رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

وطنٌ.. غربةٌ.. فمنفى

يقول قيس بن الملوح: وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار الديار، أو الوطن، تلك المفردة المثقلة بالمعاني، الممتلئة بالمشاعر، هي كونٌ لغوي وعاطفي وإنساني، هي عالمٌ من البشر والعلاقات والذكريات، وقد فسّر معجم لسان العرب مفردة وطن في تفسيره اللفظي، بأنه الوطن المنزل تقيم به، وهو موطن الإنسان ومحلّه. وحب الوطن، هو حبٌ فطري خُلق مُذ خُلقنا، مزروعٌ بأفئدتنا لا ينبغي له أن يُنزع منها، ولكن لعلّ السؤال الذي يدور في خُلدي، ولا أفتأ من التساؤل بشأنه، أذلك الشعور العنيف القوي، كان سببه الأرض ذاتها، أم من سكن فيها وترعرع..!؟ وما هي العلاقة الأعمق، أهي علاقة الإنسان بالأرض.!؟ أم علاقة الإنسان بمن عاش عليها، فكوّن معهم علاقاته: أهله وأسرته، أصدقاءه وعالمه..!؟ لعلّي أؤمن بعمقٍ أن كلا السببين لهما وبنسبة متساوية التأثير ذاته في النفس البشرية، التي تدفع القلب للتعلق بالوطن، أكان الأرض أم أهلها. فان يخرج الإنسان من رحمِ وطن معيّن، أي أن له نصيبا من الحنين فيها، والولع بطبيعتها أياً كانت، ومن ثم حبها وحب ساكنيها، كل ذلك المزيج من المشاعر يوّلد شعوراً عظيماً، اختفى من جميع محاور الحياة، ليتمركز في محور الوطن فقط، ألا وهو (الولاء).. و لكن.! ماذا لو اعترت النفس غربة في ذات الوطن، أكانت غربة ذاتية أم جسدية، هل يُعقل حينها أن يتحوّل الوطن إلى منفى..!؟، وهل لدائرة المنفى أن تتسع حتى تضم أوطاناً، وليس وطناً واحداً؟!. إن شعوراً كذلك محتملَ الحدوث، وقد يقع كما وقع في حروف الشاعر (أحمد مطر) حينما قال: (قال الصبي للحمار يا غبي قال الحمار للصبي يا عربي). لعلّ تلك العبارة لا تحمل غربة أوطانٍ فحسب، بل ألما مهولا، خيبة أملٍ تدّس برأس صاحبها في معطفه إلى حين..! إن الحزن المحمّل في عبارةٍ كتلك، كان دافعه الولع الشديد بالوطن، ولكن جاء حدث كسّر أبعاد ذلك الولع، فغدى هوىً ممزوجاً بغصة وألم وشجن، فإنسانٌ لا يهوى وطنه، لا يعبّر عنه بعمقٍ، حتى يحسّ بذلك التعبير أعماق جميع الخلق. إذن، إنني أجزم وأقسم، بأن الغربة والمنفى، لا يمكن لهما أن تمحيا هوى الوطن، بل تُزيدهما أضعافاً وأضعافا، وإن كانت بمعيّات الألم والفقد والحزن والحنين.. إن حب الأرض متأصل في ذات كل إنسانٍ، موسومٍ في نفسه، محفور في ذاكرته، لا يفنى إلا بفنائه، وخير دليل قول نزار قباني، مُخاطباً دمشق العريقة: أتيتُ من رحم الأحزان يا وطني

1709

| 24 فبراير 2012

لحظة صفاء

قالت: (تعرّضت لظُلمٍ عظيم، فأصبحتُ أستيقظ وأبيت على الدعاء على من أوقع علي الظلم، حينها، كنتُ أشعر بنارٍ مستعرة لا تنطفئ ولا تخمد، حتى جاءت لحظة التحوّل، فسيطرتُ على مشاعري الهائجة، ومسكتُ بزمام غضبي، وحوّلت مسار الدعاء، من الدعاء عليهم بالعقاب العسير، إلى الدعاء لهم بالصلاح والتسخير، فكان أن تحوّلت النار إلى برد وسلام في صدري، كانت لحظة صفاء مع النفس، فصار التوبيخ ثم الترويض ).. كان لذلك الحديث عظيم التأثير في نفسي، لأنني وبكل ما يعتريني من نقص وقصور، في حال وقوع الظلم علي، فإن لساني يسير في مسار الدعاء (على)، بدلاً من أن يكون الدعاء (لـ )، حيث تستبد فيني الحدة العمياء، فلا أعي ولا أُدرك، ولا أستوعب ما يدور حولي، حينها شعرت بحاجتي لتلك اللحظة، لحظة الصفاء والتوبيخ والترويض.. بشرٌ نحن.. نحيا، ونستشعر، ونفرح ونغضب، وأن نغضب، يعني أننا لا نُدرك لما نقول، ولا نعي لما نفعل، أي أن ردات أفعالنا تكون تحت تأثير ما يسمى بغياب الوعي، أو الحدّة.والحدّة من منظوري الخاص هي لونٌ من ألوان الجنون المذموم، وأن نلامس الجنون في لحظة ليس بالأمر الهيّن البتة، وأن نمارسها بالقولِ أو الفعل هي الخسارة عينها، خسارة للصحة والعافية، وللعلاقات والبشر، وللحسنات والثواب.. وقد ذكر ابن الجوزي في كتابه (تلبيس إبليس)، أن راهباً قال للشيطان وقد بدا له، (أي أخلاق بني آدم أعون لك عليهم) قال: (الحدة، إن العبد إذا كان حديداً قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة).. إذاً، وقبل أن تستهوينا الشياطين، كان لزاماً علينا أن نربي أنفسنا على كيفية الغضب أن لا يحتد، وعلى ضبط العواطف أن لا تثور، لأنها وإن ثارت، تُضني وتؤلم وتؤرق، فلا بد من السيطرة على مرحلة ما، قبل أن تصل إلى التي تليها، أي على الغضب قبل أن يصل إلى مرحلة الحدة. ولأن الله أعلم بضعفنا وقلة حيلتنا، فما أوجد سبحانه داء إلا وقد أوجد له الدواء، فإذا لحظنا استفحال قصورنا، فقد وُجب علينا أن نختلي بأنفسنا في لحظةٍ صادقة لا تكون إلا للنفس، وقت صفاءٍ نسترجع فيه أخطاؤنا، ونعالج قصورنا، ونطوّر من ذاتنا، لكي نحيا حياةً أفضل ونعيش أياماً أحسن من ما قبلها، نستذكر في ذلك الزمن اليسير كلام الله ورسوله، ونستحضر كلام الحبيب المصطفى حيث قال (لا تغضب)، وأن نجعل نصب أعيننا كيفية الوصول إلى مرحلة متقدّمة يحبها الله ورسوله، على سلم الحلم والأناة، وقد وطأنا بأقدامنا الغضب والحدة بعدها، نصل إلى سدرة منتهى الأخلاق الحميدة، ونتقرّب إلى الله عز وجل بالوصول إلى أعلى درجات الإيمان، ألا وهي الإحسان.ويكفينا حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (من كظم غيظًا وهو قادر على أن يُنْفِذَهُ دعاه الله - عز وجل - على رُؤوس الخلائق حتى يخيِّره الله من الحور ما شاء).. اللهم إنا نعوذ بك من الغضب، ونسألك الحِلم والأناة والعفو والإحسان..

