رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في غرفة الساونا تلك الغرفة الدافئة بالبخار الساخن، المصنوعة بالكامل من الخشب، ومحكمة الإغلاق بحيث لا يدخلها أي هواء بارد.. يجلس رجلان، أنا ثالثهما، صامتين. فجأة يبدأ أحدهما، وقد اقترب عمره من الستين، بالشكوى من غلاء الأسعار وتزايد صعوبة المعيشة- مع أنه نظريا، وقد أمكنه دفع رسوم الساونا والنادي الرياضي، يفترض ألا يشكو الغلاء بصفة عامة. على كل حال، يرد الرجل الثاني، وقد بدا في أوائل الأربعينيات، موافقا ويحكي عن الفارق الكبير بين اليوم والأمس، وكيف أنه مثل كثير من بني جيله، لم يستطع شراء بيت خاص له رغم عمله المتواصل في أكثر من وظيفة- ألا يذكركم هذا بحال الشباب في كثير من دولنا العربية- وأنه بعد جهد جهيد ومساعدات من بعض الأهل لم يتمكن إلا من شراء (traliler) أي حاوية أو حافلة كبيرة تستخدم للنوم خلال الرحلات والتخييم.
بعد قليل يعود الرجل الستيني للكلام لتبدأ القصة الحقيقية. يقول، ولم يلحظ بعد أنني لست أبيض بالعرق، وإن كنت أكثر بياضا منه بالخلقة، يقول: تعرفون أيها الرجال أن كل مشاكلنا بسبب (The Browns) «الملونين»، قاصدا بذلك المهاجرين الجدد بصفة خاصة، مفرقا بذلك بيننا «نحن البيض» وبين الآخرين الذين هم من ذوي البشرة الداكنة بدرجاتها المختلفة، ما عدا السود، وكاشفا عن جهل مدهش، ومستوى مفزع من العنصرية المقيتة التي صُنعت كما ذكرت سابقا في معابد العلم الحديثة المسماة جامعات ومراكز أبحاث الغرب.
وقبل أن نكمل القصة دعوني أشرح لكم من أين جاءت هذه العنصرية. بحسب البروفيسور مارشال بايير أستاذ مادة العلاقات الدولية بجامعة ماكماستر، فإن العالم بعد الحرب العالمية الثانية تم تنظيمه ليكون السيد فيه هو الرجل، الأنجلوساكسوني، القوي، وقبل كل ذلك، الأبيض، بحيث تكون بقية البشر خادمين وتبعا له.
هنا تدخلت في الحوار، وأنا الذي درست في معابدهم، أقصد في جامعاتهم، وعرفت الكثير من أسرارهم، قائلاً: سيدي أنا أتفهم ما تقول ولكن «الملونين» حسب وصفك ليسوا هم المشكلة. المشكلة الحقيقية هي النظام الذي يسمح لرأس المال بالتحكم في مصائرنا، والذي أصبح منذ زمن بعيد هو الذي يعين الحكومات. والحكومات توقفت بناء على توجيهاته، عن أداء أدوار كثيرة يجب عليها القيام بها وعلى رأسها تطوير البنية التحتية بشكل مستمر يتناسب مع الزيادة السكانية التي يفترض أن تزيد المجتمع نجاحا وازدهارا. وبفرض أنها لا تحقق هذا الهدف فكيف تلوم القادم ولا تلوم من استقدمه بكامل إرادته.
وهنا تنبه الرجل بالطبع إلى أنني لست أبيض خالصا، بحسب التوصيف العنصري المقدس في العلوم السياسية، مرددا عبارات تدل على الاعتذار غير المباشر، وهنا أيضا تدخل «الأربعيني» موافقا معي قائلا: «إن الشركات الكبرى، التي باتت تملك كل شيء تقريبا - نتيجة الخصخصة- لدرجة تجعل الحكومة مجرد سكرتارية لتلك الشركات- هي السبب الفعلي وراء المشكلات المجتمعية فقد تمكنت تلك الشركات من إخضاع المسؤولين الحكوميين وجعلهم ينفذون مصالحها هي وليس مصالح الشعب».
عندها عاد «الستيني» ليستدرك، وكأنه شعر بالهزيمة، قائلا: «ولكن المهاجرين الجدد هؤلاء ليسوا متحضرين ويسببون مشاكل كثيرة، هم وأبناؤهم».
