رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حرائق إسرائيل في موسم الجفاف السياسي

هل يتذكر الإسرائيليون جريمة إحراق المسجد الأقصى عام 1969 على يدّ الإرهابي مايكل دنيس، أم لا يتذكرون أيضا حرق الأراضي العربية والبشر بقنابل النابالم الحارقة في تاريخ جرائم دولتهم ضد أهل الأرض والتاريخ، أم أنهم يتناسون كيف كان الفسفور الأبيض يحرق الأحياء ويشعل الأوكسجين فوق مساكن المدنيين في غزة خلال حروب أولمرت وشارون وأشقائهم من تنظيمات الحكومات الإرهابية،وهل يعترفون بأن السلطات قطعت المياه عن المسجد الأقصى عقب إحراقه مباشرة ومنعت سيارات الأطفاء العربية، ولم تتدخل في عملية الإطفاء آنذاك؟ أم إن تلك الصفحات من تاريخ النار غير منشورة في صحائف تاريخهم الأسود.لا يمكن لنا أن نتجول بين حرائق المستعمرات اليهودية التي بنيت فوق الأراضي العربية مثل "بيت ميئير" التي قامت على أراضي بلدة "بيت محسير" الفلسطينية،أو في مدينة حيفا التي أتت الحرائق فيها على حوالي ألفي منزل وشقة واحترقت حولها بساتين وحقول، ولذلك لا يمكننا التجول بسؤال ضحايا النيران الملتهبة لنرى ما هو رأيهم حول ردة الفعل الإنسانية، عندما كانت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي والمدفعية الثقيلة تمطر مدينة غزة والبلدات الأخرى بالقذائف الحارقة والقنابل العنقودية والفسفور الأبيض،وكيف هي مشاعر الأهالي وهم يهربون من الحرائق التي تخلفها القذائف العملاقة وتهدم البيوت فوق ساكنيها وتقتل أكثر من 200 طفل و300 امرأة في إسبوع واحد.إن الحرائق التي نشبت في أنحاء مختلفة بالمرتفعات الشمالية والغربية لمدينة القدس العربية ومناطق واسعة من دولة الكيان الإسرائيلي وفي مدينة حيفا المحتلة وغيرها من المناطق، لم تكن الأولى فقد نشبت حرائق كبيرة قبل سنوات، وفي المرتين يهب العالم لنجدة إسرائيل وشعبها، دول أوروبية والولايات المتحدة ودولة أريحا، ومعلومات عن الأردن أيضا، جميعهم هبّوا لمساعدة الدولة التي تقتل الأطفال والنساء بالنار والحديد دون رحمة ودون بكاء، ومع هذا يجد قادة الحكومة الإسرائيلية مخرجا جديدا لتوجيه اللعنة الى العرب الضعفاء، وتكرر التهم ضد الفلسطينيين بأنهم سبب البلاء، وإنهم يشعلون الحرائق لحرق دولة إسرائيل الديمقراطية، المصابة بفقدان الذاكرة دائما عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين المساكين.الحرائق أتت حتى صباح الأحد الماضي موعد إطفاء آخر بؤرة مشتعلة منذ أسبوع على آلاف الدونمات وعشرات المستعمرات والأحياء السكنية، فكانت دافعا قويا كالعادة لعودة الصوت الصهيوني المتطرف ضد العرب الفلسطينيين، وهذه المرة غيرّ وزير الدفاع المتطرف "افيغدور ليبرمان" من عقليّة الخطاب والنوايا ، فبدل الدعوة للقتل دعا للانتقام بواسطة البناء، فقد قال" أن الردعلى سبع عشرة حادثة افتعال حرائق من أصل المائة وعشرة، هو توسيع أعمال البناء في يهودا والسامرة، يعني في الضفة الغربية وعلى أراضي الفلسطينيين، أليس هذا مكسبا لا يقدر بثمن للدولة السارقة ؟إن موسم الجفاف الذي يضرب بلاد الشام ليس موسم جفاف مطرّي فقط، بل هو موسم جفاف وقحط سياسي وأخلاقي أيضا، فلا أحد هنا على هذه الأرض الشامية يريد للحياة أن تزدهر،لأن إسرائيل تريد أن تبقى هي القوية التي تصرخ في وجوه الضحايا الفلسطينيين بعد قتلهم، والمدنيون يُقتلون أيضا في سوريا، ولا أحد يريد أن يوقف المجانين الذين يسيطرون على أنظمة الحكم في الجانبين الإسرائيلي والسوري عن جرائمهم.

683

| 29 نوفمبر 2016

أزمة الأذان..إسرائيل بلا أخلاق

في مثل يوم أمس 21 \11 \1988 قبل ثمانية وعشرين عاما تم انتخاب "دوف شيلانسكي" رئيسا للكنيست الإسرائيلي الثاني عشر،حيث ألقى شيلانسكي كلمة جاء فيها: " الكنيست هي سلطة تشريعية ومؤسسة سياسية تتولى من بين سائر الأمور الرقابة على السلطة التنفيذية وهنالك من قال إنه لا يمكن ممارسة السياسة مع الأخلاق، ولكن لا يمكن أيضا ممارسة السياسة من دون الأخلاق"، فإذن الرجل الثاني عشر على رأس السلطة التشريعية في الكيان الإسرائيلي، كان يصر على العمل السياسي بالإطار الأخلاقي، ويؤكد على أن دور الكنيست هو الرقابة على سلطة حكومة الاحتلال الكامل آنذاك، فيبدو أن الحصان يجري وراء العربة اليوم في إسرائيل. إسرائيل لم تعد دولة تهدد الأمن والسلم الاجتماعي في فلسطين فحسب، بل إن قادتها يعملون بعكس نظرية شيلانسكي،إنهم سياسيون بلا أخلاق، ليس لأنهم تنكرّوا لعلمانية دولتهم التي صنعوها فوق جثث العرب على أرض فلسطين فحسب، بل لأنهم يمارسون الكذب والتضليل والمراوغة دون أي حرّج أو خوف من أي قرار لأي قوة في العالم، لهذا هرول الجميع الى دعم مشروع القانون العنصري بمنع الأذان عبر مكبرات الصوت ، ولولا تدافع النواب العرب،وعلى رأسهم د.أحمد الطيبي ، لأصبح المسلمون يؤذنون بواسطة أكف أيديهم .المشكلة الكبرى، أن المسؤولين الصهاينة قد أصيبوا بالعمى السياسي، فهم يرون كل شيء على تلك الأرض المقدسة كوابيس متوحشة لا يستطيعون النوم معها، وحدها اليهودية المتطرفة هي أغنية المساء التي يحبون سماعها قبل أن يناموا، فلا حلول سياسية بين أيديهم ولا أي أفكار لمنح العرب حقوقهم المجتزأة حتى، فإذا كان رفع الأذان يزعجهم وهو صوت يملأ الكون كله على مدار الساعة بفضل الله ، فإن "قانون التسوية" هو آخر إنجازات حكومة نتنياهو العمياء، والقانون يهدد كل الأراضي الفلسطينية داخل الخط الأخضر، وفي القدس العربية أيضا، ويهدد بلدة "عمونة" التي صدر قرار بإخلاء السكان العرب منها.إن الضجة التي قامت حول مسودة القانون بمنع رفع الأذان عبر مكبرات الصوت في المساجد، قد غطت على قوانين أخرى تسلب الأرض العربية مجددا، وتسمح لليهود بالاستيلاء على المزيد من الأراضي بدعم من الحكومة والسلطة العسكرية والمحكمة العليا، فبلدة "بيت حنينا" ينتظرها تهديد جديد من قبل بلدية القدس،يتمثل بهدم 14 عمارة تسكنها 40 عائلة فلسطينية والمفارقة أن تجد من بين ملايين البنادق السياسية في تل أبيب رأس معارض يرتفع ليقول الحقيقة رغم اتفاقهم على العداء للشعب العربي المُستعمَر، فرئيس المعارضة إتسحق هرتسوغ رئيس حزب العمل علق "إن هذا القانون هو قانون البلاهة للكنيست الإسرائيلي ،هذا قانون يعترف بالسلب والسرقة "، هرتسوغ ضابط الاستخبارات السابق، يبدو أنه تعلم شيئا من أحلام شيلانسكي عن الأخلاق السياسية، ولكن المشكلة أن دولته المزعومة لا تقبل بالحق أصلا فكيف تقبل بالأخلاق.إن قضية منع الأذان هي واحدة من محاولات فرض يهودية الدولة الإسرائيلية،وحينها لن يجد العرب مكانا لهم فيها وستمنع المساجد من إقامة الصلاة وكذلك الكنائس من دق أجراسها، ليبقى البوق يصدح كل سبت لإعلان الأخلاق الصهيونية السيئة، ونحن بالطبع نائمون عن حق الله