663

| 24 فبراير 2012

أمهات الكتب

"إن الحياة علم وتعلم"، على تلك القاعدة نشأ فكري، فكان أن توجهت إلى الكتب، أقرأ لأعلم وأتعلم، فالإنسان عدو ما يجهل، وأعظم ما كنت أخشاه أن أكون في مقام علمٍ وحضرة علماء، وأكون بمعيتهم (جاهلة).. إيماني كان عظيماً بأنني بالقراءة ستتفتح مداركي، وسيتفوه لساني، وستقوى حجتي، وسيبزغ قلمي، فإن كان العلم بحراً، فأنا لا محالة سأكون سماءً، بديهة الرد، مُدركة دهاليز الجدال، ومُتقنةً للنقاش بشتى أنواعه، فالكيس هو سيد الحوار أخيراً..! وفي رحلة القراءات الأولية، كنتُ قد وصلت إلى بوابةٍ عظيمة، ارتعدت أمامها، فتقزم حجم علمي، وتضاءلت همم تعلمي، ففي حين يأس، أدركت عظيم جهلي.. هناك كنت أقف، أمام بوابة عظيمة، كُتب على جدرانها (بوابة أمهات الكتب)، كنت أتساءل في نفسي: (وهل للكتب أمهات..! )، إذاً..! ماذا كنت أقرأ سابقاً..!؟ أهذه ذرية تلك..!؟ أم أنهن أمهات عقيمات لا يُنجبن ولا يلدن..!؟ صُعقت فصممت أن أخوض بحر الأمهات، ففي النهاية حلمي القديم ما زال يعيشني أن أكون سماءً، إن كان العلم بحراً.. فبدأت، بنهمٍ أقرأ عبقريات العقاد، وأعلام الزركلي، والبيان والتبيين للجاحظ، ومقدمة ابن خلدون، وغيرها الكثير، قرأت إلى أن أدركت أنهن أمهات كثيرات، أمهات لكل مجال وبحر، فهناك أمهات التاريخ، وأمهات الأدب، وأمهات الاقتصاد، وأمهات الفقه.. الخ، هن كتب بثقافة المراجع، لها احترامها وهيبتها وحضورها في ميادين العلم. ولكن وكما يقول ابن عثيمين رحمه الله: (إذا تحدد الهدف تسهلت كل الأمور)، فكان تركيزي الأعظم على كتب الأدب، ثم عمدت الى الإطلاع على الآداب الأخرى، والأدب المقارن، وأتقنت اللغة الانجليزية ودَرستُ الفرنسية.. حينها، استتب في نفسي الرضا، وحل الاطمئنان أنني أعلم وأتعلم، بل إنني على سؤدد العلم اكتملت.. ولأنني بشر، يعتريني ما يعتريهم من القصور العظيم والنقص الخطير، فكان أن صُعقت صعقةً أقسى من الأولى، وأشد تنكيلا، كان ذلك في لحظة اختراق الآية الكريمة مسامعي، (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)، إذاً ماذا عن مقام العلم..! ماذا عن حضرة العلماء، وكل علمٍ وُجد على الأرض (قليلا)..! ماذا عن سمائي وبحره..!؟ ماذا عن تعلمي والعلم..! ماذا عن الكثير الذي أُريد أن أُدركه، وأفقهه وأعلمه..! ظللت أطرح سؤالاً تلو الآخر، إلى أن استوقفتني آيةً كريمةً أخرى تقول (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسوءكم ).. بالله آمنت، ترقرق دمعي مُستغفراً تائباً قائلاً: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين ).. و بعد ذلك، لم تتهاوى هممي في العلم، ولم تتلاشى رغبتي في القراءة والاستزادة، ولكن تغير مفهومي لبعض الأمور، أدركت أن أمهات الكتب، لسن عقيمات، بل لديهن أرحام خصبة تُنجب أفكاراً فذة، وأدركتُ أيضاً أن تمام العلم والوصول إلى سؤدد المعرفة، مُستحيلٌ يدور داخل دائرة المستحيلات الثلاث التي قيل عنها قديماً (الغول والعنقاء والخل الوفي)، فكان أن جدولت قراءتي، كأن أستهلها بالقرآن، ومن ثم ما شاء الله لي أن أقرأ، أقرأ وأنا أردد: (ربِ زدني علما)..

