رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حتى لا يُقعدنا الخوف من الفشل

الخوف من الفشل هو عدو لدود للإنسان، وهو عائق كبير في طريق النجاح والفاعلية، وإنما يخاف الإنسان من الفشل لأنه يسبب له ألما نفسيا شديدا، والإنسان بطبعه مستعد لأن يفعل أي شيء لتجنب الألم، لاسيما إذا كان ألما نفسيا، حتى ولو كان هذا الألم هو الطريق الوحيد نحو تحقيق النجاح، ومن ثم يفضل معظم الناس أن يعيشوا بدون أهداف واضحة خشية الوقوع في الإحساس بالألم من جراء الفشل في تحقيق هذه الأهداف.ويخاف الإنسان من الفشل بسبب تجارب سابقة أخفق فيها، فأقعدت همته عن مواصلة الكد والسعي، لأنه قد ترسب لديه أن جهوده وإمكاناته غير كافية لتحقيق النجاح.ويخاف الإنسان من الفشل بسبب المثبطات البيئية، عندما يكون حوله من يغذي في نفسه الخوف من الفشل، تارة بتذكيره بمحاولات مشابهة أخفقوا بها، وتارة بدعوته إلى إيثار مبدأ السلامة، وتارة غير ذلك. ولأن الفشل قرين الجبن، فقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله تعالى من الجبن ويقرن بينه وبين العجز والكسل، فجاء في دعائه صلى الله عليه وسلم (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل). وابتداءً لابد وأن يدرك المرء أن الخوف من الفشل أمر طبيعي، لا يصيب الأحداث أو قليلي الخبرة وحدهم. عام 2018م، أجرت شركة استثمار أمريكية تسمى «نوروست فينتشر بارتنرز» استطلاعا للرأي، كانت نتيجته أن 90% من الرؤساء التنفيذيين اعترفوا بأن الخوف من الفشل هو ما يبقيهم مستيقظين طوال الليل أكثر من أي مخاوف أخرى. فهو أمر طبيعي يصيب الجميع، لكن الفرق في مدى الاستجابة لهذه المخاوف، فمنهم من يستجيب ويقعد، ومنهم من يعلن التحدي ويمضي في طريقه لتحقيق النجاح. من عناوين الكتب الطريفة التي قرأتها، كتاب بعنوان «متعة الفشل»، برر الكاتب صيغة العنوان، بأن الفشل خطوة من خطوات النجاح، فمن لم يتذوق طعم الفشل، فأنى له أن يدرك طعم النجاح.«ونستون تشرشل» رئيس وزراء المملكة المتحدة الأسبق له مقولة تقر هذا المعنى، إذ يعرف النجاح بقوله: «النجاح هو القدرة على الانتقال من فشل إلى فشل دون أن تفقد حماسك».المخترع العبقري «توماس أديسون» أجرى عددا هائلا من التجارب لاختراع المصباح الكهربائي، لم تكلل بالنجاح، فسأله أحدهم: لماذا لا تتوقف عن هذه التجارب الفاشلة؟ فأجاب أديسون: «الفاشلون هم أناس لم يعرفوا كم كانوا قريبين من النجاح حينما توقفوا».وهناك حكمة صينية بهذا الشأن تقول: «حينما يغلق أمامك باب الأمل لا تتوقف لتبكي أمامه طويلا ؛ لأنه في هذه اللحظة انفتح خلفك ألف باب في انتظار أن تلتفت إليها». ومن الحكم الإدارية المعروفة: «من رحم الفشل يولد النجاح». إن على المرء ألا يدع خوف الفشل يقعده عن العمل، لأن القعود هو الفشل بعينه، وبحسبة بسيطة ندرك أن الإقدام والمضي يحتمل النجاح، بينما القعود هو فشل قطعي لا احتمالات معه للنجاح. وينبغي أن يكون ارتباط المرء بالعمل والسعي الحاضر، لا بالنتائج المستقبلية، ولنا في نملة سليمان - التي لا نمل من تكرار الاستفادة منها- مثل، فعندما أرادت إنذار قومها من جيش نبي الله سليمان نادت فيهم ليدخلوا مساكنهم، ولم توقفها أسئلة على غرار: هل سيصل صوتي الضعيف إلى كل قومي؟ هل سأستطيع أن أنقذهم قبل فوات الأوان؟ وإن المؤمن أولى الناس بعدم الاستجابة لهاجس الخوف من الفشل، لأن له منظومة عقائدية في القدر تريح نفسه وتربط على قلبه، فهو مطالب بالأخذ بالأسباب، لعلمه أن المقادير مقدرة بأسبابها، لكن إذا أتى بالسبب ولم يكلل بالنجاح، حينها يستحضر إيمانه بقدر الله تعالى، فيرضى بصدر منشرح، ثم يعاود الكرة في السعي والعمل. فكيف يتمكن منه الخوف من الفشل، وهو يقرأ وصية النبي صلى الله عليه وسلم (واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك). الفاشل هو القاعد، والناجح هو من يمضي في سبيله بكد وسعي حتى وإن لم يبلغ مراده، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2904

