رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الخليج بين نارين

لا شك أن إيران تمثل خطرا لا يستهان به. ولا شك أيضا أن الكيان الصهيوني بكل أذرعه الإرهابية لا يقل خطرًا عن إيران. وهو خطر انعكس في تصريحات أبواق صهيونية مثل المدعو إدي كوهين الذي تطاول على دول خليجية (قطر والسعودية) حتى قبل أن تضع الحرب أوزارها. هذا وضع يجعل الخليج بين نارين ويفرض عليه اتخاذ حسابات دقيقة إزاء حرب لا يبدو أن لنا أصدقاء حقيقيين فيها. في الحروب الكبرى قد لا تكون المشكلة دائماً في وجود الأعداء ولكن في اختيار الحلفاء. والمشكلة الأكبر أن تجد نفسك بين خصمين كلاهما خطر عليك. هذا بالضبط هو المأزق الذي تواجهه دول الخليج اليوم في الحرب بين أمريكا- إسرائيل، وإيران. فهذه الحرب، رغم أنها تبدو للوهلة الأولى مواجهة ثنائية، إلا أنها في الحقيقة صراع متعدد الطبقات، تتداخل فيه حسابات قوى كبرى مثل روسيا والصين، وتجد فيه دول الخليج نفسها في موقع الجغرافيا الخطرة والسياسة الدقيقة. والمفارقة أن هذه الحرب، رغم أنها لا تُخاض، رسميا، باسم الخليج، تدور عملياً على أرضه ومياهه وممراته الحيوية. فموقع الخليج يجعله جغرافيًا منطقة لا تستطيع الوقوف على الحياد. نظريًا، تحاول دول الخليج تبني موقف الحذر وضبط النفس، عبر الدعوة لخفض التصعيد وعدم تحويل المنطقة لساحة حرب. لكن الواقع الجيوسياسي يجعل الحياد الكامل شبه مستحيل. لقد حاولت دول الخليج طويلا أن تحافظ على علاقات طيبة مع كلا الطرفين وفق قواعد حسن الجوار وشروط العلاقات الدولية المعتبرة. ورغم ذلك تجد دول الخليج أنها الأكثر عرضة لارتدادات الحرب رغم أنها ليست طرفاً فيها، وسط معادلة بالغة التعقيد ليس فيها صديق واضح صريح ولا عدو واضح صريح. فالولايات المتحدة مثلا، رغم كونها الحليف الأمني التقليدي لدول الخليج، تبقى قوة عظمى تتحرك وفق مصالحها الإستراتيجية، وليس وفق حسابات الأمن الإقليمي فقط. وقد أثبتت التجارب السابقة أن واشنطن قد تدفع نحو تصعيد عسكري دون أن تهتم بكلفته ونتائجه الفعلية على دول المنطقة. في المقابل، تمثل إيران تهديداً مباشراً للأمن الخليجي بسبب تاريخ طويل من التوترات الإقليمية، إضافة إلى امتلاكها أدوات ضغط قوية مثل الصواريخ الباليستية ووكلائها الإقليميين، لكنها تدعي أنها لا تستهدف الخليج. هنا تكمن المفارفة والمعضلة الكبرى أمام دول الخليج. فالانحياز الكامل لأي طرف يحمل مخاطر إستراتيجية، بينما الحياد الكامل قد لا يكون خياراً واقعياً، خاصة في ظل وجود أطراف أخرى إقليمية ودولية تتابع وتترقب، بل وربما تشارك بشكل غير مباشر في الحرب. الصورة تصبح أكثر تعقيداً إذا نظرنا إلى الدور غير المباشر للقوى الكبرى الأخرى، خصوصاً روسيا والصين، ومن خلفهما كوريا الشمالية. وقد أشارت واشنطن بوست، وول ستريت جورنال، ومصادر أخرى، إلى أن روسيا تساعد إيران استخباريا على تحديد مواقع القوات الأمريكية وخاصة البحرية في المنطقة، وأن هناك خبراء صينيين على الأراضي الإيرانية يساعدون في تجريب وإطلاق صواريخ متطورة، وذلك انطلاقا من تقدير إستراتيجي بأن إيران هي خط الدفاع الفعلي عن موسكو وبكين. هنا نجد أن كلا من موسكو وبكين تعارضان الضربات الأمريكية والإسرائيلية سياسياً، وتدعوان إلى وقف التصعيد علنا، لكنهما في الوقت نفسه تتجنبان الدخول المباشر في الحرب. هذه المواقف لا تعتبر حياداً بقدر ما هي إستراتيجية محسوبة تتمثل في ترك الحرب تستنزف الخصوم الغربيين دون التورط المباشر فيها، مع الحفاظ على علاقات مفتوحة مع مختلف الأطراف. هكذا لا يواجه الخليج فقط معادلة إيران-أمريكا- إسرائيل، بل يواجه لعبة توازنات عالمية أكبر، حيث تتحول المنطقة إلى مسرح لتنافس القوى الكبرى. هذا يهدد بصراع عالمي أو بالأدق إلى حرب عالمية ثالثة، تم التنبؤ بها طويلا. وعندما تتحول منطقة الخليج إلى ساحة حرب، لن تكون المشكلة الأكبر فقط في الأعمال العسكرية. فالحروب الحديثة لم تعد تُخاض بالجيوش فقط، بل عبر الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية. وهذه الثلاثة هي عصب حياة الخليج. وهذا يعني أن على الخليج أن يجري حسابات دقيقة قد لا تحتمل الخطأ بأي قدر كان، لأن أي توسع للحرب قد يحول المنطقة إلى بؤرة دوامة اقتصادية عالمية. يجب هنا ألا ننسى أن الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل، بل هي جزء من التحولات الكبرى في النظام الدولي الأوسع التي أشرت لها سابقا، وملخصها (نظام دولي آخذ في الأفول ونظام آخر لم يكتمل بعد). فالصين وروسيا وإسرائيل قوى ترغب في أن تأخذ موقعا متقدما أكثر في قيادة العالم في مواجهة القوة المهيمنة المتراجعة أخلاقيا واقتصاديا. وفي قلب هذا الصراع تجد دول الخليج نفسها بين مطرقة المتنافسين وسندان الجغرافيا. فهي جغرافياً في خط النار، وسياسياً بين قوى كبرى لا يمكن الوثوق الكامل بأي منها. وفي ضوء هذا المشهد المعقد، يجدر بدول الخليج بناء إستراتيجية تشمل محاور أهمها، تجنب الانخراط العسكري المباشر. والحفاظ على التحالف الأمني مع واشنطن دون التحول إلى طرف في الحرب. والإبقاء على قنوات التواصل مع القوى الكبرى الأخرى، خاصة في ضوء تأكيد طهران المتكرر على أنها لا تتعمد استهداف مقدرات الخليج. ولو أن الأمور بالتمني لقلنا ليتنا نترك الأبواب مفتوحة، ونعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الـ 28 من فبراير. عندما كان الخطر الإيراني مكبوحا والخطر الصهيوني مغلولا، قدر الكفاية.

537

| 10 مارس 2026

حرب إيران وصراع الهيمنة.. خيوط متشابكة!

لم تضيّع أمريكا ترامب وقتا في الإجابة عن السؤال الذي ختمت به مقالي السابق. اختارت طوعا، فيما يبدو، أن تدخل "فخ ثيوسيديدس" بمشاركتها إسرائيل في الحرب على إيران. قد يظن البعض أن إيران ليست بالحجم الذي يجعلها ذلك الخصم الذي تنطبق معه مواصفات أو شروط فخ ثيوسيديدس، وإيران فعلا قد لا تكون كذلك، لكنها تملك مقومات ذاتية واستقطابية قد توقع أمريكا فعليا في ذلك الفخ لاحقاً. وأقول لاحقاً لأن الأحداث الجارية لا يتوقع أن تنتهي في الفترة الراهنة وهي ليست وليدة اللحظة الراهنة. ذلك أن لها تاريخا وخططا قديمة يتطلب تحقيقها فترات زمنية ستأخذنا شئنا أم أبينا إلى المستقبل. وهو وإن كان ما يزال مجهولا فإن ملامحه موجودة في الماضي. أشرت سابقا ضمن مقالات تغطية طوفان الأقصى إلى أن ما ترتكبه إسرائيل من إبادة جماعية في غزة ليس جريمة منعزلة وإنما جزء من مخطط واسع للسيطرة ضمن ما تسميه مشروع إسرائيل الكبرى. وأوضحت أيضا أن هذا المشروع بدوره جزء مما بات يعرف الآن بمشروع "باكس جودايكا" أو باكس يهودا والتي تعني الهيمنة الصهيونية العالمية. وأشرت إلى أن كثيرا ممن يسمون فلاسفة ومفكرين، ينتمون بالولاء للكيان الصهيوني، ومنهم صمويل هنتنجتون وفوكوياما وبيرنارد لويس، مهدوا لذلك المشروع. وكان أحدثهم نشرا هو الجنرال المتقاعد رالف بيترز بأطروحته التي سماها "حدود الدم" ونشرها في مجلة الجيش الأمريكي عام 2006. اليوم أضيف مزيدا من التفصيل والتأكيد على أن مشروع الهيمنة الصهيونية هذا لم تتوقف خطواته الفعلية على مدى العقود السبعة الماضية. هنا نعود إلى التاريخ الذي سيوضح لنا الحاضر والمستقبل المتوقع معا. في العام 1957 أصدر الكاتب الهندي كرانجيا خورشيدجي، كتابا بعنوان "خنجر إسرائيل". كان ذلك من واقع حوار أجراه مع وزير الحرب الإسرائيلي، حينها، موشي ديان. تضمن الكتاب خططا صهيونية كشفها ديان للسيطرة على العديد من الدول العربية بعد تقسيمها وتفتيتها واحتلالها عسكرياً. وعندما أبدى الصحفي الهندي استغرابه لديان من كشفه مثل هذه الخطط كان رد ديان: لا تخف فالعرب لا يقرؤون. ومنذ ذلك الحين رسمت خطط وصدرت كتب ودراسات معلنة، كلها تستهدف تنفيذ ذلك المشروع، لكن أحدا في عالمنا العربي لم يلتفت لها فعلا بما تستحق من الاهتمام، لتواصل إسرائيل تنفيذ خططها الإجرامية تحت سمع وأعين الجميع. هنا نعود إلى نظرية "أفول الهيمنة" من جديد لنقول إنه بينما تتجه أنظار الكثيرين إلى الصين أو روسيا- ومعهما إيران كساحة استدراج- كخصم مرجح تواجهه أمريكا ضمن "فخ ثيوسيديدس"، نجد أن الخصم الحقيقي لأمريكا هنا هو إسرائيل نفسها- الحليف المفترض- وهي التي تقدم نفسها تدريجيا بديلا ووريثا ل"الليفاياثان" أو "الفتوة" الأمريكي. هذا الأمر بدأ يتنبه له البعض في الداخل الأمريكي، منهم سياسيون مثل توماس ماسي، ومنهم إعلاميون مثل تاكر كارلسون وكانديس أوين، وأنا كاسباريان. وهذا الفريق الإعلامي المستقل بالذات يردد صراحة، ما يشبه الاستغاثة، من أن إسرائيل تحتل الولايات المتحدة، وهو أمر لا يخفيه كثير من الصهاينة أنفسهم بل ويتفاخرون به. هنا تتداخل الأفكار والمعاني ففي حين يعمل الإعلاميون الأمريكيون المستقلون على إيقاظ الشعب الأمريكي ضد الدولة العميقة التي تسيطر على القرار الأمريكي لمصلحة الهيمنة الصهيونية العالمية، فإن الفوضى التي يمكن أن تحدث نتيجة ذلك هي بحد ذاتها ما يمكن أن تستغله تلك القوى الصهيونية لتنفيذ مخططاتها. فالفوضى هي كل ما يحتاجه الصهاينة للانقضاض على خصومهم سواء في الشرق أو في الغرب. فكلهم بالنسبة لهم أغيار ويجب سحقهم واستعبادهم بحسب شرائعهم الفاسدة. وخططهم المشار إليها تهددها بشكل كبير فضيحة جزيرة إبستين التي لا تمثل جريمة أخلاقية لأمريكا كدولة بقدر ما تفضح تلك النخب الصهيونية التي كانت بالفعل تباشر تنفيذ برنامجها للحكم العالمي ممثلا في "إعادة الضبط العالمي"، من خلال رقمنة الحياة البشرية، الهوية، والعملة والأخلاق، لتقديم نفسها كبديل مهيمن يملك سلاح الهيمنة الجديد وهو التكنولوجيا المتفوقة والذكاء الصناعي. لكن جاءت فضيحة إبستين لتعرقل ذلك كله وتسبب تصدعا داخليا لا يستهان به. لا يعني هذا أن الولايات المتحدة على وشك الانهيار، بل تخبرنا نظرية أفول الهيمنة أن لحظات التحول العالمي غالبًا ما تُصاحبها انقسامات داخلية حادة، لأن إعادة تعريف الدور العالمي تستلزم إعادة تعريف العقد الاجتماعي. والعقد الاجتماعي الجديد الذي تطرحه النخب لم يعد بعد الفضيحة مجرد هوية رقمية وعملة رقمية عالمية وعالم روبوتي، بل اتضح أنه ذبح عالمي وأكل لحوم بشر عالمي وفساد عالمي!. هنا، نعيد قراءة نظرية أفول الهيمنة في ضوء فضيحة إبستين. فقرار "الدستورية" الأخير بإلغاء "جمارك ترامب" لا يعبر فقط عن صراع بين النخب واتجاه بعضها للتخلي عنه، بل عن تآكل الثقة الشعبية في تلك النخب. وحين تتداخل أسماء من الحزبين في الفضيحة كخاضعين لإبستين، وتتشابك العلاقات بين السلطة والمال والمشاهير، يصبح سؤال الشارع الأمريكي: من يحكم فعلاً؟ هنا تتآكل شرعية النظام برمته، نتيجة تراكم شعور بأنه يخدم شبكات مغلقة أكثر مما يخدم الجمهور. وهذا ما قد يؤدي إلى فوضى شعبية شبهها الكاتب السويدي مالكوم كايون بأنها مثل أجواء ما قبل الثورة الفرنسية "عندما لا يشعر الناس أن الإمبراطورية تعمل من أجلهم"، معتبرا أن الغرب كله يتجه نحو انهيار كارثي. هنا نفهم أن الحرب على إيران ليست مسألة طارئة، ونفهم أن إصرار الكيان على التعجيل بها، وراءه شبح إبستين.