446

| 24 فبراير 2012

رسالة إلى ضابط شاب

قطر الرجـــــال الأولين حماتنا يوم النداء وحمائم يوم السلام جوارح يوم الفـــداء للتو، كانت قد تخرجت الدفعة السابعة من كلية أحمد بن محمد العسكرية.. تخرجوا وهم يحملون حقائبَ ملأى بمئات الأمنيات والذكريات، وازدحمت في صدور أهاليهم آلاف الدمعات والابتهالات.. كان في رأس كل أمٍ عالم من الخيال، فلكأني أشعر بها وقد أغمضت عينيها تتذكر يوم ولادته وفرحتها به، ثم التحاقه بالمدرسة، بكل ما تحمل تلك السنوات من تفاصيل، إلى أن وصل هنا، إلى الميدان، حيث يتخرج من مصنع الرجال (ضابطاً )، وما ان تفتح عينيها ثانيةً من رحلة الذكريات تلك، حتى ينهدّ سداً من الدمع الغزير. إن موقفاً مُهيباً كذلك التخريج لم يكن سدرة منتهى الأمنيات والطموح للخريجين، بل لعلّه الخطوة الأولى إلى عالم تحقيق الأمنيات، وطموح النهوض بالوطن حيث التقدّم في شتى المجالات، والتطور في جميع الميادين. وإن ذلك لا يحدث مصادفة أو أن يكون تمنياً، بل بالإيمان التام بمبادئٍ هي كالأسس التي يقوم عليها كل نجاح، فما بُنيَ على الحق فهو حق..! إن العمل والحياة المهنية، يكون ارتباطها الأعظم بالوطن، فالوطن هو الذي قدّم الأرض، التي عليها نحيا ونعمل، ومن ثم وفّر لنا جميع احتياجات الفرد لأن يحيا حياة كريمة رغيدة، كالأمن والتعليم والمسكنِ إلى أن أدخلنا إلى مجتمع العمل والمهنة، ولأن الوطن ما أنجب إلا أبناءً أحراراً كراماً، فهم لا يتوانون للحظة أن يقسموا بالولاء، والولاء فقط، لله والوطن والأمير. فالولاء كشعور فطري يُخلق في نفوس الخلائق، ما هو إلا حصنٌ منيع عظيم، فولاذي الصنع والطبيعة، تتكسر من أمامه الحياة ومغرياتها، وتتقزم في حضرته همم الأعداء ومخططاتهم، فلا حب يفوق على حب الوطن، ولا مشاعرً تتفوق على الولاء. أما ثاني الأسس فهي الاحتساب، وأعني بذلك أن يحتسب الشخص جلّ ثانية تمر، وكل عملٍ يُعمل، طاعةً لربه وخدمةً لوطنه، فهو بذلك يكون قد حظي بطاعة الله أولاً، ثم أن يؤجر على عمله الذي يعمله، وبعد ذلك سيتعاظم شعوره بالإخلاص،، الإخلاص التام بأن ذلك هو عملي، أقوم به لا للرياءِ أو الإرضاء، أنا أقوم به لأنني كُلّفتُ به، فأنا في جميع الميادين، وأمام الجميع، عملي هو ذاته، وإخلاصي هو عينه، لا يتضاءل أو يتعاظم لأجلِ كائناً من كان، بل هو عظيم في الأصل، صادق نابع من الذات. وللإخلاص أخت طاهرة، تسمى الأمانة، والأمانة تبتدئ في الكلمة قبل أن تُطلق وتمتد حيث المحافظة على المال العام، وعدم التدخل في الشؤون الخاصة لها. أما على أرض العمل، فهناك مجتمع من البشر، ينتظرون منك الأفضل، والتعامل الأحسن، ولعلّ الخلق الطيب بالعدل بين المرؤوسين هو مفتاح النجاح، ولا أعني هنا المساواة، فالمساواة في ظل تفاوت القدرات ظلم بحد ذاته، بل إعطاء كل ذي حقٍ حقه، فأنت هنا قائد محنّك، وما القيادة إلا (فن التأثير بالآخرين )، فكن المؤثر الأقوى بالحسنى، وإن كانوا من ترأسهم شخص واحد، فلعل من ترأسه الآن، قد يجمعكم ميدانٌ واحد في نداءٍ واحد، فيكون كل منكم جدارحماية للآخر، ففي لحظة الدفاع عن الوطن، القائد والجندي سواسية في العطاء، مُتشابهين في الدفاع. ولعلّ فن التعامل يكمن في المحافظة على العلاقات، فكما قيل أن (معرفة الرجال تجارة)، فكم من مسألةٍ من مسائل الحياة تختصرها خطوة، وهي في الأساس أميال منقطعة النظير، ومسافات شاسعة، فالذكاء الاجتماعي وحسن اكتساب ود الناس، ليس بالأمر الصعب، بقدر ما يتطلب إلى صبرٍ وحنكة، ففي النهاية هم بشرٌ كما نحن، يعتريهم من النقص والخير ما يعترينا. أنتم حماة الوطن، عليكم تعلّقت آمالنا. لكم بكت مآقينا، وارتفعت دعواتنا وابتهالاتنا.. فلا تتضاءل طموحاتكم، فهي في قطر ولقطر.. لا تتوانى هممكم، فهي من أجل درة الأكوان، وأغلى الأوطان.. انطلقوا، فعين الله ترعاكم، وترعانا، وتحفظ قطر أميراً وحكومةً وشعباً..

1619

| 24 فبراير 2012

رسالتي

تقول الكاتبة كوليت خوري: "سأموت يوماً ما دون إرادتي، كما وجدت دون إرادتي، فلماذا وقد وجدت، لا أُعطي معنىً لهذا الوجود؟ لماذا لا أدع هذه الفترة من الزمن التي تفرق بين ولادتي وموتي، تشع بالحرارة؟" أ.هـ ذات زوال، قال لي أبي علينا أن لا نخرج من الحياة من أبوابها الخلفيّة، سألته حينها وأنّى يكون ذلك، فبصم بإبهامه على ركبته وقال "ببصمة".. كان لذلك الحوار مستقراً في نفسي إلى حين، فعليّ أن أجد موضع بصمتي، وفي أي مجالٍ تكمن، وبأي شكلٍ أخطها كرسالةٍ للأرض ومن عليها..!؟ ومن ذا الذي سيتلقاها، ومن ذا الذي سيقرؤها..!؟ هذا إن لم تختفِ في بريد الحياة، فكما قال جبران خليل جبران "أعطني أذناً، أعطك صوتاً". آمنتُ بحمل رسالةٍ ما، فأنا أُريد من الفترة التي تفرق بين ولادتي وموتي أن تشع بالحرارة، ثم إنني مُتيقنةً أننا خُلقنا لهدفٍ سامٍ، أن نعبد الله، ومن ثم إعمار الأرض، وكلا الهدفين يحتاجان إلى علم، إذاً العلم هو الطريق إلى المعالي.. لعل كل علمٍ يدخل مدارات فكرنا، يختلط بمبادئنا ومعتقداتنا، فينتج من ذلك الخليط الذهني، فكر جديد، قد يؤدي إلى علم مبتكر، يخرج منا بقالبِ الأدب أو الفن أو العلوم، فنرتقي حينها فكرياً، وننهض بالأمة علماً وأدباً وفناً، فلكل شخصٍ منا طاقة ومعرفة بهما يبتكر ما كان معدوماً، ثم بالتطبيق يُصبح موجوداً، فتقوم حضاراتٍ كان السبب فيها (خاطر)..! إن لزاماً علينا أن نؤمن بحرفةِ كل فردٍ منا، فلا نستهين بالقلم أو الريشة أو حتى أدوات الحرف المختلفة، فعندما هجم التتار مدينة (مرو) أبادوا البلاد والعباد إلا أصحاب الحرف والصناع المهرة، فقد تم إرسالهم إلى منغوليا للاستفادة من خبراتهم الصناعية هناك، فقامت عليهم حضارة لم توجد على الخريطة من الأساس، كتاريخ التتار تماماً. إذن فلو كانت رسالتي بقلمي، فإن لكل صاحب أداة رسالة ما، ولو جُمعت الرسائل لحُفظت في بريد النهضة فنهض وطن بأكمله، وقامت حضارة مزدهرة، فيكون لكل فرد منّا بصمة حينها، بها يفتخر ما بقيَ حيا، ويفتخر من بعده أحفاده وذريته، فأيامه لم تكن كالسراج المُطفئ إلى أن فنى، بل كانت سراجاً مُنيراً، أنارت دربه، والتاريخ من بعده.