| 22 سبتمبر 2023

حسن الظن ضرورة لعلاقات اجتماعية متينة

كما رُويَ في الحديث (الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها)، لذلك لا يستنكف الإنسان أن يلتمس الحكمة من أصغر مخلوقات الله، ومن ذلك ما خلده القرآن الكريم من حديث نملة سمعها نبي الله سليمان عليه السلام والذي علمه الله منطق الطير. ونحن كمؤمنين، نصدق بما أنزله الله تبارك وتعالى، ونؤمن بكل ما أخبرنا به القرآن الكريم، فلقد حكى قول نملة خشيت أن يطأ قومَها جيشُ النبي سليمان فيهلكهم، فجعلت تحذر قومها وتنذرهم بالخطر العظيم: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } [النمل: 18]. ولنا هنا وقفة مع جملة قصيرة قالتها النملة: (وهم لا يشعرون)، فهي تعطي درسا تاريخيا إلى يوم القيامة، بتقديم حسن الظن بالآخرين، وهو أمر عظيم، تخلينا عن الامتثال لقيمته في معظم مناحي حياتنا، فأصبح سوء الظن بالناس هو الأساس، تارة نسميه حذرا، وتارة نسميه فطنة، وتارة نسميه دراية كافية بواقع الناس. وكون القرآن يحكي عن النملة تلك المقولة في موقف عظيم كهذا تترتب عليه حياة قومها، فلا ريب أنه منطق بالغ الأهمية أراد القرآن تبيانه للناس. سوء الظن بالناس مفسدة للعلاقات بينهم، يفترض في الآخرين أنهم شياطين إلى أن يثبت العكس، فيفوت فرصة صفاء النوايا والتعامل العفوي بروح المحبة والتسامح، ولذا جاء التحذير القرآني من سوء الظن: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]. إننا بحاجة إلى التخلُّص من أسْر الحُكم على النِّيات واتهامِها، بحاجةٍ إلى إجراء الأحكام على الظاهر؛ كما أجمع على ذلك أهل العلم، بحاجةٍ إلى مدافعة الخواطر الرديئة في النفس والتي تَزيد من اشتعالها تجاه المسلمين، بحاجةٍ إلى الْتماس الأعذار وتأويل السيِّئات على الوجه الحسن إن كانت تحتمل، بحاجةٍ إلى الكفِّ عن التفتيش في قلوب الناس والبوْح عن سرائرهم بالظن والتخرُّص. وجاء البيان النبوي كذلك بالتحذير من سوء الظن، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إيَّاكم والظنَّ؛ فإن الظنَّ أكذبُ الحديث))، وقال الفاروق عمرُ بنُ الخطاب - رضي الله عنه -: "لا تظنَّ بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا وأنت تجد لها في الخير محملاً ". وامتد هذا المنهج النقي إلى التابعين ومن تبعهم بإحسان، فهذا ابن سيرين رحمه الله يقول: "إذا بلغك عن أخيك شيءٌ، فالتمس له عذرًا، فإن لم تجدْ، فقل: لعلَّ له عذرًا لا أعرفُه ". وانظر إلى الإمام الشافعي رحمه الله حين مرض وأتاه بعض إخوانه يعوده، فقال للشافعي: "قوَّى الله ضعفَك"، قال الشافعي والذي هو بلغة العرب خبير عليم: "لو قوَّى ضعفي لقتلني"، قال: والله ما أردتُ إلا الخيرَ! فقال الإمام: "أعلمُ أنك لو سببتني ما أردتَ إلا الخيرَ ". فهذه الرُّوح لا بدَّ أن تسودَ الناس، فهي سبيل لالتئام الشمل ولمّ الشعث، وخطوة سديدة عظيمة على طريق حل الخلافات، علما بأن سوء الظن لا يتعارض مع الحذر، فالأول دليل سوء طويّة، والآخر دليل فطنة وكياسة. إننا بحاجة لمعالجة أمراضنا الاجتماعية التي استشرت وحوّلت العلاقات بين أبناء المجتمع الواحد والأمة الواحدة إلى جحيم حقيقي، والسبيل إلى ذلك هو التزام الإطار الأخلاقي للإسلام، لاتسامه بالربانية، فهو رباني المصدر لن يضل الطريق إلى إصلاح حياة البشر، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2157