468

| 03 مارس 2026

بين "جزيرة الشر" و"فخ ثيوسيديدس"!

من منظور أكاديمي تبدو قصة جزيرة إبستين أو "جزيرة الشر" أكثر من فضيحة أخلاقية عابرة؛ إذ يمكن قراءتها كحدث كاشف لغموض وضع القوة الأمريكية داخليا وخارجيا. بحسب نظريات العلاقات الدولية وتحديدا النظرية الواقعية - الصراع أساس العلاقات- يبدو الأمر صراعا وأداة ابتزاز بين شبكة النخب الأمريكية. هنا تحدد موازين القوة بين مكونات هذه الشبكة متى تنتهي القضية أو تتفجر أكثر، وإلى أي مدى. وبحسب النظرية الليبرالية - تفترض التعاون والعمل المؤسسي- سنكون أمام أزمة مؤسسات وثقة عامة. وسيعني ذلك تآكل الثقة في المؤسسات الديمقراطية الأمريكية. وعندما تتراجع الثقة الداخلية تضعف "القوة الناعمة" الأمريكية عالميًا، وهو أمر تسارع مع تفجر قضية إبستين. أما لو طبقنا النظرية البنيوية النقدية (المقاربة العلمية الدقيقة) فسنرى تحركاً تقوده مجموعة من نخب اقتصادية عالمية تشكل طبقة عابرة للدول، وللحدود. وهذا ما يمكن تسميته "عولمة النفوذ" مع تداخل المال والسياسة وعدم خضوع النخب للرقابة. لكن من منظور جيوسياسي أوسع ستشير القضية إلى نوع أو درجة من الصراع الدولي. فأي فضيحة تمس النخبة الأمريكية لن تمر مرور الكرام على القوى الدولية الأخرى مثل روسيا والصين، ولا على المصالح والأسواق التي تتحكم فيها تلك النخب. في الوقت الحالي تكاد القضية تنحصر في بعدها المحلي الأمريكي، صراعا بين نخب غير مرئية بالكامل، وهو ما يسمى في الأدبيات السياسية، "الدولة العميقة". هذه الدولة العميقة تشمل دوائر المال والأمن والاستخبارات والبيروقراطية العليا. وإذا أخذنا في الاعتبار أنه في دهاليز الصراع بين النخب، يتم تفعيل الملف أو تجميده حسب الحاجة السياسية، ستبرز أسئلة مهمة، لماذا حُوكم إبستين في 2008 بصفقة مخففة؟ ولماذا عاد الملف بقوة بعد عقد تقريبا؟ ولماذا أُغلق فجأة بإعلان انتحاره المشكوك فيه؟ ولماذا يتفجر الآن مجددا؟ لكن سيظل السؤال الأهم: مَنْ في تلك الشبكة الخفية يملك الكارت الأقوى لحسم الصراع؟. وأقول "تكاد" تنحصر محليا لأنه إذا كان أقوى الكروت هنا هو "كارت المعلومات" فلن تظل القضية محلية، مع العلم بأن إسرائيل تخترق كل شركات التقنية الحديثة من مايكروسوفت وجوجل إلى فيسيوك وتويتر إلى بالانتير وأوراكل وإنفيديا!. وبما أن إبستين لم يكن يعمل منفردا بل كان وراءه جيش من العملاء والأتباع متعددي الجنسيات، فيصح أن تخرج القضية إلى نطاق العالمية. لكن ستظل اليد العليا في هذا الصراع للجهة التي تملك معلومات محرجة عن شخصيات عليا، بدأت الإطاحة بالبعض، ومنهم الأمير البريطاني السابق أندرو. ويبدو أن أندرو لن يكون آخر الاسماء التي ستسقطها "إبستين-جيت"، ففضيحة "ووترجيت" لم تبدأ بإطاحة الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون بل انتهت بها. عندما تفجرت "ووترجيت" لم يقدم نيكسون استقالته في اليوم التالي. ما أخر استقالته كان صراعا خفيا داخل المؤسسات، لعب فيه نائب مدير إف بي آي وقتها مارك فيلت الدور الأكبر حيث ظل يسرب المعلومات تباعا إلى بوب ودوارد وزميله، حتى اضطر نيسكون للاستقالة. ولا شك أن فيلت بدوره كان يتلقى الأوامر من طرف أعلى منه. ولكن هنا يثور السؤال: هل كانت استقالة نيكسون هزيمة حقيقية، أم أن من يديرون المشهد ارتأوا أفضلية رحيله بتلك الطريقة، وفي تلك اللحظة بالذات؟! ليس صعبا هنا إدراك أن الإطاحة بنيكسون استخدمت للتخلص من مشاكل عدة خارجية واجهتها واشنطن بعد إلغائه غطاء الذهب على الدولار ضمن تداعيات حرب فيتنام، علاوة على أنها استُغلت لتعزيز صورة النظام الأمريكي كنظام "ديمقراطي" قادر على تصحيح نفسه. أما فضيحة إبستين فهي تعزز المعلومات المتزايدة يوما بعد يوم عن وجود مناطق مظلمة في السلطة الأمريكية لا تخضع للمساءلة، بما يخلق شكوكا حول حقيقية من يسيطرون على الأمور، وغموضا حول مستقبل القوة الأمريكية. في نظرية استقرار الهيمنة (Hegemonic Stability Theory)، يرى مفكرون مثل تشارلز كيندلبرغر وروبرت كيوهان أن النظام الدولي يستقر عندما توجد دولة مهيمنة توفر أمنًا دوليًا، ونظامًا ماليًا مستقرا، وشرعية قيمية وأخلاقية. ومنذ الحرب العالمية الثانية، لعبت الولايات المتحدة هذا الدور، وأطلق على عهدها "باكس أميريكانا" أي عهد الهيمنة الأمريكية. لكن هذه الهيمنة تبدو مأزومة مع تزايد التآكل الداخلي الذي تمثل فضيحة إبستين أخطر أعراضه. هذا هو ما وثقه مؤرخون مثل بول كينيدي في كتابه "صعود وزوال القوى العظمى" (1987)، حيث قال إن سقوط القوى الكبرى لا يحدث فقط نتيجة الإفراط في التوسع الاستعماري بل أيضا نتيجة الإنهاك والتفسخ الداخلي وانتقائية العدالة. وكل هذه أمور تؤدي إلى تراجع الثقة في المؤسسات وبداية مرحلة الأفول أو ما بعد الهيمنة. يأخذنا هذا إلى نظرية التحول البنيوي التي تقول إن أخطر لحظة في النظام الدولي هي، لحظة إعادة ضبط موازين القوى، عند اقتراب قوة صاعدة من معادلة قوة مهيمنة، متداعية خارجيا وداخليا بفعل التمدد الزائد والتفسخ الأخلاقي، والقرارات المتهورة، وهو ما يزيد أطماع أو فرص القوة الصاعدة في تحديها. هنا نصل إلى نظرية أو "فخ ثيوسيديدس" (Thucydides Trap)، المؤرخ الإغريقي الذي استخرج من الحرب بين أثينا وإسبرطة قاعدة صاغها المفكر الأمريكي جراهام أليسون كالتالي: "عندما تقترب قوة صاعدة من مضاهاة القوة المهيمنة يتولد خوف بنيوي يقود إلى توتر ينتهي غالبا بالحرب". فهل توقع جزيرة الشيطان أمريكا في فخ ثيوسيديدس، كُرها، أو طوعا ربما؟ لننتظر ونرى. [email protected]

366

| 24 فبراير 2026

هل تجرأت وقلت «الله»!

