رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عصام بيومي

إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية

مساحة إعلانية

مقالات

504

عصام بيومي

في حديث الهوية.. على أمل الحرية

18 نوفمبر 2025 , 02:39ص

ما أكثر ما كُتب عن الهوية، ما هي، وما مواصفاتها وكيف تتشكل؟، وكأنها حلم سارح في الليالي المظلمات، أو وهم يجوب العقول الخاويات، أو سراب لا يصل إليه الظمآن حتى يجده ترابا أو حُلْما مات. الذين يبحثون عن الهوية هكذا لن يجدوها أبدا، لأن لا أحد يبحث عن الشمس وهي ساطعة في قلب النهار، ولا أحد يبحث عن الماء في وسط الأنهار، ولا أحد يبحث عن الدفء في وسط النار. 

الهوية باختصار، ومن وحي ما كُتب عنها، هي العلامة المميِّزة، أو السمت الواضح، أو ما يشتهر به الشخص أو الكيان أيا كان. ومن أهم شرائط تحققها الاستمرارية والشهرة. فلا هوية لحالة طارئة. ولا يمكن وصف هوية خفية. وعندما تعرف هوية خفية لفرد أو جماعة أو كيان تكون قد خرجت من الكتمان إلى العلن. مثلا، الكيان الصهيوني بات معروفا الآن في كل مكان في العالم بأنه «كيان إرهابي» مهما أنكر وحاول الإخفاء.  وهنا تنقسم الهوية هويتين، واحدة حقيقية وأخرى غير حقيقية (مزورة، أو متخيلة أو مشوهة). وادعاء الهوية أو تخيلها لا يفيد. تماما مثل شخص مريض، وتبدو عليه كل أعراض المرض، ثم ينكر كونه مريضا. هنا لا يفيد نفيه عند من يرونه مريضا. أو كشخص يظن أنه ضخم وقوي وعظيم بينما يراه الجميع مجرد قزم. الهوية المشوهة أيضا لا تدوم ومصيرها التغير المستمر (سلبا وإيجابا). والهوية ليست بالضرورة شيئا تبلوره الكلمات والعبارات، ولا تحدده المراسيم والقرارات، ولا تعتمده الهيئات والمنظمات، بل يفرضه الواقع والتجليات. 

وعندما يتعلق الأمر بجماعة أو وطن أو أمة تتحدد الهوية من خلال سلوك الأغلبية مهما حاول البعض (النُخب مثلا) التلاعب بصفات وواقع تلك الأغلبية. فالهوية هي نبض الحياة في كل تفاصيلها. مزيج من الماضي والحاضر، من الواقع والتصورات، من الآمال والطموحات. لكن تتضح معالمها وتتحدد صورتها ويتبلور شكلها عندما تجد المساحة الكافية للتجسد، بلا قمع أو قهر يَسلب الحرية ويُخضِعُ للاحتلال. في هذا العالم الأسير لدى النُخب صار الفرد يُحتل كما تُحتل الدول. صارت الهوية الوحيدة المسموح بها هي «اللا هوية»، أو «الهوية الرقمية» لا فارق كبيرا (وهذه سنناقشها لاحقا).. فنحن البشر أو البشرية شعوب بلا هوية، أو هكذا يراد لنا. لأننا، شرقا وغربا، محتلون نفسيا وماديا. 

 وأحسب أن سؤال الهوية ذاك يطرحه البعض بصدق أو سذاجة. ولكن يطرحه آخرون بخبث ومكر ودهاء. فلا يسأل عن شيء واضح وضوح الشمس إلا من يريد نفيه أو طمسه. واستغرب من الذين ما يزالون يصرون على استخدام كلمة «نحن» هكذا بلا ضابط، ويطلقونها جذافا على أمة بأسرها أو شعب بأكمله دون تمييز بين حاكميه ومحكوميه وبين مؤتمنيه وخائنيه، وإن كان حرا أو محتلا. ثم يطالبون الشعوب هكذا جذافا أيضا بالبحث عن هوية. وما ذاك إلا عملية استغباء أو جلد للذات على أحسن الفروض. 