529

| 23 نوفمبر 2016

الإبادة ضد المسلمين مستمرة

لا يمكن لأي إنسان سويّ عاقل مؤمن بالحياة والموت أن يقبل إبادة البشر وقتل أناس لا ذنب لهم مهما كانت صفاتهم وألوانهم أو عقائدهم و إثنياتهم، ومن يقبل ذلك ولو فكريا فهو واحد من اثنين إما مجرم متوحش يستحق العقاب أو مريض نفسيا وعقليا يستحق الحجر عليه ومنعه،وهذان الصنفان من البشر هم من يقودوا -على ما يبدو- إدارة عمليات القتال ومعارك الإبادة ضد المدنيين العزّل في شرق وغرب آسيا تحديدا، ولعل أشهر الجرائم المرتكبة ضد المدنيين من نساء وأطفال وشيوخ ترتكب في شرق آسيا بمينامار وغرب آسيا في بلدات الموصل على يد المليشيات. إن تعمد الجيش البورمي أول أمس الأحد قتل خمسة وعشرين من مسلمي "الرهونجا" علنا، هو إعلان فاضح لعمليات الإبادة الجماعية التي تمارس ضد مسلمي تلك الجماعة بناء على عرقها ودينها، والتي بدأت منذ عقود لطرد الرهونجا من أرضهم التي عاشوا عليها مئات السنين، بدعم تشريعي بناء على قانون الهجرة الذي أصدره عام 1974 الدكتاتور "ني ون" الذي اغتصب السلطة عام 1962 ، لتبدأ مرحلة جديدة من عمليات التطهير العرقي والديني ضد المسلمين والمسيحيين بأيدي السكان والعسكر البوذيين حتى اليوم.إن مصطلح الإرهاب وجعله مدخلا غير نزيه للانقضاض على السكان والمدنيين وقتلهم وتجريدهم من ممتلكاتهم وطردهم من أراضيهم ، هو بلا شك جريمة عالمية تشترك فيها كل القوى العظمى التي سيطرت على العالم الآسيوي منذ عصر الاستعمار وحتى اليوم الذي صمت الجميع في الغرب المتحضر والشرق المتحرر من عبودية الاستعمار الغربي، حتى وصل عدد المسلمين الذين يقتلون في دول جنوب شرق آسيا إلى مئات الآلاف، فيما تسجل الجرائم ضد المدنيين في العراق وسوريا إلى مئات آلاف أخرى.إن ما يميز عمليات القتل العشوائي والتعذيب والطرد والتهجير في "مينامار" ومثلها في محيط مدينة الموصل العراقية هو الصمت الرضائي من السلطات الحاكمة والمراقبة الدولية على ما يجري، وتشاء الصدف أن يتزامن الغلو في قتل وطرد المئات والآلاف دفعة واحدة في هاتين المنطقتين في الربع الأخير من العام 2016 ما يجعل المرء يتساءل عن جدوى وجود هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها الحقوقية والأمنية بما فيها مجلس حقوق الإنسان، في الوقت الذي يشهد فيه العالم ثورة اتصالات سريعة جدا، مكنت أي إنسان من توثيق الجرائم عبر هاتف خليوي وبثه فورا، ومع هذا لا أحد يهتم حقيقة لما يجري .قبل أشهر نشر الصحفي الروهنجي "عمار بن ولي"إن "السلطات الحاكمة تمنع مسلمي بورما من مغادرة البلاد لأي سبب كما أنها تمنعهم من العلاج والتعليم في الداخل،موضحا أن عددا قليلا من مسلمي بورما،سمح لهم بالحج خلال العام الماضي، ولكنهم ليسوا من مسلمي الروهنجا التي تتعرض منذ أربع سنوات الى اضطهاد السلطات البوذية الحاكمة، لدفعهم إلى الهجرة والاستيلاء على إقليمهم والسيطرة على الثروات الطبيعية الضخمة حسبما جاء في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية.

528

| 15 نوفمبر 2016

رئاسة لبنانية على أساس اتفاق الدوحة

أخيرا يخرج لبنان مرة ثالثة من المأزق، الأولى بعد اتفاق الطائف، والثانية اتفاق الدوحة، واليوم وبعد عامين ونصف من الفراغ الدستوري الرئاسي وأربع جولات دراماتيكية ينتخب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية اللبنانية بعد ربع قرن من صراعه لحكم لبنان، وهو العسكري الرابع الذي يحكم لبنان، ما أنقذ الدولة اللبنانية من السقوط مرة أخرى في براثن الحرب السياسية والاحتكام للسلاح رغم أنه لم يعقد أي مؤتمر للاتفاق على انتخاب الرئيس كما حدث في الدوحة منذ ثماني سنوات لبنان الدولة العربية الوحيدة التي يحكمها نظام ديمقراطي استثنائي ينتخب بموجب دستوره رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء عبر تصويت البرلمان،غير أن المحاصصة الطائفية والحزبية المرهونة بالخارج قد أهلكت بنيتها السياسية،وجعلت قراره مرهونا بقوى داخلية يمكنها إفشال كل شيء في ذلك البلد الجميل، حتى باتت الدولة اللبنانية تخضع لرغبات وسيطرة وكلاء إيران.انتخاب عون لم يكن قرارا لبنانيا قطعا، بل باعتقادنا أنه جاء بناء على متغيرات المرحلة الإقليمية التي باتت إيران بفضل الغطاء الأمريكي لها منذ احتلال العراق وحتى الاتفاق النووي، باتت رقما صعبا في معادلة الشرق الأوسط والعالم العربي، ويبدو أن التفاهمات بين الدول الإقليمية التي أفضت إلى قبول تنصيب العماد عون كانت بإيعاز إيراني لوكيلها العام في لبنان حسن نصر الله الذي توصل منذ 11 عاما إلى اتفاق تعاون مع عون نتج عنه تغير في مواقف الأخير تجاه النظام السوري .عون أثناء الحرب الأهلية اللبنانية كان قائدا للجيش اللبناني، وأحد آباطرة الحرب وبارونات السلاح الذي كان يتدفق لموانىء بيروت، حيث كان عون متحالفا مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ، الذي كان يمده بالأسلحة والأموال في حربه ضد الرئيس حافظ الأسد وجماعته في لبنان، لقد كان عون مالكا لأحد المرافىء الخاصة المنتشرة عبر سواحل لبنان، وخاض معارك طاحنة مع القوات السورية وقوات الكتائب بزعامة سمير جعجع، ولهذا لو تحاكمنا للتاريخ سنجد أن كل أولئك السياسيين الذين يتبادلون الأدوار في لبنان ويعطلون حياة الشعب اللبناني، هم أقرب الى مجرمي الحرب التي طوى قضيتها اتفاق الطائف.لبنان اليوم إن تحركت عجلة الحياة السياسية فيه من جديد بسبب رضى نصر الله ووليد جنبلاط زعيم الدروز والتوافق مع سعد الحريري، فهو بلا شك مؤشر الى فكفكة ألغاز الحرب في سوريا واليمن والعراق أيضا.لن يكون أي اتفاق سياسي في لبنان مبني على أرض صلبة ومبشر بمرحلة جديدة وطويلة من العمل لأجل الدولة اللبنانية بكامل مكوناتها إلا إذا تخلصت الدولة فعلا من عقدة الارتهان للدول الأجنبية ووكلائها، فليس أسوأ من أن يصل القرار السياسي بالدناءة التي تدفع بعض الأقوياء إلى منع بلديات بيروت وشقيقاتها من تنظيف الشوارع ونقل القمامة والنفايات وهي أبسط متطلبات السلامة البيئية والصحة العامة، ومع هذا لا ينسى الناس كيف كانت قوات نصر الله تستعرض بأسلحتها خارج الضاحية الجنوبية ، أو تهديد المناوئين للنظام السوري بمعاقبتهم .