هل تجرأت وقلت «الله».. والإيمان! بهذا التساؤل التهكُمي يختم الإعلامي والناقد الأمريكي الساخر جيم بروير فيديو ينتقد فيه تلفيق هجمات 11 سبتمبر وإلصاقها بالإسلام والمسلمين، ثم يرد على سائله المُتَخيَّل قائلا: نعم،، تجرأت. ذلك الفيديو القصير (دقيقة واحدة) يلخص أمورا كثيرة أهمها أن الحرب على الدين بلغت مرحلة أخطر مما يظن الجميع. الفيديو، باختصار، براءة أخرى للإسلام من هجمات 11 سبتمبر، إذ يسْخر بروير- مثل آخرين منهم، عميل السي أي إيه السابق كيفين شيب، وتاكر كارلسون- من زعم الرواية الرسمية العثور على جواز سفر أحد الخاطفين المسلمين المفترضين وسط الركام. وهذه باتت من أدلة الإدانة للدولة العميقة وتفضح حربها على الإسلام. لكن الأهم هو إيحاؤه بمدى تجذر الإلحاد في المجتمعات الغربية لدرجة أن ذكر كلمة الله بات مثار سخرية. وهذا يحيلنا إلى حديثنا اليوم. الحرب المتواصلة على الدين منذ عقود، بل قرون كما بينت سابقا، وصلت الآن إلى أشرس مراحلها. وهي أخطر حلقة في خطط استعباد البشر من خلال ما بات معروفا الآن باسم «الحكومة العالمية الواحدة». فهدم الأديان هو الهدف النهائي لمحاولات سيطرة أعداء الإنسانية على البشر بفرض الهوية الرقمية والعملة الرقمية، وكل مفردات ما يسمونه النظام العالمي الجديد. ذلك لأن الدين، عند التمسك به، أيا كان مسماه، هو الصخرة الصلبة التي تتكسر عليها أسلحة حرب الشيطان وقبيله من أمثال المدعوة فالنتينا جوميز المرشحة للكونجرس، والتي تجاوزت، بحق المسلمين، تجاوزات يُفترض ألا يسمح بها أي قانون. تلك الحرب اتخذت منحنيات صاعدة وهابطة على مر التاريخ. وبعدما كانت شبه خفية خلال فترة ذروة هُراء العولمة، وحتى ما بعد أحداث 11 سبتمبر بسنوات قليلة، عادت الآن لتظهر وجهها القبيح بوضوح، مع تركيز على الإسلام؛ الدين الوحيد الذي يمتلك مقومات الصمود والتصدي لمشروع أعداء الإنسانية لهدم الدين كله. أبرز تجليات هذه الحرب حاليا هو ما أشرت إليه سابقا من نقاشات متعثرة في البرلمان الكندي تستهدف تحويل الأديان إجمالا والإسلام خاصة إلى فكرة مكروهة بزعم أنها تدعو إلى الكراهية. ذلك المقترح الشيطاني يستهدف رفع القداسة عن الكتب السماوية، وبالتالي عن الأديان ذاتها،، أو «حظر الإله» بحسب أحد الرهبان الكنديين هنا. ليس هذا فحسب، فللقصة جذور بعيدة. في العام 2001 ظهرت وثيقة خطيرة قيل إن النُخب تنفذ بنودها تدريجيا لإحكام سيطرتها على البشرية. كانت تحمل عنوان «أسلحة صامتة لحروب خفية». وأنا أترجمها خفية بخلاف الترجمة السائدة وهي «حروب هادئة»، لأنها بكل تأكيد ليست هادئة ولكنها مستعرة. من أهم بنود تلك الخطة، والذي يأتي في ختامها وكأنه تتويج لها، «تقويض الأديان التقليدية والأخلاق المطلقة بحيث تصبح الحكومة (العالمية) هي السلطة العليا»، في كل شيء، حتى في الجانب الروحي، أي «الإله» في الواقع. حاولت الآلة الدعائية لأعداء الإنسانية نفي صحة تلك الوثيقة، بل وخُصصت رسالة علمية أكاديمية في جامعة كاليفورنيا لتفنيدها. بالمقابل، تصدت لتوثيقها وتأكيد نسبتها لأعداء الإنسانية أقلام عدة مهمة ثبتت مصداقيتها من قبل. من هؤلاء وليام كوبر، وهو ضابط أمريكي سابق، وباحث في الشؤون السياسية، نبه قبل نحو شهرين من أحداث 11 سبتمبر إلى أن الحكومة الأمريكية ستفتعل حدثا كبيرا، وستلصق التهمة بأسامة بن لادن لتبرير شنها حروبا على دول عدة وتقويض الحريات داخل أمريكا. وقد نشر كتابا بعنوان «انظر إلى الحصان الشاحب»، (تعبير إنجيلي يعني توقع الموت والدمار). وقد ضمّنه الكثير من أسرار مؤامرات أعداء الإنسانية ومن بينها وثيقة «أسلحة صامتة لحروب خفية». وهو وإن كان صدق بخصوص أحداث 11 سبتمبر فالأحرى أن يصدق في غيرها. وقد اغتالته «إف بي آي» بعد أحداث 11 سبتمبر بنحو شهرين لإسكاته ومنعه من مواصلة فضح جرائمهم الكبرى. الشاهد هنا هو أن ذلك البند المتعلق بالقضاء على الأديان في تلك الوثيقة، يؤكد أن محو الدين كله هو المعركة الكبرى الباقية أمام أعداء الإنسانية، والتي ربما تكون، أو غالبا ستكون المفجر لـ»هرمجدون»، آخر الحروب الكبرى، والتي لا يتوقفون عن إيقاد نارها. وقد تغير شكل الحرب على الدين عبر العصور، فقديماً كانت تتمثل في رفض السلطة القائمة لسلطة الإله الواحد برفض الدين الجديد. وفي القرون الوسطى صارت صراعا بين سلطة زمانية ومؤسسات دينية. وفي ما يسمى عصر التنوير صارت صراعا بين الإيمان والعقل. وفي عصر ما يسمى الحداثة صارت صراعا أيديولوجيا وسياسيا ضد الدين نفسه مرة أخرى لإلغاء وجوده بالمرة. وهنا أشير مجددا إلى أن جميع من يسمون فلاسفة تقريبا عملوا على محو الدين بالكلية، تحت مسميات منها «دين الإنسانية». وكان ذلك أوضح ما يكون عند سبينوزا (ق.17) الذي جعل الإله هو الطبيعة، ثم كانط (ق.18)، وجعل الدين مجرد عملية أخلاقية، ثم هيجل (ق.19)، وجعل الدين مسألة تاريخية، ثم تبعه بقليل نيتشة، وإنجيله الخامس، والذي أعلن «موت الإله»، ورفض الدين كله. ثم جاء بعد ذلك ماركس وشيوعيته (إبادة الدين)، ومعها النازية (عبادة العِرق)، والوجودية الملحدة مع سارتر وكامو، لتوصلنا إلى مرحلة العبث الفكري الكامل، أو «الإنسانية العلمانية» والليبرالية المتطرفة (عبادة الفرد).. وهذا كله هراء أوضحت رفضي له سابقا، وأسوقه فقط لتوضيح كيف أُفسد الفكر الإنساني وشُوه الدين.. وما يزال. لقد رأى ابن خلدون، قديما، أن الدين يستخدم كغطاء للحروب وليس سببا أصيلا لها ولكن الواقع يؤكد أن الدين، أو بالأدق، الحرب على الدين هي أم كل الحروب. وللحديث صلة.

495

| 31 ديسمبر 2025

قطر تعيد صياغة قواعد العلاقات الدولية وتعريف مفهوم السيادة

مع احتفالات قطر بيوم وطني جديد في عمرها المجيد، يتراءى للعالم الكثير والكثير من الإنجازات والنجاحات التي حققتها على مر السنين. لكن هناك نجاحا بعينه لن ينتبه إليه كثيرون. ذاك هو نجاح قطر في أن تكون نموذجا فريدا في مقاييس الدول في القرن 21، بل ونموذجا للمستقبل، في عالم يتلاشى فيه شكل الدولة المعروف منذ تأسيس نظام الدولة الحديثة، الدولة ذات الحدود المعروفة والسلطات المحددة والعلاقات المحددة مع محيطها. لقد استطاعت قطر أن تعيد تعريف معنى الدولة ومفهوم السيادة، عبر مزيج من الاستقلال السياسي، والانفتاح الدبلوماسي، والتخطيط الإستراتيجي طويل المدى. فبنموذج قطر سيدخل إلى قاموس العلاقات الدولية مفاهيم جديدة منها "الدولة المتفوقة" و"الدول المفيدة". منذ توقيع اتفاقية ويستفاليا عام 1648، تشكّل مفهوم الدولة القومية الحديثة بوصفها كيانًا سياسيًا مستقلًا، يمتلك سيادة واضحة وحدودًا معترفًا بها وسلطة عليا غير خاضعة لقوة خارجية. غير أن هذا النموذج، الذي هيمن على النظام الدولي لقرون، كما أوضحت سابقا، يواجه اليوم تآكلًا متسارعًا بفعل العولمة الاقتصادية، وتغوّل المؤسسات العابرة للحدود، والنزعة المتسارعة نحو تأسيس حكومة كونية للعالم تحت مسميات مختلفة، كالحوكمة العالمية أو النظام الدولي القائم على القواعد. في هذا السياق المضطرب، تبرز دولة قطر كنموذج لافت لدولة حديثة استطاعت، رغم صغر مساحتها الجغرافية، أن تحافظ على استقلال قرارها السياسي وتُعيد تعريف مفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين. برغم كثير من التحديات، سارعت قطر إلى الحضور الفاعل في النظام الدولي، من إدراك واع بأن السيادة في العصر الحديث لا تُصان فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا بالقوة الناعمة، والدبلوماسية النشطة، وبناء شبكات مصالح متوازنة مع مختلف القوى الدولية. ومن خلال سياسة خارجية متعددة المسارات، استطاعت قطر أن تحجز لنفسها موقعًا فاعلًا في ملفات إقليمية ودولية معقدة، من الوساطة السياسية إلى أدوار إنسانية وتنموية، بل وحتى رياضية، وهو ما شاهدناه نموذجا يتجلى في عرس كأس العرب الرياضي الرائع. اقتصاديًا، قدّمت قطر مثالًا على توظيف الموارد السيادية لا لتعميق التبعية، بل لتعزيز الاستقلال. فالاستثمار في الطاقة، وتحديدًا الغاز الطبيعي المسال، لم يكن مجرد مصدر للثروة، بل أداة إستراتيجية مكّنت الدوحة من بناء اقتصاد قوي، وصناديق سيادية مؤثرة، وقدرة على الصمود أمام الضغوط السياسية والاقتصادية التي استخدمها صانع القرار القطري لمصلحته وليس العكس. وقد تجلّى ذلك بوضوح خلال فترات الحصار والتوتر الإقليمي، وحتى في النطاق الأوسع مع تفجر الحرب الأوكرانية الروسية، حيث أثبتت قطر أن الدولة الحديثة المفيدة القادرة على التخطيط الإستراتيجي يمكنها تجاوز محاولات الإخضاع أو العزل، وأن تجعل "الآخر" أيا كان في حاجتها. وعلى المستوى الداخلي، عملت قطر على بناء مؤسسات حديثة، واستثمرت في التعليم والإعلام والبنية التحتية، إدراكًا منها أن الدولة القوية في زمن تآكل الحدود ليست تلك التي تكتفي بالرموز السيادية، بل التي تمتلك مجتمعًا متماسكًا، ونخبة معرفية، وقدرة على إنتاج خطابها الخاص بدل استيراده. وفي هذا الصدد، مثلا، كان الإعلام القطري، ولا يزال، وبفضل قناة الجزيرة، أحد أبرز أدوات هذا الحضور السيادي، حيث تحوّل إلى منصة مؤثرة في تشكيل الرأي العام العالمي، وهو أمر نادر في دول صغيرة الحجم. وفي زمن تتعالى فيه الدعوات إلى تقليص دور الدولة لصالح كيانات فوق قومية أو حكومة عالمية واحدة، تقدم قطر نموذجًا مختلفًا: دولة لا ترفض الانخراط في النظام الدولي، لكنها ترفض الذوبان فيه؛ دولة تدرك قواعد اللعبة العالمية، لكنها تصر على أن تكون لاعبًا لا مجرد ساحة. وبهذا المعنى، لا تمثل قطر استثناءً جغرافيًا فحسب، بل تجربة فكرية وسياسية تعيد طرح سؤال الدولة الحديثة: كيف يمكن لدولة صغيرة أن تكون مستقلة، فاعلة ومتفوقة، وذات سيادة حقيقية في عالم يتجه نحو المركزية الكونية؟ إن تجربة قطر تؤكد أن تآكل الدولة ليس قدرًا محتومًا، وأن السيادة، وإن تغيّرت أدواتها، لا تزال ممكنة لمن يمتلك الرؤية، والمرونة، والإرادة السياسية. وهي بذلك تقدم درسًا مهمًا في زمن تتراجع فيه الدول، وتتصاعد فيه مشاريع ما بعد نظام ويستفاليا. وهذه قصة واقعية تبلور كثيرا من المعاني السابقة. في العام 2015، وتحديدا في نوفمبر من ذلك العام، قامت كريستيان لا جارد وكانت وقتها رئيسة البنك الدولي بجولة في دول المنطقة شملت الدوحة بالطبع. حملت لاجارد معها "توجيهات" النظام العالمي الذي يريد فرض الفقر وصناعة الأزمات على الحكومات والشعوب، لتسريع الوصول إلى الحكومة العالمية. كان من تلك المقترحات، رفع أسعار البنزين، إلى المستويات العالمية، وزيادة الضرائب غير النفطية (مثل ضريبة القيمة المضافة)، وخفض الإنفاق الحكومي (وخاصة الأجور)، ومراجعة المشاريع الكبرى، بزعم الرغبة في وضع قواعد مالية قوية لتحقيق الاستقرار في المستقبل. كانت قطر أقل الدول استجابة لتلك المطالب المجحفة بحق الشعوب وحافظت قيادتها على مستوى معيشة مجتمعها، بل وحسنتها برغم تعرضها لأزمة الحصار بعد ذلك بفترة وجيزة، وهو ما انعكس تلاحما بين القيادة الواعية المخلصة وبين شعب بمواطنيه ووافديه ممتن لقيادته الحكيمة، ومستعد للتضحية من أجلها بالغالي والنفيس، لتخرج منها قطر دولة فريدة على الساحة العالمية، تعيد بالفعل تعريف الكثير من مفردات قواميس العلوم السياسية. عصام بيومي [email protected]

