رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حين وقف العالم وفاءً للأمير الوالد

لم تكن الجلسة الخاصة التي عقدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة تكريمًا لذكرى المغفور له بإذن الله، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، مجرد مناسبة تأبينية عابرة، بل كانت شهادة دولية موثقة على إرث قائد غيّر مسار وطنه، ونقل قطر من دولة محدودة المساحة إلى دولة واسعة الحضور والتأثير. إن وقوف ممثلي دول العالم في مقر الأمم المتحدة بنيويورك لاستذكار سيرة الأمير الوالد وإنجازاته يحمل دلالة كبيرة؛ فمثل هذا التكريم لا يُمنح للمناصب، وإنما للأعمال التي تبقى آثارها حاضرة بعد رحيل أصحابها، وللرؤى التي تتجاوز حدود الأوطان لتترك بصمتها في المجتمع الدولي. وقد عكست الكلمات التي أُلقيت خلال الجلسة المكانة الرفيعة التي حظي بها الأمير الوالد، رحمه الله. فقد أشاد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بقيادته ورؤيته، مؤكدًا أن عهده أرسى أسس ازدهار قطر ومكانتها العالمية، وأن أثره تجاوز حدود الدولة من خلال دعم السلام والحوار والوساطة والعمل الإنساني. كما تحدث ممثلو دول مجلس التعاون والمجموعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي وحركة عدم الانحياز عن دوره في بناء قطر الحديثة، ودعم العمل الخليجي والعربي والإسلامي، والدفاع عن القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وهذه المشاركة الدولية الواسعة تؤكد أن العالم لم يكن يستذكر قائدًا قطريًا فحسب، بل رجل دولة آمن بأن الحوار أقوى من الصراع، وأن الوساطة خير من المواجهة، وأن بناء الإنسان هو الأساس الحقيقي لبناء الأوطان. لقد قاد الأمير الوالد، رحمه الله، خلال فترة حكمه الممتدة من عام 1995 إلى عام 2013، مرحلة تحول شاملة. فتطورت قطاعات التعليم والصحة والاقتصاد والطاقة والبنية التحتية والإعلام والثقافة والرياضة، وبُنيت مؤسسات الدولة الحديثة، وتعززت مشاركة المرأة والشباب، وانفتحت قطر على العالم بثقة واستقلالية. ولم تكن تلك الإنجازات مشروعات متفرقة، بل كانت حلقات متكاملة في مشروع وطني بعيد المدى، محوره الإنسان القطري وغايته إقامة دولة عصرية قادرة على المحافظة على هويتها، وصيانة قرارها الوطني، والتفاعل الإيجابي مع محيطها الإقليمي والدولي. وفي عهده أصبحت الدوحة منبرًا للحوار وموطنًا للوساطة وتقريب وجهات النظر، واستضافت قطر مؤتمرات وقممًا دولية كبرى، وأسهمت في معالجة عدد من النزاعات والأزمات. ومن هنا أصبح اسم قطر حاضرًا في المحافل الدولية، لا بحجم مساحتها، وإنما بصدق مواقفها وفاعلية أدوارها وقدرتها على بناء جسور التواصل بين المختلفين. ويظل القرار التاريخي بتسليم الراية إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، علامة بارزة في مسيرة الأمير الوالد؛ فقد قدّم للعالم نموذجًا حضاريًا في انتقال المسؤولية بين جيلين، ضمن الاستقرار والاستمرارية، وربط بين مرحلة بناء النهضة ومرحلة ترسيخها وتطويرها. وقد واصل سمو الأمير المفدى المسيرة بكل حكمة واقتدار، فحافظ على مكتسبات الوطن، وطوّر مؤسساته، وعزّز مكانة قطر السياسية والاقتصادية والإنسانية، لتبقى رؤية الأمير الوالد حاضرة في إنجازات الدولة وفي مسيرتها نحو المستقبل. إن تكريم الأمم المتحدة للأمير الوالد هو تكريم لقطر وقيادتها وشعبها، وشهادة بأن ما تحقق في عهده لم يكن إنجازًا محليًا فحسب، بل تجربة وطنية لفتت أنظار العالم، وأثبتت أن الدول لا تُقاس باتساع جغرافيتها أو كثرة سكانها، وإنما بقوة رؤيتها ومتانة مؤسساتها وأثرها في خدمة الإنسانية. رحم الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وجزاه عن قطر وشعبها وأمته خير الجزاء. سيظل اسمه حاضرًا في وجدان الوطن، وستظل نهضة قطر شاهدة على رؤيته، وسيبقى تكريم العالم له تأكيدًا لحقيقة راسخة: أن القادة العظام قد يغادرون الحياة، لكن آثارهم لا تغادر التاريخ.

306

| 11 سبتمبر 2026

الغياب والتأخير المدرسي.. الحزم وحده لا يكفي

أصدرت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي الدليل التنظيمي لسياسة إدارة سلوك الطلبة لعام 2026، متضمناً مجموعة من الإجراءات المتدرجة للتعامل مع الغياب والتأخير الصباحي؛ تبدأ بإخطار الطالب وتوثيق المخالفة، ثم إنذار ولي الأمر واستدعائه وتوقيعه على تعهد خطي، وصولاً إلى تحويل الطالب إلى الأخصائي الاجتماعي، واحتساب التأخير المتكرر يوماً كاملاً من الغياب، وحرمان الطالب من الاختبارات عند تجاوز مدد محددة من الغياب غير المبرر. ولا شك أن انتظام الطالب في الحضور والتزامه بمواعيد الدوام يمثلان أساساً مهماً في العملية التعليمية؛ فالمدرسة ليست مكاناً لتلقي المعلومات فقط، وإنما بيئة يتعلم فيها الطالب احترام الوقت وتحمل المسؤولية والانضباط والالتزام بالواجبات. كما أن الغياب المتكرر والتأخر الصباحي يؤثران في التحصيل الدراسي، ويضعفان قدرة الطالب على متابعة الدروس، وقد ينعكسان كذلك على أداء المعلم وانتظام الصف بأكمله. ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة إلى سياسة واضحة وحازمة أمراً ضرورياً، خصوصاً عندما يتحول الغياب أو التأخير إلى سلوك متكرر لا يستند إلى عذر مقبول. ولا يمكن لأي نظام تعليمي أن يحقق أهدافه إذا غاب عنه الانضباط، أو إذا شعر الطالب وولي أمره بأن الحضور مسألة اختيارية لا تترتب على إهمالها نتائج واضحة. غير أن تطبيق العقوبات، مهما بلغت أهميته، لا ينبغي أن يكون غاية السياسة التعليمية، بل وسيلة لإصلاح السلوك وإعادة الطالب إلى طريق الانتظام. فليست حالات الغياب والتأخير متشابهة؛ فقد يكون بعضها ناتجاً عن الإهمال، بينما يرتبط بعضها الآخر بظروف صحية أو أسرية أو نفسية، أو بمشكلات في النقل وبعد المسافة، وربما بظروف اجتماعية لا يستطيع الطالب الإفصاح عنها بسهولة. ولهذا فإن تحويل الطالب إلى الأخصائي الاجتماعي يجب ألا يُنظر إليه بوصفه إجراءً شكلياً يسبق العقوبة، بل تدخلاً تربوياً حقيقياً للبحث عن أسباب المشكلة ووضع الحلول المناسبة لها. فقد يكشف الحوار مع الطالب وولي أمره عن مشكلة أسرية، أو حالة صحية، أو تعرض الطالب للتنمر، أو ضعف اندماجه في البيئة المدرسية. وعندها يصبح العلاج أكثر فاعلية من العقاب المجرد. وتشير الإجراءات المعلنة إلى احتساب ثلاث مرات من التأخير الصباحي يوماً كاملاً من الغياب، وحرمان الطالب من دخول اختبارات نهاية الفصل الدراسي الأول عند بلوغ ثمانية أيام من الغياب غير المبرر، وكذلك حرمانه من اختبارات نهاية العام عند بلوغ ستة عشر يوماً متقطعاً من الغياب غير المبرر. كما يترتب على الغياب المباشر عن الاختبار دون عذر مقبول الحرمان من إعادته ورصد درجة صفر. هذه الإجراءات تحمل رسالة واضحة إلى الطالب والأسرة بأن الانتظام مسؤولية لا يجوز التساهل فيها، لكنها في الوقت نفسه تفرض على المدارس مسؤولية كبيرة في دقة التوثيق، وسرعة إخطار ولي الأمر، ومنحه فرصة كافية لتقديم العذر. فلا يصح أن يفاجأ ولي الأمر بتراكم أيام الغياب أو بحرمان ابنه من الاختبار دون أن يكون قد تلقى تنبيهاً واضحاً ومسبقاً، أو دون أن تتاح له إمكانية الاعتراض وتصحيح أي خطأ في السجلات. ومن المهم أن تكون هناك آلية إلكترونية موحدة ترسل إشعاراً فورياً إلى ولي الأمر عند غياب الطالب أو تأخره، وتوضح عدد الأيام المسجلة ونوعها، وما إذا كانت مبررة أو غير مبررة، والإجراء المتوقع عند تكرار المخالفة. فالشفافية هنا تحمي حق الطالب، وتدعم موقف المدرسة، وتحد من الخلافات التي قد تنشأ بسبب نقص المعلومات أو تأخر الإبلاغ. كما ينبغي ألا تقتصر مسؤولية الأسرة على توقيع التعهدات، بل يجب إشراكها في معالجة أسباب الغياب. فولي الأمر شريك أساسي للمدرسة، وعليه متابعة نوم أبنائه واستعدادهم المبكر ووسيلة انتقالهم والتأكد من حضورهم الفعلي. وفي المقابل، على المدرسة أن تجعل بيئتها جاذبة وآمنة ومحفزة؛ لأن الطالب الذي يشعر بالانتماء إلى مدرسته ويجد فيها التقدير والدعم يكون أكثر حرصاً على الحضور والالتزام. إن نجاح سياسة الغياب والتأخير لا يُقاس بعدد الإنذارات أو حالات الحرمان من الاختبارات، وإنما بانخفاض معدلات الغياب، وتحسن انضباط الطلبة، وقدرة المدرسة على إعادة المتعثرين إلى مقاعد الدراسة قبل الوصول إلى العقوبات النهائية. الحزم مطلوب لحماية العملية التعليمية، لكن الحزم التربوي الناجح هو الذي يجمع بين وضوح النظام وعدالة التطبيق وفهم الظروف الإنسانية. فهدف المدرسة الأول ليس معاقبة الطالب أو إبعاده عن الاختبار، وإنما تعليمه وتقويم سلوكه والمحافظة على مستقبله. وعندما تتكامل مسؤولية الوزارة والمدرسة والأسرة، تتحول هذه السياسة من لائحة للعقوبات إلى منظومة حقيقية للانضباط والرعاية والوقاية.