| 15 سبتمبر 2023

تربية الأبناء بالقدوة الحسنة

كثيراً ما يستولي الخوف والقلق على المربي؛ خوفاً على أبنائه من الانفتاح الثقافي والمعرفي، والذي قد يشعر معه المربي بالعجز عن ملاحقته، وتفنيده، للاستفادة من النافع منه وتجنب الضار، وكثيراً ما يشغله سؤال: كيف يكون صاحب التأثير الأقوى على أبنائه كي يتمكن من تربيتهم وفق معايير التربية الراشدة؟. إن الإجابة هي بين جنبي المربي نفسه؛ وهي أن يتحقق فيه وصف القدوة، ويعتمد نجاحه في أداء مهمته التربوية على مدى تطبيقه «هو نفسه» لما يدعوهم إليه ويربيهم عليه، فيكون قد جمع لهم بين التلقين المستمر «شفهيا» والتطبيق الثابت «عملياً»، وعندئذ يكتسب المربي القوة الجاذبة لأبنائه وطلابه؛ إذ يمثل في أذهانهم المصداقية التي تستحق ثقتهم بجدارة وتمنحهم الأمان أكثر من أي وسيلة تأثير أخرى داخل البيت أو خارجه. إنّ القوة التربوية في (القدوة الحسنة) المتحلية بالفضائل العالية، ترجع إلى أنها تعطي الآخرين قناعة بأن بلوغ هذه الفضائل من الأمور الممكنة، وأن ذلك في متناول القدرات الإنسانية، لأن شاهد الحال أقوى من شاهد المقال؛ لذلك أرسل الله تعالى إلى البشر رسلاً من جنسهم البشري ليكونوا لهم قدوة ومثالاً يُحتذى، ولقد كان أوائل هذه الأمة على دراية واعية بأهمية القدوة وتأثيرها في واقع الأطفال، وهذا الإمام الشافعي يوصي مؤدب أولاد الخليفة قائلا: ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاحك نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تكرهه». ولا يزال أهل التخصص يؤكدون أن أسلوب القدوة من أنجح أساليب التربية على الإطلاق، وهو من المفاهيم التربوية التي يمكن الاصطلاح عليها بـ (التربية بالنموذج)، ويعني: تجسد المفاهيم والقيم التي يتربى عليها الابن أو الطالب في شخص المربي، أو في شخص غيره ممن كان يعيش في زمان قبله، أو في زمانه المعاصر. ويعزز من أهمية التربية بالقدوة وعمق تأثيرها، الاستعداد الفطري للطفل للتقليد والمحاكاة، حيث يولد ولديه حساسية شديدة تجاه تصرفات الوالدين