341

| 01 نوفمبر 2016

الإيمان لا يمكن انتزاعه من القلوب

لنعيد قراءة تاريخ نشوء أكبر الدول العلمانية الأكبر، إنها الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعم مؤسساتها تغيير المناهج الدينية والسياسية في بلادنا، كي نفهم بداية وصول الجنس الأبيض لها ولماذا، وحينها سندرك أن أول فوج للعِرق الأبيض وصل شواطىء أمريكا كان البروتستانت الفرنسيين ، ثم مجموعات دينية هربت من إنكلترا لإقامة الدولة الكاثوليكية بعد التضييق عليها في بريطانيا العظمى لتزاحم الإسبان الذين سبقوهم لبلاد الهنود الحمرّ الذين جاء أجدادهم من شرق آسيا،وكانت الغاية من الاستطيان الجديد هو صنع عالم جديد مبني على أسس دينية مسيحية لبناء مستقبل أفضل للمزارعين على الشاطىء الغربي للأطلسي. الولايات المتحدة هي دولة علمانية نظريا، ومع هذا لا يزال الشعار الديني يحكم روحها، فعلى ورقة العملة الأمريكية،الدولار، نقرأ " إيماننا بالله"، وحتى يوم الجمعة الماضي نجد أن الشخص الوحيد الذي استطاع أن يجبر مرشحي الرئاسة الأمريكية هيلاري كلينتون ودونالد ترامب ليتصافحا ويطلقا الضحكات هو كاردينال نيوورك "ديموتي دولان" خلال عشاء خيرّي ، وهذا يؤكد على سيطرة رجال الدين المسيحي في قلعة العلمانية الأكبر، إذ يعترف 80 بالمائة من الأمريكيين أنهم مسيحيون، مقابل 16 بالمائة يصنفون بلا دين أو لا يعرفون حقيقة إيمانهم.في العالم الإسلامي هناك نزعات متطرفة بلا شك، فالدولة الوحيدة التي قامت على أسس ثورية دينية أحادية المذهب هي إيران، وهي لا تسمح لغير الشيعة بحرية العبادة وتسنم مناصب الدولة، بل وتتبنى أبناء المذهب الطائفي في كل أنحاء العالم، وهي بذلك تمثل الدولة الثيوقراطية الطاردة، فيما المقارنة بالمملكة العربية السعودية ليس عادلا، فالشريعة الإسلامية تعتبر المصدر الوحيد للتشريع ولكن إدارة الدولة وبقية المؤسسات ليست منغلقة على رجال الدين فقط،ومع هذا لا أحد في الغرب يجرم إيران أو يطالبها بالتحول الى النمط العلماني أو المدني.ما لا يريد أن يفهمه المنادون بالتحول للدولة المدنية وفصل السلطة في العالم العربي عن تراث المجتمع وهويته الإسلامية كما أصبح يتنامى باطراد في الأردن ومصر تحديدا، أن النظام الحاكم يستمد شرعيته من الشعب،والمجتمع يستمد هويته من الإرث الديني والتاريخي المبني على تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية الحميدة، فيما يشكل النظام الإجتماعي أهم ركائز الاستقرار والتعايش الطبيعي مع أتباع الدين الآخر، فقد شكلت المسيحية أحد أسس وجود الاجتماع الديني قبل قيام الدولة العربية، فيما شكل المجموع الإسلامي الحاضنة الأكبر التي يتحرك فيها ومن خلالها أعداد قليلة ممن يصنفون باللادينيين أو العِلمانيين المتمردين اليوم،وهذا ما يجب أن يفهمه الجميع أن ضمان حقوق الأقلية مصان، وهو بالتأكيد ضمان أكثر لحق الأغلبية سياسيا ودينيا واجتماعيا.إن مبدأ سيادة القانون يجب ان يحمي كل معتقدات المواطنين الأصلية ومن المفترض أن يحمي مقدرات الأوطان أيضا، وثروات البلاد والأموال العامة، ويحمي مؤسسات الدولة وهياكلها المدنية كما يحمي الهياكل الدينية وعدم الإخلال بها أو التطاول عليها، فليس من المقبول أن يتنطع أحد ممن يمارس شهواته بلا قيد شرعي ،متمتعا بالحرية القانونية،ليهاجم المؤمنين أو يستهزىء بهم وبعلماء الدين وتقاليد المجتمع، متناسيا أنه الاستثناء والمجتمع هو القاعدة الرئيسة. وليس من المنطق أن تستأثر فئة المتحررين والملحدين على قلتهم ،بقرار الأغلبية العامة، وتقودهم لمستقبل لا تعرف تلك الفئة نفسها ما شكل ذلك المستقبل، فقط لأن مؤسسات أمريكية أو غربية تدعم توجهاتهم، فحتى نمنع التطرف يجب أن يبقى علماء الدين هم الفيصل لوضع التوازن للمجتمع وضوابطه مع الآخر، أما المسؤولية السياسية فهي في قبضة النظام دائما حتى لو كانت الدولة علمانية تماما.

430

| 25 أكتوبر 2016

الموصل بين كارثتين

أخيرا أعلنها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي صباح الإثنين، معركة لا هوادة فيها لما وصفها تحرير الموصل، ومعركة "العبادي والنجيفي" بدأت بدعم واضح من المستشارين الإيرانيين والأمريكيين وقواتهما،بعد أوامر نائب وزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكن" للعبادي والبرزاني ليتفقا على مسودة المعركة وحكم الموصل مجددا، ومع انطلاق المعركة ينطلق عداد الزمن المتسارع لقرب وقوع كارثة جديدة ستحل بالمدنيين والعائلات في مدينة الموصل وأقضيتها وتدمير بنائها الحضاري والسكني وتشريد مئات الآلاف من العائلات مجددا بعد الكارثة الأولى على يد التنظيم إن ما يخشاه العالم المتحضر وكذلك الأمم المتحدة ورغم التطمينات الرسمية من بغداد،هو أن تعيد قوات الحشد الشعبي الطائفي،بقيادة أثيل النجيفي، التذكير بمجازرها ضد المدنيين بناءً على روح الانتقام الشريرة المسكونة في ذلك البلد منذ سقوطه بيد المحافظين الجدد بقيادة جورج بوش، ثم يد المحافظين الشيعة الجدد الذين ارتكبوا الفظائع في محافظة الأنبار ونينوى وصلاح الدين ولم يحاسبهم أحد، ولننتظر لنرى الموصل ما بعد داعش، فالأمم المتحدة أعلنت قلقها من مصير مليون ونصف مليون مدني، ولكن تجربة تحريرالمدن السابقة لا تعطي أي أمل بتغيير عقلية القيادات الراديكالية هناك.مدينة الموصل هي ثاني أكبر المدن العراقية سكانا، وليس فيها جدال عظيم مبني على النزاع الطائفي، فغالبيتها العظمى من السنة، ولعلها الواجهة العراقية الأكثر إهمالا منذ الاحتلال الأمريكي للعراق وحكم بريمر ثم الحكم الطائفي الذي أعاد العراق مئات السنين إلى زمن التخلف والفقر وحمامات الدماء،وجعل من العراقيين السنة فئة مُحبطة ومنطوية على ذاتها بعد تمثيلهم بأشخاص انتهازيين ولصوص ومتعاونين مع سلطات الاحتلال وسلطات بغداد المؤتمرة بإمرة القادة الإيرانيين الذين يتحكمون بكل مفاصل القرار الداخلي لمنظومة الحكم في عراق ما بعد صدام حسين،حتى وصل الأمر بالمدينة الجميلة أن تقع بكل سهولة بيد تنظيم داعش، بعد أن استولى طواعية على أسلحة ثلاث فرق للجيش العراقيإن الأهمية الاستراتيجية لمدينة الموصل ودورها التاريخي والجغرافي، جعلها هدفا للدول التي نشأت في إيران منذ زمن بعيد، بل إن هناك ما هو منسي عند البعض، وهو أن الموصل كانت أحد الحصون الكبرى للحكم العثماني في العالم العربي مقابل الدولة الصفوية التي احتلت أجزاءُ من العراق ومنها بغداد و الموصل ولكن السلطان سليمان القانوني حررها بعد ثلاثين عاما وتم دحر محاولات غزوها من قبل الجيوش الصفوية، ولهذا حذّر الرئيس التركي رجب أردوغان من كارثة قد تحل بالسكان المدنيين في الموصل إذا أعاد الجيش العراقي والحشد الطائفي "إستراتيجية التطهير" ضد السكان، فسيلجأ غالبية المدنيين الى تركيا، وسيثبت الهدف الأصلي بأنه ليس طرد الإرهابيين بقدر ما هو معاقبة السكان كما جرت العادة.إن المشكلة الكبيرة في تعاطي حكومة بغداد مع المواطنين العراقيين من غير الشيعة، تتبعها مشكلة أكبر وهي الصمت الدولي والعربي عن السلوك المشين الذي يتبعه السياسيون والعسكريون والمرجعيات الدينية وقادة الجيش والمليشيات الطائفية ضد السكان في المناطق السنية، فالجرائم ترتكب وعمليات القتل الممنهج تزداد والتهجير قبل وبعد دخول القوات للمدن تستمر، ولا أحد يتم محاسبته، في مشهد يشبه صراع الحيوانات المتوحشة في الغابات المخفية،وهذه الصورة لا يمكن استثناء الموصل منها، فطائرات التحالف تقصف بشكل أعمى في الفترة الأخيرة،والجيش العراقي إلى جانب المليشيات ستدمر المدينة، فيما العدو المعلن وهو تنظيم داعش لن يخسر أي شيء ما دام أنه يتحرك أينما أراد.الموصل هي الشبيه المتعدد لكل المدن والمناطق السنية في العراق أو حتى سوريا، فالمدن الساقطة أمنيا منذ الغزو الدولي للعراق 2003 تقع تحت سيطرة الجماعات المتطرفة والإرهابية المدعومة عسكريا وتسليحا من جهة ما لا أحد يريد أن يخبرنا عن هويتها، وذلك بسبب ضعف الحكومة المركزية في بغداد وفي دمشق وانطوائهما على تحقيق الأمن العسكري في العاصمتين لإبقاء الروح في رأس منظومة الحكم، وتقسيمهما بين الولايات المتحدة للعراق وروسيا لسوريا،ولكن المشكلة أن الإستراتيجية المعروفة هي تدمير المدينة للبحث عن زعماء الأشباح الإرهابيين الذين يمكنهم الانتقال بسهولة دون أن تصلهم الصواريخ الذكية التي لا تفرّق بين أطفال ونساء أبرياء وبين مقاتلي داعش المتجولين.في قراءة لكل المحاولات الدولية للقضاء على تنظيم داعش نستنتج احتمالين: الأول يتعلق بالإرادة الحقيقية للدول الكبرى وهي الولايات المتحدة وروسيا، والتي لا يبدو أنها تتركز للقضاء على التنظيم بشكل نهائي، والثاني هو الهدف المعلن دائما من قبل الحكومة العراقية الذي يدعي محاربة التنظيم ولا يتحقق ذلك بشكل حقيقي ونهائي، فغالبية الضحايا هم من المواطنين السنة الأبرياء الذين يدفعون ثمن خلافات وأحقاد تاريخية،وهذا ما يستدعي تشكيل فريق مراقبة أممي من مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان ولجنة التراث العالمي ومنظمة الصحة العالمية، وإشراك تركيا في مراقبة العمليات العسكرية في الموصل، ومنع دخول أفراد مليشيات الحشد الطائفي إطلاقا للمدينة، وغير ذلك ستقع كارثة إنسانية وحضارية كبرى هناك دون أي مساءلة، وسيخرج البغدادي من مكان بعيد ليحشد من جديد، وتستمر الكوارث على تلك الأرض من جديد .