537

| 07 سبتمبر 2026

كيف تهنأ لنا لقمة وأهلنا في غزة جياع؟

نجلس إلى موائدنا فنختار ما نشتهي من الطعام، وقد نتذمّر من صنف لم يعجبنا أو من وجبة تأخرت دقائق. وفي اللحظة نفسها، يجلس طفل في غزة أمام إناء فارغ، يسأل أمَّه عن قطعة خبز لا تجدها، أو ينتظر وجبة قد تصل وقد لا تصل. وبين شبعنا وجوعه مسافة قصيرة على الخريطة، لكنها تبدو بعيدة في ضمير عالم اعتاد مشاهدة المأساة حتى كأنها أصبحت خبراً عادياً. ليس الجوع في غزة رقماً يُضاف إلى نشرات الأخبار، بل وجوه وأسر وحكايات يومية من الحرمان. فخلف كل رقم أمٌّ تخفي جوعها لتطعم أبناءها، وأب يشعر بالعجز لأنه لا يستطيع توفير رغيف خبز، وطفل حُرم من الغذاء الذي يحتاجه جسده لينمو. ووفق أحدث تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، التي عرضها برنامج الأغذية العالمي في يوليو 2026، يواجه نحو 1.4 مليون إنسان، أي قرابة ثلثي سكان القطاع، مستويات الأزمة أو ما هو أشد من انعدام الأمن الغذائي. ورغم التحسن المحدود الذي أحدثته المساعدات، تظل الأوضاع شديدة الهشاشة وقابلة للتدهور سريعاً إذا تراجع تدفقها. إن الجوع هناك ليس نتيجة كارثة طبيعية أو نقص عابر في الغذاء، وإنما نتيجة حرب طويلة وقيود عطّلت وصول الطعام والدواء والماء إلى المدنيين. وهو لا يؤلم المعدة وحدها، بل يمس كرامة الإنسان ويترك آثاراً صحية ونفسية قد تمتد سنوات، ولا سيما لدى الأطفال. وقد كشفت مأساة غزة خللاً عميقاً في الضمير الإنساني العالمي؛ فالعالم الذي بلغ الفضاء وطَوَّر أكثر التقنيات تعقيداً ما زال عاجزاً عن ضمان وصول كيس طحين إلى أسرة محاصرة. سامحينا يا غزة العزة؛ فقد شغلتنا الحرب الدائرة في الخليج بأخبارها وتداعياتها، حتى كادت تحجب عن أعيننا ما تعانينه كل يوم من مرارة عدوان العدو الصهيوني. سامحينا حين تراجعت صور أطفالك الجائعين عن مقدمة نشرات الأخبار؛ لكنك لم تغيبي عن القلوب والضمائر الحية، وستبقين القضية التي لا تسقط بالتقادم، والجرح الذي لا ينبغي أن تحجبه حرب أخرى أو أزمة جديدة. غير أن الاعتذار وحده لا يكفي، كما لا يكفي الحزن والغضب والدعاء، على أهميتها جميعاً. واجبنا أن نحوّل التعاطف إلى عمل: بدعم الجهات الإنسانية الموثوقة، وترشيد الاستهلاك، ومكافحة الإسراف، وإبقاء قضية غزة حاضرة في الإعلام والمنابر والمجالس. فكل تبرع يصل إلى مستحقه، وكل حملة إغاثية مسؤولة، وكل كلمة صادقة تطالب بفتح طرق المساعدات وحماية المدنيين، هي مشاركة في أداء الواجب. ولا ينبغي أن تتحول مأساة الجائعين إلى حملة موسمية أو شعار مؤقت. غزة تحتاج إلى موقف عربي وإسلامي وإنساني مستمر، وإلى تحرك سياسي وقانوني يضمن دخول الغذاء والدواء دون عوائق، ويحفظ للإنسان الفلسطيني حقه في الحياة والأمن والكرامة. إن مساندة غزة ليست موقفاً سياسياً فحسب، بل امتحان لأخلاقنا وإنسانيتنا وقدرتنا على الشعور بآلام الآخرين. حين نجلس إلى موائدنا، علينا أن نتذكر أن شكر النعمة لا يكون بالكلمات وحدها، بل بصونها عن الإسراف ومشاركة المحتاج فيها. وليس تذكّر جوع أهل غزة دعوة إلى أن نعيش في حزن دائم، وإنما دعوة إلى يقظة الضمير؛ لأن أخطر ما قد يصيب أمتنا ليس أن ترى أبناءها جياعاً فحسب، بل أن ترى جوعهم طويلاً ثم تعتاده. فكيف تهنأ لنا لقمة وأهلنا في غزة جياع؟ سيظل هذا السؤال يلاحق ضمير كل إنسان حتى يأتي اليوم الذي لا يُستخدم فيه الجوع سلاحاً، ولا ينام فيه طفل فلسطيني وهو يبكي من الخوف والحرمان.