574

| 24 فبراير 2012

مبروك الطارش .. مبروك الرجال

قد ينفعُ الأدبُ الأولادَ في الصغر ،، و ليس ينفعهم من بعدهِ أدبُإن الغصون إذا عدلتها اعتدلت ،، و لا تلينُ و لو ليّنتَه الخُشُبُ تَحينُ ساعةُ الصفر ..بعد تسعة أشهر من العناء و الوهن ..يأتي فَرج الله في هذه السويعات ، فيتعاظم ألم الطَلق ، و تشتد أعصاب المُنتظرين ، إلى أن يُحدث الله بعد ذلك أمراً ..تَصيحُ إحداهن : ( مبروك ولد ) ..!!هي البشارة إذاً ، هي الفرحة العارمة ، و البقاء للاسم و العائلة ، هو ( الولد ) ، و تتعالى أصوات المُهنئين : ( مبروك الطارش ، مبروك الرجال ) .. نعم ، فإلى الآن ، و تلك الثقافة مسيطرة على المجتمعات العربية ، لعلّها أعراف جاهلية محضة ، و تقاليد اجتماعية بغيضة ، إلا أنها موجودة ، هي الرغبة في إنجاب الذكور فضلاً عن الإناث . و لكن ..!!هل يستمر ذلك الطارش افتخاره برجولته أو بالأحرى – بجنسه الذكوري - ، كما افتخر بها أبواه يوم مولده ..!!لعلّ موقفاً صادفته ، هو الذي أثار عاصفة الأفكار تلك في ذهني المصعوق ، حيث كنتُ في إحدى الأماكن العامة في فترة العصر ، إذ دخلَ شخصان خُيّلَ لي أنهم فتيات من مظهرهم و لبسهم ، فلم أدقق النظر ، لأكمل ما كنتُ قد جئت لأجله ، اقتربتا إلى أن وصلتا الطاولة التي بجانبي ، فسمعت إحداهن و هي تقول : ( سوسو تعالي ) ..التفت بصورة عفوية ، فإذا هم رجالٌ في زمنٍ مضى ..!!رجالٌ كانوا ، و إناثٌ صاروا ..!!تساءلتُ في نفسي مُنذهلة : ( سوسو ، أقد كان يوماً ما سعد أو سعيد أو سعود أو سالم أو سلمان أو سليمان أو سفيان ..!!)سفيان ..!! تذكرت فجأة سفيان الثوري - رحمه الله - الإمام الورع التقي ، سفيان الذي قال يوماً : ( لو أن اليقين استقر في القلب كما ينبغي لطار فرحاً ، وحزناً ، و شوقاً إلى الجنة ، أو خوفاً من النار ) ، سفيان الذي إذا تعِب من قراءة القرآن وضعه على صدره ، حرصاً على القيام للصلاة في الثُلث الأخير من الليل ، و إذا نام فزع من نومه ينتفض ينادي : ( النار النار ، شغلني ذكرُ النار عن النوم و الشهوات ) ثم ما لبثتُ أن عدتُ إلى أرض الواقع ، لأرى ( سوسو ) أمامي ، بأنوثتها و خجلها و ضحكها و تغنجها ، و رداءها الزهري ..!!أَيُعقل أن ( سوسو ) فرِحَ بهِ أبوه يوم مولده أن جاء له ( مسنده ) في هذه الدنيا ..!؟ أيُعقلُ أن أُطلق عليه ( الطارش الرجال يوماً ما ) أفرِحَ به أهله و أقاربه ..!!إذاً لماذا لم تتحوّل تلك الفرحة العارمة إلى جهدٍ جبار في التربية السليمة الصحيحة ، لماذا لم يغرسوا في نَفسِهِ أن تحوّله من رجلٍ إلى أنثى هي انتكاسة للفطرة ، و قتل للرجولة ، و امتهان للشخصية ، و طعنة نجلاء للفضيلة و الأخلاق ، و جرٌ للأمة إلى انحلال فاجر و إباحية ممقوتة .كنتُ أتساءل في حيرة ، كيف خرج بهذا المنظر من بيته ، ألم يُنكرَ أهل بيتهِ عليه شذوذه ..!!؟؟ أليس اللوم هنا مُلقىً على عاتق الأهالي أولاً و أخيراً ، فالتربية هي اللبنة الأولى في السلوك القويم و النشأة الصالحة ، فإن كان الإهمال و التقصير من جانب الآباء و الأمهات ، فماذا ننتظر منهم إلا الانحراف ، و التخبط في حياة الانحلال و الإباحية ..!؟ ألم يُرددوا على مسامعهم قول حبيبنا و نبينا محمد صلى الله عليه و سلّم : ( لعن الله المخنثين من الرجال ، و المترجلات من النساء ) و هو الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلاّ وحيٌ يُوحى ..!! ، فلله در من قال : و ليسَ النبتُ ينبتُ في جنانٍ ،، كمثل النبت ينبت في الفلاةو هل يُرجى لأطفالٍ كمال ،، إذا ارتضعوا ثُدي الناقصاتِ أيضاً ، لا أُبرئ هنا جانباً مُسانداً خفيّاً لأولئك الفئة ، فكل جميلٍ و قبيح إذا قُوبل بالإهمال ( مات ) ، و يبدو أن تلك الفئة لم تُقابل بالإهمال ، فإن هم لم يجدوا التشجيع لما استمروا بقوة ، و تواجدوا بثقة .إن الله تعالى لم يحرّم أمراً من عبَث ، و لم يمقتُ شيئاً بلا سببٍ ، فالتخنث لا يليق بشهامة الرجل ، و الترف لا شك يؤدي إلى الانحلال و الفساد ، فإن أردنا العيش في مجتمع إسلامي سليم قويم فعلينا تطهيره ، و التخنث إحدى وجوه الفساد الذي يعيق طهارته .. و هنا لعلّ التربية الموجهة للأبناء وحدها لا تكفي ، فالتربية تبدأ من الوالدين أنفُسَهُم ، لأنهم أساس الأسرة ، و المَثلُ الأعلى لأفرادها ، و من ثم التربية السليمة للأبناء على نهجِ ( قال الله و قال الرسول ) ، التربية من جميع جوانبها ( الإيمانية ، و النفسية ، و الجسدية ، و الخُلقية ... ) ، و لا ضير من التدليل المُعتدل فهو مطلوبٌ بلا شك تحت راية القاعدة الدينية ( لا إفراط و لا تفريط ) .كل ذاك بمعيّة الدعاء و التضرّع لله عز وجل ، بتمام صلاحهم ، و أن يحفظ دينهم ، و يُنزل عليهم رحمته و ينشر عليهم حكمته ، و أن يهب لهم ديناً قيّماً ، و قلباً خالصاً ، و عقلاً كاملاً ، و لباً راجحاً ، و عزماً ثاقباً ، و أن يحفظهم بحفظه و قدرته من فتنٍ كقطع الليل المُظلم .. و الرسول عليهِ السلام وصّى و أكّد بضرورة العناية بالأولاد و وجوب الاهتمام بأمرهم و تربيتهم ، قال عليه السلام : ( مروا أولادكم بامتثال الأوامر و اجتناب النواهي ، فذلك وقاية لهم من النار ) فبأي حديثٍ بعده يؤمنون ..!!؟