والكبار المحيطين به؛ فالأطفال أكثر تأثراً بالقدوة، إذ يعتقد الطفل في سنواته الأولى أن كل ما يفعله الكبار صحيح، وأن آباءهم أكمل الناس وأفضلهم، لهذا فهم يقلدونهم ويقتدون بهم تلقائياً في كل شيء. والتناقض بين القول والفعل في سلوك المربي يفسد شخصية الأطفال، ويجعل فهمهم للقيم والأخلاقيات التي يُربى عليها مضطربا، فهذا التناقض والازدواجية في شخصية المربي هو قاصمة الظهر التي تهدم معالم الفضيلة في مخيلة أبنائه وطلابه، ويصبح عندئذ ضرره على أبنائه كبيرًا؛ إذ يقدّم لنا أشخاصاً مذبذبين لا يعرفون الثبات على المبدأ، يحسنون الكلام الأجوف الخالي عن العمل والتطبيق، وذلك هو بعينه المقت الكبير الذي حذرنا الله تعالى من الوقوع فيه. ولا يكفي ذكر الفضيلة وتطبيقها مرة واحدة لكي يتعلمها الطفل، ولكن لابد أن يرى المربي يفعلها بشكل ثابت ومتكرر، لتثبت في نفس الطفل وتترسخ فيها، وهذا الأسلوب هو ما يعرف بـ (التأثير التراكمي)، حيث إن مجموعة من الأفعال المتكررة على مدى أيام أو شهور أو أعوام يكون لها من التأثير ما ليس للعارض المنقطع. خلق الكرم - مثلاً - لا يترسخ في وجدان الطفل عبر رؤية فعل الوالدين له مرة أو مرتين، وإنما يتفاعل معه تعلما وتطبيقا إذا تكرر هذا الفعل من قبل المربي، بحيث يبدو أنه سجية وطبع، وحينئذ يتعامل الطفل مع هذا الخلق على أنه هو الأصل في الإنسان. ومن النماذج العملية في توريث هذا الخلق بالقدوة العملية، ما أوْرده ابن حجر في كتابه «الإصابة في تمييز الصحابة» من خبر سعد بن عبادة الأنصاري رضي الله عنه، فقد كان مشهوراً بالجود هو وأبوه، وجده، وولده، وكان لهم أطم - صخرة كبيرة عالية - يُنَادَى عليها كل يوم: من أراد شحماً ولحماً فليأت سعداً، ثم استمر ولده محافظًا على هذا الخلق الكريم بعد وفاة والده، فكان ينادي كل ليلة: من أراد شحمًا ولحمًا فيأتِ قيسًا». فلا مفر من تمثل المربي ما يدعو أبناءه إليه واقعًا في حياته، فأعينهم على ما يفعل لا على ما يقول، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2415