315

| 04 سبتمبر 2026

حماية المستهلك تبدأ من المنافسة

لا يمكن الحديث عن استقرار معيشة الأسرة من دون التوقف عند أسعار السلع والخدمات، فهي تلامس الحياة اليومية لكل مواطن ومقيم، وتستقطع جزءاً مهماً من دخل الأسرة. ومع أن ارتفاع بعض الأسعار قد يرتبط بعوامل خارجية، مثل تكاليف الاستيراد والنقل وتقلبات الأسواق العالمية، فإن ذلك لا يفسر وحده استمرار الفوارق الكبيرة في أسعار السلعة أو الخدمة الواحدة بين متجر وآخر، ولا يبرر المبالغة التي تظهر أحياناً في بعض القطاعات. المستهلك لا يعترض على الربح المشروع، فالتجارة نشاط اقتصادي يقوم على الربح والاستمرار، لكنه يتطلع إلى سعر عادل يتناسب مع جودة السلعة وتكلفتها الحقيقية. أما أن ترتفع الأسعار فور ارتفاع تكلفة الاستيراد، ثم تبقى على حالها بعد انخفاض تلك التكلفة، فهذه ممارسة تحتاج إلى مراجعة ورقابة أكثر فاعلية. إن حماية المستهلك لا ينبغي أن تقتصر على استقبال الشكاوى أو تنظيم حملات تفتيش مؤقتة، على أهمية ذلك، بل يجب أن تقوم على بناء سوق تنافسية واضحة تمنع الاحتكار والاستغلال، وتمنح المستهلك فرصة حقيقية للاختيار. فكلما تعددت البدائل، وأصبحت الأسعار معلنة وقابلة للمقارنة، اضطر التجار ومقدمو الخدمات إلى تحسين الجودة وتقديم أسعار أفضل. ولا تتعلق المشكلة بأسعار المواد الغذائية وحدها، بل تشمل كثيراً من الخدمات التي تحتاج إليها الأسرة بصورة مستمرة، مثل صيانة السيارات والمنازل، والأجهزة الكهربائية، وخدمات المقاولات، وبعض الخدمات الطبية والتعليمية. وقد يجد المستهلك نفسه أمام أسعار متفاوتة بصورة يصعب تفسيرها، من دون وجود مرجع تقريبي يوضح التكلفة المعتادة أو العناصر التي بُني عليها السعر. ومن هنا، يمكن لوزارة التجارة والصناعة والجهات المختصة تطوير منصة إلكترونية موحدة تتيح للمستهلك مقارنة أسعار السلع الأساسية والخدمات الأكثر طلباً. كما يمكن إلزام المنشآت بإعلان أسعارها بصورة واضحة، وتقديم عرض مكتوب ومفصل قبل تنفيذ أعمال الصيانة أو الإصلاح، بحيث يعرف المستهلك قيمة القطع وأجور العمل والضمان المقدم له. فوضوح السعر هو الخطوة الأولى لمنع المبالغة والخلاف. ومن الضروري كذلك مراقبة حلقات التوريد، وليس الاكتفاء بالسعر النهائي المعروض على الرف. فقد يكون ارتفاع السعر ناتجاً عن تعدد الوسطاء أو عن اتفاق غير معلن بين عدد محدود من الموردين. لذلك ينبغي دراسة الفرق بين سعر الاستيراد وسعر البيع النهائي، خصوصاً في السلع التي تشهد ارتفاعات متكررة أو تفاوتاً غير طبيعي بين منافذ البيع. وفي المقابل، يجب دعم التجار الملتزمين وعدم تحميلهم أعباءً إضافية تؤدي في النهاية إلى زيادة الأسعار. فالمطلوب ليس فرض تسعير جامد على جميع السلع والخدمات، وإنما تحقيق توازن يحفظ حق التاجر في الربح العادل، ويحمي المستهلك من الاستغلال. ويمكن تشجيع المنشآت التي تحافظ على أسعار معتدلة وجودة عالية من خلال تصنيف معلن يمنحها صفة «المنشأة الموثوقة»، لتكون قدوة ومقصداً للمستهلكين. أما العقوبات، فيجب أن تكون مؤثرة ومتدرجة، وألا تتحول المخالفة إلى تكلفة بسيطة يستطيع المخالف إضافتها إلى أرباحه. كما أن نشر أسماء المنشآت التي تتكرر مخالفاتها، بعد ثبوتها نهائياً، سيكون له أثر رادع أكبر؛ لأن سمعة المنشأة وثقة المستهلكين بها تمثلان جزءاً أساسياً من قيمتها التجارية. وللمستهلك نفسه دور مهم؛ فعليه مقارنة الأسعار، والاحتفاظ بالفواتير، وعدم الموافقة على أي خدمة قبل معرفة تكلفتها، والإبلاغ عن الممارسات غير السليمة. غير أن مطالبة المستهلك بالوعي لا تعفي الجهات المختصة من مسؤوليتها في توفير المعلومات والأدوات التي تساعده على اتخاذ القرار الصحيح. إن السوق العادلة ليست السوق الأرخص دائماً، بل السوق التي يعرف فيها المستهلك لماذا يدفع، ويحصل فيها على جودة تناسب ما دفعه، ويجد أمامه بدائل حقيقية. ولذلك فإن حماية المستهلك بصورة أكثر فاعلية تبدأ من تشجيع المنافسة، وشفافية الأسعار، وسرعة معالجة الشكاوى، والرقابة المستمرة، حتى لا تظل الأسرة الطرف الأضعف أمام الارتفاع غير المبرر في أسعار السلع والخدمات.

258

| 31 أغسطس 2026

العالم يتفرج.. والمنطقة إلى أين؟

شغلتنا الولايات المتحدة بمواجهتها المتصاعدة مع إيران، وأصبحنا نتابع يومًا بعد يوم العقوبات والتهديدات ومضيق هرمز واحتمالات اتساع الحرب، بينما على الجانب الآخر تمضي إسرائيل في سياساتها وعملياتها في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، وكأن المنطقة أصبحت ساحة مفتوحة لا تجد من يضع حدودًا لما يجري فيها. المؤلم ليس فقط استمرار الحروب، بل حالة العجز التي أصابت المجتمع الدولي والمنظومة العربية والإسلامية. فمجلس الأمن، الذي يفترض أن تكون مهمته الأساسية حفظ السلم والأمن الدوليين، يبدو في كثير من الأزمات عاجزًا عن اتخاذ موقف حاسم، إما بسبب تضارب مصالح الدول الكبرى أو استخدام حق النقض أو غياب التوافق السياسي. أما جامعة الدول العربية، التي تمثل أكثر من عشرين دولة، فإن المواطن العربي يتساءل عن قدرتها على الانتقال من بيانات الإدانة والاجتماعات الطارئة إلى تحرك سياسي ودبلوماسي جماعي مؤثر. والسؤال نفسه يطرح أمام منظمة التعاون الإسلامي التي تضم عشرات الدول وتمثل كتلة بشرية واقتصادية وسياسية هائلة، لكنها لم تتمكن حتى الآن من تحويل هذا الحجم إلى قوة ضغط تتناسب مع حجم الأزمات التي تواجه المنطقة. إن القضية لم تعد غزة وحدها، على الرغم من فداحة ما تعانيه، ولا الضفة الغربية وحدها، ولا جنوب لبنان، ولا حتى المواجهة الأمريكية الإيرانية. نحن أمام مشهد إقليمي مترابط؛ أي اشتعال كبير في إحدى ساحاته قد ينتقل سريعًا إلى بقية المنطقة. ومضيق هرمز مثال واضح. فالمواجهة الاقتصادية مع إيران يمكن أن تتحول، إذا أغلقت أمامها المخارج السياسية، إلى مواجهة تمس الملاحة والطاقة والبنية التحتية والاتصالات، وهو ما حذرنا منه سابقًا. وعندها لن يكون المتضرر إيران أو الولايات المتحدة وحدهما، بل ستكون دول الخليج في مقدمة من يتحمل التداعيات. وهنا يبرز السؤال الأصعب: إلى متى نبقى ننتظر ما سيحدث غدًا؟ هل ننتظر انفراجًا تصنعه القوى الكبرى وفق مصالحها، أم ننتظر مزيدًا من التصعيد حتى نجد أنفسنا أمام واقع جديد فُرض علينا دون أن يكون لنا دور في صياغته؟ العالم العربي والإسلامي لا يفتقر إلى الإمكانات. لديه الطاقة والأسواق والموقع الجغرافي والاستثمارات والعلاقات الدولية والثقل السياسي، ولكن هذه العناصر تحتاج إلى موقف جماعي يحولها إلى أدوات دبلوماسية واقتصادية حقيقية. لسنا بحاجة إلى الدعوة إلى حرب جديدة، فالمنطقة لا تحتمل مزيدًا من الدماء. المطلوب هو العكس تمامًا: تحرك عربي وإسلامي منظم لوقف اتساع الحروب، والدفع نحو جلسات دولية فاعلة، واستخدام الأدوات السياسية والاقتصادية والقانونية المتاحة، ورفض تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى. إن استمرار الانتظار ليس سياسة، والصمت لا يصنع أمنًا، والبيانات وحدها لا توقف حربًا. فإما أن تتحرك دول المنطقة لحماية مصالحها وأمن شعوبها، وإما أن تستيقظ ذات صباح لتجد أن خريطة الأحداث قد تغيرت، وأن الآخرين قرروا مستقبل المنطقة بالنيابة عنها.

