للمسلمين الذين خرجوا في القتال بغزو تبوك، فما بلك بغير المسلمين، إنهم سيكونون أكثر استعدادا وتهيئة لسماع الكذب.إذا اعتمد مسيلمة الكذاب على هذه الشريحة من أهل اليمامة لتقبل كذبه، فكيف ظهر فيهم من الأساس، وما قصة صعوده حتى يكون له أتباع بهذا الكم الغفير، لذلك حديث آخر إن شاء الله.
24558
| 19 يونيو 2015
الكذابون في كل عصر ومصر هم أداة الإرجاف، ومن عندهم تبدأ أصوات الخلاف، وبأيديهم تكون حفر النيران التي يصطلي بها كل من سلم أذنه لكذاب مَهين تعود السوء وأساء الأدب، لأنه:لا يكذب المرء إلا من مهانتهأو قالة السوء أو من قلة الأدبإن الكذب خلق مقيت، فلا تجد مصلحا أو فيلسوفا إلا وذكره، ولم يخل ديوان العرب من الحديث عنه والتحذير منه، فمثلا نجد في العصر الجاهلي الذي كان يعتمد على الشفوية في نقل الأخبار، وهذا مظنة الكذب والتدليس، إلا أن الصدق في نقل -الرواية والحديث كان خلقا يؤكدون عليه ويذكرونه في شعرهم مثل قول أفنون بن صريم التغلبي:ولا خيرَ فيما يَكْذِبُ الْمَرءُ نَفْسَهوَتِقَوَالَه لِلشِّيءِ يَا لَيْتَ ذَا لِيَاوواضح أن الكذب فيها ليس على الناس وإنما هو الكذب مع النفس التي ترى الحقيقة ولا تصدقها، وترى الشيء وتتمناه.وأحيانا يذكر أهل الجاهلية الشيء على سبيل المبالغة لا على سبيل الكذب وإثارة الشائعات، مثل قول تأَبطَ شرًّا يقول على سبيل المبالغة والمجاز لا الحديث عن الخلق:أجارِي ظلالَ الطير لو فات واحدٌولو صدقوا قالوا له هو أسرعفهو يقول إنهم يصفون سرعة عدوه بأنها تجاري سرعة الطير، ولكنه يستدرك عليهم بأنهم لو صدقوا لقالو هو أسرع.ويؤكد مالك بن حريم على أن الكذب كان خلقا ممقوتا في الجاهلية، فيقول:تَدَارَكَ فَضْلِي الأَلْمَعِيُّ وَلَمْ يَكُنْبِذِي نِعْمَةٍ عِنْدِي وَلا بِخَلِيلِفَقُلْتُ لَهُ قَوْلا فَأُلْفِيتُ عِنْدَهُوَكُنْتُ حَرِيًا أنْ أُصَدِّقَ قِيلِيبِذَلِكَ أوْصَانِي حَرِيمُ بنُ مَالِكٍبِأنَّ قَلِيلَ الذَّمَّ غَيرُ قَلِيلِهذا في العصر الجاهلي أما أمتنا فقد ابتليت في تاريخها الطويل بجملة من الكذابين كانوا سببا في خروج علم الرجال والجرح والتعديل الذي تفردت به حضارة الإسلام عن غيرها من الحضارات، من أجل ذلك أردت في هذه المقالات أن أتناول هذه الظاهرة وسلبياتها في المجتمع من خلال التركيز على الكذابين وآثارهم الضارة التي أحدثوها؛ حتى يحذرها الناس ولا يسلموا آذانهم لأي قالة تقال، أو أية شائعة تذاع.والكذب موضوع شغل كثيرا من الكاتبين والمؤلفين، حيث نرى الدراسات فيه تتنوع إلى دراسات نفسية واجتماعية ودينية وسياسية، فابن أبي الدنيا ألف كتابا في ذم الكذب، ومن المحدثين الدكتور محمد مهدي علام الذي تحدث عن فلسفة الكذب وكتاب يوسف ميخائيل الذي تحدث عن الكذب وأثره في الإنسان وكتاب الحقيقة بشأن الكذب ..كيف تكشف الكذابين وتحمي نفسك؟ لستان بي ولترز، وكتاب عباقرة الكذب لخالد عبد الله، وكتاب سيكولوجية الكذب لعدنان يوسف والكذب في سلوك الأطفال لمحمد علي قطب الهمشري، وكتاب صناعة الكذب ..دراسة في أشهر القصص الخبرية المفبركة في الصحافة المصرية لياسر أبي بكر وكتاب 17 كذبة تعوقك عن التقدم والحقيقة التي ستحررك لستيف تشارلز..ويلاحظ على هذه الكتب جميعا أن مؤلفيها هم من القدماء والمحدثين ومن العرب والأجانب؛ فهو إذًا ظاهرة إنسانية تؤرق المجتمعات، ومن ثم يحاول المفكرون والمصلحون أن يبحثوا لها عن أسباب مظاهر وحلول.غير أني في هذه المقالات لن أتناول الظاهرة؛ فقد قتلت بحثا وكتابة كما سلف، وإنما أتحدث عن الكذابين الذين كان لهم دور سلبي في تاريخ الإنسانية؛ كإبليس كبير الكذابين الذي كذب على آدم وحواء وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وكمسيلمة الكذاب الذي كان سببا في حرب اليمامة، وكنوح بن أبي مريم الذي اشتهر بالكذب في الحديث وكحماد الراوية الذي كذب في رواية الشعر أمام المفضل الضبي وغيرهم الكثير ممن تعرض لهم هذه المقالات التي ستتبع تاريخ هؤلاء الكذابين وأشهر كذباتهم ثم تعرض لتأثيرهم في الرأي العام ومدى تقبل الناس لسماع الكذب.إن هؤلاء الكذابين يمثلون أنماطا لشخصيات تعيش بيننا تردد الكذب ليل نهار وبسببها تسفك الدماء وتنتهك الأعراض، وتسلب الأموال، ولذا سوف يشعر القارئ أمام الشخصيات التي سنعرض لها أننا أمام شخصيات واقعية تقول الكذب. والشاهد "وكنت حريا أن أصدق قيلي" فهو حديث عن الصدق في القول والوفاء بالوعد؛ لأن الكذب طريق الذم وقليل الذم ليس بقليل.وهذا يفسر ندرة ذكره، فالكاذب يتسم بالجبن والبخل والعربي في الجاهلية كان شجاعا كريما كما تبين، وقد حرم بعضهم الكذب في الجاهلية وصرح بذلك بعد أن دخل الإسلام، سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرو بن معد يكرب الزبيدي من أشجع من رأيت، فذكر له كلاما طويلا ومنه "اعلم يا أمير المؤمنين أني لم أستحل الكذب في الجاهلية فكيف أستحله في الإسلام" ثم قص عليه مواقف في الشجاعة والحيلة والجبن