252

| 21 ديسمبر 2025

عالم مائع.. مع سبق التخريب والتصهيُن!

أكثر ما يخيف في متابعة الشأن الدولي المعاصر هي حالة الغفلة العجيبة التي يعيشها الناس شرقا وغربا عما يُحاك لهم من خطط ومؤامرات تنال من حرياتهم وسلامة مستقبلهم ومستقبل ذرياتهم، برغم انكشاف الكثير منها بعد مسرحية «كورونا». لكن، ماذا نقول.. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت! المراقب لحالة العالم الآن يلاحظ بسهولة حروبا وانتهاكات متواصلة بلا أسباب مُقنعة، وسياسات اقتصادية تتعمد التخريب، وصناعة للأزمات والكوارث البيئية والأوبئة، والفتن. وكأنه مولد وصاحبه غائب، كما يقال. لكن، هل هو غائب حقا؟. بالتأكيد لا. فكل ما يحدث هو «فوضى مُهندسة» هدفها إنشاء حكومة عالمية يخطط لها، ومنذ زمن بعيد، أعداء الإنسانية من الصهاينة والمتصهينين، مع سبق الإصرار والترصد، للسيطرة التامة على الشعوب، في إطار ما سميته سابقا «صناعة الكفر». أسوق هذا الكلام في ضوء حالة سيولة جغرافية وميوعة حدودية عالمية متزايدة، نتيجة ما يسمى «الهجرة غير الشرعية»، وتداعياتها. من الشرق إلى الغرب، تعج دول عدة بالمهاجرين والنازحين في حركة غير منتظمة، تشمل عمليات تجريد من الجنسية بعشرات الآلاف. حتى أمريكا وكندا تشهدان حركة هجرة مضطربة، جذبا،، وطردا. هل هذه صدفة؟. هل بعد الإغلاقات العالمية للمؤسسات والتجارات والحدود، بل وحبس الناس في بيوتهم لشهور عدة، خلال مسرحية كورونا، تصبح حركة الناس منفلتة هكذا في كل مكان وبالتزامن؟! مفكرون كثر، بينهم باتريك بيوكانِن، ودوجلاس موراي، وكتابه «الموت الغريب لأوروبا»، ومؤثرون منهم بول واتسون وأليكس جونز، يرون أن هذه الحالة تستهدف إشاعة الفوضى لإظهار عجز الحكومات عن ضبط الأمور والزعم بأن العالم يحتاج لحكومة عالمية واحدة. وقد وجِهت بالفعل اتهامات عدة لمنظمات صهيونية بينها (هياس) بتأجيج عمليات الهجرة لإحداث تغييرات ديمغرافية في المجتمعات، تفرز حالة «سيولة سكانية» تقضي على النقاء العرقي وتجعل التركيبة السكانية أقرب إلى «الكُشري». وتلك خطط لم يتورع عن كشفها حاخامات مثل الحاخام إيمانويل رابينوفيتش. وقد كشفت السي آي إيه، بتاريخ 28-03-2003، عن أجزاء من خطابه الشهير بالمجر عام 1952، يتحدث فيها عن «القضاء على نفوذ الرجل الأبيض»، بتعميم الزواج المختلط. ولأن الهدف النهائي من تنصيب مثل تلك الحكومة هو القضاء على الأديان من خلال تعميم ما يسمونه «دين الإنسانية»، أو ما يسمونه الآن الديانة الإبراهيمية، يحشُر أعداء الإنسانية في وسط ما يسمونه أزمة الهجرة المفتعلة حربا إعلامية ومادية شعواء على الإسلام والمسلمين، تتخللها عمليات اضطهاد للمسلمين في الغرب. كما تتخللها توجهات رسمية لإصدار قوانين بحق جماعات إسلامية ماتت عمليا ولم يعد لها وجود فعلي، كالإخوان المسلمين؛ فقط لتبرير قوانينهم وتحركاتهم الخبيثة. فبالإضافة إلى «الهوجة» الظالمة ضد المسلمين في أمريكا حاليا في مناطق أهمها ميتشيجان وديترويت، هناك محاولات في برلمان كندا لوقف الاعتراف بالكتب السماوية كمصادر مقدسة، لن يتضرر منها سوى المسلمين. وفي أيرلندا الشمالية، ولتضخيم الأزمة، «أذيع» أن جماعة مسلحة تشكلت لمحاربة الهجرة غير الشرعية، وأنها هاجمت مسؤولين حكوميين «مُقصِّرين»! هذه التحركات المنسقة من أمريكا إلى كندا إلى أوروبا لها ظهير تاريخي خطير. هناك وثائق منشورة ومتداولة بالفعل تقول إن أعداء الإنسانية خططوا قديما لإشعال ثلاث حروب عالمية وقع منها اثنتان ورأيناهما بالفعل. أما الثالثة فتقول الوثائق إنها ستكون ضد الإسلام وأتباعه، وهذا ما نراه يتجسد أمام أعيننا الآن. والهدف النهائي هو حكومة الدجال الذي يعمل أتباعه بنشاط ونحن عنهم غافلون. أهم أسباب الغفلة تأتي من أن التصورات منصبة على أن الدجال سيأتي في صورة إنسان ضخم مشوه. ربما، ولكن ربما يأتي بشكل آخر هو ما نراه الآن. فالفيسبوك، وأشباهه، ربما تكون تجسدات أخرى للدجال، الذي أحسب أننا نعيش عصره بالفعل. أليس الناس يُفتنون في دينهم لأتفه الأسباب الآن! يقال لهم هذا خير وهو شر فيتبعونه بلا تفكير. ويقال لهم عن الخير انه شر فيجتنبونه خوفا وطمعا. ويعيشون الجنة المزيفة والنار الوهمية في الميتافيرس (الواقع الافتراضي). تلك الفوضى لتنصيب الحكومة العالمية، تجري تحت مسميات منها النظام العالمي الجديد، والحوكمة العالمية، وإعادة الضبط العالمي، وكلها تحتاج حالة فوضى أو «ميوعة عالمية» لتبريرها. وتعود الفكرة إلى شيطانهم الكبير كانط، بدعوته إلى» دين للإنسانية» و»حكم عالمي واحد»؛ (تناولت ذلك في مقال «متاهة الأديان»). وتابعها من الفلاسفة المزعومين المحْدَثين برتراند راسل، إذ دعا إليها بعد الحرب العالمية الثانية بزعم أنها السبيل للسلام الدائم. كما تبناها فكريا أكاديميون من «أنبياء العصر»، منهم الفرنسي جاك أتالـي في كتابه «غدا، من سيحكم العالم»، 2011. يقول: ستعرف الإنسانية يوما أن راحتها في وحدتها وتلاقيها.. الحكومة العالمية ضرورية لمواجهة مشاكل الكوكب». وسبقه بها البريطاني ديفيد هيلد، في كتابه «الديمقراطية والنظام العالمي: من الدولة الحديثة إلى الحوكمة الكونية»، 1995. وأيدها لاحقا عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي، متحدثا عن الحاجة إلى «قيادة عالمية». أيضا دعا إليها البريطاني هربرت ج. ويلز، وله كتابان شهيران في هذا الصدد هما، «المؤامرة المفتوحة»، 1928، وفيه يدعو صراحة لتأسيس حكومة عالمية واحدة؛ لما يسميه «المصلحة العامة». وكتاب، «النظام العالمي الجديد»، 1940، وضمّنه رؤية تفصيلية لحكومة عالمية تزيل الدول ذات السيادة. هذا إضافة إلى سياسيين كثر منهم روزفلت، وتشرشل وبوش الأب، وكيسنجر، وهيرمان رومبوي، رئيس الاتحاد الأوروبي الأسبق. وأختم بكلام د. جيفري ساكس الذي يُحمل الغرب مسؤولية مشكلة الهجرة وتفاقمها نتيجة استمرار جرائم الصهيونية والإمبريالية، وهدفهما النهائي هو الحكومة العالمية.

