رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا



 

‏[email protected]

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

1107

د. سلوى حامد الملا

قطر... حين يصبح الوطن أمنية

29 أكتوبر 2026 , 12:00ص

* كثيرًا ما تسألني بعض السيدات: هل يمكنني زيارة قطر والولادة في أحد مستشفياتها ليحصل طفلي على الجنسية القطرية؟ فأجيب: الولادة على أرض قطر وحدها لا تمنح الجنسية تلقائيًا؛ فالجنسية لها أحكامها وشروطها التي ينظمها القانون، وليست امتيازًا يُكتسب بمجرد اختيار مكان الولادة.

* وراء هذا السؤال حكاية أكبر من مستشفى وولادة؛ حكاية البحث عن وطن يمنح الإنسان الأمان، وعن جواز يفتح له الأبواب، وعن مستقبل يشعر فيه بأن له مكانًا وحقوقًا وفرصًا تستحق التطلع إليها.

* لقد ظلت الجنسية الأمريكية حلمًا لكثيرين، بما ارتبط بها في أذهانهم من فرص التعليم والعمل وحرية التنقل. غير أن النقاش المتجدد حول الهجرة والجنسية، وما يصاحبه من تغيرات في السياسات والإجراءات، يذكّرنا بأن بناء مستقبل الأبناء يحتاج إلى معرفة دقيقة بالواقع، بعيدًا عن الصور القديمة والوعود المتداولة.

* ولا يمكن إنكار إسهام المهاجرين في بناء المجتمعات التي استقبلتهم؛ فقد حملوا إليها علومهم ومهاراتهم وأحلامهم، وبعضهم حمل معها وجع الحرب والغربة والاضطرار إلى الرحيل. لكن الحصول على جنسية جديدة لا يمحو بالضرورة الحنين إلى الوطن الأول؛ تظل رائحة البيوت القديمة، ووجوه الأهل، وذكريات الطفولة، حاضرة في القلب، مهما اتسعت المسافات وتبدلت العناوين.

* ومع ذلك، ليس كل من اختار الإقامة في الخارج ناكرًا لوطنه، ولا كل من عاد إليه عاجزًا عن التأقلم مع غيره. للناس ظروفهم وطموحاتهم، وللدراسة والعمل وتكوين الأسرة حساباتها.

* وللغربة وجه آخر قد لا نلتفت إليه ونحن نحسب مزايا الجواز الأمريكي أو غيره من الجوازات الغربية والأجنبية؛ فقد يكبر الأبناء بعيدًا عن لغتهم العربية، وعن تفاصيل هويتهم الوطنية، وقد تضعف صلتهم بدينهم وقيمهم الإسلامية إذا لم يجدوا من الآباء والأمهات رعاية واعية وقدوة حاضرة. فالجواز يمنح جنسية، لكنه لا يتولى تربية الأبناء، ولا يحفظ وحده انتماءهم.

* ولا تعني الإقامة في الغرب بالضرورة ضياع الهوية؛ فهناك أسر تحرص على دينها ولغتها وقيمها أينما عاشت. لكن الخشية أن يندمج الأبناء في الثقافة المحيطة بهم دون وعي يتيح لهم التمييز والاختيار، فيتبنوا ما يتعارض مع قيمهم، وتصبح علاقتهم بوطنهم مجرد زيارات متباعدة، وبالعربية كلمات قليلة، وبالإسلام معرفة لا تصحبها ممارسة وفهم. وهنا تتضاعف مسؤولية الوالدين في غرس الاعتزاز بالدين، وتعليم اللغة، وصون الصلة بالأهل والوطن، وفتح حوار قريب من أسئلة الأبناء وتحدياتهم.