3044
| 18 يونيو 2015
كان القضاء من أعمدة الدولة الإسلامية، وأهم عناصر ازدهارها، حيث كان العدل قانونا يطبق على الجميع لا فرق في ذلك بين أمير وأبسط الناس. وقصة فتح سمرقند بها أهم درس في القضاء؛ إذ القصة توحي باستقلال القضاء عن القرار السياسي، والنظر إلى الواقعة بغض النظر عن آثارها الجانبية، فالحق هو قبلة القاضي وإليها يولي وجهه شطره، دون اعتبار لمواءمات أخرى. إن آثار العدل أكبر من أي مواءمات، وأجل عن أية مساومات، ولا يمكن أن يتذرع القاضي أبدا بمراعة المصالح، بل المصلحة الكبرى في تطبيق العدل، وأهل سمرقند لما أحسوا أن بلدهم فتحت غدرا هرعوا إلى القضاء. لقد دون التاريخ هذه الصفحة من صفحات العدالة بماء الذهب، فبسبب العدل أسلمت سمرقند عن بكرة أبيها وباتت قيمة مضافة في قوة الدولة الإسلامية في عهد عمر بن عبد العزيز. والقصة مذكورة في كتب التاريخ وملخصها أن قتيبة بن مسلم الباهلي - رحمه الله - افتتحها بدون أن يدعوَ أهلها للإسلام أو الجزية, ثم يمهلهم ثلاثاً كعادة المسلمين، ثم يبدأ القتال . فلما علم أهل سمرقند بأن هذا الأمر مخالف للإسلام كتب كهنتها رسالة إلى سلطان المسلمين في ذلك الوقت وهو عمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله, أرسلوا بهذه الرسالة أحد أهل سمرقند يقول هذا الرسول:-( أخذت أتنقّل من بلد إلى بلد أشهراً حتى وصلت إلى دمشق دار الخلافة فلما وصلت أخذت أتنقل في أحيائها وأُحدِّث نفسي بأن أسأل عن دار السلطان, فأخذت على نفسي إن نطقت باسم السلطان أن أؤخذ أخذاً فلما رأيت أعظم بناءٍ في المدينة, دخلت إليه وإذا أناس يدخلون ويخرجون ويركعون ويسجدون, وإذا بحلقات هذا البناء, فقلت لأحدهم أهذه دار الوالي؟ قال: لا, بل هذا هو المسجد. قال: صليت؟ قال: قلت: وما صليت؟، قال: وما دينك؟ قال: على دين أهل سمرقند، فجعل يحدثني عن الإسلام حتى اعتنقته وشهدت بالشهادتين, ثم قلت له: أنا رجل غريب أريد السلطان دلّني عليه يرحمك الله؟ قال أتعني أمير المؤمنين؟ قلت: نعم . قال: اسلك ذلك الطريق حتى تصل إلى تلك الدار وأشار إلى دار من طين . فقلت: أتهزأ بي؟ قال: لا ولكن اسلك هذا الطريق فتلك دار أمير المؤمنين إن كنت تريده، قال: فذهبت واقتربت وإذا برجل يأخذ طيناً ويسدّ به ثُلمة في الدار وامرأة تناوله الطين, قال: فرجعت إلى الذي دلّني وقلت: أسألك عن دار أمير المؤمنين وتدلّني على طيّان! فقال: هو ذاك أمير المؤمنين. قال: فطرقت الباب وذهبت المرأة وخرج الرجل فسلّم علي ورحّب بي وغسّل يديه, وقال: ما تريد؟ قلت: هذه رسالة من كهنة سمرقند فقرأها ثم قلبها فكتب على ظهرها, ( من عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى عامله في سمرقند أن انصب قاضياً ينظر فيما ذكروا )، ثم ختمها وناولنيها. فانطلقت أقول: فلولا أني خشيت أن يكذبني أهل سمرقند لألقيتها في الطريق ماذا تفعل هذه الورقة وهذه الكلمات في إخراج هذه الجيوش العرمرم وذلك القائد الذي دوّخ شرق الأرض برمتها . قال: وعدت بفضل الله مسلماً كلما دخلت بلداً صليت بمسجده وأكرمني أهله، فلما وصلت إلى سمرقند وقرأ الكهنة الرسالة أظلمت عليهم الأرض وضاقت عليهم بما رحبت، ذهبوا بها إلى عامل عمر على سمرقند فنصّب لهم القاضي جُمَيْع بن حاضر الباجي لينظر في شكواهم،ثم اجتمعوا في يوم وسألناه دعوانا فقلنا اجتاحنا قتيبة, ولم يدعنا إلى الإسلام ويمهلنا لننظر في أمرنا فقال القاضي: لخليفة قتيبة وقد مات قتيبة – رحمه الله – :أنت ما تقول؟ قال: لقد كانت أرضهم خصبة وواسعة فخشي قتيبة إن أذنهم وأمهلهم أن يتحصنوا عليه . قال القاضي: لقد خرجنا مجاهدين في سبيل الله وما خرجنا فاتحين للأرض أشراً وبطراً، ثم قضى القاضي بإخراج المسلمين على أن يؤذنهم القائد بعد ذلك وفقاً للمبادئ الإسلامية .ما ظنّ أهل سمرقند أنّ تلك الكلمات ستفعل فعلها ما غربت شمس ذلك اليوم ورجل من الجيش الإسلامي في أرض سمرقند، خرج الجيش كله ودعوهم إلى الإسلام أو الجزية أو القتال . فلما رأى أهل سمرقند ما لا مثيل له في تاريخ البشرية من عدالة تنفذها الدولة على جيشها وقائدها، قالوا: هذه أمة حُكمُها رحمة ونعمة، فدخل أغلبهم في دين الله وفُرضت الجزية على الباقين. وإلى لقاء في مجلس قضاء آخر إن شاء الله
1743
| 27 يوليو 2014