7679

| 24 فبراير 2012

أبشع ما قرأت

دائماً ما أردد أنني ضد إحدى الجُمل التي طالما رافقت المتحدثين عن القراءة، تلك التي تقول "أقرأ كل ما يقع بين يدي"، بل إنني في رحلة بحث أبدية في انتقاء ما أقرأ، لكي لا ألوث آفاق فكري بالبث السيء والبشع، فأجدني وقبل أن أملك كتاباً، أكون قد سألت واستفسرت وناقشت، إلى أن أصل إلى المحطة ما قبل الأخيرة، ألا وهي (امتلاك الكتاب) والتي تليها الأخيرة (الغرق فيه). ثم بعد ذلك نبدأ في الحديث عنه مع هواة القراءة والمثقفين، وتصنيفه إما ضمن الكتب العابرة أو ضمن (أجمل ما قرأت) في معرض الكتاب الأخير الذي أُقيم في قطر، نصحتني إحداهن بقراءة رواية (اسمه الغرام) لعلوية صُبح، وقالت: (جميلة وجريئة ولكنها بعيدة كل البعد عن الابتذال). تشجعت..!! واشتريتُها..!! وشرَعتُ في القراءة..!! 3 أيام وانتهيتُ من القراءة، أغلقتها بذهول، وانتهيت بصمت، وعلامات الاستفهام تُرسم في ذهني، ماهي القضية المطروحة والتي تحتاج إلى العلاج في تلك الرواية؟ ألهذه الدرجة افتقرت الرواية إلى اللغة الراقية لنجدها وفي بعض الحوارات كلمات خرجت عن حدود الأدب لتدخل أفق اللاأدب؟ هل اللذة - وإن كانت ضمن نطاق (الشذوذ (هي الهدف المرجو في هذه الحياة؟ هل نحن البشر لم نُخلق إلا للوصول إلى تلك اللذة؟ أياً كانت الطريقة؟ أم انطبقت على أبطال الرواية (إن هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا) هل أصبح (الجنس) برستيج روائي يستخدمه الروائيون لجذب انتباه المُتلقي..!؟ أَغفلوا عن أن (الكلمة هي لب الأدب) فمتى ما جُرّدت من صفاتها الجمالية ومن ثم تحويلها إلى كلمات تترفع الأعين عن قراءتها لا تعدّ أدباً البتّة..!! أم أن التطرّق إلى اللاأدب أصبح جزءا من الأدب الآن..!! انتهيت منها وانتهيت من رحلة الأفكار تلك، فلم "أتوانى" عن تصنيفها كـ (من أبشع ما قرأت).