342

| 24 أغسطس 2026

هل يدفع الخليج ثمن حصار إيران؟

لا يختلف اثنان على أن الاقتصاد يمثل إحدى أكثر الأدوات تأثيراً في النزاعات الدولية، خصوصاً عندما يكون الطرف المستهدف معتمداً على تصدير النفط والتعامل مع الأسواق الخارجية. ومن هذا المنطلق، تراهن الولايات المتحدة على تشديد العقوبات والحصار الاقتصادي لإضعاف إيران ودفعها إلى التراجع عن سياساتها النووية والعسكرية. لكن السؤال الذي ينبغي لدول الخليج طرحه هو: هل ستبقى آثار هذا الحصار داخل الحدود الإيرانية، أم أن المنطقة كلها ستشارك في دفع ثمنه؟ يعاني الاقتصاد الإيراني بالفعل ضغوطاً متزايدة نتيجة تراجع الصادرات النفطية، وصعوبة الوصول إلى العملات الأجنبية، وانخفاض قيمة الريال، وارتفاع معدلات التضخم. كما أن تعطيل الموانئ وشبكات التمويل والتجارة يحدّ من قدرة طهران على توفير احتياجاتها وتمويل مؤسساتها وبرامجها العسكرية. ولهذا تعتقد واشنطن أن زيادة الضغوط ستجعل استمرار إيران في المواجهة أكثر كلفة، وقد تدفع قيادتها في النهاية إلى قبول التفاوض. غير أن التجارب السابقة أثبتت أن العقوبات الاقتصادية لا تبقى محصورة في الدولة المستهدفة، بل تمتد آثارها إلى الدول المجاورة والأسواق العالمية. وإيران ليست دولة بعيدة عن الخليج، وإنما تقع على الضفة الأخرى منه، وتشترك مع دوله في ممرات بحرية ومصالح اقتصادية وأمنية متداخلة. وأي اضطراب واسع داخل إيران ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن المنطقة وحركة التجارة وأسعار الطاقة. ويمثل مضيق هرمز أخطر ساحات الارتداد المحتملة. فهذا الممر الحيوي تعبر من خلاله نسبة مهمة من صادرات النفط والغاز العالمية. وإذا شعرت إيران بأن صادراتها النفطية قد توقفت تماماً وأن منافذها الاقتصادية أُغلقت، فقد تلجأ إلى تعطيل الملاحة أو تهديد السفن والمنشآت النفطية، باعتبار ذلك ورقة ضغط أخيرة. وعندها لن تتضرر الولايات المتحدة وحدها، بل ستتحمل دول الخليج جانباً كبيراً من الخسائر الأمنية والاقتصادية. كما أن ارتفاع أسعار التأمين والشحن وتكاليف حماية السفن سيؤثر في الواردات والصادرات الخليجية، حتى لو استمرت الموانئ في العمل بصورة طبيعية. وقد ترتفع أسعار السلع والمواد الغذائية، وتتأخر سلاسل الإمداد، وتتأثر المشروعات الاقتصادية والسياحية. أما إذا توسعت المواجهة العسكرية، فقد تصبح المنشآت النفطية والموانئ والمطارات في دول المنطقة عرضة للمخاطر، رغم أن هذه الدول ليست طرفاً مباشراً في الحرب. وهناك جانب إنساني لا يقل أهمية. فالحصار الاقتصادي الشامل لا يعاقب الحكومات وحدها، وإنما يصل سريعاً إلى المواطنين من خلال ارتفاع الأسعار ونقص الأدوية وتراجع الخدمات وفرص العمل. وإذا تفاقمت الأوضاع المعيشية داخل إيران، فقد تواجه المنطقة موجات من الهجرة غير النظامية والتهريب إلى جانب اضطرابات أمنية يصعب احتواؤها داخل الحدود الإيرانية. وهذا لا يعني أن تترك إيران بلا مساءلة عن سياساتها أو تهديداتها، ولا أن يُسمح لها باستخدام برنامجها النووي أو الصاروخي لفرض إرادتها على جيرانها. ولكن المطلوب هو أن يكون الضغط الاقتصادي محسوباً ومحدداً بأهداف سياسية قابلة للتحقيق، لا أن يتحول إلى حصار مفتوح يهدف إلى إنهاك دولة كبيرة من دون تصور واضح لما سيحدث بعد ذلك. وتتحمل دول مجلس التعاون مسؤولية التحرك الجماعي لحماية مصالحها، والمطالبة بأن تكون شريكاً أساسياً في أي مفاوضات تتعلق بأمن الخليج ومضيق هرمز. كما ينبغي دعم الجهود التي تبذلها دولة قطر وسلطنة عُمان وغيرها من دول المنطقة لفتح قنوات التفاوض ومنع انزلاق المواجهة إلى حرب شاملة. فالوساطة لا تعني الوقوف مع طرف ضد آخر، وإنما حماية المنطقة من نتائج صراع قد يمتد لسنوات. ومن المهم ألا تكتفي دول الخليج بدور المتلقي لنتائج القرارات الدولية، بل أن تضع تصوراً مشتركاً لإدارة الأزمات الاقتصادية والأمنية، يشمل تنويع مسارات تصدير الطاقة، وتعزيز المخزون الإستراتيجي، وحماية الموانئ، وتنسيق المواقف الدبلوماسية، حتى لا تتحول أي مواجهة مع إيران إلى اختبار منفرد لكل دولة خليجية. وقد يُضعف الحصار الاقتصادي إيران ويقلص قدرتها على تمويل أنشطتها، لكنه قد يتحول في الوقت نفسه إلى نار تمتد إلى دول الخليج. ولذلك فإن نجاحه لا يُقاس بحجم الضرر الذي يلحق بالاقتصاد الإيراني، بل بقدرته على الوصول إلى تسوية سياسية تضمن أمن المنطقة وحرية الملاحة وعدم انتشار السلاح النووي. أما العقوبات التي لا تفتح باباً للحل، فقد تجعل الخليج يدفع ثمن مواجهة لم يخترها، ويواجه نتائج قرارات لم يكن شريكاً في اتخاذها.