على فراش الموت كان بكاؤه من مرة لم يسو فيها بين أحد المتخاصمين في نفسه، حيث مال قلبه لأحدهما، ولكن قضاءه كان عادلا لم يطع فيه هواه، فقد كان قاضيا عادلا يقيم القسط بين الناس ولو كانوا ذوي قربى، جاءه ابنه ذات مرة مختصماً، فاستشاره هل يرفع عليهم قضية يعلم أنه سيكسبها، أم الأحسن أن يصالحهم؟ أجابه أن ينطلق ويرفع القضية. فرفع القضية أمام أبيه فأكسبهم القضية ضدّ ابنه. فتعجّب ابنه سائلاً عن السبب - خصوصاً بعدما استشاره – فردّ: «إنّك يا بنيّ أعزّ عليّ من أمثالهم، لكن العدل أعزّ عليّ منك، وإنّي خشيت إن قلت لك أن تصالحهم أن تكون فوّتّ عليهم شيئاً من حقّهم فقضيت لهم". لكن شريح رأى الحق مع خصوم ابنه، وهاك أناس يحكمون على أقاربهم رغم أن الحق يكون لهم، حتى يقول الناس إنهم عدول، وهم بئس القضاة، فشريح لا ينظر في القضية إلا للحق فقط ولا يضيره في أي كفة سيكون ومع أي أحد سيدور. لقد حكم شريح على هذا الابن نفسه في قضية أخرى بثلاثين يوما سجنا، حيث روي أن هذا الابن كان يكفل طرفاً في قضية، فأخذ ذلك الرجل المال وهرب به، فأصدر شريح حكماً بحبس ابنه ثلاثين يوماً. في كلّ يوم كان يذهب إليه بالطعام قائلاً: «تذكّر حديث النّبيّ: لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطع محمّد يد فاطمة". لقد بات شريح مدرسة في القضاء حيث إن شهرته بالقضاء لازمته في التراث الإسلامي، قال الشعبي: كنت جالساً عند شريح القاضي، إذ دخلت عليه امرأة تشتكي زوجها وهو غائب وتبكي بكاء شديداً، فقلت: أصلحك الله ما أراها إلا مظلومة مأخوذاً حقها قال وما علمك؟ قلت لشدة بكائها وكثرة دموعها. قال: لا تفعل إلا بعد أن تتبيّن أمرها، فإن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون وهم له ظالمون. وكان يسأل عن الشهود في السوق وفي المدينة لتقييمهم، وإذا أحسّ أنّهم يكذبون قال لهم: «أنا سأقضي لك، وأظنّك كذّاب، لكن لا أستطيع أن أحكم بالظن، والشهود معك، لكن اعلم أن حكمي لك لا يحول الباطل حقا ولا الحق باطلاً، وستقف بين يدي الله يوم القيامة». وكان يمنع الذين يقضي بينهم من أن يتعاملوا معه بأي طريقة طوال فترة الحكم، وذات مرة كان يقيم رجل في بيته ضيفاً، فأراد أن يرفع إليه قضية، فخيره بين ترك القضية أو ترك بيته وكان يأخذ في الاعتبار الأبعاد النفسية للمتخاصمين، بالذات مع النساء في القضايا الزوجية. كان يجلس ذات مرة مع علي بن أبي طالب فجاءت سيّدة فقالت: «يا أمير المؤمنين زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه وهو في طاعة الله»، فردّ عليّ: «نعم الزوج زوجك»، فأعادت مقولتها مرة ثانية فلم يفهم عليّ فأعطاها ذات الإجابة ثانية. فقال له شريح: «يا أمير المؤمنين المرأة تشكو زوجها أنّه يتركها في الفراش»، فسأله كيف فهم ذلك وأمره أن يحكم بينهما. فاستحضر شريح الزّوج فسأله: «أنت تهجر زوجتك؟» قال نعم، قال: «لا يحلّ لك أن تهجرها فوق أربعة أيّام".
1642
| 26 يوليو 2014
كان سيدنا عمر بن الخطاب يدقق في اختيار من يتولى المناصب، وكان أكثر تحريا في اختيار منصب القاضي، وكانت بداية معرفته بشريح القاضي من هذا الموقف، حيث اشترى عمر بن الخطاب فرسا ودفع ثمنه. ثم وجد فيه بعدها بقليل عيبا، حيث إن بالفرس عرجا، قال البائع الأعرابي: إنه كان سليماً، فردّ أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب أن اختر من شئت ليحكم في الأمر. فاختار الأعرابيّ شريحاً. ولم يعرفه عمر، فدعاه إلى بيته ليحكم فرفض شريح. فقال شريح لعمر: «خذ ما ابتعت أو ردّ ما اشتريت» فردّ عمر "والله هكذا القضاء - قول فصل وحكم عدل."إن عمر حتى هذه اللحظة لم يعرف شريحا، ولكن حكمه أعجبه، حيث رفض القاضي أن يذهب إلى عمر، فالقاضي لا يذهب إلى أحد الخصمين، وإجراءات المحاكمة ينبغي أن تتسم بالعدل فلا تمييز لأحد الخصمين على الآخر، ثم إن شريحا أطلق حكمه واضحا لا لبس فيه بين الخصمين.ومن هذه اللحظة أراد أن يتعرف إلى هذا القاضي العادل، فسأله عمر من أين تعلّمت العدل؟ فأجابه «من سورة ص» فسأله «وماذا فيها»؟ فأجابه بقوله تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ) [ص 21—25].فشرح أنّهما لمّا تسوّرا المحراب لم يكن داوود مستعدّاً للقضاء، ففزع منهما، فلم يأت بالحكم الصحيح. فطلب من عمر أنه لا بدّ من دار متخصّصة مستقلة للقضاء - وكان قبلها القاضي يحكم من داره. وهنالك ولّاه عمر قضاء الكوفة قائلاً: «اذهب فقد ولّيتك قضاء الكوفة». فوافق شرط أن يجعل في الكوفة دارا مستقلة للقضاء - فجعل عمر ذلك في الكوفة وفي كلّ الأمصار والبلاد التي تحت حكمه.وهنا نلحظ أن القضاء بات مؤسسة مستقلة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبسبب شريح القاضي، ورغم تقدير عمر لشريح القاضي رضي الله عنه وعلمه في القضاء إلا أن سيدنا عمر كعادته في وصايا عماله لم ينسه من وصاته التي تعد خطاب تكليف جاء فيه: (إذا أتاك أمر في كتاب الله، فأقض بهِ، فإن لم يكن في كتاب الله وكان في سنة رسول الله—فاقض به ، فإن لم يكن فيهما فاقض بما قضى به أئمة الهدى، فإن لم يكن فأنت بالخيار إن شئت تجتهد رأيك وإن شئت تؤامرني، ولا أرى مؤامرتك إياي إلا أسلمُ لك). ولاه عمر بن الخطاب قضاء الكوفة على مائة درهم، وظل قاضيها ستين سنة ووفد زمن معاوية بن أبي سفيان إلى دمشق ولما عزله عبد الله بن الزبير عن القضاء أعاده الحجاج بن يوسف الثقفي بعدها وتولى قضاء البصرة عاما واحدا.وإذا فسننتقل من قضاء شريح غير الرسمي إلى قضائه في الدولة الإسلامية حيث منصب القضاء الذي تولاه ستين سنة، وسنواصل الحديث عنها غدا إن شاء الله