720

| 09 ديسمبر 2025

إنها ليست مُزحة.. وليُبتكن آذان الإنسان!

عن الهوية مرة أخرى. هذه المرة عن محو الهوية. عن تجريد الإنسان من هويته، وجعله مجرد أرقام، على طريقة التعامل مع الحيوانات أو المساجين، الذين يُذكرون بأرقام وليس بأسماء. عن الهوية الرقمية التي إنْ فُرضت ونُفذت معها مُدن الـ 15 دقيقة، التي تسمى «سجن المجال الجغرافي»(Geofencing)، ستنطبق حرفيا فكرة «البينوبتيكون» (السجن الدائري التي شرحتها سابقا). قبل فترة أعلن عن فرض «الهوية الرقمية» بطريقة ملتوية. كيف؟ قيل إنه لن يُسمح لأي فرد أن يعمل إلا بالهوية الرقمية، وبالطبع، لا حياة بلا عمل. في كندا تصدر قوانين متتالية تؤدي للنتيجة نفسها. تمتنع المتاجر عن قبول النقود وتُلزم المشترين بالدفع بكروت الائتمان أي العملة الرقمية، وتلك هي الهوية الرقمية بطريقة أخرى. في أمريكا يتم الأمر بطريقة أخبث من خلال ما يسمى «الهوية الحقيقية» و»المحافظ الرقمية» التي تروجها شركات مثل «جوجل»، و»آبل». هذه تشمل هويتك الشخصية وجواز سفرك، وتعفيك من حمل الوثائق الورقية. هي تُقدم الآن كاختيار، كوسيلة للتسهيل والراحة، لكنها لاحقا ستصبح إجبارية. والحكومات لا تخفي نيتها لذلك بالفعل. السؤال الآن: لماذا يتحرك العالم، وتحديدا الغرب كله، في نفس الاتجاه؟ وبالتزامُن؟ هل الأمر مجرد مصادفة أم أنه مخطط، وينفذ بدقة وإصرار؟ لم يعد هناك مجال للشك في أن ما يحدث مخطط قديم، يُنفذ بذرائع كاذبة ومشكلات مصطنعة، أخبثها ما يسمونه مشكلة التصدي للهجرة غير الشرعية. فهم صنعوها، وتحت عباءَتها الواسعة الممتدة من أوروبا إلى الأمريكتين إلى أستراليا، تنفذ شركات الذكاء الصناعي، ومعها «بالانتير» و»أوراكل»، وأغلبها تابعة للسي أي إيه والموساد، برامج الناس حتى في نومهم، مثلما تنبأت رواية «1984». يقول المثل «الحدأة لا تلقي بالكتاكيت». وكذلك أعداء الإنسانية، الذين يمارسون دور الآلهة، ويقررون مستقبل البشر ومصائرهم. وأثبتت التجارب أن كل قانون أو سياسة سميت مجانية، أو للتسهيل، لم تكن لفائدة الشعوب، إلا مرحليا. وكانت جميعها تسير في طريق واحد؛ هو السيطرة التامة على البشر؛ سيطرة السيد على العبيد، وليس الحاكم على المحكوم، (شرحت سابقا كيف فسد العقد الاجتماعي منذ زمن طويل) وصولا إلى الهوية الرقمية. مثلا، ما تسمى سياسات التكافل الاجتماعي والرفاهية أو ما يعرف في الغرب بـ» ويلفير»- طبّقتها الحكومات الغربية قبل عقود لأهداف عدة. كانت سابقا لتحفيز الاستهلاك ودفع الاقتصاد. والآن، باتت من أهم خطط أجندة 2030 المعلنة! وتسعى الفاشية العالمية الجديدة (تحالف المال والسلطة) لتعميمها علانية تحت مسميات منها التنمية المستدامة، لإتمام السيطرة على البشر. هنا حالة عملية توضح أن الخطة قديمة وتنفذ بلا انقطاع بغض النظر عن تغير الحكومات والسياسات، ريتشارد كلوارد وفرانسيس بيفن زوجان أمريكيان تخصصا في علم الاجتماع والعلوم السياسية شرحا ذلك، من خلال ما سُمي «استراتيجية كلوارد-بيفن». أوضحا في مقال بمجلة «ذا نيشن» 1966، أن نظام الرعاية الاجتماعية صُمم أساسا لقمع الاضطرابات المدنية وإخضاع الفقراء، وليس للقضاء على الفقر. والهدف الدائم هو إثقال كاهل الحكومات، وإبقاء المجتمعات قائمة على عدم المساواة. وهذا يحول تلقائيا دون تحقيق العدالة المجتمعية ويجعل نطاق الاستعباد يتسع تدريجيا ليشمل الجميع، ويبرر الهويات الرقمية التي ستتحكم في مقدار إنفاقنا، وأين ننفق، وكم نأكل، وأين نأكل، وأين نعيش، ضمن نظام الائتمان الاجتماعي أو «النقاط العقابية». نفس الطريقة تُستخدم اليوم في العالم الغربي لإسقاط الغرب برمته. والإغلاق الحكومي الأمريكي الأخير، الذي تضرر منه ملايين المستضعفين، نموذج للانهيار القادم، الذي سيكون حجة لفرض الهوية الرقمية والعملة الرقمية، بحسب منظمات رسمية وحقوقية، منها «اتحاد الحريات المدنية» و»الخصوصية الدولية». يقول نيك بهاتيا البروفيسور والخبير المالي في كتاب بعنوان «طبقات المال»، 2025: «منذ الإمبراطورية الرومانية، استمدت أنظمة الحكم سلطتها وقوتها ليس فقط من السلاح، بل من سيطرتها على سك العملات». آنذاك كان التحكم في المال يتطلب جهوداً كبيرة لطبعه أو سكه ثم حفظه ونقله. الآن، في العصر الرقمي، سيتم التحكم في أموال العالم بضغطة زر، بحسب بهاتيا، الذي يرى أن المال الرقمي سيكون وسيلة سيطرة لدى الحكومات والبنوك المركزية أكثر منه مالا حقيقيا. وعندما يكون المال كله رقميا، لن تستطيع الناس استخدامه إلا بالهوية الرقمية، وبضغطة زر أيضا سيمكن محوه. هل يعني ذلك أن الأمل مفقود؟ ليس بعد. فقد تشكلت جماعات وحركات رفض وعصيان مدني في أكثر من بلد منها بريطانيا وأمريكا، مثل حركة «مقاومة النظام العالمي الجديد». كما أعلنت ولايات مثل مونتانا وفلوريدا رفضها الهوية الرقمية. وأول الرفض هو الوعي. لذلك أحسب أنه يجب أخذ الأمر بجدية، واعتباره خطرا حقيقيا وليس مزحة.. ففي ظل تلك الهوية الرقمية ستكون محتاجا لإذن أو تصريح في كل شيء تفعله. وأخشى أن يصبح أخذ نَفَسِكَ بتصريح. وهذه أيضا ليست مزحة. ففي كندا الآن محاولات لتخصيص المياه، وربما يتبعها الهواء. بل أخشى أن يصل الأمر إلى أن يُبتِّكوا آذان الإنسان، بعدما بتَّكوا بالفعل آذان الأنعام، انصياعا لأوامر الشيطان! وهذه بدورها ليست مزحة. فعندما تصبح لك هوية رقمية لن تختلف بالنسبة للنظام عن أي «شيء» آخر «كمي»، وأحسب أن تلك ستكون مرحلة «السايبورج» التي شرحناها سابقا، أو «ما بعد الإنسان». عندها سيمكنهم أن يحذفونا من الحياة كما يحذفون حسابات الفيسبوك وإكس ويوتيوب. ختاما، الشعار السائد في الغرب الآن هو «إذا اخترت الهوية الرقمية فسيكون ذلك خيارك الأخير»!.

414

| 02 ديسمبر 2025

شيء من الخوف!