336

| 18 أغسطس 2026

إسرائيل تعيث في غزة فساداً.. إلى أين؟

لم تعد الخروقات الإسرائيلية في قطاع غزة حوادث منفصلة يمكن تجاوزها ببيان استنكار، بل باتت نهجاً منظماً يهدد بإعادة القطاع إلى ساحة القتال. فإسرائيل تتصرف وكأن وقف إطلاق النار لا يفرض عليها التزامات، وكأن من حقها أن تقصف وتغتال وتغلق المعابر، بينما يُطلب من الفلسطينيين وحدهم ضبط النفس وانتظار ضمانات لا تأتي. هذه المعادلة المختلة لم تنشأ اليوم. فقد اعتادت إسرائيل الحصول على الدعم والحماية السياسية، ثم الإفلات من المساءلة عن أفعالها. وكلما ارتكبت اعتداءً قدمت ذريعة جاهزة، في حين يُحرم الفلسطيني من أبسط حقوقه في الحياة والأمان والدفاع عن أرضه. وهكذا ظهرت إسرائيل دولة مدللة، تُمنح الاستثناء، حتى بدا القانون الدولي عاجزاً عن الوصول إليها. إن استمرار الغارات والاغتيالات، في ظل اتفاق يفترض أنه أوقف الحرب، يضع صدقية العملية السياسية على المحك. فما قيمة وقف إطلاق النار إذا استمر سقوط الضحايا؟ وما فائدة التفاوض إذا احتفظ أحد الأطراف بحق القتل والتراجع وفرض شروط جديدة؟ إن هدنة لا تحمي المدنيين ولا تفتح المعابر ولا تمهد للانسحاب والإعمار ليست سلاماً، وإنما استراحة هشة تسبق انفجاراً خطيراً. ولا تنفصل الضفة الغربية عن هذا المشهد؛ فالقتال والاقتحامات يتصاعدان، فيما تتحرك مجموعات من المستوطنين المتطرفين كقطاع طرق، تعتدي على المواطنين، وتحاصر القرى، وتستولي على البيوت والأراضي، أو تمهد لهدمها وتهجير أصحابها. إنها حرب إبادة واقتلاع لا تستهدف الإنسان وحده، بل تستهدف الوجود الفلسطيني وذاكرته وحقه في البقاء. فالضغوط المتراكمة قد تشعل انتفاضة جديدة، وتحول الاحتقان إلى مواجهة أوسع. والسؤال الذي يفرض نفسه: أين مجلس السلام؟ هل أُنشئ لقيادة تسوية عادلة وملزمة، أم ليكون منصة للبيانات والاجتماعات؟ نجاح المجلس لا يقاس بالزيارات، بل بقدرته على منع الخروقات، وإلزام إسرائيل بما وافقت عليه، ووضع جدول للانسحاب، وضمان المساعدات، وحماية السكان، والبدء الفعلي في إعادة بناء ما دمرته الحرب. ولا يجوز أن تُختزل الخطة في مطلب يوجه إلى الفلسطينيين، بينما تبقى التزامات إسرائيل مؤجلة أو خاضعة لقرار حكومتها. فالتنفيذ العادل يجب أن يكون متزامناً وتحت رقابة دولية، مع تحديد المسؤول عن كل خرق والجزاء المترتب عليه. أما مطالبة الفلسطينيين بتقديم كل ما لديهم، ثم انتظار قرار إسرائيلي، فهي وصفة للمماطلة وانعدام الثقة. لقد بذل الوسطاء جهوداً كبيرة، وفي مقدمتهم دولة قطر، لمنع اتساع الحرب والوصول إلى التفاهمات. غير أن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من الاحتواء المؤقت إلى الضمان الملزم. والمطلوب موقف موحد يرفض الاغتيالات، ويمنع استخدام المفاوضات غطاءً لتغيير الوقائع، ويحدد مواعيد لتنفيذ التعهدات، ويطالب الولايات المتحدة بتحمل مسؤوليتها تجاه الطرف الذي توفر له الحماية والدعم. وعلى الشعب الفلسطيني أن يكون في يقظة، وألا يمنح إسرائيل فرصة لاستغلال الانقسام. وهنا تتحمل الحكومة الفلسطينية مسؤولية في لمّ الشمل، وتوحيد الصف والكلمة، وفتح حوار وطني جامع ينهي الخلافات ويؤسس مرجعية موحدة. فالانفجار قادم إذا استمرت الاعتداءات، وانتفاضة جديدة قد تحدث تحت الضغوط، مما يستوجب حماية الناس وتوثيق الجرائم وتفعيل المؤسسات والتحرك عربياً ودولياً. لقد حان الوقت لكي يثبت مجلس السلام والوسطاء أن دورهم يتجاوز إدارة الأزمة إلى إنهائها. المطلوب آلية مراقبة مستقلة، وضمانات قابلة للتنفيذ، وعقوبات سياسية واقتصادية على من يخرق الاتفاق، ومسار يعيد للفلسطينيين حقهم في الأمن والحياة والإعمار. فالسلام لا يُبنى على ازدواجية المعايير، ولا يصان حين تُمنح القوة حصانة مفتوحة ويُترك المدنيون يدفعون الثمن. وإذا غاب التحرك، فلن يكون السؤال: هل يقع الانفجار؟ بل: متى يقع؟

255

| 17 أغسطس 2026

البند الخامس في مذكرة التفاهم الأمريكية

عندما أعلنت الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى مذكرة التفاهم المكونة من أربعة عشر بنداً، ساد الاعتقاد بأن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة من التهدئة بعد سنوات من التصعيد. غير أن القراءة المتأنية لبنود المذكرة تكشف أن بعض النصوص لم تُكتب بالوضوح الكافي، وفي مقدمتها البند الخامس المتعلق بمضيق هرمز، الذي يُعد أهم ممر بحري لتصدير النفط والغاز في العالم. وينص البند الخامس على أن إيران تبذل أفضل جهودها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية، وإزالة الألغام والعوائق العسكرية، ثم الدخول في حوار مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول الأخرى المطلة على الخليج، وبما يتفق مع القانون الدولي والحقوق السيادية للدول الساحلية. وعلى الرغم من أن النص يبدو متوازناً في ظاهره، فإنه يتضمن عبارات فضفاضة لم يحدد معناها القانوني أو السياسي بدقة، مثل "الإدارة المستقبلية" و"الخدمات البحرية" و"الحقوق السيادية". وهذه الصياغة سمحت لكل طرف بتفسير البند وفقاً لمصالحه، وهو ما جعل الاتفاق يحمل في داخله بذور خلاف قد يكون أخطر من الخلافات التي سبقته. فالجانب الإيراني يرى أن النص يكرس دوراً مستقبلياً لطهران في إدارة المضيق، باعتبارها دولة ساحلية وأن مضيق هرمز يمثل جزءاً من أمنها القومي ومجالها الحيوي. وفي المقابل، تؤكد الولايات المتحدة أن المقصود هو ضمان حرية الملاحة فقط، وأن الاتفاق لا يمنح إيران أي صلاحيات سيادية أو حقاً في التحكم بحركة السفن. ويبدو أن هذا الغموض لم يكن نتيجة خطأ في الصياغة، بل كان وسيلة لتجاوز العقبة الأكبر في المفاوضات. فالولايات المتحدة كانت بحاجة إلى اتفاق سريع يخفف التوتر ويحافظ على تدفق الطاقة العالمية، بينما كانت إيران حريصة على تثبيت نص يسمح لها مستقبلاً بالاستناد إليه للمطالبة بدور أكبر في المضيق. وهكذا خرج كل طرف ليعلن أنه حقق ما يريد، بينما بقي الخلاف الحقيقي مؤجلاً. وفي تقديري، فإن إيران لن تقبل مستقبلاً بإعادة صياغة هذا البند أو التنازل عن تفسيرها له، لأنها تعتبره مكسباً استراتيجياً يمس أمنها القومي. وفي المقابل، لن تقبل الولايات المتحدة ولا دول مجلس التعاون الخليجي بأي تفسير يمنح إيران سلطة واسعة على واحد من أهم الممرات البحرية الدولية. وهذا يعني أن البند الخامس قد يتحول إلى محور الصراع الرئيسي بين الطرفين خلال المرحلة المقبلة. وإذا استمر هذا الخلاف، وتكررت الاعتداءات على السفن أو تعطلت حركة الملاحة، فإن الأزمة لن تبقى شأناً أمريكياً إيرانياً، بل ستصبح قضية تمس الأمن والسلم الدوليين. وعندها قد يجد مجلس الأمن الدولي نفسه مضطراً إلى التدخل، ليس لنقل سيادة المضيق إلى الأمم المتحدة، وإنما لاتخاذ إجراءات ملزمة تضمن حرية الملاحة، وربما إنشاء آلية رقابة دولية أو تفويض قوة بحرية متعددة الجنسيات لحماية السفن التجارية، باعتبار أن استقرار مضيق هرمز أصبح مصلحة مشتركة للعالم بأسره. إن الاتفاقات الدولية لا تُقاس بعدد بنودها، وإنما بمدى وضوحها وقدرتها على منع النزاعات المستقبلية. وإذا بقي البند الخامس على حاله، فإن مضيق هرمز سيظل مرشحاً لأن يكون بؤرة توتر دائمة، وسيبقى الاتفاق معرضاً للاهتزاز عند أول أزمة بحرية. ولهذا فإن نجاح أي اتفاق نهائي لن يتحقق إلا إذا حُسمت هذه المسألة بصياغة واضحة لا تقبل التأويل، تحفظ حقوق الدول الساحلية، وتضمن حرية الملاحة، وتمنع أي طرف من استخدام المضيق أداةً للضغط السياسي أو العسكري. فاستقرار مضيق هرمز لم يعد مسؤولية دول المنطقة وحدها، بل أصبح مسؤولية دولية ترتبط بأمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وأي إخفاق في معالجة هذه القضية قد يدفع المجتمع الدولي مستقبلاً إلى البحث عن ترتيبات أكثر إلزاماً تحت مظلة مجلس الأمن الدولي.