12639
| 25 يوليو 2014
هذا قاض من طراز فريد مكث ستين عاما قاضيا، وعاش مائة وثمانية أعوام، مكث في قضاء الكوفة - ابتداءً من سن الـسابعة والأربعين ولمدة ستين سنة، وكان يكتب على مجلس قضائه: «إنّ الظالم وإنْ حكمت له ينتظر العقاب. وإنّ المظلوم وإنْ حكمت عليه ينتظر الإنصاف». وكتب أيضا حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: (إنّكم تختصمون إليّ، وإنّما أنا بشر فأيّما رجل اقتطعت له حقّا من أخيه لا يستحقّه فإنّما اقتطعت له قطعة من النّار سيطوّق بها يوم القيامة).ينتهي نسب هذا القاضي إلى كندة فهو شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي، وبنو كندة منهم الشاعر المشهور امرؤ القيس، أسلم في اليمن في حياة الرسول – صلى الله عليه وسلم- لكنه لم ير الرسول وذهب إلى المدينة في عهد أبي بكر الصديق – رضي الله عنه- فهو من كبار التابعين.وفي قصة إسلامه نقرأ هذه القصة الطريفة، وهي تدل على رجاحة عقله قبل إسلامه، فهي محاورة بينه وبين سيدنا علي، حيث استجواب سيدنا علي عن الإسلام، ومن ثم فنحن أمام عقلية القاضي قبل توليه منصب القضاء.ففي الثلاثين من عمره، بعث رسولُ الله محمد -صلى الله عليه وسلم- عليا إلى أهل اليمن فأسلموا، فسأله شريح: بماذا يأمر دينك؟ فأجابه بقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل - 90]فبرقت عينا شريحٍ. فسأله: بماذا يدعو دينك أيضاً؟ فأجابه وقد أحسّ بتأثّره بمقولة العدل - بقوله تعالى ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:58]. فسأل ثالثةً إلام يدعو دينك أيضاً؟ فأجابه بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أقرب لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة :8]. فسأله وماذا يقول نبيّك؟ فأجابه «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه أوّلهم إمام عادل». فاستبشر شريحٌ قائلاً «دين يدعو للعدل» ودخل في الإسلام. فطلب من عليّ أن يعلمّه سورة من القرآن، فاختار له عليّ - وكان قد سمع قصّته وما حدث بأمّه - سورة النّساء، التي تتحدّث عن العدل مع ضعفاء القوم.وكانت أم شريح قد مات زوجها فوضع عم شريح عباءته على أمه فورثها، وباتت ملكا له وفق تقاليد الجاهلية، فأحس شريح بالظلم منذ نعومة أظفاره، ومن ثم فهو يعرف معنى العدل الذي سيطر على كيانه وتمنى أن يطبَّق على الناس، وأن يستطيع الضعيف أن يأخذ حقه من القوي.ولقد كان سيدنا علي في غاية الذكاء عندما لمح شريح وهو متأثر بتعاليم الإسلام وإعجابه بالعدل والإنصاف، ليأتي له بنصوص الإسلام التي تحث على العدل، فذاك الباب هو الذي دخل منه الإسلام إلى نفس شريح الذي بدأ يحفظ سورة النساء التي تحث على أمور العدل بين الناس جميعا، فالله قال لنبيه فيه: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، وقال تعالى: (وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) وفي السورة قسمة بالأرقام بين الورثة، وفي السورة حقوق الزوجين وكيفية العدل بينهما، وفي السورة، (إن الله يأمر بالعدل).إنه باب عظيم من أبواب الإسلام دخل منه شريح الإسلام ليكون له شأن فيه، حيث سيلي أخطر مناصبه أطول مدة، وهي مدة تحتاج إلى دراسة مستقلة نستعرض فيها القضايا التي وقعت أمام شريح ونحللها وندرس كيفية الاستفادة منها في واقعنا المعاصر، ومن ثم فالحديث حول شريح القاضي موصول إن شاء الله.
3970
| 24 يوليو 2014
اقترن ذكر عمر بن الخطاب بالعدل، وهو الفاروق الذي استطاع أن يفرق بين الحق والباطل، وعندما نذكره في مجالس القضاء نتذكر أن سيدنا أبا بكر جعله قاضيا في فترة خلافته وهذه لها إشارة قوية، حيث إن العدل هو قوام الدولة، ويحتاج إلى قاض له حزم وحسم، وقوة في الحق، ومهارات وملكات نقد الأقوال والآراء والترجيح بينها، وهذا كله توافر عند سيدنا عمر بن الخطاب الذي مكث عاما في مجلس القضاء في عهد سيدنا أبي بكر وكانت هذه الحكاية، رُوي أن أبا بكر – رضي الله عنه وأرضاه - عيَّن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه وأرضاه - قاضيًا على المدينة، فمكث عمر سنة كاملة لم يختصم إليه اثنان، لم يعقد جلسة قضاء واحدة. وعندها طلب من أبي بكر – رضي الله عنه وأرضاه - إعفاءه من القضاء! فقال أبو بكر: أمن مشقة القضاء تطلب الإعفاء يا عمر؟ قال عمر: لا يا خليفة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ولكن لا حاجة بي عند قوم مؤمنين، عرف كل منهم ما له من حق، فلم يطلب أكثر منه، وما عليه من واجب فلم يقصر في أدائه، أحب كل منهم لأخيه ما يحب لنفسه، إذا غاب أحدهم تفقدوه، وإذا مرض عادوه، وإذا افتقر أعانوه، وإذا احتاج ساعدوه، وإذا أصيب عزوه وواسوه، دينهم النصيحة، وخلقهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيمَ يختصمون؟ ففيمَ يختصمون؟ فهذه القصة تبين وعي المجتمع بالحقوق والواجبات، بحيث باتوا قضاة على أنفسهم، ومن ثم خلت محكمة عمر من القضايا، ورأى أنه يمكن أن يخدم الدولة الإسلامية في موقع آخر يمكن أن يخدم الدولة الإسلامية، ولكن سيدنا أبا بكر أبقاه في منصبه، فهيبة عمر في الناس بالإضافة للرقابة الذاتية من المجتمع يعطي قوة لدولة أسست على العدل وحفظ الحقوق. ولما صار عمر خليفة كان يكتب لعماله بنصائح حتى يتأسس العدل، فمثلا كتب عمر رضوان الله عليه إلى معاوية وهو عامله على الشام: "أما بعد فإنّي لم آلُكَ في كتابي إليك ونفسي خيْراً. إيّاك والاحتجاب دون الناس، وأْذن للضعيف وأَدْنه حتى ينبسط لسانه، ويجترئ قلبه، وتعهَّد الغريب فإنَّه إذا طال حبسه وضاق إذنه ترك حقَّه، وضعف قلبه، وإنما أتْوى حقَّه منْ حبسه. واحرص على الصُّلح بين الناس ما لم يستبنْ لك القضاء. وإذا حضرك الخصمان بالبيِّنة العادلة والأيمان القاطعة فأمض الحكم. والسلام". وكتب عمر -رضي الله عنه- إلى أبي موسى الأشعري: "آسِ بين الناس في نظرك وحجابك وإذنك، حتى لا يطمع شريفٌ في حيْفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. واعلم أن أسعد الناس عند الله تعالى يوم القيامة من سعد به الناس، وأشقاهم من شقوا به" . و ينصح عمر بن الخطاب عند عقد اللواء قادة الجيوش جملة من النصائح منها: "ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه ولا يرزأ أحداً من أهلها شيئاً، فإن لهم حرمةً وذمةً ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها؛ فما صبروا لكم فوفوا لهم، ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح. إنها نصائح فريدة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب لترسي مبادئ العدل في دولة الإسلام
13949
| 23 يوليو 2014
في مجالس الصلح والقضاء لابد للقاضي أن يكون ذكيا، صاحب حيلة ومكر ودهاء، ليستخرج الحقيقة، واليوم سنعرض بعض حيل القضاة لمعرفة الحقيقة. (1) كان عيسى بن موسى، يُحِبُّ زَوجَتُهُ حُبًّا شديدًا، فقال لها يومًا: أنتِ طالقٌ، إنْ لَم تكوني أحسنَ مِن القمر، فَنَهَضتْ، واحتَجَبَتْ عَنهُ، وقالت: قَد طَلّقتَني، فباتَ بليلةٍ عظيمة.فلما أصبحَ غدا إلى المنصور، وأخبَرهُ الخبر، وقال: يا أميرَ المؤمنين، إنْ تَمَّ طلاقُها تَلِفَتْ نفسي غَمًّا، وكان المَوتُ أحَبّ إليَّ مِن الحياة.وظهر للمنصورِ مِنه جَزَعٌ شديد، فأحضرَ الفقهاءَ، واستفتاهم، فقال جميعُ مَن حضر: قد طُلِّقَتْ، إلا رجلٌ مِن أصحابِ أبي حنيفة، فإنَّهُ سَكَتْ.فقال له المنصور: مالكَ لا تتكلم؟فقال: بسم الله الرحمن الرحيم: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين: 1-4] فلا شيءَ أحسنَ مِن الإنسان.فقال المنصور، لعيسى بن موسى، قَد فَرَّجَ الله - تعالى - عنك، والأمر كما قال، فأقِم على زوجتك. وراسَلَها أنْ أطيعي زَوجَك، فَما طُلِّقتِ.إن هذا المجلس القضائي يظهر ذكاء القاضي وحسن تخلصه، وفيه يظهر حسن استقراء النص واستنباط الفتوى، وهي مهمة دقيقة، بها يمكن للقاضي أن يحفظ الحقوق، ويحمي الحرمات، ويمنع الظلم الذي قد يقع على أحد الأطراف.وإذا أردنا أن نذكر ذكاء القضاة فإن إياس ابن معاوية يقف في الصدارة. (2) لما ولي إياس القضاء ظهرت له فيه مواقف تدل على فرط ذكائه، وسعة حيلته، وقدرته الفذة في الكشف عن الحقائق. من ذلك أن رجلين تقاضيا عنده, فادعى أحدهما أنه أودع لدى صاحبه مالا، فلما طلبه منه جحده، فسأل إياس الرجل المدعى عليه عن أمر الوديعة، فأنكرها وقال: إن كانت لصاحبي بينة فليأت بها، وإلا فليس له عليّ إلا اليمين. فلما خاف إياس أن يأكل الرجل المال بيمينه، التفت إلى المودع وقال له:في أي مكان أودعته المال؟..قال: في مكان كذا....فقال: وماذا يوجد في ذلك المكان؟..قال: شجرة كبيرة جلسنا تحتها، وتناولنا الطعام في ظلها..ولما هممنا بالانصراف دفعت إليه المال.فقال له إياس: انطلق إلى المكان الذي فيه الشجرة، فلعلك إذا أتيتها ذكرتك أين وضعت مالك، ونبهتك إلى ما فعلته به، ثم عد إليّ لتخبرني بما رأيت، فانطلق الرجل إلى المكان، وقال إياس للمدعي عليه: اجلس إلى أن يجيء صاحبك، فجلس، ثم التفت إياس إلى من عنده من المتقاضين، وطفق يقضي بينهم، وهو يرقب الرجل بطرف خفي، حتى إذا رآه قد سكن واطمأن التفت إليه وبادره قائلا:أتقدر أن صاحبك قد بلغ الموضع الذي أودعك فيه المال؟.فقال الرجل من غير روية: كلا.. إنه بعيد من هنا.فقال له إياس: يا عدو الله، تجحد المال وتعرف المكان الذي أخذته فيه؟! والله إنك لخائن، فبهت الرجل وأقر بخيانته، فحبسه حتى جاء صاحبه، وأمره برد وديعته إليه.والحديث موصول غدا، إن شاء الله، عن ذكاء إياس بن معاوية.