1131

| 24 فبراير 2012

من أي رحمٍ خُلقت

قالت: ( هو زميلي في العمل، وقد يكون ذلك الشعور العارم من إعجاب واستلطاف، أقوى من تلك الزمالة، ولعلّها مشاعرٌ تعاظمت في أنفسنا، جعلتني لا أرى من رجال العالمين سواه، ولا يرى من إناث العالمين سواي، مشاعر سرت في أوردتنا ملأتنا يقينا أن كل منا هو المكمل للآخر بلا شك، إني لا أُبالغ أمراً إن قلت إنها أحاسيس طاهرة جعلته يُسارع إلى خطبتي من والديّ، ليكون كل شيءٍ في حدود الدين، والأصول، والعادات والتقاليد.ووافق والديّ وسط مخاوف وتردد، ولكن سرعان ما تبددت حال نقاشهم معه، فهو ذلك الشاب المثقف، المتفتح المدارك، الواسع الأفق، ولحسن الحظ أنهم أُعجبوا به، كما أُعجبت أنا به، وعشت بعد ذلك ليالي خارج حدود الدهر، لم أكن لأستوعب أنه قد يُبعدُ الدهر مداه معنا بهذا الشكل وبهذه الصورة، ولكن كل تلك الأحلام لم تتجاوز أسبوعين من الزمن..!! أسبوعان فقط، وتدخل أعمامه وأخواله في إعاقة ذلك الزواج، وتدمير الحلم، كانت المعارضة شديدة بحيث لم يقاومها والده وحيداً، فرضخ مُكرهاً لتلك المعارضة التي كان شعارها: (كيف ترتبط بمن هو مجهولٌ نسبها )..!! و لكن..!! ما هو ذنبي أنني أجهلُ من أي رحمٍ خُلقت، وفي أي أحشاءٍ حُملت، فعلى الرغم من جهلي بنسبي، على قدر علمي أنني هنا على ساحة الوجود ) ثم أطرقت برأسها تبتسم، وعيناها تتلألأ بجواهرها. لم أتخيل يوماً ما أن وراء تلك الفتاة المُبهرة الجمال، ذات الشخصية القوية، والضحكات الواثقة كل تلك الآلام، فكل ما فيها يدعو العين أن تُطيل النظر، إن كان منظراً أو مخبراً، ولكأن المحاسن اتفقت أن تتخذ من تلك الفتاة مستقراً لها، ناهيك عن نشأتها في طبقة ارستقراطية عالية المقام، تخوّلها أن تكون ضمن سيدات المجتمع في المستقبل..ولكن، وعلى الرغم من ثقتها في النقاش، ومهارتها في إدارة دفة الحوار، إلا أنها لم تتطرق يوماً ما في ذكر أنها (فتاة يتيمة) لا تعرف أمها، وتجهل بطبيعة الحال والدها، كانت تُعامل من قبل عائلتها التي قامت بتبنيها معاملة الفتاة المدللة التي لا يُرد لها طلب، فتاة البذخ التي لا تلبس إلا الباهظ الثمن، ولم تعرف إلا عيشة القصور، لم يكن هناك ما ينقصها، إلا أن تعلم مَن تكون..!! انتهى حوارنا...!!وأنا أحتقر نفسي وأوبخها على المرات التي افتخرت وتفاخرت فيها بنسبي، وكان ذلك على مسامعها، خجلت من سطحيتي وضحالة تفكيري، تذكرت أنها كانت تبتسم ولكن لم أدرك أنها ابتسامة ألم ومجاملة. انتهى حوارنا..!! وآلاف علامات الاستفهام تُطرح في ذهني، فما هو ذنب تلك الفتاة التي لا أتوانى أن أصنفها ضمن أفضل الفتيات اللاتي قابلتهن في حياتي خُلقاً وديناً..! أَيُعقل أن تتعرض للظلم مرتين في حياتها، ففي المرة الأولى ظُلمت عندما وُلدت من أم تجهلها، وتجهل لماذا تركتها لتتلقاها أيدي الخير، والمرة الثانية في رفض المجتمع لها ورفض زواجها وتحقيق حلم كل فتاة في الارتباط وتكوين الأسرة والإنجاب، والقضاء على حبٍ عفيف شريف..!! أيُعقل أن يكون المجتمع بهذه القسوة في سحق كرامة أفراده في رفع بعض الشعارات، كشعار تلك المعارضة: (كيف ترتبط بمَن هو مجهول نسبها )..!! فعلى من نُلقي اللوم، على الأعراف أم عقليات أفراد المجتمع، أم على من لا ذنب له..!!

419

| 24 فبراير 2012

قالت لي البيضـاء

أتأملُني..!! اليوم، أتممتُ السادسة والعشرين ربيعاً.. أحقاً مرّت سنونَ عمري ربيعاً..!؟ أم خريفاً..!؟ أم مزيجا بين الفصول الأربعة، فتذوقت من الحياة حلوها ومرها، عذبها ومالحها، ثم إن الدهر قلّبني كيفما شاء فصدُق من قال: ( إن الدهر قُلّب والليالي حُبالى).. في التاسع عشر من آذار.. صَحوتُ في تمام السادسة، الساعة المفضلة لدي من كل صبحٍ من صباحات الحياة، اتجهتُ إلى المرآة، هي الجماد الذي تجمعني بها المواعيد اللامتناهية.. رحتُ أبحثُ في وجهي على ما يدل أنه فعلاً في مثل هذا اليوم استقبلتني الأرض، فازدادت من بناتها، بنت .. لا اختلاف البتّة..!! هما العينان ذاتهما، مع خبرةٍ ازدادت نيّفاً، ثم إن هي الملامح والتقاسيم عينها، وهو رأسي نفسه..!! رأسي نفسه..!! رأسي نفسه..!! رأسي..!! ما الذي احتواه بربي.!؟ وماذا سيحتوي..!؟ وإلامَ سأصل به..!؟ وإلامَ سيصل بي..!؟ وما الذي اختلف وتغيّر من أمور أعلمها ولا أعلمها..!؟ أجهلها ولا أجهلها..!؟ جُزعتُ منه وكأنني أراه لأول مرة، فابتعدتُ خطوة بنظرتي إلى الخلف، إلى ما وراء الرأس، أو أمامه، كدتُ أتوه، أو انني فعلاً في لحظة تيه.. فخُيّل لي لون شذّ عن لون واختلف عنه، فالتصقت في المرآة لأعرف ماهية ما رأيت، لعلّي أجد ضالتي من المعرفة، وحقيقة أن اليوم فعلا 19 آذار على ذمة تقويم الحياة.. كانت أطول شعرةٍ في رأسي، صُعقتُ أن كيف تتجرأ لتصطبغ بالبياض..!!؟ ومن ذا الذي ألبسها حلة لا علم لي بها..!؟ أليس هو رأسي..!؟ أليس هو شعري..!؟ ألستُ أنا المتحكّمة في كسوته..!؟ صَرَخت البيضاء في وجهي وهي تقرأ حنقي: ( ثمة سرقةٍ تحدث كل يوم، ولكن لا سبيل لقطع يد السارق، أو محاسبته، أو زجّه في المحاكم، سارق يسرق بشرعيّةٍ تامة بحسب قانون من استوى على العرش) تَساءَلتُ في نفسي إن كانت تعني الوقت! أم اليوم! أم الزمن! أم الدهر..!؟ ذلك الذي يجري بنا أو نجري به، يسرق كل يومٍ من أعمارنا يوماً، فينتقص بذلك العدد المحدد لنا من العَيش، ليضمن بذلك الاستمرارية والبقاء.. فيه..!! خسرتُ وكسبت، مقَتُ وأحببت، بكيتُ وضحكت، ولا سبيل للذكرِ أو الحصر، أعطاني دروساً من خبرته مقابلَ أيام من عمري.. أَلَم يجد ما هو أثمن من ذلك فيترك لي أيامي..!؟ ألا يرى أن المقابل كثير، كثير جداً..!؟ إنني أتساءلُ هنا، ماذا تفعل أيامنا العصيبة الماضية في جعبته، أتبقى عصيبة.؟ أم انها تموت.!؟ فلا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها.