380

| 18 أكتوبر 2016

سيبرنيتشا جديدة في سوريا

لم يكن مفاجئا ولا مستغربا أن تفُشل روسيا قرارا لمجلس الأمن يدين النظام السوري لارتكابه الفظائع في حربه التي يشنها بأبشع الأساليب ضد الشعب السوري في حلب وغيرها من المدن السورية التي تحولت إلى ركام ومقابر ، ذلك أن روسيا التي لا يرف لمسؤوليها رمش عند مشاهدتهم لصور الأطفال والنساء تحت ركام بيوتهم ، لا تهتم أصلا بالأعداد أو التصنيفات الوطنية و المرتزقة أو بحقوق الإنسان المدني ، بل هي تعتبر أن دعمها للنظام السوري هو مباراة شطرنج لا يمكن لها ان تخسرها حتى لو استمرت سنوات عديدة . فإذا كان هناك دول ورؤساء عرب وفئات من شعبنا العربي لا يهتمون أطلاقا لكل ما يجري هناك من عمليات قتل وتهجير ممنهجين ذهب ضحيتهما ما يقارب عشرة ملايين سوري تشردوا في اصقاع العالم، بل إن صمتهم على جرائم النظام والمليشيات الطائفية والمشاركة الروسية الداعمة للعمليات الجوية والبرية والدعم اللوجستي والحربي الإيراني يكشف مدى حجم المأساة التي تعيشها الشعوب العربية المعرضة في أي وقت لذات العذاب والتنكيل والقتل لو ثار الشعب ضد الأنظمة ، ما يجعل الجميع مشاركا في مأساة الشعب العربي من خلال صمتهم على جرائم الحرب و عمليات التطهير الطائفي للعرب السنة في سوريا والعراق . وهنا إذ تعود بِنا ذاكرة التاريخ إلى الحرب في البلقان ومذابح المسلمين في البوسنة والهرسك ، سنجد أن إرهاصات حرب البوسنة هي ذاتها ما يجري في سوريا ، فالمسلمون هناك رغم أنهم ينادون بهويتهم البلقانية والبوسنية وخروجهم من تحت عباءة الخلافة العثمانية لما يزيد على ثمانين عاما ، تم تقتيلهم وتشريدهم في عمليات جرائم إبادة بشعة ، فضحت المدنية الغربية والأوروبية ، وانتظرت كل الدول المنخرطة في القضية اليوغسلافية حتى وقعت المذابح الكبرى ضد المسلمين وجزء من الكروات ، وكان أبشعها مذبحة سبرينتشا التي قادها الجيش والمليشيات الصربية ضد المدنيين والنساء منهم والأطفال وحتى الحيوانات وعمليات الاغتصاب التي طالت ما يزيد على ستين الف امرأة وقتل فيها ثمانية آلاف مدني في غضون ساعات ، ثم بعد ذلك جاء الناتو لينظف القذارة . لقد كانت حرب التطهير العرقي والديني التي وقعت منتصف التسعينات من القرن المنصرم ضد مسلمي أوروبا رغم أنهم غير أصوليين ، كانت واحدة من أبشع صور الانكشاف للنظام العلماني المتمدن المتوحش غير القابل للاندماج مع الآخر ، ولعبت فرنسا تحديدا الدور الكبير في التسويف والمماطلة وإتاحة الوقت للقوات الصربية للقيام بالعمليات العسكرية المتوحشة ضد سكان البوسنة والهرسك وكرواتيا المسيحية الأرثوذكسية ، وكانت غايتها فك ارتباط تلك المناطق والدول الصغيرة بألمانيا التي كانت هي الأخرى صاحبة مطامح ومصالح سياسية واقتصادية هناك ، ومع هذا لم يستطع العالم المتمدن أن يخفي وجهه البشع وأنيابه المدماه ، فلم تتحرك المنظمة العالمية الكبرى وهي هيئة الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن لفعل أي شيء يمنع وقوع الكارثة . وها هي حلب التي باتت صورة أكبر بشاعة وأكثر مأساوية من سبرينيشا ، وقبلها حمص وأدلب والغوطة الشرقية وغيرها من مدن سوريا ، ها هي تعيد الذاكرة السياسية إلى التاريخ القذر للسياسات العالمية التي تقودها مجموعة الدول الخمس المتحكمة بالمنظمة الأممية ومجلس الأمن ، فالفيتو الروسي رغم أنه لن يغير شيئا على أرض الواقع ورغم الإدانة للنظام السوري ، ولكنه فضح النوايا علنا ويمكن فهمه بوضوح ، بأن سوريا لم تعد دولة ذات سيادة ونظام حاكم وشعب يمكنه ان يختار من يشاء ، أكان رئيسهم الفاقد للشرعية والصلاحية أم أي بديل آخر ، فالقرار والخيار بيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، وسوريا باتت ميدانا خلفيا ستجري على أرضها كل التسويات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط ، ومن هناك يمكن للجميع التفاهم على تغيير وجه هذه الجغرافيا والديموغرافيا وإعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للعالم العربي ، بحيث لن يكون للشعوب العربية ولا أنظمتهم أي تأثير يذكر في تحديد مستقبلهم السياسي والثقافي والاقتصادي . عندما تدخلت الولايات المتحدة في حرب البوسنة وقاد الرئيس بيل كلنتون حلف شمال الأطلسي لضرب القوات الصربية متأخرا ، لم يكن ذلك انتصارا للمسلمين الذين زاد عدد قتلاهم هناك على ثلاثمائة ألف إنسان وعشرات الآلاف من النساء المغتصبات والأطفال المفقودين ، بل كان بناء على إعادة هيكلة العلاقات الأمريكية في شرق أوروبا ، وإزاحة فرنسا عن الساحة الجديدة لما تبقى من دول الاتحاد السوفييتي المنحل ، وكانت الإدارة الأمريكية قد أدركت أن ابتعادها عن تلك المنطقة سيترك المجال مفتوحا للمزيد من السيطرة الأوروبية وبدت ألمانيا مثالا لها على الدول الناشئة ، ولذلك كان تدخلا مصلحيًّا ، ووضع قدم لنفوذها في شرق أوروبا الجنوبي ، وهذا ما لم يحدث حتى الآن في سوريا ، فبدل واشنطن كانت موسكو ، ومحل كلينتون جاء ديمقراطي آخر هو أوباما، ولكن روسيا فازت بالرئيس بوتين العنيد الذي تجاوز عناده و دهاؤه ما كان عليه بوريس يلتسين ، في ظل كل هذا الصراع ، وجرائم الإبادة الحربية التي تقع على المدنيين في المدن السورية ، وسلسلة التهجير البشرية الطويلة وإحلال الطوائف محل السكان الأصليين في العاصمة دمشق والمناطق الأخرى ، لن يتحرك أحد في هذا العالم لإنقاذ ما تبقى من سوريا الحضارة والشعب والمستقبل ، بل إن الجميع يجلس في مقاعد السينما العالمية الجديدة بانتظار مفاجأة المخرج الخفي الذي سيقرر النهاية بعد إبادة العرق العربي هناك ، ولن ينفعهم كل تلك التصريحات والاجتماعات والمفاوضات ولا قيادات المعارضة ولا فرق الإنقاذ التي ليس لها سوى إخلاء القتلى وإحصائهم ، وحتى يتفق حكام العالم ويستيقظ فجأة ضمير العالم العلماني المتمدن ،ستبقى سوريا وشعبها يذبحان ، وحتى ذلك الوقت غير المعلوم والوضع غير المفهوم ، سيبقى عالمنا العربي خائفا مرتعدا ينتظر كيف ستنتهي مأساة هذه الأمة بعد مائة عام على وصول طلائع الاستعمار الغربي الذي شتت شملهم .