هنا يرد الأربعيني، مائلا نحوه، ليقول إن المشكلة تكمن في الآباء والأمهات بدرجة أكبر. وقبل أن يكمل تدخلت مرة أخرى لأقول لهما إن مشاكلنا الحالية ليست وليدة عام مضى أو عامين ولا حتى عقد أو عقدين، ولكنها نتيجة تخطيط عبدة المال ومالكي الشركات الكبرى لتخريب المجتمعات، وإذا كنتم تتحدثون عن سلوكيات الأبناء والآباء والأمهات فهذا ليس قصرا ولا حصرا على «الملونين»، فمشكلة التفكك الأسري يعاني منها الجميع. وهو أمر دبره من يقفون وراء الشركات الكبرى لتدمير الأسرة، ووضع الابن في مواجهة أبيه كندٍ وكعدو أحيانا وتدمير النسيج المجتمعي والتفريق بين مكونات ذاك النسيج ووضع البيض في مواجهة السود والملونين، وقِس على ذلك تصنيفات عنصرية لا حصر لها.
وليس خطأ الملونين أن القائمين على الأمر قرروا منذ سنوات وبطرق تناقض أي منطق وأي عقل، إغلاق العديد من المدارس وتحويلها إلى مراكز لهو وألعاب، وتقليل أعداد المدرسين والأطباء بصفة خاصة مع رفع الرسوم الدراسية الجامعية لتصعيب تخريج مثل هؤلاء، مع أن المنطق يقتضي زيادة أعداد المدارس والمشافي والمدرسين والأطباء لاستيعاب الزيادة السكانية المحلية والوافدة. وليس خطأ «الملونين» أن الحكومات تقتل الماشية وتقضي على الزراعة فتحدث الندرة في اللحوم والألبان والخضراوات، فترتفع الأسعار.
هنا عاد الستيني ليناقض نفسه، ويذهب عكس ما بدأ به قائلاً: ولكن أليس العادي أن ترتفع الأسعار باستمرار، لأعاجله بالقول لا يا سيدي. ألم يعدنا هؤلاء بلا انقطاع منذ نحو سبعة عقود بأن الرأسمالية والعلم والتكنولوجيا مفاتيح الرفاهية والسعادة في الحياة وأن تقدم التكنولوجيا يعني الإنتاج الضخم والوفرة، وسهولة الحياة للجميع ووعود كثيرة من هذا القبيل أم انك نسيت؟! لا أظنك لم تسمع بهذا لأن آلاتهم الدعائية المسماة بالإعلام تبث هذا الهراء بلا توقف.. وهم لا يزالون يعدوننا بالوفرة والرخاء عندما تكتمل خططهم لتنفيذ سياسة العملة الرقمية والهوية الرقمية، التي يؤكد خبراء كثيرون أنها لن تعني إلا الاستعباد الكامل والفعلي للبشر.. وهنا انتهى الوقت ولزم على الجميع مغادرة غرفة الساونا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6534
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
972
| 16 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها عبر الوسائط الإلكترونية والعقوبات المقررة لها والإجراءات التي تتم بشأن مكافحتها ضمن القانون رقم 14 لسنة 2014 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية، وقد أناط من أجل ذلك بجهاز النيابة العامة مهام جمع الأدلة والإثباتات حول ملابسات ارتكابها، وأوكلها سلطة التحقيق من أجل بيان الحقيقة بشأنها. ونظرا لخصوصية هذا النوع من الجرائم التي يختلف فيها مسرح الجريمة عن باقي الجرائم الأخرى، فإن إجراءات التحقيق وجمع الأدلة المثبتة لها بدورها تختلف عن الإجراءات الواجب اتباعها عند الاستقصاء عن الجرائم الأخرى. والمقصود بمسرح الجريمة هنا هو العالم الافتراضي الذي يمكن وُلُوجه عبر وسيط إلكتروني سواء عبر الإنترنت أو أي وسيلة أخرى تحقق من خلالها الفعل الجرمي الذي يصبح موضوع بحث من طرف النيابة العامة، ومن هنا تبدأ هذه الأخيرة في التقصي عن نسبة الجريمة الإلكترونية للشخص موضوع الاتهام، وتصبح مهمتها تحديد