رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا



 

‏[email protected]

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

33

د. سلوى حامد الملا

العصا والقيادة

22 أكتوبر 2026 , 12:00ص

• بعض المشاهد التي نحتفظ بها من أسفارنا تبهت ألوانها مع الزمن، ولا يبقى منها سوى لقطات متفرقة، وبعضها يظل حاضرًا بتفاصيله، كأننا عدنا منه بالأمس. وللمساحات الخضراء نصيبٌ من تلك الذاكرة المريحة؛ في البوسنة وأبها، وفي مدن تركيا وسويسرا وغيرها، حيث تستريح العين، ويجد الذهن متسعًا لالتقاط أنفاسه بعيدًا عن ازدحام الأيام.

• جبال شامخة، ومروج تفترش سفوحها، وقطعان من الأغنام تنثر بياضها على بساط ومساحات خضراء، تتحرك في هدوء، يتقدمها الراعي تارة، ويتوسطها تارة أخرى، ويتأخر عنها ليلحق بما تخلّف منها. يحمل عصاه، وعينه تتنقل بين القريب والبعيد؛ ينتبه إلى شاردة، ويرفق بضعيفة، ويقود الجميع نحو مرعى وماء ومأمن.

• مشهد نراه جميلًا، وقد نمضي عنه دون أن نتوقف عند ما يحمله من دروس في الصبر والقيادة والمسؤولية.

• رعي الأغنام مهنة شرّفها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم". مهنة قد يستهين بها البعض، بينما تحمل في تفاصيلها اليومية مهارات نسعى اليوم إلى تعلّمها في المعاهد والكليات، ونقيم من أجلها الدورات والملتقيات؛ من حُسن التدبير، وتقدير الظروف، والانتباه للمخاطر، إلى الصبر على اختلاف الطباع، وتحمل تبعات القرار.

• وفي قصة موسى عليه السلام مع المرأتين عند ماء مدين، يلفتنا ذلك المشهد الإنساني للعمل والمسؤولية؛ امرأتان تنتظران حتى ينتهي الرعاة من السقي، وأب شيخ كبير، وموسى يبادر إلى مساعدتهما. تفاصيل قليلة تفتح بابًا للتأمل في السعي والرفق، وفي مسؤولية القادر تجاه من يحتاج إلى عونه.

• وللرعي إيقاع لا يستجيب لعجلة الإنسان؛ فلا العشب ينمو بأمره، ولا المطر يهطل متى شاء، ولا الطريق يختصر نفسه لأن الراعي ضاق بطوله. عليه أن يعرف متى يخرج، وأين يتوقف، ومتى يعود، وأن يوازن بين حاجته إلى المرعى والخشية من الخطر. ينتظر، ويراقب، ويتعلم أن للصبر عملًا يؤديه، وأن التسرع قد يبدد ما جمعه طول النهار.

• وفي تلك المساحات المفتوحة، يجد متسعا للتأمل في ملكوت السماوات والأرض؛ سماءٌ واسعة، وجبال راسخة، وحياة تمضي حوله في تفاصيل قد لا ننتبه إليها ونحن نعبر أيامنا مسرعين. بعيدًا عن الأبراج، وضجيج الأبواق، وعدسات الهواتف التي توشك أن تقتحم كل لحظة، يستطيع أن يسمع صوتا افتقدناه كثيرًا… صوت أفكاره.

• كم نحتاج إلى مثل هذا السكون! إلى وقت لا يطالبنا فيه أحد بإجابة عاجلة، ولا تستدرجنا فيه شاشة إلى خبر يتلوه خبر، وصورة تزاحم أخرى، حتى تتراكم في عقولنا مواقف لم نختبرها، وأحكامٌ لم نتوقف عند عدالتها، وقناعات لا نعرف متى أصبحت قناعاتنا!

• نتأمل أحوالنا، وأحوال أمتنا، وما يثقلها من جروح وأوجاع، ونسأل عن قيمٍ تراجعت دون أن نفتقدها بما يكفي، ومبادئ أصبح التفريط فيها سهلًا، وتناقضات ألفناها حتى خفّ استنكارنا لها. وربما اكتشفنا أن كثرة ما نراه لم تجعلنا أكثر بصيرة، وأن سرعة وصول المعلومة لم تمنحنا دائمًا فرصة فهمها.

• وأمام حركة القطيع الهادئة، قد نستحضر أحوالا بشرية نمضي فيها خلف المألوف، أو خلف الصوت الأعلى، دون سؤال عن الوجهة أو العاقبة. نكرر ما يُقال، ونطمئن إلى كثرة السائرين، وكأن ازدحام الطريق دليل كاف على سلامته. ثم نستغرب حين نصل إلى نتائج لم نخترها بوعي، مع أننا شاركنا في الطريق إليها بصمتنا وتسليمنا.

• وهنا يتسع معنى المسؤولية؛ فالإنسان صاحب عقل وإرادة، وعليه أن يسأل ويتبين ويختار. كما أن من يتولى شأنًا من شؤون الناس مؤتمنٌ على حقوقهم، مطالب بأن يسمع لهم، ويفهم احتياجاتهم، ويتيح لهم المشاركة في ما يمس حياتهم.

• ولعل في حركة الراعي درسًا يستحق التوقف؛ فهو يتقدم حين تحتاج الطريق إلى من يستكشفها، ويتوسط حين تحتاج الرعاية إلى قرب، ويتأخر حين يخشى على الضعيف أن يُترك خلف الجميع. موقعه يتغير بحسب الحاجة، وتبقى مسؤوليته حاضرة في كل موقع.

• كم من مسؤول يحتاج إلى الاقتراب ليرى ما لا تصله به التقارير! وكم من قرار يحتاج إلى إصغاء قبل توقيعه، وإلى متابعة بعد صدوره! فالقيادة تُختبر حين يتعثر أحدهم، وحين تختلف الآراء، وحين يصبح الاعتراف بالخطأ أصعب من الاستمرار فيه. هناك يظهر مقدار ما نحمله من صبر وعدل وشجاعة.

• والراعي يعرف أن جمع ما تفرّق يحتاج إلى يقظة، وأن الغفلة قد تضيّع حصيلة يومه. ونحن أيضًا، في بيوتنا ومؤسساتنا ومجتمعاتنا، نحتاج إلى تلك اليقظة؛ نرعى الثقة قبل أن تتآكل، وننتبه إلى الخلل قبل أن يستفحل، ونتحمل مسؤولياتنا قبل أن يصبح تبادل اللوم أسهل ما نفعله.

•آخر جرة قلم:

أتخيل الراعي وقد استراح عند جذع شجرة، يرسم بعصاه على التراب خطوطًا وحروفًا، ثم يرفعها ليهشّ بها على الأغصان، فتتساقط أوراقٌ تأكل منها أغنامه. وتستحضر الذاكرة قول موسى عليه السلام: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾. وأتساءل: هل نجد لنا عصا من وعي، نهشّ بها على ما علق بعقولنا من أفكار مغلوطة، وأحكام متعجلة، وتناقضات طال بقاؤها؟ سؤال صادق، أو كلمة منصفة، أو لحظة تأمل، قد تُسقط قناعة أنهكها الخطأ، وتفسح مكانًا لفهم أرحب. نحتاج إلى سكينة تعيد للعقل تأمله، وللصدر صبره، وللمسؤول إحساسه بالأمانة… فما جدوى أن تبقى العصا في اليد، ويُترك الحبل على الغارب؟

مساحة إعلانية