| 08 سبتمبر 2023

القناعة الزائفة

لا شك أن القناعة والرضا بما قسمه الله للإنسان وعدم التسخط عليه هو أمر عظيم محمود، جاء الإسلام بالتأكيد عليه، فقد حث عليه القرآن الكريم وتضمنته الوصايا النبوية. بيد أن كثيرا من الناس يسيء التعامل مع شأن القناعة، ويظنون أنها تتعارض مع طلب المعالي وإطلاق عنان الطموح، فقعدت بهم هممهم عن التخطيط للمستقبل وطلب الريادة والتميز والتفوق بحجة أنهم قانعون بأحوالهم راضون بما قسم الله لهم. وهذا لا ريب جهل عظيم، فالقناعة تعني الرضا وعدم التسخط على نصيب المرء ولو كان قليلا وشكر المنعم سبحانه عليها مهما قلّت، وليس معناها ألا يطمع الإنسان في فضل الله وأنعمه، وليس معناها أن يغض المرء بصره عن المستقبل، وإلا فبم نفسر ادخار النبي صلى الله عليه وسلم لأهله قوت السنة، وكيف نفهم دعاء سليمان عليه السلام ربه بأن يهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده! نحن نُسلم بأن الطمع والجشع خلقان ذميمان ولا شك، إلا أن علو الهمة في طلب الكمال وقوة العزيمة في تحقيق الأهداف من أهم أخلاق المؤمن الصادق، بل العاقل، كما يقول ابن الجوزي: «من أعمل فكره الصافي دلّه على طلب أشرف المقامات، ونهاه عن الرضا بالنقص في كل حال، وقد قال أبو الطيب المتنبي: ولم أر في عيوب الناس عيبا..... كنقص القادرين على التمام. فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يتصور للآدمي صعود السموات، لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض، ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد لرأيت المقصر في تحصيلها في حضيض، غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي له أن يطلب الممكن، والسيرة الجميلة عند الحكماء خروج الناس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل». انتهى كلام ابن الجوزي. دعانا الله تعالى إلى طلب الكمال ومعالي الأمور، فقال حاكيا عن عباده المؤمنين دعاءهم: (واجعلنا للمتقين إماما)، وقد امتلأ تاريخنا العظيم بقصص الذين كانت هممهم تناطح الجبال، فهذا هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، يحكي عن نفسه الطموحة فيقول: «إن لي نفسا تواقة، وإنها لم تعط من الدنيا شيئا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، فلما أعطيت ما لا أفضل منه في الدنيا: الخلافة، تاقت إلى ما هو أفضل منه: الجنة». ويشرح لنا رؤيته أكثر فيقول: «إن لي نفسا تواقة، تاقت إلى فاطمة بنت عبد الملك، فتزوجتها، ثم تاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، ثم تاقت نفسي إلى الجنة». وهذا المسلم الداهية أبو مسلم الخراساني الذي أسقط دولة بني أمية ووطد أركان الدولة العباسية، كانت له طموحات عظيمة ترفعه إليها همته العالية، حتى أنه عندما كان صغيرا كانت أمه تراه يتقلب على فراشه، فتقول له: أي بني، ما بك؟ فيقول: همة يا أمي تناطح الجبال. ويقول عنه الإمام الذهبي: «كان ذا شأن عجيب ونبأ غريب، رجل يذهب على حمار من الشام حتى يدخل خراسان، ثم يملك خراسان بعد تسعة أعوام، ويعود بكتائب أمثال الجبال، ويقلب دولة ويقيم دولة أخرى، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر السرور، وتنزل به الفادحة الشديدة فلا يُرى مكتئبا». فينبغي إذن للمؤمن العاقل أن تكون له طموحات عظيمة تمكنه من تحقيق التفوق والنجاح، إرضاء لله وتحقيقا لعبودية الله في الأرض، وأن يكون صاحب همة عظيمة لا ترضى بالدون، لأنه كما يقال: «من يرمي بقوسه نحو القمر، فحتى إذا لم يصبه سيقع سهمه بين النجوم»، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2094