309

| 13 أغسطس 2026

اتفاقية مكة.. هل يعيد الخليج رسم خريطة أمنه؟

لم يعد السؤال المطروح أمام دول الخليج اليوم هو: من يحمي أمن المنطقة؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف تستطيع دول المنطقة أن تكون شريكًا أساسيًا في صناعة أمنها، وألا يبقى استقرارها مرهونًا بصورة رئيسية بحسابات القوى الدولية وتحولاتها؟ ومن هنا تكتسب اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية أهمية تتجاوز حدود التعاون العسكري التقليدي، لأنها تطرح أمام المنطقة تصورًا جديدًا للردع وتنويع الشراكات وتحمل مسؤولية أكبر في حماية الأمن الإقليمي. وتبرز أهمية الاتفاقية في قيامها على مبدأ الدفاع المشترك، بما يحمله ذلك من رسالة واضحة بأن أمن الدول المشاركة مترابط، وأن أي تهديد جدي لإحداها ستكون له انعكاسات على بقية الأطراف. وهذه الفكرة، إذا تحولت إلى خطط وآليات عملية، يمكن أن ترفع كلفة أي اعتداء محتمل، وتمنح الدول الثلاث قدرة أكبر على التنسيق في مواجهة الأزمات، بدل انتظار تدخل القوى الخارجية بعد وقوعها. ولا تبدأ الدول الثلاث تعاونها من نقطة الصفر. فالسعودية تمثل ثقلًا عربيًا وإسلاميًا واقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا، وتركيا تمتلك جيشًا ذا خبرة وصناعات دفاعية متقدمة، فيما تتمتع باكستان بقوة عسكرية كبيرة وخبرة استراتيجية طويلة. ويمنح اجتماع هذه العناصر الاتفاقية قيمة إضافية، خصوصًا إذا امتد التعاون إلى التدريب المشترك، وتبادل المعلومات، والدفاع الجوي والصاروخي، والأمن السيبراني، وحماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية، وتطوير الصناعات الدفاعية. لكن السؤال الذي سيبقى حاضرًا هو: هل تمثل هذه الاتفاقية خطوة للابتعاد عن الولايات المتحدة الأمريكية؟ في تقديري، من غير الدقيق قراءة الاتفاقية بهذه الصورة. فالعلاقات الخليجية - الأمريكية، وفي مقدمتها العلاقات السعودية - الأمريكية، تمتد لعقود وتشمل مصالح أمنية واقتصادية وسياسية واسعة، كما أن تركيا نفسها عضو في حلف شمال الأطلسي. ولذلك فإن المعنى الأهم للاتفاقية ليس استبدال أمريكا بتركيا أو باكستان، وإنما توسيع الخيارات الاستراتيجية وعدم وضع أمن المنطقة في سلة واحدة. لقد أثبتت التحولات الدولية أن مصالح القوى الكبرى وأولوياتها قد تتغير بتغير الإدارات والظروف والأزمات. ومن الطبيعي، بل من الضروري، أن تبحث دول الخليج عن معادلة أكثر توازنًا تجعل علاقاتها مع واشنطن شراكة بين أطراف تمتلك خيارات وقدرات، لا علاقة تعتمد فيها المنطقة بصورة شبه كاملة على مظلة خارجية واحدة. وكلما امتلكت دول الخليج قدرات ذاتية وشراكات متنوعة، أصبحت قدرتها على التفاوض وحماية مصالحها أكبر. ومن هنا فإن الاتفاقية يمكن أن تكون عاملًا إيجابيًا في العلاقة مع الولايات المتحدة، لا عامل قطيعة معها. فالولايات المتحدة ستظل شريكًا مهمًا للمنطقة، لكن الشريك الخليجي الأكثر قدرة واستقلالًا في قراره سيكون أيضًا أكثر قيمة لواشنطن. وبذلك تتحول العلاقة تدريجيًا من مفهوم الحماية إلى مفهوم الشراكة الاستراتيجية المتوازنة، وهو ما يخدم الطرفين على المدى الطويل. ويبقى السؤال الخليجي الأهم: هل يمكن أن تكون اتفاقية مكة مقدمة لرؤية أمنية أوسع تستفيد منها دول مجلس التعاون الخليجي؟ ليس المطلوب بالضرورة أن تنضم دول المجلس إلى الاتفاقية بصيغتها الحالية، فلكل دولة علاقاتها والتزاماتها ومصالحها. لكن من المهم دراسة هذه التجربة من زاوية ما يمكن أن تضيفه إلى منظومة الأمن الخليجي المشترك، وكيف يمكن الاستفادة من القدرات التركية والباكستانية إلى جانب القدرات الخليجية والشراكات الغربية القائمة. وفي هذا الإطار، فإن دول مجلس التعاون ليست مطالبة بالنظر إلى الاتفاقية من زاوية الانضمام إليها من عدمه فقط، وإنما من زاوية أوسع تتعلق بما يمكن أن تضيفه هذه التجربة إلى منظومة الأمن الخليجي. فدول المجلس تمتلك علاقات استراتيجية ودفاعية متقدمة مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، كما تربطها علاقات متنامية مع تركيا وباكستان وقوى إقليمية ودولية متعددة، وهو ما يمنحها فرصة لبناء شبكة من الشراكات المتوازنة بدل الاعتماد على مسار أمني واحد. وقد يكون من المفيد أن يدرس مجلس التعاون مستقبلًا إنشاء آليات للتنسيق والتعاون الدفاعي مع المنظومة السعودية - التركية - الباكستانية، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي، والأمن السيبراني، وحماية المنشآت الحيوية، وأمن الممرات البحرية، والتدريب وتبادل المعلومات والخبرات والصناعات الدفاعية. وليس الهدف إنشاء حلف عسكري في مواجهة حلف آخر، بل إضافة قدرات جديدة تعزز أمن دول المجلس وتدعم منظومة الدفاع الخليجي المشترك. إن سياسة تنويع العلاقات والشراكات، إلى جانب العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والعلاقات الوثيقة مع تركيا والدول الشقيقة والصديقة، تتيح الاستفادة من التحولات الجديدة دون الدخول في سياسة المحاور. فتنويع الشركاء لا يعني التخلي عن الحلفاء، كما أن المحافظة على التحالفات القائمة لا ينبغي أن تحول دون تطوير القدرات الذاتية وبناء شراكات أخرى تخدم المصالح الوطنية والخليجية. والأهم أن تبقى الأولوية لتقوية البيت الخليجي من الداخل. فأي ترتيبات دفاعية خارج إطار مجلس التعاون ينبغي أن تكون عامل دعم للمنظومة الخليجية لا بديلًا عنها. وإذا كانت اتفاقية مكة قد قدمت نموذجًا جديدًا للدفاع المشترك، فقد تكون المناسبة مواتية لإعادة تقييم ما وصل إليه التعاون الدفاعي الخليجي، وما يحتاج إليه حتى تصبح دول المجلس أكثر قدرة على حماية أجوائها ومياهها ومنشآتها ومصالحها الاستراتيجية بقدرات جماعية متكاملة. إن الرؤية المستقبلية التي تحتاج إليها المنطقة ليست خروج أمريكا ليحل طرف آخر مكانها، وإنما الوصول إلى معادلة لا يكون فيها أمن الخليج معتمدًا على دولة خارجية واحدة، أيًا كانت هذه الدولة. فالأمن المستدام يبدأ من الداخل الخليجي، ثم تدعمه شبكة واسعة من الشراكات الإقليمية والدولية المتوازنة. لقد حان الوقت لكي ننتقل من سؤال: من سيحمينا؟ إلى سؤال أكثر نضجًا: كيف نحمي أنفسنا، ومع من نبني شراكاتنا؟ وهنا ربما تكمن القيمة التاريخية الحقيقية لاتفاقية مكة. فهي لا تعني نهاية الدور الأمريكي في الخليج، وإنما قد تكون بداية لمرحلة يصبح فيها الأمن الخليجي قائمًا على معادلة أكثر توازنًا: قدرات خليجية ذاتية أقوى، وتعاون إقليمي أوسع، وشراكة استراتيجية مع أمريكا، وعلاقات متنوعة مع القوى الأخرى، دون الارتهان الكامل لأي طرف. وإذا نجحت هذه الرؤية، فقد لا تكون اتفاقية مكة مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، بل خطوة أولى نحو إعادة رسم خريطة الأمن في المنطقة، بحيث يصبح الخليج شريكًا حقيقيًا في صناعة أمنه ومستقبله، لا مجرد ساحة تتنافس القوى الكبرى على تحديد توازناتها.