14043
| 22 يوليو 2014
صلح الحديبية كان الأشهر في مجالس الصلح والقضاء قاطبة، وهو صلح ظاهره فيه الغبن للمسلمين وباطنه فيه المنفعة، وهو صلح تتجلى فيه إرادة الصلح، كما تظهر فيه مرونة التفاوض، وعدم النزول على رأي العامة إذا كان رأيهم يجانبه الصواب، فليست الأكثرية رأيها صائبا في كل الأحوال، وولي الأمر قد يرى تفاصيل لا يراها العوام ولا يمكن أن يفصح عنها، كما أن الموازنة في الصلح بين المصالح والمفاسد ينبغي أن تكون حاضرة، والمفاوض ينبغي أن تترك له مساحة من الحرية في التفاوض، وتكون هذه الحرية محاطة بخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال. أقول هذا ونحن في ظروف تتشابه كليا مع ظروف صلح الحديبية، فالنبي صلى الله عليه وسلم نظر في هذا الصلح إلى منافع كلية مستقبلية، ولم يقف عند جزئيات تفسد هذه المنافع الكلية، فهذا الصلح استفاد منه أولا أنه بات قوة في شبه الجزيرة العربية، واعترف به أعداؤه بعد مراثون طويل من الحروب والعداء، والثاني وهو الأهم أن النبي – صلى الله عليه وسلم- سيستطيع أن يزيد في قوته وبناء صفه الداخلي، والثالث وهو الأهم من السببين السابقين أن هناك فترة هدنة سوف يستطيع من خلالها إبلاغ رسالته للعالمين، وستنطلق الرسالة من المحلية إلى العالمية، تحقيقا لمراد الله له "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". أما التوقف عند المكاسب المؤقتة مثل الذهاب للعمرة واكتساب مهتدين جدد من قريش إلى صف الدعوة فإن مكاسبها وقتية ولا تفيد الدعوة في مشوارها الطويل الذي ما زالت تخطو فيه خطوات أولى. وهنا تأتي مرحلة فارقة في تاريخ الدعوة الإسلامية، حيث إن من يقرر الدخول في الإسلام من قريش سيعلم أنه لن يستطيع الهجرة، ومن ثم إذا اقتنع بالإسلام وأراد أن يدخله فليعد نفسه لتحمل المشاق، وليكن جهاده في الفرار بدينه فيه نوع من الابتكار والإبداع، بحيث يكون قوة نوعية مضافة، وهنا يكون إسلامه أكثر فائدة، وهذا ما فعله أبو جندل وأبو بصير، عندما أسلما وذهبا بعيدا حتى لا ينقض النبي اتفاقه وقطعا طريق قريش التي استغاثت بالرسول – صلى الله عليه وسلم- لتطلب منه أن يلغي هذا الشرط، ومن ثم كان هذا الشرط مضيفا قوة للمسلمين، حيث إن من ينضمون إليهم لهم مهارات خاصة وقدرات إبداعية تمثل إضافة ولا تكون عبئا على الدعوة، أما من يرتد راجعا إلى قريش فلا فائدة منه، بل هو ضرر وشرر ينبغي التخلص منه، فلو كان في الصف الإسلامي ما زاد المسلمين إلا خبالا ولأوضعوا يبغون الفتنة وفي المسلمين من يسمع وقد يصدق. إن المنافع التي جناها المسلمون من صلح الحديبية سماها القرآن فتحا مبينا، يقول الزهري : فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه . إنما كان القتال حيث التقى الناس . فلما كانت الهدنة ، ووضعت الحرب أوزارها ، وأمن الناس بعضهم بعضاً ، والتقوا ، فتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، ولم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه . ولقد دخل في تينك السنتين ( بين صلح الحديبية وفتح مكة ) مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر . قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الحديبية في ألف وأربع مائة في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف. والحديث موصول إن شاء الله غدا في رحاب مجالس الصلح والقضاء
5158
| 21 يوليو 2014
قال تعالى: (وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين . ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين) الأنبياء 78 – 79 هذه الآية تذكر لنا مجلس قضاء خلده القرآن، والقصة تواترت في كتب التفسير وملخصها أن غنما عدت على صاحب زرع فاختصما إلى سيدنا داوود؛ فقضى بالغنم لصاحب الحرث، فلما خرج الخصمان على سليمان وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون إلى داود من باب آخر فقال: بم قضى بينكما نبي الله داود ؟ فقالا: قضى بالغنم لصاحب الحرث: فقال لعل الحكم غير هذا انصرفا معي: فأتى أباه فقال: يا نبي الله أنك حكمت بكذا وكذا وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع. قال: وما هو؟ قال: ينبغي أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وسمونها وأصوافها، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى حاله التي أصابته الغنم [ فيه ] في السنة المقبلة، رد كل واحد منهما ماله إلى صاحبه. فقال داود: وفقت يا بني لا يقطع الله فهمك. وقضى بما قضى به سليمان. وهذه القصة فيها عدة دروس ينبغي أن نتأملها: أولا: أن حكم القضاء اجتهادي، والاجتهاد من البشر معرض للخطأ والصواب، ومن ثم فالتعقيب على حكم القضاء مطلوب، فالقاضي عندما يعلم أن هناك مجتمعا يراقبه، وأن هناك من يراجع أحكامه، فإنه سيتحرى الدقة قدر الإمكان، أما إن أحس أن سلطته مطلقة فقد يجور، إذ أمن أنه لا معقب لحكمه، وعدم التعقيب على الحكم صفة اختص الله بها لنفسه، فالله تعالى قال عن نفسه، "لا معقب لحكمه" أما القول الذي اشتهر وانتشر بأنه لا تعقيب على أحكام القضاء فإنه لا يليق، إذ إن هذه الصفة لم يمنحها الله لأنبيائه فكيف يمنحها للبشر الذين يخطئون ويصيبون ويتكلمون في الرضا والغضب؟! ثانيا: أن الرجوع إلى الحق فضيلة، والقاضي إذا أحس أنه أخطأ فعليه أن يراجع حكمه، وليس في ذلك انتقاص من قدره، بل إنها تزيد الثقة فيه، فالقاضي عنده من الورع والخوف ما يجعله يراجع ويدقق، ومن ثم سيرتاح إليه الخصوم في أنهم لن يظلموا إذ القاضي يبذل كل