| 01 سبتمبر 2023

حتى تصيب الهدف

تحديد الأهداف في الحياة شيء مُجمع على لزومه للإنسان، بيْد أننا كثيرا ما نخلط بين الهدف والأحلام، فالأحلام بحرها واسع قد تتجاوز حيز المعقول والممكن ولا تحكمها ضوابط، أما الهدف فهو محكوم بمعايير وضوابط حتى يكون هدفا فعالا وليس أمنية يطلقها المرء سرًا أو جهرًا. وليس كل شيء يصلح أن يكون هدفا، وليس الهدف حالة شعورية معزولة عن عامل الوقت، لذلك لابد وأن يتسم الهدف بخصائص معينة حتى يكون فعالا: أولا: المشروعية بمعنى أن يتفق الهدف مع التشريع الإلهي، فكل هدف محرم وبال على صاحبه في الدنيا والآخرة، فإنْ يكون هدف المرء إنشاء مصنع للخمور، فعليه تبعات ذلك الأمر في حياته وبعد مماته، لذلك يقول د.عبد الكريم بكار: «الذين لا يأبهون لشرعية الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها يحيون حياة مضطربة ممزقة، تختلط فيها عوامل البناء بعوامل الهدم، الهدف غير المشروع قد يساعد على تحقيق بعض النمو في جانب من جوانب الحياة، لكنه يحط من التوازن العام للشخصية، ويفجر في داخلها صراعات مبهمة وعنيفة». ثانيا: الدقة والوضوح: لابد وأن يكون الهدف واضحا ومحددا، لا غموض فيه، فلا يصح مثلا أن يكون الهدف الحصول على وظيفة مرموقة دون تحديد، لكن تقول مثلا: هدفي أن أكون مديرا لإحدى شركات الاستثمار العقاري. يقول صاحب كتاب «حتى لا تكون كلًّا»: «من وضوح الهدف أن يكون إيجابيا لا سلبيا، أي تحدد ما تريده بوضوح، إذ أن من الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس عند سؤاله عن هدف أنه يذكر لك ما لا يريده، أما ما يريده فهو غير واضح في ذهنه، أو لم يفكر فيه أصلا، ومن وضوح الهدف أن تتخيل أكبر قدر ممكن من تفاصيله كأنه منجز متحقق حاصل بين يديك». ثالثا: القابلية للتقويم والقياس فالرياضي الذي يريد اكتساب سرعة فائقة، يحدّد مسافة العدْو التي يقطعها بوقت محدد يوميا، ليستطيع مع الوقت قطع نفس المسافة في فترة زمنية أقل، وبهذا يخضع هدفه للقياس والتقويم، ما يمنحه القدرة على تحقيقه، حيث إنه كلما أدرك مدى التقدم الذي يحرزه في تلك الخطوات صوب الهدف، ارتفعت معنوياته وزادت ثقته بنفسه. رابعًا: القابلية للتحقيق فالمرأة التي تهدف إلى إنقاص وزنها بمقدار خمسين كيلو في شهر واحد، تضع هدفا غير واقعي، فهذه السمنة تكونت خلال سنوات من تراكم الدهون في الجسم، وبالتالي لن ينقص وزنها على هذا النحو الذي تريد إلا بعد فترة طويلة من ممارسة نظام غذائي ورياضة تساعدها على ذلك. ومثل هذه المرأة تحكم على نفسها بالفشل، فالطبيعي أن يمر الشهر دون أن يتحقق هدفها، فتصاب بالإحباط، وربما عزفت بشكل كلي عن بذل الجهد لإنقاص الوزن. ومن طرائف ما يروى في ذلك، أن ملكاً أثناء عودته من رحلة بمملكته الشاسعة، شعر بألم في قدميه، فقرر أن يفرش طرقات المملكة بأسرها بالجلد لئلا تتورم قدماه ثانية، فقال له الوزير: يا سيدي لم لا تغطي قدميك بالجلد؟ فالأهداف لابد لها من واقعية وإمكانية. خامسًا: مراعاة الزمن يقول الدكتور إبراهيم الفقي: «لابد لهدفك من إطار زمني، فبالوقت يمكن أن تحقق أهدافك، بالضبط مثل السماء والنجوم تتحرك جميعها جنبا إلى جنب». فينبغي أن تكون للأهداف نقطة بداية ونقطة نهاية، بوضع فترات زمنية محددة لتحقيق الأهداف، كمن يريد تعلم أساسيات البرمجة مثلا، لابد أن يضع خطة تتضمن جدولا زمنيا محددا لإنجاز هذا الهدف، أما وضع أهداف دون وضع إطار زمني لها، فهو مجرد أمنيات.ومراعاة الزمن إنما ينبع من الشعور بقيمة الوقت، ولك أن تتخيل كيف ألف أبو الوفاء بن عقيل كتاب الفنون في 400 مجلد؟ كلمة السر في ذلك مراعاته للزمن، فهو يقول: «إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره «.تلك هي أبرز سمات الهدف الفعال، وإنما يلتزمها المرء لقناعته بأهمية هذا الهدف، وبغير الأهداف لا يحيا الإنسان، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2442

