رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هنادي فرج السويدي

مساحة إعلانية

مقالات

48

هنادي فرج السويدي

موظف مقهور

22 أكتوبر 2026 , 12:00ص

قصة من وحي الخيال، وأي تشابه بينها وبين الواقع قد يكون محض مصادفة، أو ربما لأن الواقع أحيانًا أغرب من الخيال.

جاء يحمل حقيبته وخبرته وأحلامه، طموحًا، عُيّن مديرًا في إحدى المؤسسات، ولم يكن يعلم أن أصعب ما سيواجهه في وظيفته ليس ضغط العمل، بل ضغط البشر.

كان مجتهدًا وذكيًا، لكنه ارتكب خطأً فادحًا في عرف بعض بيئات العمل؛ كان ناجحًا في المكان الخطأ، ولم يكن عضوًا في «الشلة» الصحيحة.

وفي أحد الاجتماعات، اجتمع حوله من أتقنوا فن المحاصرة الإدارية. انهالت عليه الكلمات والاتهامات والإحراج أمام الحاضرين، حتى ضاقت عليه الغرفة بما رحبت.

خرج من الاجتماع يغلي قهرًا، وضرب الحائط بقبضته بكل ما تبقى في صدره من غضب، وكأن الجدار هو الوحيد الذي يستطيع أن يرد عليه دون أن يقاطعه، ثم سقط.

نُقل إلى المستشفى، وهناك أُعلن خبر وفاته بعد توقف قلبه.

انتهى الاجتماع… وانتهت معه حياة إنسان!

وبعد يومين، جاء الاتصال بزوجته، لا ليخبروها عن إنجازاته، ولا عن السنوات التي أفناها في العمل، بل لتأتي وتأخذ أغراضه الشخصية من المكتب، وتستكمل إجراءات عودة جثمانه إلى الهند ليوارى الثرى.

أما الذين حاصروه في ذلك الاجتماع، فقد عادوا إلى مكاتبهم، واحتسوا قهوتهم، وتبادلوا الأحاديث والضحكات، وكأن شيئًا لم يحدث.

والأعجب أن الكرسي لم يطل حزنه على صاحبه.

فبعد رحيله، جلس عليه الشخص الذي كان بعضهم يتمنون تعيينه منذ البداية.

وهكذا انتهت الحكاية؛ رجل عاد إلى وطنه في صندوق، وآخر صعد إلى كرسيه، ومؤسسة واصلت أعمالها كالمعتاد!

يا للمفارقة!

في بعض المؤسسات، يُفتح تحقيق إذا اختفى جهاز حاسوب، وتُراجع الكاميرات إذا فُقد هاتف، وتُشكّل لجنة إذا ضاعت عهدة مالية.

أما إذا انكسر إنسان من القهر، فقد يُغلق ملفه بكلمة واحدة: «انتهت خدماته».

ولا أحد يسأل: من الذي كسر خاطره قبل أن يتوقف قلبه؟

ليست كل الجرائم تُرتكب بسلاح، وليست كل الجروح تنزف دمًا، وليس كل من يخرج من اجتماع يخرج منه سالمًا.

وأقسى ما في الحكاية أن الرجل رحل، والكرسي بقي، والذين أرادوا الكرسي لم يخسروا شيئًا.

فيا أيها المتصارعون على المناصب، تذكّروا أن الكرسي الذي يستحق عندكم كل هذه المعارك، قد لا يتسع غدًا حتى لصورة صاحبه الراحل.

بعض الموظفين يموتون مرة واحدة، وبعض الضمائر تموت كل صباح، ثم تحضر إلى الدوام في موعدها.

مساحة إعلانية