طاقته في تحقيق العدل. وختاما فقد كانت هذه الحادثة أمام السلف الصالح من القضاة الذين استفادوا منها كثيرا، فروي أن إياس بْن معاوية لما استقضى أتاه الْحَسَن، فبكى إياس؛ فَقَالَ لَهُ الْحَسَن: ما يبكيك ? قال: يا أبا سعيد بلغني أن القضاة ثلاثة؛ رجل اجتهد، فأصاب فهو في الجنة، قَالَ: الْحَسَن: إن فيما قص الله مربياً داود وسليمان صلى الله عليهما ما يرد قول هؤلاء؛ يقول الله عز من قائل: " وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً) فأثنى الله على سليمان، ولم يذم داود؛ ثم قَالَ: الْحَسَن: إن الله عز وجل أخذ على العلماء ثلاثاً؛ لا يشترون به ثمناً قليلاً، ولا يتبعون فِيْهِ الهوى، ولا يخشون فِيْهِ أحداً؛ وقرأ هذه الآية: " وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً[المائدة:43-44]. وهذه القصة لها ما يشبهها في سلفنا الصالح والحديث موصول إن شاء الله
15699
| 20 يوليو 2014
يقول تعالى: "وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ" [ص:21]. هذه القصة عجيبة، ومثار للعجب ولهذا شوّق الله إليها بقوله (وهل أتاك) الاستفهام للتشويق. والخصم يطلق على الواحد والمتعدي اعتبارا بالمعنى. على أن من أتى البيوت من غير أبوابها، فإن فعله سبب للخوف والفزع. اذ أن داوود عليه السلام كان قد أغلق بابه، أو جعل عليه حاجبا يمنع الناس من الدخول عليه. ابن عثيمين كما أن داوود عليه السلام في أغلب أحواله لازما محرابه لخدمة ربه. "إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ" [ص:22]. وهنا ملاحظات ذكرها ابن عثيمين نوردها للفائدة :ـ الحكم بين الناس أفضل من العبادات الخاصة، لأن نفعه متعد والعبادات الخاصة نفعها قاصر.ـ أن الأنبياء يلحقهم من الطبائع البشرية ما يلحق غيرهم لقوله (فَفَزِعَ مِنْهُمْ). ـ ينبغي أن يطمّئن المفزٍِع من فزع منه بنفي سبب الفزع قبل كل شيء لقولهم: (لا تَخَفْ) ثم ذكروا القصة. ـ بيان أن هذين الخصمين قد اعتدى بعضهم على بعض، وليست المسألة كلامية أو ليس فيها عدوان. ـ أن هذين الخصمين أساءا الأدب مع داوود عليه السلام من بعض الوجوه، حيث قالا: (فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ) لأن هذا قد يُولّد تهمة من أنه لن يحكم بالحق. ـ أن كل البشر يطلب الصراط السوي الذي ليس فيه ميل ولا إجحاف. ـ أنه ينبغي استعمال الأدب في الدخول على الحكام وغيرهم. ـ أنه لا يمنع الحاكم من الحكم بالحق سوء أدب الخصم وفعله ما لا ينبغي. ـ كمال حلم داوود عليه السلام، فإنه ما غضب عليهما ولا انتهرهما ولا وبخهما. السعديـ جواز قول الظالم لمن ظلمه: أنت ظلمتني، أو يا ظالم، أو باغ علي."إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ" [ص:23].ـ لباقة هذين الخصمين حيث لم تثر هذه الخصومة ضغينتهما لقوله (إن هذا أخي) مع أنه قال في الأول (بغى بعضنا على بعض) لكن هذا البغي لم تُفقد به الأخوة. ـ أن هذه الخصومة غريبة، لأن أحدهما له 99 نعجة، والآخر نعجة واحدة ومع هذا طمع الأول بالثاني!. ـ أن بعض الخصوم قد يكون أقوى في المخاصمة من الآخر حتى يغلبه لقوله (وعزّني في الخطاب). ـ ينبغي أن يكون الإنسان قوي الحجة والبيان حتى تحصل له الغلبة على صاحبه، هذا إذا كان بحق، أما إذا كان بغير حق فالواجب عليه أن يخرس لينطق غيره بالحق!."قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ" ـ أن داوود عليه السلام حكم بينهما دون أن يسمع دفاع الخصم الآخر، ولعل عذره أنه أراد السرعة في إنهاء القضية ليتفرغ لما احتجب به عن الناس من عبادة الله تعالى، فخاف أن يطول النزاع والخصام فبادر بالحكم. ـ أن أكثر الشركاء يحصل من أحدهم بغي على الآخر، وهذا من الغريب!.ـ ليس جميع الخلطاء يحصل منهم البغي لقوله (كثيرا). ـ أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يحصل منهم البغي، لأن إيمانهم بالله وبالحساب وعملهم الصالح يمنعهم عن هذا، ويكون درعا بينهم وبين البغي والعدوان.ـ كلما كان الإنسان أقوى إيمانا وأكثر عملا للصالحات كان أبعد عن البغي والظلم.
889
| 18 يوليو 2014
كان الحديث بالأمس عن يوسف عليه السلام المتهم في قضية امرأة العزيز وكيف أن الله برأه أمام الناس مرتين، مرة إثر وقوع الحادثة والقضاء عليه ظلما، ومرة أخرى بعد أن رفض الخروج من السجن إلا بعد إعلان براءته، فليس الفرح بالحرية مهمًّا بقدر الفرح بالبراءة من التهمة التي قذف بها زورا وبهتانا. واليوم نحن في مجلس يكون سيدنا يوسف فيه قاضيا، بعد أن كاد لأخيه ووضع صواع الملك في رحله، وهو صواع من ذهب، يشرب فيه الملك الخمر من طرف، ويكال القمح بالطرف الآخر وهذا يعطيك إشارة إلى نفاسة القمح والميرة والغذاء في ذلك الزمان. ويصور القرآن لحظة اكتشاف السرقة ثم ينادي المنادي: أيتها العير إنكم لسارقون، ولنتأمل التعبير: إن الاتهام جاء مؤكدا بإن واللام وجاء في صيغة جملة اسمية تدل على ثبوت الجريمة، وهذا تطلب ردا يوافق هذا الاتهام من إقبال سريع، وتلهف في السؤال: ماذا تفقدون؟ ثم تبدأ المحاكمة التي اعتمدت شريعة يعقوب كأساس للحكم، لأن إخوة يوسف سُئِلوا: فما جزاؤه إن كنتم كاذبين؟ قالوا من وجد في رحله فهو جزاؤه، أي يكون رقيقا عند من سرق منه. إذًا وضع القانون الذي ستتم المحاكمة على أساسه، ولتبدأ المحكمة في التحقيق والتفتيش، وبدأ سيدنا يوسف بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، ثم استخرجها من وعاء أخيه. إذًا جاء الدليل بأن أخاه قد سرق، وجاء وقت تنفيذ العقوبة. لقد تأملت هذه الآية طويلا، وقلت لماذا فعل يوسف عليه السلام ذلك، أليس هذا في عرفنا "تلفيقا للتهم" ورميا بالزور، وإننا ننزه نبي الله يوسف عن هذا وهو الذي رفض الحرام وعاش في شظف العيش؟! قال الماوردي: فإن قيل: كيف استجاز يوسف أن يجعل السقاية في رحل أخيه وهم برآء، وهذه معصية؟ قيل عن هذه أربعة أجوبة: أحدها: أنها معصية فعلها الكيال ولم يأمر بها يوسف الثاني: أن المنادي الذي كال حين فقد السقاية ظن أنهم سرقوها ولم يعلم بما فعله يوسف، فلم يكن عاصياً . الثالث: أن النداء كان بأمر يوسف، وعنى بذلك سرقتهم ليوسف من أبيه، وذلك صدق . الرابع: أنها كانت خطيئة من قبل يوسف فعاقبه الله عليها بأن قال القوم (إن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل) يعنون يوسف . وذهب بعض من يقول بغوامض المعاني إلى أن معنى قوله: (إنكم لسارقون) أي لعاقون لأبيكم في أمر أخيكم حيث أخذتموه منه وخنتموه فيه. وذكر الفخر الرازي وجوها قريبة من الوجوه السابقة ؛ فقال: ذكروا في الجواب عنه وجوهاً: الأول: أنه عليه السلام لما أظهر لأخيه أنه يوسف قال له: إني أريد أن أحبسك ههنا ، ولا سبيل إليه إلا بهذه الحيلة فإن رضيت بها فالأمر لك فرضي بأن يقال في حقه ذلك ، وعلى هذا التقدير لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام فخرج عن كونه ذنباً . والثاني: أن المراد إنكم لسارقون ليوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام والمعاريض لا تكون إلا كذلك . والثالث: أن ذلك المؤذن ربما ذكر ذلك النداء على سبيل الاستفهام ، وعلى هذا التقدير يخرج عن أن يكون كذباً . الرابع: ليس في القرآن أنهم نادوا بذلك النداء عن أمر يوسف عليه السلام والأقرب إلى ظاهر الحال أنهم فعلوا ذلك من أنفسهم لأنهم لما طلبوا السقاية وما وجدوها وما كان هناك أحد إلا هم غلب على ظنونهم أنهم هم الذين أخذوها. ولكن تأملت صدر السورة فوجدت تحذير يعقوب ليوسف من أن يقص رؤيته على إخوته حتى لا يكيدوا له، وهو ما حدث بالفعل، فأراد يوسف عليه السلام أن يذيقهم مرارة الكيد التي ذاقها من قبل. ولقد ذكَّرتهم مرارةُ هذا الكيد بحقدهم على أخيه يوسف من قبل، فقالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، فأسرها يوسف في نفسه، لعلمه ببراءته وأخيه مما قذف به، ثم قال لهم: أنتم شر مكانا، وهذه ليست شتمة بل حقيقة. وعند تنفيذ العقوبة تذكروا أباهم وما أخذ عليهم من العهد والميثاق، فقالوا: إن له أبا شيخا كبيرا، فخذ أحدنا مكانه، فوضع سيدنا يوسف مبدأ مهما يتمثل في أن كل واحد يتحمل عقوبة نفسه، فلا تزر وازرة وزر أخرى، وهذه هي المسؤولية الفردية التي ارتضاها الإسلام، فالدين عند الله الإسلام من آدم وحتى محمد صلى الله عليه وسلم. إن رد إخوة يوسف بعد تنفيذ العقوبة استدعاه أحدهم لما أراد الحجاج أن يعاقبه. أدخَلوا على الحجاج بن يوسف الثقفي رجلا مُقَيّدا، فقال له الحجاج: ما شأنُكَ يا هذا ؟ فقال الرجل: أصلح الله الأمير، أرعني سمعك، واغضض عني بصرك، واكفف عني سيفك، فإن سمعتَ خطأ أو زللاً دونك والعقوبة.قال: قل .فقال: عصى عاصٍ مِن عُرض العشيرة ؛ فحُلِّقَ على اسمي (أي جُعلت حلقةٌ على اسمه في الدولة، كما نقول الآن وُضع في القائمة السوداء أو وُضعت عليه نقطة)، وهُدِّمَ منزلي، وحُرِمتُ عطائي (عطائي من بيت المال). (مجمل كلامه أنّه أُخِذ بذنب غيره)قال الحجاج: هيهات هيهات، أو ما سمعت قول الشاعر: جانيك من يجني عليك وقد تعدي الصحاحَ مباركُ الجُربِ (جانيك مَن يجني عليك: أي أنه لا يجدر بك أن تقتص إلا مَن تسبب لك بالأذى، تعدي الصحاح مبارك الجرب: هذا استثناء لصدر البيت، ويعني انّ الجمال الجرباء تتسبب بالعدوى للجمال السليمة، فبهذا يمكنك أن تُحاسب بالذنب غير صاحبه)ولَربَ مأخوذ بذنب عَشيرة -- ونَجا المقارفُ صاحب الذنبِ ... ؟ قال الرجل: أصلح الله الأمير، ولكني سمعت الله عز وجل يقول غير هذا!قال: وما ذاك ؟ قال: قال عز وجل "ياأيها العزيزُ إن له أباً شيخاً كبيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مكانهُ إنًا نَراك مِن المُحسنين، قال معاذ اللهِ أنْ نأخُذَ إلا مَن وَجدنا مَتاعَنا عِندهُ إنًا إذاً لظالمون".فقال الحجاج: عَليَّ بيزيد بن أبي مسلم، فمثل بين يديه.فقال له: افكُك لهذا عن اسمه، واصكك له بعطاء، وابن له منزله، ومُر منادياً ينادي: صدق الله وكذب الشاعر . والحديث موصول إن شاء الله
9180
| 17 يوليو 2014
مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف...
3201
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير...
2589
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر...
2277
| 02 يونيو 2026
دخلنا عصراً جديداً توجهنا معه وخاصة مع جائحة...
1530
| 01 يونيو 2026
في ديسمبر 2025، أصدرت إدارة ترامب وثيقة الأمن...
1518
| 04 يونيو 2026
• انقضى موسم الحج لهذا العام، ونجحت المملكة...
1281
| 03 يونيو 2026
.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال...
1173
| 04 يونيو 2026
اجتاحت المكتبات العربية في بداية الألفية الجديدة موجة...
1134
| 02 يونيو 2026
ما أهلك فرعون سوى عقله المتحجر المتصلب، وبالمثل...
852
| 04 يونيو 2026
أنواع النخب الاجتماعية عديدةٌ، وذلك بحسب المجال الذي...
717
| 01 يونيو 2026
﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ﴾، كلما مررت...
669
| 02 يونيو 2026
ليست كل النهايات موتا، بعض النهايات بداية لحياة...
612
| 02 يونيو 2026
مساحة إعلانية