| 25 أغسطس 2023

خطر الغلو في الصالحين

قال الله تبارك وتعالى {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: 213]، قال ابن عباس وغيره في ظلال هذه الآية: "كَانَ بَيْنَ نُوحٍ وَآدَمَ عَشَرَةُ قُرُونٍ، كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ. فَاخْتَلَفُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ". فالله جل في علاه قد فطر الناس على توحيده، وظلت البشرية على تلك الفطرة الشاهدة على الوحدانية إلى أن طرأ عليها الشرك، وأول حدوثه كان في قوم نوح، عندما اتخذوا أصناما آلهة يعبدونها من دون الله. جريمة الشرك لم تحدث بين يوم وليلة، بل مهد لها الشيطان أمدًا طويلا، آخذًا الناس بمبدأ التدرج، وذلك عندما مات بعض الصالحين من قوم نوح، فسول لهم الشيطان أن ينصبوا في مجالسهم أصناما لتذكرهم بهؤلاء الصالحين فينشطوا للتأسي بهم، ففعلوا، ومع طول الأمد وتناسي العلم سوّل لهم عبادتها فعبدوها، فأرسل الله إليهم نوحا عليه السلام لردّهم إلى الصراط السوي. قال تعالى {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23].قال ابن عباس رضي الله عنها: "أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ". دخل إليهم الشيطان من هذا المدخل لعلمه أن النفوس المؤمنة تأبى مجرد التفكير في عبادة غير الله، لكنه زحف إليهم هذا الزحف الناعم، ومن هنا ندرك أن الغلو في الصالحين والمبالغة في تعظيمهم وإنزالهم مكانة ليست لهم، هو أبرز الطرق الموصلة إلى الشرك. ولذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم مع عظم جنابه، على تربية جيل الصحابة على النأي عن الغلو فيه ذاته، فكان يقول: (لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ) أي لا تبالغوا في مدحي فتنزلوني منزلة لم ينزلنيها الله تعالى. وعندما رجع معاذ بن جبل من الشام، سجد للنبي صلى الله عليه وسلم، والذي استنكر ذلك بقوله: (ما هذا يا معاذ؟ قال:أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تفعلوا فإني لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها). فمعاذ لم يكن يقصد بسجوده للنبي صلى الله عليه وسلم أن يعبده، وإنما لإظهار الاحترام والتوقير، ولكن منعه النبي صلى الله عليه وسلم حفاظا على عقيدة التوحيد، امتثالا للتشريع الذي نسخ ما كانت عليه بعض الشرائع السابقة التي كانت تتيح السجود للبشر على سبيل التحية كما في قصة نبي الله يوسف عندما سجد له أبواه. كما أكد القرآن الكريم على كون النبي صلى الله عليه وسلم بشرا، مغلقا الباب على أتباعه حتى لا يغالوا فيه، وبهذا التأكيد ينسف كل ادعاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم مخلوق من نور وجه الله، أو أنه يعلم الغيب من دون الله، فهو بشر يوحى إليه، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا. فإذا كان هذا يقال بحق أحب خلق الله إلى الله، وأكثر الناس إيمانا وتقوى، فكيف يُغالى فيمن هو أقل منه شأنا! من ينظر إلى واقع أمتنا، يرى بوضوح مآلات الغلو في الصالحين وتقديسهم، فهناك من هذه الأمة من يسجدون لشيوخهم في الحياة وأمام قبورهم بعد الممات، ويطلبون منهم ما لا يقدر عليه إلا الله من قضاء الحوائج والشفاء ونحوه، بل هناك من يعتقد أن إمامه يعلم الغيب من دون الله، وكل ذلك سببه تقديس هؤلاء والغلو فيهم. مهما ظهر الصلاح على الإنسان فصلاحه لنفسه، يُجزى به، لكن لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن نبالغ فيمن رأينا عليه الصلاح أو نغالي في تعظيمه، فهو بشر، لا يملك لنفسه الضر ولا النفع، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. [email protected]