الخوف؟ ما أدراك ما الخوف؟ على مدى عقود طويلة بعد الحرب العالمية الثانية ظل تعبير «سباق التسلح» يُقلق الجميع. كانت الشعوب أكبر المتضررين من نتائجه السلبية. ففي حال السباق المجرد تُستنزف الموارد بلا طائل. وفي حالة تفعيله حروبا تقليدية يعني الدمار والفقر والتخلف. وفي حالة تفجره حربا نووية يكون هلاك البشرية؛ ذلك الرعب الذي كانت تنعق به وسائل الإعلام، وخاصة خلال ما سمي بالحرب الباردة. لكن، وبمرور السنين، لم تحدث تلك الحرب النووية التي ما يزال الإعلام الغربي «يُخوِفُ» من قدومها بلا توقف. لم تحدث الحرب المهلكة للأخضر واليابس، وإنما حدث هلاك من نوع آخر «بطيء». إنفاق لا متناه على التسلح، وحروب تقليدية لا تتوقف، وفقر متزايد ومعاناة متفاقمة، وتخلف حضاري إنساني على مستويات عدة، برغم كل ما يبدو من تقدم تكنولوجي، لدرجة تجعل من المنطق القول إن السباق الحقيقي كان وما يزال سباقا نحو التخلف. العامل الأهم في «سباق التخلف» كان «صناعة الخوف» من القادم، بفزاعة سباق التسلح العبثي. فرغم نهاية الحرب الباردة المعلنة، لم يتوقف سباق التسلح. هذا ما يؤكده فريدريك وليام إنكدال في كتابه المهم «الهيمنة الكاملة: الديمقراطية الدكتاتورية في النظام العالمي الجديد»،(2022). بل هو يرى أن الحرب الباردة مستمرة بأشكال عدة. كما تؤكده الأرقام، فوفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغ الإنفاق العسكري العالمي في عام 2023، وحده، نحو 2.5 تريليون دولار. بينما يقدر حجم الإنفاق العسكري العالمي منذ الحرب الثانية بنحو 75 تريليون دولار. هذا يطرح سؤالا مهما، ماذا لو كان المقصود من البداية، فعلا، هو السباق نحو التخلف وليس نحو الهلاك النووي الشامل، ولماذا لا يكون سباق التخلف جزءا من خطط أعداء الإنسانية، لإسقاط النظم والحكومات، لصناعة حكومة عالمية، طرحها ساسة ومتنفذون كثيرون بينهم جاستن ترودو رئيس وزراء كندا السابق المتهم بتحويل كندا إلى «دولة خوف». في بيئة الخوف تلك تتساقط يوما بعد يوم أجزاء من القناع الذي تتخفى وراءه النخب ممثلة في الشركات العالمية لتنصيب حكومتها الواحدة المبتغاة. يحدث ذلك من خلال سياسات وتصريحات كان أحدثها تصريح لأليكس كارب المدير التنفيذي لشركة «بالانتير» يزين فيه مزايا إنشاء نظام حكم «عالمي» يراقب البشر؛ أو «امبراطورية خوف»، ليس فقط من التسلح، بل من الفقر والجوع والوباء، والحياة ذاتها! أكثر من جسد حالة الخوف العالمية تلك في ثقافتنا العربية كان العبقري ثروت أباظة بقصته القصيرة «شيء من الخوف»، 1960، التي صورت كيف يمكن أن يتحكم أصحاب القوة في الناس لدرجة الاستعباد في مجتمع ما، في أي مكان، وأي زمان. ومنحها تحويلها فليما سينمائيا (1969) تأثيرا مضاعفا نتيجة الإسقاطات السياسية والأداء الفني والموسيقي. لكن سباق التخلف مقرونا بالتطور التكنولوجي «الخبيث» أكد أن «شيء من الخوف» لم يكن حالة تخص مجتمعا واحدا بعينه، وزمانا بعينه، بل حالة عالمية مدروسة وممنهجة ومستمرة. ولم يكن أباظة استثناء في تناول تلك الفكرة. فما أكثر الذين كتبوا عن استغلال الخوف وسيلة لتركيع الشعوب، عبر التاريخ، بداية من إيتيان دي لا بواسيه وماكيافيللي وهوبز الذين تحدثوا قبل نحو 5 قرون عن الخوف من الأذى الجسدي، وكونه وسيلة لإخضاع الناس لسلطة حاكمة. مرورا بأورويل وهكسلي و»هانا أرندت» الذين صوروا صناعة الخوف كـ»نظام» يسلب الإرادة. وصولا إلى مشيل فوكو الذي بلور أفكار من سبقوه في أن الخوف من الرقابة المستمرة يؤدي إلى الخضوع الذاتي. وتظل «أرندت» أكثر من عبر عن الحالة التي جسدها معنى «شيء من الخوف» بقولها إنه (في بعض المجتمعات يصبح «الخوف هو الهواء» الذي يتنفسه الجميع، عندما يتحول التخويف من مجرد وسيلة قمع إلى جوهر للنظام ككل)! وهذا ما تناوله بنيامين باربر في كتابه «امبراطورية الخوف: الحرب والإرهاب والديمقراطية»، قائلا إن الإمبراطورية الأمريكية تقوم على الخوف، تحت غطاء الديمقراطية. هنا لا يمكن إغفال أفكار نعوم تشومسكي الذي قدم أمثلة عملية على استخدام الإعلام في «صناعة الإذعان» والخوف فيما تسمى الدول الديمقراطية الليبرالية. ولعلنا نلحظ التطبيق العملي لملاحظات تشومسكي في حالة الإغراق اليومي عبر وسائل التواصل التقليدية والحديثة من معلومات تزرع الخوف في قلوب الجميع من «القادم»، وتؤدي إلى ما سماه ستيفين هوكينج «نهاية التفكير النقدي» والاستسلام للأمر الواقع، وسماه آخرون «الغباء المجتمعي». ومن هؤلاء المفكر البريطاني جون ريس المناهض للحرب وسباق التسلح وله دراسة بعنوان «عصر الغباء الجماعي». لكن السؤال الآن: هل هذا «القادم» المخيف أمر حتمي، أم أن تجاربنا مع التخويف «الزائف» الممارس علينا منذ عقود طويلة يفترض أن يجعلنا أقل خوفا وقلقا؟ قديما قال دي لابواسييه في كتابه «العبودية المختارة»،(1576)، لا يحتاج الأمر إلا إلى التوقف عن الخوف.. أن نقول «لا». وحديثا يقول تيموثي سنايدر في كتابه «عن الطغيان»، 2021، إن الطغيان يُصنع ببطء عبر تنازلات يتبرع بها الناس نتيجة الكسل السياسي أو الطاعة الصامتة، ويضيف أن مقاومة الخوف تبدأ بأفعال صغيرة. والتجارب تؤكد ذلك. فالخوف قد ينكسر بمواقف غير متوقعة. فكما كان ظهور ضعف أحد أفراد عصابة «عتريس» في «شيء من الخوف» مؤذنا بانهيار نظامه تدريجيا، يمكن أن يكون حدث مثل فوز زهران ممداني بعمودية نيويورك عاملا مساعدا على زوال سلطة الدولة العميقة التي تزرع الرعب في العالم، وتجعل «شيء من الخوف» حالة عالمية.

444

| 25 نوفمبر 2025

في حديث الهوية.. على أمل الحرية

ما أكثر ما كُتب عن الهوية، ما هي، وما مواصفاتها وكيف تتشكل؟، وكأنها حلم سارح في الليالي المظلمات، أو وهم يجوب العقول الخاويات، أو سراب لا يصل إليه الظمآن حتى يجده ترابا أو حُلْما مات. الذين يبحثون عن الهوية هكذا لن يجدوها أبدا، لأن لا أحد يبحث عن الشمس وهي ساطعة في قلب النهار، ولا أحد يبحث عن الماء في وسط الأنهار، ولا أحد يبحث عن الدفء في وسط النار. الهوية باختصار، ومن وحي ما كُتب عنها، هي العلامة المميِّزة، أو السمت الواضح، أو ما يشتهر به الشخص أو الكيان أيا كان. ومن أهم شرائط تحققها الاستمرارية والشهرة. فلا هوية لحالة طارئة. ولا يمكن وصف هوية خفية. وعندما تعرف هوية خفية لفرد أو جماعة أو كيان تكون قد خرجت من الكتمان إلى العلن. مثلا، الكيان الصهيوني بات معروفا الآن في كل مكان في العالم بأنه «كيان إرهابي» مهما أنكر وحاول الإخفاء. وهنا تنقسم الهوية هويتين، واحدة حقيقية وأخرى غير حقيقية (مزورة، أو متخيلة أو مشوهة). وادعاء الهوية أو تخيلها لا يفيد. تماما مثل شخص مريض، وتبدو عليه كل أعراض المرض، ثم ينكر كونه مريضا. هنا لا يفيد نفيه عند من يرونه مريضا. أو كشخص يظن أنه ضخم وقوي وعظيم بينما يراه الجميع مجرد قزم. الهوية المشوهة أيضا لا تدوم ومصيرها التغير المستمر (سلبا وإيجابا). والهوية ليست بالضرورة شيئا تبلوره الكلمات والعبارات، ولا تحدده المراسيم والقرارات، ولا تعتمده الهيئات والمنظمات، بل يفرضه الواقع والتجليات. وعندما يتعلق الأمر بجماعة أو وطن أو أمة تتحدد الهوية من خلال سلوك الأغلبية مهما حاول البعض (النُخب مثلا) التلاعب بصفات وواقع تلك الأغلبية. فالهوية هي نبض الحياة في كل تفاصيلها. مزيج من الماضي والحاضر، من الواقع والتصورات، من الآمال والطموحات. لكن تتضح معالمها وتتحدد صورتها ويتبلور شكلها عندما تجد المساحة الكافية للتجسد، بلا قمع أو قهر يَسلب الحرية ويُخضِعُ للاحتلال. في هذا العالم الأسير لدى النُخب صار الفرد يُحتل كما تُحتل الدول. صارت الهوية الوحيدة المسموح بها هي «اللا هوية»، أو «الهوية الرقمية» لا فارق كبيرا (وهذه سنناقشها لاحقا).. فنحن البشر أو البشرية شعوب بلا هوية، أو هكذا يراد لنا. لأننا، شرقا وغربا، محتلون نفسيا وماديا. وأحسب أن سؤال الهوية ذاك يطرحه البعض بصدق أو سذاجة. ولكن يطرحه آخرون بخبث ومكر ودهاء. فلا يسأل عن شيء واضح وضوح الشمس إلا من يريد نفيه أو طمسه. واستغرب من الذين ما يزالون يصرون على استخدام كلمة «نحن» هكذا بلا ضابط، ويطلقونها جذافا على أمة بأسرها أو شعب بأكمله دون تمييز بين حاكميه ومحكوميه وبين مؤتمنيه وخائنيه، وإن كان حرا أو محتلا. ثم يطالبون الشعوب هكذا جذافا أيضا بالبحث عن هوية. وما ذاك إلا عملية استغباء أو جلد للذات على أحسن الفروض. فهل يطالَب العبد المحتل المقيد أو يخاطَب بـ «افعل ولا تفعل» إلا من صاحبه ومالكه. أليس من الضلال مخاطبة العبد وكأنه حر، ولومه وتقريعه على سلبيته وتقصيره. أليس من الإنصاف أولا تحريره من أسره بدلا من نصحه بالبحث عن هوية بينما هويته مسلوبة ومشوهة. ألا ينبغي قبل ذلك الاعتراف بأنه عبد ومحتل. على مر التاريخ لم تكن للعبيد هوية مستقلة. ولم يكونوا يُعرفون بأسمائهم المجردة وإنما بفلان عبد فلان. هم كانوا أتباع أسيادهم. وكذلك الخاضعون للاحتلال، ليست لهم هوية خاصة بهم. ولا أشك أن «الأسياد» عندما يجتمعون يذكرونهم كما كان يُذكر عبيد الماضي. ألم يحدث ذلك فعلا بعد «سايكس بيكو» وكان يشار إلى مناطقنا في الخرائط بعبارات «انتداب فرنسي» و»انتداب بريطاني»، وهكذا. أليست الليلة أشبه بالبارحة؟! هنا تتبلور الفكرة بين قوى تحاول محو الهوية، وشعوب يتوقف على وعيها مدى نجاح أو فشل تلك المحاولات. والذين ما يزالون يبحثون عن الهوية هكذا بلا تمييز ولا تدقيق، هم إما مغيبون أو عابثون. فالأمور باتت واضحة. قد تبين الرشد من الغي؛ لا هوية بلا حرية ولا حرية بلا مقاومة ولا مقاومة بلا تضحية. والتضحية لا تستثني الموت. قديما كانت الحرية تقيد بتوثيق الأيدي والأقدام. ولكن، في عصر الهوية الرقمية لم تعد القيود فقط على الأيدي والأقدام، ولكن على القلوب والعقول والأفهام. هنا تصبح الهوية الحقيقية هي الانعتاق والحرية. وهذه قد لا تُنال إلا بالموت لأجلها أو على الأقل الاستعداد للموت لأجلها. أوليس الذين ضحوا بأرواحهم في غزة كتبوا شهادة هويتهم بالموت؟. أوليس الذين بقوا هناك رغم يوميات الموت المعلن كتبوا هوياتهم بالاستعداد للموت؟. وليس في غزة وحدها طريق الموت هو طريق الحياة. والموت هنا ليس نهاية القصة، فهو الطريق إلى الحرية وتأكيد الهوية أو ما هو أفضل. وإذا كانت الهوية في أسمى تجلياتها لا تُنال إلا بالحرية، والحرية لا تنال إلا بالموت، أو بالاستعداد له، ألا تصبح الهوية هنا هي الموت، أو مرادفا له؟. لذا علينا أن نعيش على أمل الحرية على أمل الموت.