348

| 10 أغسطس 2026

أمن الخليج يبدأ من البيت الخليجي

لم تعد الأزمات التي تشهدها منطقة الخليج أحداثاً عابرة يمكن التعامل معها بمنطق ردود الأفعال المؤقتة، بل أصبحت مؤشراً واضحاً على أن البيئة الأمنية الإقليمية تدخل مرحلة جديدة تتسم بارتفاع مستوى المخاطر وتشابك المصالح الدولية واتساع رقعة الصراعات. وفي خضم هذا الواقع، لم يعد السؤال المطروح: من سينتصر في الصراع الأمريكي الإيراني؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف تستطيع دول مجلس التعاون حماية أمنها واستقرارها بعيداً عن تداعيات صراعات لا تعد طرفاً فيها؟ لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن أمن الخليج لم يعد قضية تخص دوله وحدها، بل أصبح ركناً أساسياً في استقرار الاقتصاد العالمي. فأي اضطراب في مياه الخليج أو مضيق هرمز ينعكس فوراً على أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وأسعار النقل والتأمين. وجاءت الأحداث الأخيرة لتؤكد هذه الحقيقة بعدما تعرضت ثلاث سفن تجارية في مياه الخليج لهجمات، من بينها ناقلة غاز قطرية وناقلة نفط سعودية، إضافة إلى استهداف مواقع عسكرية أمريكية في البحرين والكويت. وبغض النظر عن الجهة التي تثبت التحقيقات مسؤوليتها، فإن النتيجة كانت واحدة، وهي أن دول الخليج وجدت نفسها مرة أخرى في قلب أزمة لم تكن صاحبة قرارها، لكنها تحملت جانباً كبيراً من تبعاتها الأمنية والاقتصادية والسياسية. وفي المقابل، لا تزال الولايات المتحدة وإيران تديران خلافاتهما عبر الضغوط السياسية والرسائل العسكرية وجولات التفاوض، بينما يبقى أمن الخليج في كثير من الأحيان ملفاً تابعاً لتلك المفاوضات رغم أنه يمثل القضية الأكثر إلحاحاً بالنسبة لشعوب المنطقة. لقد كشفت التجارب الماضية أن الخلافات التي مرت بها دول مجلس التعاون، وما تراكم خلالها من تباينات سياسية، ثم الانشقاق الخليجي الذي شهدته المنطقة في السنوات الماضية، لم يكن مجرد خلاف عابر بين الأشقاء، بل ترك آثاراً مباشرة على منظومة الأمن الجماعي. ففي ظل غياب الموقف الموحد اتجهت كل دولة إلى تعزيز تحالفاتها الخاصة وتطوير ترتيباتها الدفاعية بصورة منفردة، الأمر الذي أضعف مفهوم الأمن الخليجي المشترك، وأتاح للقوى الإقليمية والدولية مساحة أوسع للتأثير في معادلات المنطقة. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مرحلة التنسيق التقليدي إلى مرحلة الشراكة الخليجية الكاملة في إدارة الأمن والدفاع. ولم يعد إنشاء مجلس دفاع خليجي موحد يضم قيادة عسكرية دائمة، ومنظومة موحدة للدفاع الجوي والصاروخي، وقوة بحرية مشتركة، ومركزاً استخباراتياً لتبادل المعلومات، خياراً مؤجلاً، بل ضرورة إستراتيجية تفرضها طبيعة التهديدات الحديثة. وفي الجانب السياسي، ينبغي أن تتبنى دول المجلس سياسة خارجية أكثر تنسيقاً، وأن تكون شريكاً أصيلاً في أي مفاوضات تتعلق بأمن المنطقة. كما أن تعزيز الاستقلالية في القرار الخليجي لا يعني الابتعاد عن الشراكات الدولية، وإنما بناء علاقات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة، مع بقاء القرار النهائي في القضايا المصيرية بيد دول الخليج نفسها. واقتصادياً، فإن تعميق التكامل في مجالات الطاقة والنقل والأمن الغذائي والصناعة وسلاسل الإمداد سيزيد من قدرة دول المجلس على مواجهة الأزمات، كما أن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي سيعزز قوة الخليج في المستقبل. وفي الإطار العربي، تبرز الحاجة إلى تطوير دور جامعة الدول العربية بحيث تمتلك أدوات أكثر فاعلية في الوساطة وإدارة الأزمات والتنسيق الأمني، لأن أمن الخليج يمثل ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي العربي، وأي تهديد له ينعكس على استقرار المنطقة بأسرها. إن أهم درس أفرزته الأحداث الأخيرة هو أن الأمن لا يُستورد، ولا يُبنى بالاعتماد الكامل على القوى الخارجية، وإنما يُصنع بوحدة الصف، وتوافق الإرادة، وتكامل القدرات. وإذا كانت دول مجلس التعاون قد نجحت في تجاوز خلافاتها، فإن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من المصالحة إلى البناء، ومن التنسيق إلى التكامل، حتى يصبح الخليج شريكاً في صناعة الأمن الإقليمي لا ساحة لتصفية الحسابات، فحقاً، أمن الخليج يبدأ من البيت الخليجي.

462

| 04 أغسطس 2026

الخليج بين مطامع القوى الكبرى ووحدة المصير

لا تُقاس الحروب بنتائجها العسكرية فقط، بل بما تتركه من آثار سياسية واستراتيجية تمتد لسنوات طويلة. والحرب التي دارت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الأمن الخليجي والعربي، وحول قدرة دول المنطقة على حماية مصالحها بعيداً عن حسابات القوى الكبرى. استمعت مراراً إلى حديث وزير الإعلام الكويتي الأسبق الأستاذ سامي النصف، فوجدت أنه لا يقرأ الأحداث بوصفها مواجهة عسكرية عابرة، وإنما باعتبارها مؤشراً على صراع مشاريع ونفوذ. ومن هذا المنطلق يطرح رؤية مفادها أن دول الخليج ليست طرفاً في الحرب، لكنها كثيراً ما تتحمل جزءاً من تداعياتها. وتشير قراءات سياسية متعددة إلى أن إيران تنظر إلى أمنها الإقليمي بمنظور يتجاوز حدودها، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى حماية مصالحها الاستراتيجية، وتضع إسرائيل أمنها في مقدمة أولوياتها. وبين هذه الحسابات المتشابكة تبقى دول الخليج مطالبة بحماية أمنها واستقرارها، وعدم السماح بتحويل أراضيها أو منشآتها إلى ساحات لتبادل الرسائل العسكرية. كما أن استمرار استهداف منشآت أو بنى تحتية في دول المنطقة بحجة وجود مصالح أو قواعد عسكرية أجنبية يثير تساؤلات حول أثر ذلك في أمن المدنيين واستقرار الاقتصاد الإقليمي، وهو ما يدفع إلى ضرورة تحييد المنطقة عن الصراعات قدر الإمكان. ومن زاوية أخرى، يرى كثير من المراقبين أن إسرائيل استفادت خلال العقود الماضية من الانقسامات العربية وتراجع العمل المشترك، وهو ما يجعل تعزيز التنسيق العربي والخليجي عاملاً مهماً في تقوية الموقف الإقليمي أمام مختلف التحديات. وأظهرت هذه الأزمة كذلك محدودية فاعلية العمل العربي المشترك. فقد اكتفت جامعة الدول العربية في الغالب بالمواقف السياسية والدعوات إلى التهدئة، بينما برزت تساؤلات حول مدى قدرة منظومة الأمن العربي المشترك على التعامل مع الأزمات التي تمس الأمن القومي العربي. وهذه التساؤلات لا تنتقص من أهمية الجامعة، لكنها تؤكد الحاجة إلى تطوير أدواتها وآلياتها بما يتناسب مع طبيعة التحديات الحالية. كما كشفت الحرب أن الاعتماد الكامل على القوى الدولية لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء القدرات الذاتية. فالدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها، وقد تتغير سياساتها وتحالفاتها مع تغير الظروف، أما أمن دول الخليج فهو مسؤولية دائمة لا يجوز أن تبقى رهينة لتوازنات الخارج. ومن هنا تتجه أنظار شعوب الخليج إلى قادتها، آملة في إعادة إحياء روح مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس ليكون إطاراً للتكامل السياسي والاقتصادي والدفاعي. فالقوة عندما تتوحد تصبح أكثر قدرة على الردع وحماية المصالح، بينما يؤدي التباعد إلى إضعاف الموقف الجماعي وإتاحة الفرصة لتدخلات الآخرين. إن الحرب الحالية ستنتهي كما انتهت حروب كثيرة قبلها، وستعود الأطراف المتصارعة إلى التفاوض وفق مصالحها. لكن السؤال الذي سيبقى مطروحاً: هل نستفيد من دروس هذه المرحلة لبناء منظومة خليجية وعربية أكثر تماسكاً، أم ننتظر أزمة جديدة لنكتشف مرة أخرى حجم الحاجة إلى العمل المشترك؟ تبقى دول الخليج والمنطقة العربية مرهونة بعزيمة قادتها، وبما يملكونه من رؤية استراتيجية بعيدة المدى لحماية الأمن والاستقرار وصون السيادة. فالأمن الحقيقي لا يُستورد، بل يُبنى بإرادة وطنية، ووحدة خليجية، وتضامن عربي، ومؤسسات قادرة على مواكبة المتغيرات. وإذا نجحت دول الخليج في تجاوز خلافاتها وتعزيز تعاونها، فإنها ستكون أكثر قدرة على حماية شعوبها ومصالحها، وصياغة مستقبلها بعيداً عن صراعات الآخرين. فالتاريخ يؤكد أن الدول التي تتوحد حول مصالحها العليا هي الأقدر على مواجهة التحديات وصناعة مستقبلها.