1779

| 24 فبراير 2012

وبالألم.. وجوهٌ تنضح

أمرُ على الوجوه بصمتِ صاخب.. أتفحص ملامحها بتمعنٍ وذهول، لعلّ هذه الوجوه لا تبصرني كما أُبصرها، فأنا أجهل الوقت الذي يفرق بين زمن ذلك التوثيق التصويري وبين وقوعي بين يدي الصورة ذاتها.. هي صورة التُقطت في حقبةٍ ما، في بقعةٍ ما، في تلك اللحظة أجبرني سيدي العقل على إطالة التأمل في تفاصيلها، ففعلت، حتى بتُ أشك أن مصورها تقصّد صفعي بها، وأنه التقطها فقط ليُصيبني وابلاً من الوجوم، وأنه أراد بها أن أطأ أراضين التيه والهذيان.. كانت الصورة تحكي قصة مجموعة من البشر، وقفوا صفاً في بؤسٍ وضنك، يمسكون بأوان فارغة ينتظرون أن تُملأ بالطعام..! في محاولاتٍ شبه يائسة للنجاة من كارثة صعُب علي تصنيفها، أهي كارثة إنسانية أو طبيعية، كارثة تُسمى بـ / المجاعة..!! في غضون لحظة، كانت تتوارد على ذهني المزدحم بعض من آيات القرآن الكريم (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف )، (ولنبلونكم بشيءٍ من الخوف والجوع )، (فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف ).. إذاً، قد تضم بقاع الأرض أُناساً لم يجوعوا فحسب، بل حلّت عليهم لعنة المجاعة فكانوا من الهلاك قاب قوسين أو أدنى، وقد قضوا نحبهم جوعاً..!؟ إنني أتساءلُ هنا، هم لم يأكلوا بمقدار كم مما نعدُ ونحسب..!؟ أجاعوا دهراً..!؟ زمناً..!؟ عمراً..!؟ أو يوماً..!؟ كم من الوقت كانوا على ذلك الحال فوصلوا إلى هذه الحال..!؟ وكم من الوقت الذي هم بحاجته للامتثال للشفاء، وبأي مقدارٍ من الطعام هم بحاجته، وأي مقدارٍ من العلاج، وكم سعة الذاكرة التي تتطلبها أذهانهم لنسيان هكذا كارثة مرت وليتها لم تمر..!؟ أيجوعُ البشر إلى حد السؤال والطلب عن الطعام..!؟ إن عقلي بجميع ما يعتريه من نقص وقصور، لم يُخيّل له يوماً أن السؤال قد يكون في غير طلباتي العابثة من والديّ، كحاجتي للترفيه أو السفر، إلى آخره من طلباتٍ لا أراها الآن إلا أنها تعتلي قمة اللاشيء.. لم أُدرك أن السؤال يتعدى تلك الحماقات إلى ما هو أعظم وأجل، إلى حاجة من احتياجات الحياة، كأن يسأل الإنسان لقمة تُسمنه وتُغنيه من جوع..! كأن يُحاول محاولاتٍ يختلط بها الأمل واليأس أن يُنقذ طفلاً يجوع، يرفع رأسه فيرى أن العالم أجمع أكبر منه، فبكى.. أو كهلاً يجوع، ليرفع رأسه، فيرى أن العالم أجمع أقوى منه، فهوى.. أو امرأةً، أو شاباً، أو نفساً، هاجمهم الضعف والجوع فقصم ظهورهم.. أفقت من نوبة الفكر، فأدركتُ أنني صُفعتُ بعُنف، صفعةٌ زمنية لا ينبغي لها أن تُنسى، كما أنني أدركتُ أنني كنتُ منكبةً على الصورة أبكي بحرقةٍ وألم، وذهولٍ وعجب،، ودعواتٍ وابتهالات، وحمدٍ وامتنان.

460

| 24 فبراير 2012

على فراش الموت.. سأكون..!!

تقض مضجعي بعض حالات الشك التي تعتريني.. ففيها.. أتفحص ملامحي في المرآة، أعمَد إلى قرص يديّ لأتأكد من وجودي، أُغمض عينيّ بعنف، ثم أفتحها فأشعر بغمامة إثر إغلاقي العنيف لها..!! ثم وبعد ذلك..!! أُفجع من التفكير أن هذا الجسد وهاتين العينين وقبل كل شيء هذا العقل، سيكون يوماً تحت التراب..!! إذاً..!! تحت التراب..! ت ح ت، ا ل ت ر ا ب..!! هناك، حيث اللامدى، حيث اللاجماعة، اللاأُنس، ولكن، هناك شعور..!! نعم شعور، ألم نتعلّم مُنذ المهد أن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا...!! إذاً..! لوجودي وجود، ولعدم وجودي وجودٌ أيضاً ولكن لم يتم بعد..!! إذاً..! كل موجود موجود، وكل لا موجود موجود، وإن كان لاملموس، ولامادي..! إذاً..! كيف اهتدى أو ضل البعض..!! وكيف آمن وكفر البعض..!! كيف للمفكرين أن يصلوا إلى مرحلة من الشك اللامنهجي، فيها يعتريهم الشك في الموجودات..!!؟ ويؤمنوا باللاموجودات، كداروين الذي آمن أن الوجود قام بدون خالق، في الوقت الذي آمن أن الإنسان قد تطور من القرد وأن هناك تسلسلا فى الأجناس البشرية، فيما يسمّى بنظرية التطور، ماذا حلّ بفكرهم بعد أن ماتوا وانتهوا..!! فكرٌ جامحٌ يؤرقني.. كيف سأموت..! وكيف سأنتهي..! وكيف سأتحوّل من موجود إلى موجودٍ كان..! هل سأرى من يأخذني من الحياة إلى البرزخ..!! أم فجأة سأكون من هنا، إلى هناك..!؟ كيف لي أن أفكر وأنا تحت التراب..! أم أنه لا داعي للتفكير حينها..! اللهم إني أسألك خاتمةً حسنة