411

| 18 نوفمبر 2025

من غزة إلى الفاشر.. فتش عن إسرائيل

هل تذكرون إيجال عمير، وماذا فعل.. ولماذا؟ في الرابع من نوفمبر 1995 اغتيل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين، الذي وصف وقتها بمهندس عملية السلام في الشرق الأوسط. في ختام مظاهرة دعم لاتفاقيات أوسلو (سبتمبر 1993)، قتل رابين بثلاث رصاصات أطلقها شاب يهودي لم يتجاوز عمره وقتها 25 عاما، وكان ينتمي لما يسمى اليمين المتطرف في المسرح السياسي الإسرائيلي. اغتيل رابين وهو يدافع ومؤيدوه عن السلام، الذي صنعه مع الفلسطينيين، في تل أبيب، وبأيدٍ صهيونية، وكان قاتله هو إيجال عمير. بينما كان العالم، وخاصة المهتمين بالقضية، يستعدون لتنفس الصعداء للخطوة الكبيرة التي تحققت على طريق إنهاء الصراع الطويل والمرير، كان هناك في إسرائيل ذاتها من ليسوا سعداء بذاك السلام- برغم كل التحفظات عليه من الجانب الفلسطيني العربي - ولا يريدون له النجاح ولا الاستمرار، ويعتبرونه «هرطقة». فكان عمير وكان اغتيال رابين ومعه عملية السلام التي لم ترَ أي تقدم حقيقي بعده. كان ذلك مصداقا لما أكده لي، في العام 1989، السير جيمس بالاسير، الرئيس الأسبق لمعهد لندن للدراسات السياسية والإستراتيجية، في حوار صحفي في مدينة سالزبورغ النمساوية. قال لي سير بالاسير على هامش ندوة دولية في أوائل سبتمبر من ذلك العام، إن إسرائيل لن تمنح العرب أي شيء حقيقي بعد «الدرس الذي تعلمته من اتفاقات كامب ديفيد بينها وبين مصر»، وأنهم باتوا يخشون السلام. في مشهد آخر أكثر خطورة وارتباطا هنا، كان أحد أكبر المتهمين بالتواطؤ والتحريض على اغتيال رابين هو نفسه بنيامين نتنياهو، زعيم المعارضة وقتها، مجرم الحرب الهارب من وجه العدالة الدولية، الآن، والذي يقود مسيرة الإرهاب الصهيوني منذ ذلك الحين وحتى الآن. عند اغتيال رابين كان نتنياهو يقود مسيرات تهتف بموت رابين، وتحمل حبل مشنقة، ونعشا رمزيا له. وكان ذلك وسط لقاءات، ظهرت له أخيرا فيديوهات، تجمعه مع حاخامات يطالبونه بفعل كل ما يستطيع للإسراع بقدوم المسيح المنتظر بحسب اعتقاداتهم. وبعد أشهر قليلة على اغتيال رابين تم انتخاب نتنياهو رئيسا للوزراء في يونيو 1996، ولم يترك الساحة السياسية منذئذ في مناصب مختلفة. في ذلك الوقت، وقبل أن تجف دماء رابين، ردد المتظاهرون المؤيدون للسلام اتهامات لنتنياهو بالضلوع في اغتياله، وحملوا لافتات تقول: «نتنياهو.. دماء رابين على يديك». وعلى مر السنين ظلت تلك الاتهامات تلاحق شيطانياهو. وكان من أحدثها اتهامات وجهتها ميراف ميخائيلي، رئيسة حزب العمل، أواخر العام 2022، لنتنياهو بالتواطؤ في اغتيال رابين، الذي تحل ذكراه الثلاثين خلال أيام. والغريب أن ميخائيلي أضافت إلى نتنياهو في قائمة الاتهام إرهابيا آخر في حكومته هو إيتمار بن غفير، الذي ضبط متلبسا وقتها، وكان لا يزال مراهقا، وهو يسرق شعارا من سيارة رابين قبل وقت قصير من الاغتيال. ثم يقول متباهيا لمراسل تلفزيوني: «لقد وصلنا إلى سيارته، وسنصل إليه أيضًا»، بحسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل». هناك في ذلك الوقت تشكلت في الكيان طبقة سياسية أو بالأدق «عصابة»، هدفها الوحيد هو تسريع عملية الإفساد في الأرض. ومنذئذ لا يزال إرهاب نتنياهو وعصابته من «الصهاينة الجدد» يتوسع محليا وإقليميا ودوليا، في إطار خططهم لتنفيذ ما يسمونه إسرائيل الكبرى، التي لا تخرج عن كونها جزءا من إفسادهم الثاني وعلوهم الكبير. فبالإضافة إلى ساحات ممارسة إرهابهم من غزة إلى الضفة إلى لبنان وسوريا وإيران، هناك ساحة أخرى لا يلتفت إليها كثيرون هي السودان. فبينما يواصل نتنياهو التلاعب باتفاق شرم الشيخ لوقف الحرب في غزة، يمتد إرهابه إلى السودان ويواصل تأجيج الحرب الأهلية فيها، إذ كشفت مصادر ليبية رفيعة أن عناصر الموساد تنتشر في الشرق الليبي من بنغازي إلى الكُفْرة لتقديم المساعدة لقوات المتمرد حميدتي. وليس ذلك بجديد، فخلال العامين الماضيين، أكدت مواقع إسرائيلية منها موقعا «واللا» و»هآرتس» ومواقع دولية منها «أكسيوس»، تقديم إسرائيل مساعدات عسكرية وتقنية، مباشرة، لقوات حميدتي، المسماة بقوات الدعم السريع، والذي أوكل لشقيقه عبدالرحيم دجلو مهمة التواصل مع الموساد، قام ضمنها، الأخير، بزيارات علنية لتل أبيب. هذا بخلاف الدعم الذي تقدمه إسرائيل لحميدتي عبر دول أخرى اتهمها السودان الرسمي علنا في المحافل الدولية وعلى رأسها مجلس الأمن. وكان أحدث تلك الاتهامات على لسان وزير المالية السوداني د. جبريل إبراهيم، الذي أكد أن ما حدث في الفاشر فاعله الحقيقي هو الغرب والصهاينة وأتباعهم. وبعيدا عن الاتهامات الرسمية أو المبطنة للكيان فإن طبيعة الجرائم التي ترتكبها عصابات حميدتي وحجمها وبشاعتها، لا تشبهها إلا جرائم عصابة شيطانياهو. والأمثلة على ذلك كثيرة بداية من دير ياسين وصبرا وشاتيلا، وغزة، والحبل على الجرار. وهذا كله فصل آخر من فصول تدخلات صهيونية كثيرة في السودان كان من أخطرها فصل الجنوب السوداني، في العام 2011. الخلاصة، أن قصة إيجال عمير وما تلاها من تصعيد الإرهاب الصهيوني الإسرائيلي، دائم الاستعار، لم تأتِ من فراغ، وإنما من قناعة أصيلة لدى هؤلاء الصهاينة بأنهم كالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله. فما إن تتوقف حربهم على الخارج حتى تبدأ حربهم في الداخل فيما بين بعضهم البعض. وما أكثر ما قيل عن أن نهاية الحرب لن تعني لنتنياهو إلا أحد أمرين، إما السجن أو القتل، كما فعل برابين.. وكما تدين تُدان.

537

| 11 نوفمبر 2025

حاكموا نتنياهو.. يخلُ لكم وجه العالم!

في أحدث أعدادها نشرت مجلة «فورين أفيرز» تقريرا مطولا بعنوان «اتفاق غزة ليس أكبر من أن يفشل» وعدد التقرير أسبابا كثيرة لاحتمالات فشل الاتفاق الذي وقع في شرم الشيخ المصرية أخيراً. ومن بين الأسباب التي ذكرها التقرير لترجيح احتمال فشل الاتقاق، أن نتنياهو، أو شيطان ياهو، وفي سعيه لتهدئة الجناح اليميني، في عصابته، وضمان بقائه السياسي، قد يميل إلى استئناف الحرب على «حماس» بعد انتهاء عملية إطلاق سراح الرهائن، والجثامين، وقد يعرقل وصول المساعدات الإنسانية المفيدة مرة أخرى. وقد يهاجم إيران مجددا لتحويل الأنظار عما يعتبره استكمال المهمة في غزة. وكل هذه بالطبع ذرائع محتملة بل ووارد استغلالها من قبل شيطان ياهو. لكن الذي لم تذكره المجلة في تقريرها وهو الأهم أن هذه هي عادة وطبع الصهاينة من ناحية وأن مشروع إسرائيل الكبرى، قد بدأ للتو يدخل مراحله التنفيذية الكبيرة أو شبه النهائية. أما عن خيانة العهود ونقضها فهذه باتت من البديهيات التي لا يجادل فيها إنسانٌ سويٌ حتى في بلاد الغرب والشرق البعيد بعدما أظهرت لهم عملية الإبادة الجماعية في غزة حقيقة هذا الكيان الشرير بأوضح ما يكون. ويكفي أن نذكر هنا فقط خيانتهم للعهد مع الله ذاته وجدالهم في أوامره وتحايلهم لتجنب الالتزام بنواهيه.. وللعلم فقد انتهك الكيان اتفاق وقف الحرب نحو خمسين مرة خلال الأيام العشرة التالية لتوقيعه مباشرة. وأما عن خطتهم الشيطانية الأكبر فهي تلك المتعلقة بالتوسع المتواصل الذي لن يقف حتى عند ما يسمى حدود اسرائيل الكبرى، التي يظن البعض أن الكيان قد تخلى عنها لمجرد اضطراره لوقف الحرب مؤقتا حتى يعيد بناء جيشه الذي مزقته المقاومة. فقد تبدو غزة مدمرة جغرافيا لكنها سليمة معنويا ونفسيا بانتصارها. وقد تبدو تل أبيب سليمة جغرافيا لكنها مدمرة معنويا بهزيمتها النفسية وخسارتها للحرب بالمقياس العسكري السليم. هذا مع الأخذ في الاعتبار أن الكيان لم ولن يعلن عن حجم الدمار الحقيقي الذي لحق بقدراته العسكرية والمدنية معنويا وماديا. تلك الخطة يتطلب تنفيذها كثيرا من الحروب، بحسب منظريهم، مثل بيرنارد لويس، ورالف بيتر وغيرهما، بل و»إراقة دماء كثيرة».. قدروها بالملايين. وعندما تنتهي فترة الاستراحة سيستأنف شيطان ياهو وعصابته محاولاتهم لتنفيذها. المؤسف أن هذه الخطة قادمة لا محالة ولا يجدي معها أن نضع رؤوسنا في الرمال مثل النعام. وقد أعلنها شيطان ياهو رسميا وعمليا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر 2023 بعرضه «خريطة لإسرائيل تتضمن غزة والضفة». وهي ليست سوى جزء من خطة يتبناها اليمين الإسرائيلي المتشدد. وطرحها زعيم حزب «البيت اليهودي» المتطرف بتسالئيل سموتريتش عام 2016، وكان حينها عضوا في الكنيست، مشيرا في مقابلة تلفزيونية إلى أن «حدود إسرائيل يجب أن تمتدّ لتشمل دمشق، وأجزاء من ست دول عربية هي سوريا ولبنان والأردن والعراق وجزء من مصر ومن السعودية، لتحقيق الحلم الصهيوني من النيل حتى الفرات». كل هذا يقوده شيطان ياهو مجرم الحرب المطلوب للعدالة أمام محكمة لاهاي. وربما يكون، من أضعف الإيمان، لوقف تلك المؤامرات، وإنقاذ اتفاق شرم الشيخ أيضا، الضغط بكل ما يمكن من صلاحيات رسمية وشعبية لتعجيل عملية تقديمه للمحاكمة، خاصة بعدما تزايد عدد مؤيديها وأكدت دول عدة بينها كندا استعدادها لاعتقاله إن حل في أراضيها. ومع اقتراب انتخابات عمدة نيويورك التي تجري بعد أيام (4 نوفمبر) ويرجح بشدة أن يفوز فيها زهران ممداني الذي تعهد باعتقال شيطان ياهو حال قدومه إلى نيويورك، وما أكثر ما يحضر إليها. ويشجع على ذلك أيضا أن محكمة لاهاي رفضت قبل أيام وللمرة الثانية خلال نحو 3 أشهر طلبا إسرائيليا لإلغاء المحاكمة. لقد حول شيطان ياهو غزة إلى مقبرة كبيرة وما يزال يواصل مهمة دفنها بالكامل، ولا يمكن للسلام الفعلي أن يتحقق، ولا يمكن أن يخلو وجه العالم من الظلم بدون تحقق العدالة. ولن تتحقق العدالة إلا بالقصاص من المجرمين القتلة، أمثال نتنياهو الذي ضبط متلبسا بالسعي لاستغلال وسائل التواصل وخاصة منصة إكس لشغل العالم بأكاذيبه وإخفاء جرائمه. ما يشجع على التمسك بالأمل هو أن جبهة شيطان ياهو الداخلية آخذة في التصدع، في وقت يسعى لطيّ صفحة جرائمه البشعة، ويريد أن ينسى الجميع الفظائع التي ارتكبها في غزة، والتي لم تسلم منها حتى دولة قطر، بينما يستعد للانتخابات القادمة في إسرائيل (حيث يستعد للترشح للمنصب مجددا). لكن العالم بأسره يعرف الحقيقة، ويعرف أن مكان نتنياهو هو قفص الاتهام في لاهاي حيث يجب أن يحاكم حتى تتحقق العدالة. وقد بدأت مسيرة زواله بإعلان أحد أقرب المقربين له وهو رون ديرمر نيته الاستقالة من منصبه، إضافة لاستقالة أحد أكبر مساعديه وهو تساحي هنغبي، وأيضا استقالة وزراء حزب شاس من حكومته. وكل ذلك على وقع محاكمته الداخلية الهزلية المستمرة منذ نحو خمس سنوات وطال أمدها وآن أن تصبح محاكمة حقيقية ودولية. هم قالوا قديما «اقتلوا يوسف يخلُ لكم وجه أبيكم».. ونحن نقول فقط «حاكموا نتنياهو يخلُ لكم وجه العالم»، وتتحقق العدالة.