فهل يطالَب العبد المحتل المقيد أو يخاطَب بـ «افعل ولا تفعل» إلا من صاحبه ومالكه. أليس من الضلال مخاطبة العبد وكأنه حر، ولومه وتقريعه على سلبيته وتقصيره. أليس من الإنصاف أولا تحريره من أسره بدلا من نصحه بالبحث عن هوية بينما هويته مسلوبة ومشوهة. ألا ينبغي قبل ذلك الاعتراف بأنه عبد ومحتل. على مر التاريخ لم تكن للعبيد هوية مستقلة. ولم يكونوا يُعرفون بأسمائهم المجردة وإنما بفلان عبد فلان. هم كانوا أتباع أسيادهم. وكذلك الخاضعون للاحتلال، ليست لهم هوية خاصة بهم. ولا أشك أن «الأسياد» عندما يجتمعون يذكرونهم كما كان يُذكر عبيد الماضي. ألم يحدث ذلك فعلا بعد «سايكس بيكو» وكان يشار إلى مناطقنا في الخرائط بعبارات «انتداب فرنسي» و»انتداب بريطاني»، وهكذا. أليست الليلة أشبه بالبارحة؟!

هنا تتبلور الفكرة بين قوى تحاول محو الهوية، وشعوب يتوقف على وعيها مدى نجاح أو فشل تلك المحاولات. والذين ما يزالون يبحثون عن الهوية هكذا بلا تمييز ولا تدقيق، هم إما مغيبون أو عابثون. فالأمور باتت واضحة. قد تبين الرشد من الغي؛ لا هوية بلا حرية ولا حرية بلا مقاومة ولا مقاومة بلا تضحية. والتضحية لا تستثني الموت. قديما كانت الحرية تقيد بتوثيق الأيدي والأقدام. ولكن، في عصر الهوية الرقمية لم تعد القيود فقط على الأيدي والأقدام، ولكن على القلوب والعقول والأفهام. هنا تصبح الهوية الحقيقية هي الانعتاق والحرية. وهذه قد لا تُنال إلا بالموت لأجلها أو على الأقل الاستعداد للموت لأجلها. أوليس الذين ضحوا بأرواحهم في غزة كتبوا شهادة هويتهم بالموت؟. أوليس الذين بقوا هناك رغم يوميات الموت المعلن كتبوا هوياتهم بالاستعداد للموت؟. وليس في غزة وحدها طريق الموت هو طريق الحياة. والموت هنا ليس نهاية القصة، فهو الطريق إلى الحرية وتأكيد الهوية أو ما هو أفضل.

وإذا كانت الهوية في أسمى تجلياتها لا تُنال إلا بالحرية، والحرية لا تنال إلا بالموت، أو بالاستعداد له، ألا تصبح الهوية هنا هي الموت، أو مرادفا له؟. لذا علينا أن نعيش على أمل الحرية على أمل الموت.

اقرأ المزيد

النور علم! النور علم!

يشَكَوتُ إِلى وَكِيعٍ سوءَ حِفظي فَأرشَدني إِلى تَركِ المَعاصي وأخبرني بِأنَّ العلمَ نـــــــــورٌ ونورُ اللّهِ لا يُهدى لِعـــاصي... اقرأ المزيد

414

| 27 مايو 2026

الخليج بين نارين الخليج بين نارين

لا شك أن إيران تمثل خطرا لا يستهان به. ولا شك أيضا أن الكيان الصهيوني بكل أذرعه الإرهابية... اقرأ المزيد

783

| 10 مارس 2026

حرب إيران وصراع الهيمنة.. خيوط متشابكة! حرب إيران وصراع الهيمنة.. خيوط متشابكة!

لم تضيّع أمريكا ترامب وقتا في الإجابة عن السؤال الذي ختمت به مقالي السابق. اختارت طوعا، فيما يبدو،... اقرأ المزيد

1023

| 03 مارس 2026

مساحة إعلانية