413

| 24 فبراير 2012

حروف تأبين.. فإلى عليين

فاحت رائحة الموت في أحرفي مُذ مدة، ولكن لم يُخيّل لي للحظة أن تختنق لتنعيكِ.. إني وبكل ما أُعانيه من صدمة صعقت كياني ففتفتت ذراته، أشعر بأنني لا أحتاج إلا لعلاجٍ مكثّف يُساعدني على استكمال مسيرتي الحياتية، إلى أن أكون في يومٍ ما، في مثل مستقركِ.. لا أُذيعه سراً، أنني أمِنتُ الموت لدرجة أن خيالي لم يجمح يوماً في أنكِ ستكونين في عداد المتوفين، وضمن قائمة المفقودين، وأن لساني سينطقها — رحمكِ الله —.. إن كلمة (ماتت) لا تُناسبكِ يا صديقة، ولا تليق بكِ يا قريبة..! أستغفرك يا الله أنا لا أعترض على قضاء قضيته، فجعني فشعرت أن ثمة خللا كونيا حدث، وأن ساعة الدهر الحديدية تلحلحت عن مكانها ليتغيّر التوقيت الزمني، ولكن لعلّ جزءا من إدراكي فُقد بفقدها، فكان أن أهذي بما لا يجوز لي نُطقه، فمنك المغفرة يا عظيم الجود.. يارب..! فإن كان أن مسحتها من الوجود، فمَن لي بمسح وجودها الشفاف في ذهني.. كيف لي أن أسلى صوتها المُرتجف عند الحديث، ضحكتها التي تكاد تصل إلى ما وراء المدى.. فَقد هاتفي لهاتفها..!! رسائلها..! يا رسائلها..! بعضٌ من أحاديثها..!! خلافاتنا..! إن فقدها بدد جبروتي فصار هباءً منثورا.. أنا بتُ أخاف صوت الباب والريح وحتى الجدار، بتُ أخاف الصوت والظل والحرور.. أهاب الأرض لأنها وبكل جرأةٍ احتوت جسدكِ، ثم وبكل صرامة ابتلعتكِ صمتاً، هي لم تأبه لصياحنا وبكائنا وصراخنا، لم تهتز لانهيارنا الواحد تلو الآخر.. أنا بتُ كالرضيعة أحتاج أمي أعظم من ذي قبل، أحتاج أن أختبئ وراءها كالطفلة التي تشعر أن الكون برمته أكبر منها، صرتُ أخاف الموت والحياة.. إنني إنسانة مختلفة كما لم تُخلق من قبل، بل أشعر بأنني مولودةٌ جديدة ولدت في عمر الستة والعشرين، جديدةٌ هذه الحياة بالنسبة إلي، أجهلها ولا أكاد أعرفها.. إنني واليوم أنعيكِ دمعاً، وتقف الحروف للتأبين حزناً، لا يُخيّل لي إلا أن الحزن رجل نفث في وجه كل شعب قطر، فأمسى شعباً حزيناً باكياً، ينعى عزيزاً غالياً، تراب قطر وسماؤها، مداها وأُفقها مثقلة بالأسى، حتى خيلكِ تبكيكِ، اسطبلاتها، رسنها، صهيلها، كل شيءٍ يا أنتِ كل شيء.. هم كاليتامى يبكونكِ، فأي فجعٍ خلّفتِه، وأي وجع تركتِه في القلوب والأماكن..!! أقسم بمن قبض روحكِ أن لي بين الأضلع قلباً موجوعاً مفجوعاً منفطراً من الحزن.. وأن موتكِ ما هو إلا إحدى كيات الحياة التي توسمت بها مشاعري وعقلانيتي، فأنا لم أنتظر أن أفقد عزيزاً، بل أنا كنت بحاجة أن ينسى الفَقدُ أحبتي إلى أن يتذكرني.. عُذراً يا لُغة..!! عُذراً يا أدب..!! عُذراً يا حروف ويا كلمات..!! لم أسع لتهذيبها كلماتي لتليق أن تقرأها الأعين التي تبحث عن الأدب الحقيقي، أنا أتحدث من واقع وقتٍ تعدّى حدود الزمن، وحزن خرج للتو من رحم صدمة.. فاقبلوا الأحرف وإن ركّت، والمشاعر وإن دكّت.. اللهم ارحمها واغفر لها وبدد حزناً تعاظم لفقدها واجعلها ممن قالوا: (قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المُكرمين).

1021

| 24 فبراير 2012

alsharq
قراءة في ظاهرة المدير السام

في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...

1668

| 23 مايو 2026

alsharq
الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...

1128

| 21 مايو 2026

alsharq
لماذا الديستوبيا في الإبداع أكثر ؟

كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...

1122

| 21 مايو 2026

alsharq
غريب في البيت

لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...

750

| 24 مايو 2026

alsharq
المنازعات الإيجارية

أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...

732

| 20 مايو 2026

alsharq
معرض الدوحة.. كلمات تتحول إلى لوحة فنية

في الرابع عشر من مايو، انطلقت في أرض...

720

| 21 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

663

| 20 مايو 2026

alsharq
يوم عرفة... هوية جامعة عابرة للحدود

منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية...

594

| 23 مايو 2026

alsharq
لا أحد سيبدأ عنك

كثيرون ينتظرون أن تبدأ حياتهم المهنية بفرصة جاهزة...

594

| 25 مايو 2026

alsharq
قمة أرمينيا.. آفاق جديدة ولكن؟

في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد...

588

| 26 مايو 2026

alsharq
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام

ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله...

579

| 22 مايو 2026

alsharq
معرض الكتاب.. الاستثنائي

كل عام يختلف بشكل متغاير وبثوب جديد، ليصبح...

564

| 23 مايو 2026

أخبار محلية