693

| 28 أكتوبر 2025

حدث في غرفة الساونا...!

في غرفة الساونا تلك الغرفة الدافئة بالبخار الساخن، المصنوعة بالكامل من الخشب، ومحكمة الإغلاق بحيث لا يدخلها أي هواء بارد.. يجلس رجلان، أنا ثالثهما، صامتين. فجأة يبدأ أحدهما، وقد اقترب عمره من الستين، بالشكوى من غلاء الأسعار وتزايد صعوبة المعيشة- مع أنه نظريا، وقد أمكنه دفع رسوم الساونا والنادي الرياضي، يفترض ألا يشكو الغلاء بصفة عامة. على كل حال، يرد الرجل الثاني، وقد بدا في أوائل الأربعينيات، موافقا ويحكي عن الفارق الكبير بين اليوم والأمس، وكيف أنه مثل كثير من بني جيله، لم يستطع شراء بيت خاص له رغم عمله المتواصل في أكثر من وظيفة- ألا يذكركم هذا بحال الشباب في كثير من دولنا العربية- وأنه بعد جهد جهيد ومساعدات من بعض الأهل لم يتمكن إلا من شراء (traliler) أي حاوية أو حافلة كبيرة تستخدم للنوم خلال الرحلات والتخييم. بعد قليل يعود الرجل الستيني للكلام لتبدأ القصة الحقيقية. يقول، ولم يلحظ بعد أنني لست أبيض بالعرق، وإن كنت أكثر بياضا منه بالخلقة، يقول: تعرفون أيها الرجال أن كل مشاكلنا بسبب (The Browns) «الملونين»، قاصدا بذلك المهاجرين الجدد بصفة خاصة، مفرقا بذلك بيننا «نحن البيض» وبين الآخرين الذين هم من ذوي البشرة الداكنة بدرجاتها المختلفة، ما عدا السود، وكاشفا عن جهل مدهش، ومستوى مفزع من العنصرية المقيتة التي صُنعت كما ذكرت سابقا في معابد العلم الحديثة المسماة جامعات ومراكز أبحاث الغرب. وقبل أن نكمل القصة دعوني أشرح لكم من أين جاءت هذه العنصرية. بحسب البروفيسور مارشال بايير أستاذ مادة العلاقات الدولية بجامعة ماكماستر، فإن العالم بعد الحرب العالمية الثانية تم تنظيمه ليكون السيد فيه هو الرجل، الأنجلوساكسوني، القوي، وقبل كل ذلك، الأبيض، بحيث تكون بقية البشر خادمين وتبعا له. هنا تدخلت في الحوار، وأنا الذي درست في معابدهم، أقصد في جامعاتهم، وعرفت الكثير من أسرارهم، قائلاً: سيدي أنا أتفهم ما تقول ولكن «الملونين» حسب وصفك ليسوا هم المشكلة. المشكلة الحقيقية هي النظام الذي يسمح لرأس المال بالتحكم في مصائرنا، والذي أصبح منذ زمن بعيد هو الذي يعين الحكومات. والحكومات توقفت بناء على توجيهاته، عن أداء أدوار كثيرة يجب عليها القيام بها وعلى رأسها تطوير البنية التحتية بشكل مستمر يتناسب مع الزيادة السكانية التي يفترض أن تزيد المجتمع نجاحا وازدهارا. وبفرض أنها لا تحقق هذا الهدف فكيف تلوم القادم ولا تلوم من استقدمه بكامل إرادته. وهنا تنبه الرجل بالطبع إلى أنني لست أبيض خالصا، بحسب التوصيف العنصري المقدس في العلوم السياسية، مرددا عبارات تدل على الاعتذار غير المباشر، وهنا أيضا تدخل «الأربعيني» موافقا معي قائلا: «إن الشركات الكبرى، التي باتت تملك كل شيء تقريبا - نتيجة الخصخصة- لدرجة تجعل الحكومة مجرد سكرتارية لتلك الشركات- هي السبب الفعلي وراء المشكلات المجتمعية فقد تمكنت تلك الشركات من إخضاع المسؤولين الحكوميين وجعلهم ينفذون مصالحها هي وليس مصالح الشعب». عندها عاد «الستيني» ليستدرك، وكأنه شعر بالهزيمة، قائلا: «ولكن المهاجرين الجدد هؤلاء ليسوا متحضرين ويسببون مشاكل كثيرة، هم وأبناؤهم». هنا يرد الأربعيني، مائلا نحوه، ليقول إن المشكلة تكمن في الآباء والأمهات بدرجة أكبر. وقبل أن يكمل تدخلت مرة أخرى لأقول لهما إن مشاكلنا الحالية ليست وليدة عام مضى أو عامين ولا حتى عقد أو عقدين، ولكنها نتيجة تخطيط عبدة المال ومالكي الشركات الكبرى لتخريب المجتمعات، وإذا كنتم تتحدثون عن سلوكيات الأبناء والآباء والأمهات فهذا ليس قصرا ولا حصرا على «الملونين»، فمشكلة التفكك الأسري يعاني منها الجميع. وهو أمر دبره من يقفون وراء الشركات الكبرى لتدمير الأسرة، ووضع الابن في مواجهة أبيه كندٍ وكعدو أحيانا وتدمير النسيج المجتمعي والتفريق بين مكونات ذاك النسيج ووضع البيض في مواجهة السود والملونين، وقِس على ذلك تصنيفات عنصرية لا حصر لها. وليس خطأ الملونين أن القائمين على الأمر قرروا منذ سنوات وبطرق تناقض أي منطق وأي عقل، إغلاق العديد من المدارس وتحويلها إلى مراكز لهو وألعاب، وتقليل أعداد المدرسين والأطباء بصفة خاصة مع رفع الرسوم الدراسية الجامعية لتصعيب تخريج مثل هؤلاء، مع أن المنطق يقتضي زيادة أعداد المدارس والمشافي والمدرسين والأطباء لاستيعاب الزيادة السكانية المحلية والوافدة. وليس خطأ «الملونين» أن الحكومات تقتل الماشية وتقضي على الزراعة فتحدث الندرة في اللحوم والألبان والخضراوات، فترتفع الأسعار. هنا عاد الستيني ليناقض نفسه، ويذهب عكس ما بدأ به قائلاً: ولكن أليس العادي أن ترتفع الأسعار باستمرار، لأعاجله بالقول لا يا سيدي. ألم يعدنا هؤلاء بلا انقطاع منذ نحو سبعة عقود بأن الرأسمالية والعلم والتكنولوجيا مفاتيح الرفاهية والسعادة في الحياة وأن تقدم التكنولوجيا يعني الإنتاج الضخم والوفرة، وسهولة الحياة للجميع ووعود كثيرة من هذا القبيل أم انك نسيت؟! لا أظنك لم تسمع بهذا لأن آلاتهم الدعائية المسماة بالإعلام تبث هذا الهراء بلا توقف.. وهم لا يزالون يعدوننا بالوفرة والرخاء عندما تكتمل خططهم لتنفيذ سياسة العملة الرقمية والهوية الرقمية، التي يؤكد خبراء كثيرون أنها لن تعني إلا الاستعباد الكامل والفعلي للبشر.. وهنا انتهى الوقت ولزم على الجميع مغادرة غرفة الساونا.

528

| 02 أكتوبر 2025

alsharq
إلى من ينتظرون الفرد المخلص

سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...

8646

| 08 مارس 2026

alsharq
الخليج ليس ساحة حرب

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...

4599

| 09 مارس 2026

alsharq
مواطن ومقيم

من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...

1431

| 11 مارس 2026

alsharq
«التقاعد المرن».. حين تكون الحكمة أغلى من «تاريخ الميلاد»

حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...

1254

| 11 مارس 2026

alsharq
العقل العربي والخليج.. بين عقدة العداء لأمريكا وغياب قراءة الواقع

أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...

1065

| 11 مارس 2026

alsharq
الخليج محمي

وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...

960

| 10 مارس 2026

alsharq
التجربة القطرية في إدارة الأزمات

عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...

849

| 09 مارس 2026

alsharq
فلنرحم الوطن.. ولننصف المواطن والمقيم

عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...

744

| 12 مارس 2026

alsharq
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...

660

| 12 مارس 2026

alsharq
إعادة ضبط البوصلة

ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...

657

| 13 مارس 2026

alsharq
قطر.. «جاهزية دولة» عند الأزمات

-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...

639

| 08 مارس 2026

alsharq
مضيق هرمز والغاز الطبيعي وأهمية البدائل

لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة اقتصادية، بل...

573

| 14 مارس 2026

أخبار محلية