506

| 11 أكتوبر 2016

جاستا.. السطو باستخدام القانون

ما الذي يمكن فهمه من تجاوز الكونجرس للفيتو "الباهت" الذي أصدره الرئيس باراك أوباما ضد قانون" محاسبة رعاة الإرهاب" وبأغلبية مطلقة؟ والجواب هو سؤال مضاد، ما الذي لا يمكن فهمه من هكذا قرار، بعد أن باعت الإدارة الأمريكية الشرق الأوسط العربي كله واشترت بثمنهم الجمهورية الإيرانية وأمن إسرائيل، وهذا القرار لم يكن وليد الساعة، بل كان يجب أن يكون واضحا منذ قررت الإدارة الأمريكية السابقة برعاية جورج بوش ونائبه ديك تشيني ودونالد رامسفيلد غزو العراق وتدميره تماما، وتركوه مستباحا لإيران ورجالها وأعوانها واستخباراتها، وكان ذلك أكبر جرس بحجم السماء يدق فوق رؤوس الأنظمة العربية المؤمنة بالكذبة الأمريكية آنذاك.عندما تتهُم دولة بحجم المملكة السعودية وتاريخها السياسي الحليف مع الولايات المتحدة بتورطها في هجمات الحادي عشر من سبتمبر من قبل المجلس التشريعي الأمريكي الذي يقرر ويقود سياسات الولايات المتحدة ويتعامى عن المحاذير والمخاطر التي قد تترتب عن هذا الاتهام غير المبرر، فهذا يعني أن الطلاق قد وقع بين الولايات المتحدة وبين أكبر دولة عربية وحاضنة إسلامية، والأمر يتعدى القضايا المالية التي ستترتب على هذا القانون إلى أبعد من ذلك، فبعد كان الاتهام موجها لثلاثة عشر مواطنا سعوديا، أصبحت الدولة السعودية بنظامها السياسي متهمة بقضايا الإرهاب بناء على التفسير الأمريكي السخيف، وذلك يعني أيضا أن أي دولة أخرى عربية أو أجنبية هي في مرمى نيران ذلك القانون.هجمات 11\9 جاءت بعد تولي الرئيس جورج بوش الابن بثمانية أشهر، وهو قبل ذلك وبعد ذلك كان يجيش الرأي العام الأمريكي والعالمي ضد العراق وضد صدام حسين شخصيا وكان يطلق تصريحاته الرعناء واتهاماته بأن ملك الشرّ هو صدام وكهف الشيطان هي العراق، وأن العراق يشكل أكبر تهديد على البشرية بامتلاكه أسلحة نووية وكيميائية، ولكنه توجه بعد ذلك فورا إلى أفغانستان لمحاربة ما أسماه جيش الإرهابيين هناك، لم تكن السعودية حاضرة في خطابات واتهامات الإدارة الأمريكية آنذاك، بل كان الجدل واسعا فيما يتعلق بدعم الولايات المتحدة لتنظيم القاعدة وصناعة جيش من المقاتلين لمواجهة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وكانت السعودية حليفا قويا في محاربة التنظيم وزعامته ومقاتليه واكتوت بنارهم أيضا.لقد كانت الهجمات التي نفذها همجيون متخلفون على البرجين الأكبر والأقدم في نيويورك والبنتاجون، كانت هدية لا تقدر بثمن لإدارة بوش ولم تكن بالنسبة لهم مجرد هجمات إرهابية ضد الأمن القومي، فهي مفتاح الدخول على عالمين إسلاميين مختلفين يمتلكان ثروات هائلة وتحقق هدف المحافظين الجدد في السيطرة على مصادر الطاقة، النفط والغاز، في العراق وأواسط آسيا حيث جاءت الولايات المتحدة بـ"حامد كرزاي" رئيسا لأفغانستان بعدما كان مستشارا لشركة " يونيكال" الأمريكية العملاقة للطاقة، وتم تأمين مد خط النفط عبر شرق أفغانستان حتى المحيط الهندي بحماية ثلاث قواعد عسكرية أمريكية، "مزار شريف وباجرام وخوست"، فيما عاد بوش للتحريض ضد العراق حتى قام باحتلاله 2003 وحل جيشه ووضع مصافي النفط تحت حماية الجيش الأمريكي.هذا السرد التاريخي يعتبر ضربا من الغباء لتبرير عجز النظام العربي عن فهم ما كان يجري في نهاية القرن الماضي ضد عالمنا العربي ونحن مرتهنون للشركات الأمريكية الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات بفضل قوتنا الشرائية والتي كانت أغلبها دون ضوابط ودون حاجات، واليوم هاهي الدولة التي تنادي بالعدالة ويجوب خيالتها عالمنا العربي لتحقيق تلك الكذبة الكبرى، تقرر معاقبة أول دولة في العالم بواسطة قانون مستحدث وغير مسبوق، بل إن قرار حرب عسكرية ضد السعودية يمكن فهمه ولكن قانون "جاستا" لا يمكن فهمه، إلا بمحاولة تدمير المملكة العربية السعودية اقتصاديا وسياسيا.لذا فإن مجرد قراءة مبسطة لما جرى خلال السنوات الثلاث الأخيرة من عمر إدارة أوباما تعطينا صورة الواقع اليوم وملامح المستقبل، الولايات المتحدة بدولتها العميقة وأبراجها العالية في الكونجرس وأذرعه، زادت جرعات العلاقة مع إيران لدرجة منحها صك غفران وشهادة حسن سلوك، ومعاقبة السعودية باعتبارها الظنين المطارد في الجرائم الواقعة ضد الأمريكيين، وهذا ما يفتح الباب أمام أي شخص أو هيئة من أي دولة في العالم لإقامة دعوى قضائية في الولايات المتحدة ضد الحكومة السعودية، وهذا يعني أن أي أصول مالية وشركات واستثمارات تملكها الحكومة السعودية هي باتت تحت قبضة القانون الأمريكي، ومن غير المستبعد بعد سنوات أن تفرض الولايات المتحدة عقوبات ضد السعودية.إن القرار الذي دعم استصدار قانون "جاستا" هو الإرهاب بعينه، وهو مرفوض ومعيب على دولة بحجم الولايات المتحدة التي تعكس تحضر العالم، ولكن يبدو أن صناعة القرار هناك لا تزال بيد القوى المتطرفة والمحرضة ضد العالم العربي، وهذا لا يخدم إطلاقا مصالح واشنطن الخارجية، ولهذا من المتوقع أن لا تكون السعودية الدولة الأخيرة التي ستعاقب، بل إن الشقيقات الأخريات من الممكن أن يصدر بحقها قانون مشابهة لأي سبب كان، إنه قانون السطو باستخدام القانون.