657

| 27 يوليو 2026

من يحمي المستهلك؟

الإعلانات المضللة عبر وسائل التواصل من يحمي المستهلك؟ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم إحدى أهم وسائل التسويق الحديثة، إذ أتاحت للشركات الوصول إلى ملايين المستهلكين في وقت قياسي وبتكاليف أقل من وسائل الإعلان التقليدية. وقد أسهم هذا التطور في ازدهار التجارة الإلكترونية وفتح آفاق واسعة أمام المؤسسات الجادة ورواد الأعمال، إلا أنه في المقابل أوجد مساحة استغلتها بعض الشركات غير المعروفة لتسويق منتجات متدنية الجودة بطرق دعائية مضللة تستهدف المستهلك وثقته. وتعتمد هذه الشركات على أساليب تسويقية مدروسة تجعل المنتج يبدو وكأنه يحمل مواصفات عالمية، بينما تكون الحقيقة مختلفة تماماً. ومن أبرز هذه الأساليب استخدام صور ومقاطع فيديو احترافية لا تعكس المنتج الحقيقي، أو استعارة صور من شركات معروفة لإقناع المستهلك بأن السلعة ذات جودة مرتفعة. وعند وصول المنتج يكتشف المشتري أن الخامات رديئة أو أن المواصفات تختلف عما تم الإعلان عنه. كما تلجأ بعض الشركات إلى الاستعانة بمؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لمنتجاتها مقابل مبالغ مالية، دون الإفصاح الواضح عن أن المحتوى إعلان مدفوع أو التأكد من جودة المنتج. كما تستخدم تقييمات وتعليقات وهمية، وعروضاً مؤقتة وأسعاراً مغرية لدفع المستهلك إلى الشراء دون التحقق. وتزداد المشكلة عندما لا تمتلك هذه الشركات عنواناً معروفاً أو سجلاً تجارياً واضحاً أو خدمة عملاء يمكن الرجوع إليها بعد البيع، مما يصعب على المستهلك استرداد حقه أو استبدال المنتج، وقد تختفي بعد فترة قصيرة لتعود باسم جديد. ولا يقتصر الضرر على الأفراد فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد والتجارة الإلكترونية، إذ تتضرر الشركات الملتزمة التي تستثمر في الجودة وخدمة العملاء، كما تتراجع ثقة المستهلكين في عمليات الشراء عبر الإنترنت. ولذلك فإن تعزيز حماية المستهلك يتطلب دورًا رقابيًا أكثر فاعلية في متابعة الإعلانات الرقمية، والتحقق من هوية الشركات والمتاجر الإلكترونية، والتأكد من التزامها بالأنظمة والقوانين، وفرض العقوبات الرادعة على كل من يثبت تعمده تضليل المستهلك أو بيع منتجات مخالفة للمواصفات. كما ينبغي إلزام المتاجر الإلكترونية بالإفصاح عن بياناتها الرسمية وسجلاتها التجارية وسياسات الضمان والاسترجاع بصورة واضحة، بما يعزز الشفافية ويمنح المستهلك الثقة عند الشراء. ولا يقتصر دور أجهزة حماية المستهلك على متابعة الشركات والإعلانات المضللة فحسب، بل يمتد أيضًا إلى التعاون مع شركات التوصيل لإلقاء الضوء على الجهات التي تتولى توصيل منتجات الشركات الوهمية أو غير المرخصة. فمع تكرار عمليات التوصيل قد تتوافر مؤشرات تساعد في الوصول إلى مصادر تلك الأنشطة التجارية والكشف عن الجهات التي تقف وراءها، بما يسهم في الحد من استمرارها. ويتم ذلك في إطار الأنظمة والقوانين، مع مراعاة أن مسؤولية المندوب أو شركة التوصيل تُحدد وفقًا لدور كل طرف ومدى علمه أو مشاركته في أي مخالفة. إن هذا التكامل بين أجهزة حماية المستهلك والجهات الرقابية وشركات التوصيل يشكل خطوة مهمة نحو تضييق الخناق على الشركات المجهولة وحماية المستهلك من الوقوع ضحية للإعلانات المضللة والمنتجات الرديئة. وفي المقابل، يتحمل المستهلك مسؤولية التحقق قبل الشراء، وعدم الانجراف خلف الإعلانات البراقة أو الأسعار غير المنطقية، وقراءة تجارب العملاء والتأكد من سمعة الشركة والشراء من المتاجر الموثوقة. إن التجارة الإلكترونية تمثل مستقبل الأسواق، لكن نجاحها الحقيقي لا يقاس بحجم المبيعات فقط، بل بمدى احترامها لحقوق المستهلك وترسيخها لمبادئ الشفافية والنزاهة. أما الشركات التي تعتمد على التضليل لتحقيق أرباح سريعة، فإنها قد تنجح مؤقتاً لكنها لن تبني سمعة مستدامة، لأن ثقة المستهلك هي رأس المال الحقيقي لأي نشاط تجاري.

675

| 22 يوليو 2026

الجزيرة التي لا تغرق
الجزيرة التي لا تغرق

حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله...

5331

| 03 نوفمبر 2026

شكراً قطر على 22 عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان
شكراً قطر على 22 عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان

سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات،...

3840

| 30 أكتوبر 2026

الكلاسيكو المنتظر
الكلاسيكو المنتظر

سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين...

3153

| 30 أكتوبر 2026

تحيا العدالة
تحيا العدالة

لم يكن الخبر عادياً بالنسبة لي، بل كان...

1572

| 29 أكتوبر 2026

حتى لا نغرق أكثر!
حتى لا نغرق أكثر!

كل مشروع جديد في قطر يحتاج إلى أيدٍ...

1419

| 29 أكتوبر 2026

قطر... حين يصبح الوطن أمنية
قطر... حين يصبح الوطن أمنية

* كثيرًا ما تسألني بعض السيدات: هل يمكنني...

1221

| 29 أكتوبر 2026

حين تكافئ المؤسسة السلوك الخطأ دون أن تدري
حين تكافئ المؤسسة السلوك الخطأ دون أن تدري

قد تحقق مؤسسة جميع مؤشرات الأداء التي وضعتها...

1146

| 01 نوفمبر 2026

المخاطرة تصنع رواد الأعمال.. والتهور يقضي عليهم
المخاطرة تصنع رواد الأعمال.. والتهور يقضي عليهم

ليست كل فرصة تستحق أن نقتنصها، حتى لو...

1116

| 03 نوفمبر 2026

جامعات قطر تتألق في التصنيفات العالمية
جامعات قطر تتألق في التصنيفات العالمية

تواصل دولة قطر ترسيخ حضورها في ميدان التعليم...

861

| 30 أكتوبر 2026

ضريبة القيمة المضافة.. الاستحقاق المُؤجّل
ضريبة القيمة المضافة.. الاستحقاق المُؤجّل

كتبتُ قبل حوالي عشر سنوات مقالاً حول القيمة...

603

| 02 نوفمبر 2026

عندما نسيت النظارة
عندما نسيت النظارة

خرجت من البيت قبل الغروب من دون نظارتي،...

492

| 28 أكتوبر 2026

بعد رسالة فانس لإيران.. هل تنجح وساطة قطر في تجنب الحرب؟
بعد رسالة فانس لإيران.. هل تنجح وساطة قطر في تجنب الحرب؟

شهِدت المنطقة تطورات لافتة في الأسبوع الماضي تمثلت...

405

| 01 نوفمبر 2026

أخبار محلية