مدى إمكانية ولوج ذلك الشخص إلى الوسيط الإلكتروني موضوع الجريمة، وهل ثبت لديها حقا ارتكابه للفعل موضوع البحث والتحقيق أم لا. ولا يمكن حدوث ذلك إلا إذا سمح القانون للنيابة العامة بالتحري والاطلاع على علاقة ذلك الشخص بالوسائط الإلكترونية، والاستعلام عن الوسائل التي يستخدمها في حياته الاعتيادية وربطها بالجريمة، حتى وإن كان ذلك يبدو فيه مساس بحياته الشخصية وأموره الخاصة به، لأن الوسائل التقليدية للبحث والتحقيق لن تفيد في الوصول إلى الحقيقة. إن بعض الجرائم الإلكترونية من أجل كشف غموضها والوصول إلى فاعليها لا يكفي فقط الاطلاع أو الاستعلام عن الوسائط الإلكترونية والوسائل الخاصة بالمتهمين، بل يستدعي الأمر أحيانا بحثا معمقا من طرف النيابة العامة لن ينجح إلا عن طريق الاحتفاظ بتلك الوسائل وحرمان المتهم منها لغاية انتهاء التحقيق بشأنها، مثل الهواتف المحمولة أو أجهزة الحاسوب أو أية وسيلة أخرى يشتبه ارتكاب الجريمة بواسطتها، بل أحيانا يتطلب البحث والتحقيق إلزام المتهم بترك حساباته على بعض مواقع التواصل مفتوحة ورهن استعمال جهات التحقيق، بل قد يكون ملزما بتزويدهم باسم المستخدم وكلمة المرور. تأكيدا لذلك فقد نصت المادة 18 من القانون رقم 14 لسنة 2014 على حق النيابة العامة في أن تأمر كل مشتبه في ارتكابه جريمة إلكترونية بتسليم أية أجهزة أو أدوات أو أية معلومات مثل بيانات المرور تفيد في الكشف عن حقيقة الجريمة، وليس له حق مواجهتها بالخصوصية أو السرية حتى لو تعلق الأمر بأسرار المهنة، اعتبارا لكون البحث والتحقيق في الجريمة الإلكترونية من النظام العام الذي يهدد المجتمع، وهو أولى بالحماية من المصلحة الشخصية أو السرية المهنية للمشتبه فيه، واعتبارا كذلك لكون النيابة العامة بصفتها ممثلة المجتمع لن يضر اطلاعها على المعطيات الشخصية للمتهم في شيء، بل المفترض أن حدود اطلاعها وبحثها سوف تتم في إطار ما يهم الجريمة موضوع الاتهام، ولا يهمها الاطلاع على باقي ما يخص حياة المشتبه فيهم. ولم يحدد القانون مددا معينة للاحتفاظ بالأجهزة المشتبه باستخدامها في ارتكاب الجرائم الإلكترونية مثل الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب، إذا لا نجد التنصيص على أدنى مدة أو أقصاها، بل ترك المشرع المجال مفتوحا، لكنه من الناحية المنطقية فإن الاحتفاظ بتلك الأجهزة مدته مرتبطة بمدى الانتهاء من التحقيق بشأنه، فإذا تبين للنيابة العامة على سبيل المثال أن الهاتف المحمول المحتفظ به لا يحمل أي دليل أو شبهة تدين المتهم أو تفيد في الوصول إلى المتهم الحقيقي وإيضاح معالم الجريمة، يمكنها أن تعيده لمن يخصه بمجرد تأكدها من ذلك سواء تم ذلك خلال ساعات أو يوم أو أكثر، أما إذا ظهر لها أن ذلك الهاتف يحتاج مزيدا من الاستعلامات أو إعادة مخزون محذوف منه، أو الاستعانة بخبرة بشأنه وأن الأمر يتطلب أياما أو شهورا فإنه يجوز لها الاحتفاظ به طيلة تلك المدة. وإذا كانت للنيابة العامة حرية مطلقة بالتحفظ على الأجهزة والوسائل والبيانات التي تساهم في حل خيوط الجريمة الإلكترونية، فهي ملزمة في المقابل بالمحافظة على تلك الأشياء التي تحت تحفظها، بحيث لا يجوز لها محو بيانات أو تعديل معلومات أو تغييرها أو المساس بها لحين صدور قرار من الجهات القضائية بشأنها.
792
| 16 فبراير 2026