494

| 04 أكتوبر 2016

جيش الخونة

خرج الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند الأحد، ليقدم اعترافا بمسؤولية بلاده في التخلي عن المرتزقة الجزائريين الذين قاتلوا إلى جانب قوات الاحتلال الفرنسي للجزائر، وهم ما يطلق عليهم في فرنسا اسم "الحركيون"، وجاء ذلك في مراسم رسمية مخصصة لتكريم "حركيي الجزائر" في العاصمة باريس، حيث أقرّ أولاند بمسؤوليات الحكومات الفرنسية في التخلي عن الحركيين الجزائريين الذين قاتلوا مع الجيش الفرنسي أثناء حرب الجزائر والتخلي عنهم، وهنا ينتهي الخبر. الاعتراف الرئاسي لا يدين فرنسا الاستعمارية أو فرنسا الحديثة بقدر ما يدين الخونة الذين تلوثت أيديهم بدماء إخوانهم من أبناء ترابهم ودمهم وجلدتهم ودينهم في الجزائر، ويكشف كذب وخيانة السلطة المحتلة أي كانت، ذلك أن الزمن مهما تغير وتغيرت الظروف السياسية والقانونية في العالم، لابد من عودة لنهج الاستعمار من جديد، ولا استعمار أو احتلال أو غزو عسكري أو ثقافي أو اقتصادي إلا ويرافقه جيش من الخونة يتشكلون حسب الظروف الآنية، ولقد رأينا منهم الكثير في خلال العشرين سنة الماضية على الأقل.لهذا لم نسمع للأسف عن خونة وقفوا مع المحتل والغازي ضد بلادهم كما شهده العالم العربي في القرنين الماضيين، ولهذا يعود "ورثة الاستعمار" من المتحضرين الغربيين اليوم إلى نبش قبور فضائح الرعيل الخائن في البلاد العربية، ولو قُدر للأرشيف الاستخباري والسياسي الأوروبي أن يتدفق إلى العلن لرأينا كم كانت بلادنا التي كانت وطنا واحدا غير مقيد الحدود، مرتعا للعملاء الجواسيس لحساب الأعداء والطامعين، وهذا مرده حسب اعتقادي إلى انعدام الإيمان بالانتماء للوطن والكراهية المتغلغلة في نفوس الكثير من أبناء جلدتنا الذين أغرتهم الحياة ونسوا أن هناك يوما للحساب لابد منه أكان في الدنيا أو الآخرة.إن ما تحدث عنه الرئيس الفرنسي هو حقبة الاستعمار البشع للحضارة الفرنسية الدموية في السيطرة على العالم العربي، ابتداء من الجزائر عام 1830 بعدما ضعفت الجزائر آنذاك عقب فقدانها لأسطولها البحري الضخم، الذي ساعدت به الدولة العثمانية التي تقع تحت حكمها، ومن اعتراف أولاند بمسؤولية الحكومات الفرنسية عن تخليها عنهم، هم جيش ما يسمى "الزواف" الذي تم تشكيله من قبل الفرنسيين بعد شهر من سقوط العاصمة الجزائر بيد القوات الفرنسية، وكان ذلك أول "جيش خونة" يبلغ تعداده 15 ألف جندي ينحدرون من قبيلة واحدة وينتشرون في مناطق تيزي أوزو.لقد كانت المهمة الرئيسة لجيش الخونة المرتزقة التي هيكلها الاحتلال الفرنسي إلى فيلقين كبيرين تتمثل في هدفين، الأول المساعدة في احتلال بقية الأراضي الجزائرية وتطويع الثوار، والثاني طرد الحكم العثماني لاستتباب الجزائر للسلطة الفرنسية، وهذا ما جرى حسب المخطط، فبقيت الجزائر تقاوم على مدى 132 عاما، وبقي جيش المرتزقة يقاتل إلى جانب السلطة، وبقي أولاد الخونة يتوالدون، والمرتزقة يتكاثرون، إلى أن انتهى الاحتلال الفرنسي الذي قضى شهوته ومصالحه من الجزائر وعادت قواته إلى فرنسا، وترك أولئك الخونة كالكلاب الضالة ليلاقوا مصيرهم الذي يستحقون.صرح الأمير الفرنسي "نيكولا بيبسكو" عام 1864 بالقول إن جيش المرتزقة، أي الحركيين، هم أفضل من ساعدنا في أهدافنا تجاه الجزائر، لقد كانوا الداعمين لتأثيرنا السياسي والأخلاقي والتجاري، فضلا عن العسكري، فهم جنود أوفياء لنا، ويضيف، لدينا تحالف فرنسي قبائلي جيد، وتوءمة فكرية ورضا تام عن تغيير المنهج والتفكير خصوصا فيما يتعلق بقانون الميراث أولا، وهو ما يتعلق بحق المرأة حسب المفهوم الفرنسي المضاد لشرع الله.إن القارئ في التاريخ الجزائري إبان الاحتلال الفرنسي يدرك كم كانت مهمة الوطنيين صعبة لدرجة المستحيل في تحقيق نصرهم على القوة الغاشمة، ليس للخلل البائن في ميزان القوى، ولكن للدور القذر الذي لعبه الخونة والمرتزقة من أبناء الجزائر الذين باعوا أنفسهم للشيطان، وأصبحوا الأكثر وطأة من المحتل نفسه، فحصار القوات الفرنسية وجيش الخونة "الحركيين" لمناطق القبائل من عام 1864 حتى 1869 نتج عنه هلاك 800 ألف مواطن جزائري جوعا ويشكلون حسب المراجع الفرنسية 43 % من سكان تلك المناطق.إن أربع سنوات من الحصار المشترك الفرنسي وجيش الخونة في الجزائر، تذكرنا بما يحدث اليوم في سوريا من حصار ودمار، ويعيد التذكير بسياسة "الأرض المحروقة" التي انتهجتها سلطات الاحتلال الفرنسي في الجزائر، والاعتراف بالمسؤولية الرسمية لفرنسا في التخلي عن مرتزقتها بالجزائر، سيراه العالم بعد فترة من الزمن على منصة رئاسة أخرى لإحدى الدول الكبرى كروسيا، حينما ستعتذر لتخليها عن جيش الخونة في سوريا بعد انتهاء الحرب هناك ودمار البلاد والعباد، تماما كما تخلت القوات الأمريكية عن مرتزقتها في العراق وأفغانستان، وكما تخلت إسرائيل المحتلة عن جيش لحد في جنوب لبنان.الخونة والعملاء والمرتزقة ليسوا بأكثر قيمة من ورق المراحيض، مع الاعتذار للقارئ، يلقى في النفايات بعد مسح القذارة به، ولهذا يجب أن يكون الاعتراف الرئاسي الفرنسي صفعة قوية لكل الشعوب العربية وقياداتها كي تستيقظ من جديد وتوحد صفوفها لإعادة بناء منظومة حاكمية وشعبية مبنية على أسس العدل ومحبة الأوطان وعدم الارتهان للمؤسسات الدولية والثقة بالروح العربية الإسلامية التي طالما وحدت الأمة، والأمة الممزقة اليوم أحوج ما تكون بإعادة برمجة مستقبلها بالوحدة والتخلي الفوري عن الخلافات وثقافة الكراهية، فذلك ما يحمي مستقبل الأجيال القادمة التي ستقرأ أسرار حاضرنا وتحكم علينا جميعا.

3258

| 27 سبتمبر 2016

اللعب على المكشوف في سوريا

لم يعد هناك ما تخشاه روسيا والولايات المتحدة، التي صدّعت رؤوس العالمين بمباريات استعراض القوى السياسية والعسكرية، وتسجيل الأهداف في مرامي بعضهما البعض لتحقيق أكبر المكاسب وتحسين شروط تفاوضهما فيما يتعلق بالقضايا العالقة من الإرث القديم والنتائج الجديدة لتبدل السياسات الخارجية الأمريكية تحديدا، فقد ظهرت على السطح في ساحة الصراع السوري كل ما كانا يخفيانه من اتفاقات الشركاء السحرة، وبات واضحا مدى سخافة تفكير العرب الذين كانوا يظنون أن أوباما هو المبشّر بالخلاص، فظهر طباخ السمّ، ليعتذر مسؤوله عن مقتل جنود سوريين قتلة بالخطأ، فيما الشعب السوري يقتل كل يوم ولا أحد يعتذر، لا المتصارعين ولا النظام ولا داعش الأقوى ولا تجار الصفقات وباعة الأسلحة، ثم يريدون من جميع الدول العربية المجاورة المشاركة في حرب برية على الأرض لتكتمل خطة الاختناق وتركيع الاقتصاد وتجويع الشعوب وإنتاج ثورات غبية جديدة.لقد كشف الأسف الشديد الذي أعلنته واشنطن وكذلك الحكومة الأسترالية عن استهداف الجنود السوريين بغارة لطائرات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بالخطأ، كشف كيف هو التعاون الصامت ما بين الدول الكبرى لدعم نظام بشار الأسد الذي لا يقاتل تنظيم داعش، بل هو يقاتل الثوار والفصائل المناهضة له، فيما يضرب حصارا بشعا على المدن والبلدات التي لا تخضع لطاعته منذ سنوات، وعلى حلب مجددا بعد حصار حمص وإدلب من قبل، وفوق كل هذا اجتمع مجلس الأمن للنظر في "جريمة قصف جيش النظام بالخطأ"، وهو الذي لم يأخذ أي قرار لحماية الشعب السوري منذ خمس سنوات من الجحيم.موسكو وعلى لسان الناطق باسم الخارجية الروسية ماريا زاخروفا اتهمت الولايات المتحدة بأنها تتواطأ مع تنظيم داعش، وقالت: "إننا نصل إلى نتيجة مروعة حقا للعالم بأسره: أن البيت الأبيض يدافع عن الدولة الإسلامية.. الآن لا يمكن أن يكون ذلك محل شك"، ما الذي نفهمه إذًا بعد هذا الاتهام الكبير من الشريك الروسي في الحرب ضد الشعب السوري؟الواضح منذ سنوات نشوء تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية أنه يحصل على ما يريده من أسلحة هجومية ودفاعية ومدفعية ثقيلة وعربات مدرعة وناقلات ومساحات واسعة شاسعة في شرق سوريا ووسطها وشمالها وغرب العراق الحدودي مع سوريا والموصل دون أن يردعه رادع، وطيلة عامين مضيا ارتكب التنظيم الإرهابي جرائم لا تحصى ضد المدنيين والمقاتلين والخصوم، بل تعداه إلى زرع إرهابه في كل مناطق العالم العربي والأوروبي وقتل الأبرياء في كل مكان، دون خوف من أي قوة أممية أو أمريكية أو روسية أن تفتك به، وكانت غزوته الأولى ضد ثلاث فرق من الجيش العراقي المتهالك هي الأبرز في حصوله على أسلحة أمريكية ثقيلة من دبابات وصواريخ وراجمات، بل لا يزال السلاح والعتاد يصل له، رغم كل هذا الكذب الإعلامي الذي يتشدق به المسؤولون الأمريكان والروس.إن توريط الدول العربية المحيطة لسوريا كالأردن في الصراع الدائر بالوكالة هو مهمة أخذها القادة الأمريكيون على عاتقهم منذ اشتداد الصراع واحتدام المعارك على الأرض السورية، وكذلك الضغط على المملكة العربية السعودية للمشاركة بقواتها في سوريا وتمويل الحرب هناك، ليس إلا خطة قذرة اتبعها الساسة الأمريكيون الذين اعتادوا الكذب في تصريحاتهم، فهم يخفون نواياهم ويغلفوها بالإعلان العالمي للسلام وإخضاع العالم لشروط التبعية، بينما هم ومنذ البداية لم يكونوا راغبين في تغيير النظام الحاكم في سوريا، والمعلومات المؤكدة أن إسرائيل أيضا لا تريد إطلاقا المساس بالنظام السوري الذي حافظ على أمن جبهتها العالية في الجولان طيلة سنوات.لقد كانت رغبة الإدارة الأمريكية منذ البداية فتح جبهة حرب من الجهة الجنوبية لسوريا، وهذا كان يعني جرّ الأردن للمستنقع النتن في حرب يلفها الظلام، ولكن المعطيات على أرض الواقع أثبتت أن كل الشعارات الزائفة التي كانت إدارة أوباما ترفعها ليست سوى هراء وتدليس وشراء للوقت كي يتم الانتهاء من طبخ الاتفاق على البرنامج النووي مع إيران، وهذا ما تم رغما عن الدول العربية كلها، وبمباركة روسية وأوروبية، وهذا ما يتضح أخيرا بناء على بقاء تنظيم داعش قويا في أرضه المغتصب لها، وبقاء بشار الأسد على رأس النظام الفاشستي، وبقاء إيران متحكمة في السياسة والقيادة العسكرية بسوريا والعراق واليمن، فيما الرحيل هو مصير الرئيس باراك أوباما ووزير خارجيته الحاكواتي جون كيري.لهذا وأكثر من هذا ومما نعرف ومما لا نعرفه حتى الآن، يجب على الدول العربية المعنية بالصراع في سوريا وعلى رأسها السعودية وشقيقاتها في الخليج والأردن، التوصل مبكرا إلى النتيجة الحتمية بعد السنوات الخمس الماضيات، والتي فهمها الرئيس التركي طيب رجب أردوغان على ما يبدو، وهي أن واشنطن وحلفاءها الغربيين لا يريدون تغييرا على النظام السوري العلماني، وستتحول سوريا إلى عراق آخر، ومصائرهم معلقة بالرؤية الإيرانية والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وهذا ما تدعمه الحقائق على الأرض وتؤيده روسيا التي تلعب دور الظهير الاستغلالي للسياسة الأمريكية.كل هذه الصراعات والتدخلات ستستنزف الاقتصاد الخليجي عاجلا أم آجلا، وسيجدد الاتهامات الغربية ضد تلك الدول بدعم الإرهاب من جديد، ولن يكون قانون "العدالة ضد رعاة الإرهاب"، الذي وافق عليه الكونجرس الأمريكي ضد المملكة العربية السعودية، إلا بداية عصر جديد لتدفيع الدول العربية السنية والمعتدلة ثمنا باهظا لسياساتها التي تماهت مع الرغبات الأمريكية طيلة عقود، ما يتطلب إعادة هيكلة للعلاقات بين دولنا وتلك الدول وبناء منظومة أمن واقتصاد لضمان تحصين الخليج العربي والأردن وفلسطين أيضا من تبعات ما سيحدث مستقبلا بعد أن أدار الجميع ظهورهم للرغبات سقوط الأسد وحلفائه.