* نريد لأبنائنا أن يتعلموا من العالم وينفتحوا عليه وهم واثقون بجذورهم؛ يأخذون من الثقافات ما ينفعهم، ويحافظون على ما يشكّل شخصيتهم وانتماءهم. فما قيمة أن تتسع أمامهم حدود السفر، إذا ضاقت في قلوبهم مساحة الانتماء إلى دينهم ووطنهم؟

* وما أتمناه لشبابنا أن ينفتحوا على العالم، ويتعلموا من تجاربه، وهم يدركون قيمة ما يملكونه في وطنهم من أمن واستقرار وروابط أسرية واجتماعية؛ فمعرفة العالم قد تجعلنا أكثر تقديرًا لبيوتنا، وأكثر قدرة على خدمتها.

* وفي قطر، حين نتحدث عن قيمة الجنسية، فإننا نتحدث عن وطن جعل الإنسان محورًا للتنمية، وعن شعور بالانتماء يتجاوز وثيقة السفر إلى تفاصيل الحياة اليومية: الأسرة، والتعليم، والعمل، والرعاية، والاطمئنان إلى الغد.

* وللجواز القطري حضوره أيضًا في مؤشرات حرية التنقل؛ فبحسب ترتيب مؤشر هينلي المتاح في أكتوبر 2026، يحتل المرتبة الحادية والخمسين عالميًا، ويتيح لحامليه الوصول إلى 112 وجهة دون تأشيرة مسبقة وفق منهجية المؤشر، التي تشمل الإعفاء من التأشيرة والتأشيرة عند الوصول وتصريح السفر الإلكتروني. وهذه ميزة عملية مهمة لحامله، مع بقاء متطلبات السفر خاضعة لشروط كل وجهة وتحديثاتها.

* لكن قيمة الجواز، في وجداني، أوسع من ترتيب يتغير أو عدد وجهات يزيد وينقص. قيمته أن تحمل اسم وطن تعتز به، وأن تشعر بأن وراء هذا الاسم بيتًا وأهلًا وذاكرة، وأن يكون انتماؤك إليه مصدر مسؤولية بقدر ما هو مصدر فخر.

* وعلى هذه الأرض أناس عاشوا سنوات طويلة بوفاء، وآخرون وُلدوا هنا، وتعلموا في مدارس قطر وجامعاتها، وأسهموا بعلمهم وعملهم وأخلاقهم في مجتمعها. لبعضهم أوطان يعتزون بها، ولبعضهم حكايات أشد صعوبة مع الانتماء والوثائق والاستقرار، لكن قطر تحتل في قلوبهم منزلة لا تشبه أي مكان آخر.

* ومن هؤلاء من يراوده حلم الحصول على الجنسية القطرية، لا لما يرتبط بها من مزايا فحسب، بل لأن حياته وذكرياته وروابطه تشكلت هنا. وهذه مشاعر تستحق أن تُفهم وتُقدّر، مع احترام سيادة الدولة وقوانينها المنظمة للجنسية؛ فالوفاء الذي يبذله الإنسان للمكان، والإسهام الذي يقدمه لمجتمعه، لهما قيمة إنسانية ووطنية تستحق الاعتزاز.

* آخر جرة قلم: أن تحمل الجنسية القطرية نعمة، وشكر النعمة يكون بالعمل والإخلاص وحفظ سمعة الوطن، وبأن نمنح أبناءنا وعيًا بقيمته، لا شعورًا بالتفوق على الآخرين. نعتز بقيادتنا الحكيمة، ونقدّر ما توليه للمواطن من اهتمام ورعاية، وما تبنيه للأجيال القادمة من فرص وحياة كريمة. فالثروة الحقيقية للأوطان إنسانها؛ بعلمه وخلقه وعطائه، وبقدرته على صون ما تحقق والإضافة إليه. وما أجمل أن نحمل جواز قطر ونحن ندرك أن اسمها أمانة في سلوكنا أينما ذهبنا، وأن الوطن الذي نفخر بالانتساب إليه يستحق أن يجد في كل واحد منا ما يفخر به.

مساحة إعلانية