484

| 20 سبتمبر 2016

هل سيولد بن لادن من جديد ؟

أمس الأول، كانت الذكرى لهجمات الحادي من سبتمبر، وهي مناسبة لإعادة تقييم مرحلة مريرة مرت على العالم العربي والإسلامي، لقد تغير وجه هذا العالم الشرقي، أسقط الغربيون حكم طالبان الذين حكموا عقب الحرب الأفغانية الروسية وطردوا الموالين لموسكو وإيران، وبعد عشر سنوات من خلاص الأفغان من الحشيش والأفيون والسم الأبيض على يد طالبان، عادت أفغانستان إلى عادتها القديمة، زراعة المخدرات وتصديرها للعالم، وبقاء الفقر والتشريد هدية العالم لأجيالها، فيما موتاها لا أحد يتذكرهم أو يعرف عددهم بالضبط، فهم ليسوا أكثر من طرائد حصدتها بنادق الجنود ورشاشات الطائرات العمودية وصواريخها وقنابل الطائرات والمدرعات، واليوم لا أحد يتذكرهم بعد ثماني سنوات عقب خروج آخر الجنود الشقر. إعادة التقييم لمرحلة ما بعد 11\9 لن تكون مفيدة أبدا، فتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق والمعترف بأن غزو العراق كان مبنيا على أخطاء ومعلومات استخبارية مضللة، قد خرج من القاعة ولم يشتمه أحد، فهم كأنما يتحدثون عن فئران في مجاري لندن السفلية، فالعراق الذي كان يوما الزاوية الكبرى للعالم العربي، أصبح لا شيء على الإطلاق، بعدما غزوه الأمريكان، وقاموا بحل الجيش، والقبض على صدام حسين والعديد من أعضاء خلية الحكم، وتم إعدامهم، نرى اليوم كيف أن العراق الرسمي والشعبي قد خرج من الخارطة السياسية العربية، إنه مشتت ما بين الأكراد الذين يبحثون عن وطن قومي، وما بين الشيعة الذين يرون أن إيران هي قبلتهم ودولتهم ونظامهم ولهذا من الممكن أن يتم إبادة السنة هناك لأنهم بدؤوا حركة المقاومة للغزو الأمريكي والحلفاء، ومن الممكن أن يعيدوا بناء قوة سنية جديدة في العراق.إن إرهاصات فترة أحداث 11\9 وما تلتها من كوارث ضد البشر والبيئة والاقتصاد جراء ماكينة الحروب التي جرّد لها آل بوش و شركائهم في العالم الغربي والعربي، قد أصولت العالم العربي الى ما وصل له اليوم من الضعف الشديد وتقطع اوصاله وهدر ثرواته بعدما فقد تلريونات الدولارات، وباتت التنمية البشرية هي آخر اهتمامات الدول، وما جرى لبلاد كسوريا وليبيا واليمن ومصر وتونس والسودان والصومال يؤشر على عدم قدرة العالم العربي والاسلامي على التفكير في غزو الدول الأخرى ولا حتى قدرته الدفاع عن نفسه، لهذا يخرج بين الحين والآخر شبابا ضائعا ما بين التدين المتطرف والحياة المتعبة، ليفجروا ويهددوا السلم الاجتماعي في العواصم العربية والغربية.السؤال الذي يطرح نفسه بعد خمسة عشر عاما هي حصيلة المطاردة الأمريكية لتنظيم القاعدة في افغانستان : هل فعلا كانت واشنطن تطارد تنظيم القاعدة، وهل تم القضاء على التنظيم بمجرد تصفية زعيمه أسامه بن لادن، وما الذي كان يجري في الخفاء، مطاردة التنظيم أم استهداف بعض قادته الخارجين على القانون، لأن ما يراه العالم من السكوت الأمريكي الرسمي على تنظيم داعش وعدم مقاتلته بشكل فعلي، يذكرنا بما جرى مع التنظيم الأم حنما كان يطوف رجاله من المجاهدين ومن المجانين حول العالم من شرق أفغانستان وباكستان إلى وسط أوروبا ثم إلى الشيشان ثم الصومال فاليمن والسودان، ولم تتحرك الولايات المتحدة للتحشيد إلا بعد هجمات الحادي عشر من سيتمر سبتمبر 2001 إن تهديدات زعيم القاعدة ايمن الظواهري، التي أطلقها عشية الذكرى المؤلمة ليست سوى إعادة تذكير للغرب أن يزيدوا من درجة حقدهم على العرب والمسلمين، وأن يجددوا إجراءاتهم التعسفية ضد كل المسلمين، فالمواطن الأمريكي لا يثق إلا بما تنقله له الصحافة، وما يكذب عليهم به قادتهم، ولهذا يجب إعادة بناء قلاع فكر ديني معاصر ومتمدن لمواجهة ذلك التخلف الذي يمثله تنظيم القاعدة وما نتج عنه من تنظيمات فرعية، لا يزال العديد من الشباب لا يرى سواهم على الساحة ليتبعهم. إن بقاء الشعوب العربية تسبح في هذا البحر المتلاطم من الحروب والأزمات والتعقيدات التي تضعها الدول على مواطنيها أو الدول الشقيقة الأخرى، لن يغير في مستقبل الأجيال شيئا، بل ستولد أجيال العرب والمسلمين قريبا مليئة بالحقد والكراهية والتخلف ايضا، وستبقى أجيال الغرب يتوالدون وسط رفاهية حاقدة على كل ما يأتي من الشرق، إنه شرق بن لادن وقاطعي الرؤوس، والشباب المهووسون بالقتل والموت، ولهذا سيبقى بن لادن يولد من جديد ما دام المشكلة الأصلية لم تحل، لا في فلسطين ولا في غيرها من بلاد العرب.كل عام وأنتم بخير

441

| 13 سبتمبر 2016

سوريا العرب ولعنة الخلاف العالمي

بدأ الصراع في سوريا منذ زمن الرئيس السابق حافظ الأسد، فقد وصل إلى الحكم عام1971 نتيجة خلافات داخل قيادة حزب البعث العلماني الذي كان ولا يزال يحكم دمشق، ونتيجة الخلاف الذي أنتج رئاسة الأسد الأب فقد توالت الخلافات مع مرور السنين ما بين الأسد الرئيس وبقية وحوش الغابة في سوريا، حتى وصل الأمر إلى طرد حافظ لأخيه رفعت عقب صراع الأشقاء وأبنائهم، وانتهاء ثورة حماة التي أخمدها النظام بالدبابات والطائرات والقذائف الحارقة وسرايا الدفاع، ومنذ ذلك الحين والخلافات هي الإستراتيجية التي يسير عليها النظام في سوريا، حتى تحول النظام الرئاسي الحزبي إلى نظام الرئيس الملك، إرث يُمنع منافسته، وبقي الرهان على الخلافات بين المعسكرين الشرقي والغربي لبقاء الوضع الراهن في قصر الرئاسة. لطالما كانت سوريا هي ملعب التصفيات الأولية للخلافات السياسية ما بين واشنطن وموسكو فمنذ نشوب الحروب العربية مع إسرائيل الحليف الأول للولايات المتحدة، كانت واشنطن تدعم بقوة التفوق الإسرائيلي وهو أحد أهم عوامل استعراض القوة أمام الاتحاد السوفييتي السابق زمن الحرب الباردة، إذ إن سوريا التي كانت مخزنا للأسلحة الروسية كانت تعج بالجواسيس والخبراء العسكريين الروس الذين طالما عملوا لصالح مصالح روسيا التاريخية، فسوريا تعطيهم مساحة واسعة للعمل والمناورة في الملعب التاريخي للولايات المتحدة والحلف الغربي، بريطانيا وفرنسا، فبيروت كانت حارة من حارات دمشق وعملاء المخابرات الفرنسية يعشقون فنادق بيروت، وقوات المارينز الأمريكية تتمركز بمحيط مطار بيروت الدولي إلى جانبها القوات الفرنسية، والعملاء ينقلون تقاريرهم عن نشطات إيران وقوات الحرس الثوري إلى واشنطن وباريس، فيما الرئيس حافظ الأسد يلعب على جميع الحبال باحترافية، وقواته تحتل جزءا كبيرا من شرق لبنان ومن بيروت أيضا، وقواده يسيطرون على القرار اللبناني، وعلى الخلافات بين الفرقاء كان الجميع يعتمدون على طول البقاء والسيطرة.اليوم ليس أشبه بالبارحة، فالملعب والميدان والأرض المحروقة هي سوريا، ورغم أن طباخ السمّ الأب قد توفي، فقد أورث ابنه إمبراطورية الخلافات رغم محاولاته الخروج بأقل الخسائر السياسية، حيث اضطر للخروج عسكريا من لبنان عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مع دعم عميله في بيروت حسن نصر الله وإبقاء أصابعه تلعب هناك، ولكن النيران نشبت في أكثر المدن طمأنينة للقيادة الدمشقية، فمن درعا انفجر الغضب، رغم الرؤساء والقادة العسكريين والأمنيين الحوارنة، ولم يطل الأمر بالأسد الابن حتى داوى جراحه بتصفية جميع القيادات العسكرية التي اختلفت معه في إستراتيجية القبضة النارية، ثم بعد الحريق الكبير من درعا حتى حلب، عاد الأسد الصغير للعب دور حافظ الكبير، فأخرج وصفة حافظ: إطلاق شياطين التفرقة بين مكونات المجتمع، والاعتماد على روسيا وإيران الحلفاء التاريخيين للنظام الأسدي، وبناءً على الخلافات العالمية بنى بشار قاعدة البقاء في دمشق ينتظر النهاية.من دمشق حيث قمة القيادة الدكتاتورية الحربوية القاتلة للشعب، إلى "هانغشتو" حيث قمة دول العشرين المنعقدة في شرق الصين، لم يتغير شيء على أرض الواقع، فالخلافات بين الدول الكبرى المتمثلة بالولايات المتحدة وروسيا أطاحت بأي أمل جديد بحلّ للصراع المدمر في سوريا، فقائدا المباحثات السياسية كيري ولافروف لم يخرجا بنتيجة إيجابية، بل إن ما توصلا له قبل أيام من مواقف تفاؤلية قد ذهبت أدراج العواصف الخلافية، ولهذا ستبقى مسألة حسم الصراع ولجم القوة العسكرية للنظام والدعم المفتوح من روسيا وإيران للنظام كي يعيد حصار المدن وتفجير المساكن والمرافق وتأجيج الصراعات الجانبية بين فصائل المعارضة، وسيبقى الشعب السوري ينتظر أن يتصالح الطرفان الروسي والأمريكي ويتفقان على مصالحهم، وجراحهم تشفى ودماؤهم تحقن وتنتهي كارثة العائلات والأطفال والنساء، ويبزغ شعاع في نهاية النفق المظلم الطويل.سوريا ليست شركة مملوكة لآل الأسد وأنسابهم وأقربائهم وشركائهم وحلفائهم ليمنع التصرف بها لغيرهم، إنها بلاد التاريخ والشمس، ومنذ رحيل آخر وآلّ عثماني عنها حكمها ملك وخمسة وعشرون رئيسا حتى حافظ الأسد، ولم يعد خافيا أن قرار تنحي بشار عن الحكم لم يعد بيده، فالحل لم يعد في دمشق منذ وقت ليس بالقصير، بل الحل على طاولة بوتين ـ أوباما، أو بوتين ومن سيخلف أوباما، وبوتين روسيا ذاهب حتى النهاية مع قلعته السورية التي يلعب بها في مواجهة الغرب، فيما الأمريكان يشتهون ويستحون، يحبون التغيير ولا يريدون الإضرار بمصالحهم أما الخلافات العربية العربية لم تكن وبالا إلا على شعوبنا، وتبقى الخلافات والمصالح العالمية هي من تتحكم بمصائرنا.لذلك لنستعد لعقد جديد من الحرب السورية المدمرة حتى آخر قطرة دم للشعب السوري وللثوار وحتى آخر درهم يدفعه الداعمون في تجارة الدم، ولهذا ستبقى أمتنا في ذيل قائمة الأمم، فالزمن لم يتغير بل تغيرت الأسماء، فمصير بلادنا لا زال مرهون برغبة السيدين "سايكس وبيكو" حتى وإن ماتا، فالبركة بالسيدان لافروف وكيري، ومن يخلفهما من بعد.

550

| 06 سبتمبر 2016

alsharq
العطية.. رجل الدولة الذي قاد عصر الطاقة القطري

في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها...

3012

| 30 مايو 2026

alsharq
مواد البناء في قطر.. دروس من أزمة المضيق

أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية...

2544

| 31 مايو 2026

alsharq
لكل نهضةٍ رجالها

لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة...

1617

| 29 مايو 2026

alsharq
يؤلمهم العيد

في كل عيد تبدو الحياة وكأنها تتفق فجأة...

1047

| 27 مايو 2026

alsharq
أبشر يا أبا أحمد بالفوز

ودعت قطر أمس ببالغ الحزن والأسى والرضا بقضاء...

702

| 30 مايو 2026

alsharq
دلالات وكلفة سيطرة الرئيس ترامب على حزبه الجمهوري..!!

السؤال المهم في الدوائر السياسية الأمريكية منذ نجاح...

696

| 31 مايو 2026

alsharq
كيف نتعامل مع حوادث الانتحار

مع ولادة الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت...

687

| 31 مايو 2026

alsharq
قمة أرمينيا.. آفاق جديدة ولكن؟

في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد...

675

| 26 مايو 2026

alsharq
قطر والرياضة العراقية.. صفحات من الوفاء

وقفت قطر مع العراق مواقف الأخوة العربية الصادقة...

672

| 26 مايو 2026

alsharq
أين يختبئ المثقف المتواضع؟

لماذا يقبل الناس على مثقف أدنى من مثقف...

651

| 26 مايو 2026

alsharq
كثر خير الله وطاب

حياتنا في مساحاتها الواسعة تحتاج لمن يحفزها ويبعث...

639

| 28 مايو 2026

alsharq
دبلوماسية المُيسّر.. كيف رسخت قطر دورها في تسهيل الوساطات الدولية؟

في عالم تتزايد فيه الحروب وتتراجع فيه الثقة...

630

| 26 مايو 2026

أخبار محلية