2175

| 18 أغسطس 2023

الشباب والغريزة

من الأخطاء الجسيمة التي تقع في إطار توجيه وإرشاد الشباب، هي إعطاؤهم ذلك الانطباع بأن الغريزة الجنسية وحشٌ يصعب ترويضه، وأنهم لن يستطيعوا التعامل معها وكبح جماحها إلا بجهد مضنٍ، والأدهى من ذلك أن يتم تحقير هذه الغريزة في أعين الشباب. وهو مسلك مُحبط للشباب لا ريب، إذ يرون أنه يلزمهم للتعامل مع الشهوة والسيطرة عليها أن يكون لهم خلق الأنبياء. أول ما يجب تعزيزه في نفوس الشباب بشأن الغريزة، أن يتم تغيير مفهومهم عنها، فهي ليست عيبًا وليست قدحا في الإنسان الذي جُبل على هذه الرغبة تجاه الجنس الآخر، فهي فطرة، والفطرة ليس فيها قبيح، فالله تعالى يقول {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14]. يقول محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار محلقا حول هذه الآية: "فإن الله تعالى ما فطر الناس على شيء قبيح، وكيف يكون حب النساء في أصل الفطرة مذمومًا وهو وسيلة إتمام حكمته في بقاء نوع الإنسان". كما ينبغي أن يدرك الشباب جيدًا، أن استقامتهم على أمر العفاف وصون النفس عن العبث في هذا الشأن وتحصين أنفسهم من الوقوع في الرذيلة، أمرٌ يدخل في نطاق استطاعتهم وطاقتهم وقدرتهم، فالله تعالى هو الذي أمرهم بذلك، وهو نفسه القائل في كتابه الكريم: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، فمحال أن يأمر الله تعالى الناس بالعفة وهم غير قادرين عليها، لكن الشهوة تنال من المرء عندما يفتح على نفسه أبوابها المحرمة، ويبتعد عن شريعة ربه تعالى. ومن الطرق الناجعة التي يستطيع بها الشباب التعامل مع الغريزة، تغيير الإدراك، والانتقال من منطقة التفكير في إيجاد مجال غير نظيف لها، إلى التركيز على الآثار السلبية المترتبة على ذلك، وهو ما سلكه النبي صلى الله عليه وسلم مع الشاب الذي جاء يستأذنه في الزنا وهمّ الناس أن يقعوا به، فأدناه النبي صلى الله عليه وسلم منه، ثم قال له: (أتحبه لأمك ؟ قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله! جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: أتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم...). فجعله النبي صلى الله عليه وسلم لا يلتفت إلى هتاف الشهوة، وإنما التركيز على عواقب هتك الأعراض، في حين أنه لا يقبل بهتك عرضه، وربما كانت فيه إشارة وترهيب من القاعدة المطردة (الجزاء من جنس العمل). ولئن كان الإقبال على الزواج هو أول ما ينصح به الشباب لمواجهة إلحاح الغريزة، إلا أنه لا يكفل وحده منع الإنسان من الإقدام على انحرافات الغريزة، فالوقوع في الرذائل يقع في نطاق المتزوجين أيضا، لذلك لا غنى عن البناء الإيماني القائم على المداومة على طاعة الله واتقاء الذنوب، وها هو النبي صلى الله عليه وسلم، يوجّه رجلًا أصاب من امرأة فيما هو دون الفاحشة، توجيها عمليا يُعلي من البناء الإيماني لديه عن طريق طاعة الله التي تحرق الشهوات، فعندما أتاه وذكر له ذلك نزل قول الله تعالى ( أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) فقال يا رسول الله ألي هذه؟ قال لمن أخذ بها). وهذا هو المعنى الذي دار حوله ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين عندما قال "اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه فلها نور وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفا لا يحصيه إلا الله تعالى.. وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهة ولا شهوة ولا ذنبا إلا أحرقه". نسأل الله تعالى أن يصلح شباب الأمة ويهديهم إلى سواء السبيل، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. [email protected]

3972

| 11 أغسطس 2023

مصيدة احتقار الذات

في كل مجال وميدان، يكون هناك دائما تطرف وتطرف مضاد، حتى في نظرة الإنسان إلى نفسه، هناك من يتطرف بالاغترار والعُجْب والكبر ويرفع نفسه إلى الثريا بغير وجه حق، وهناك في المقابل من يتطرف باحتقار نفسه وينزلها دائما منازل الدون والهوان. وكثيرا ما يكون الخطاب الوعظي متضمنا التحذير من الكبر، وقلما يتضمن التحذير من احتقار الذات، وهو ما ترمي إلى تناوله هذه السطور. عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يحقر أحدكم نفسه) قالوا يا رسول الله: كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: (يرى أمرا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه)، فكثير من الناس يحتقر نفسه، ويقلل من قدراته وإمكاناته إلى الحد الذي يصيبه بالإحباط والعجز، من ثم يشعر أن النجاح والتميز خلق من أجل الآخرين من القادة والعظماء وليس له، لأنه من وجهة نظره ليس أهلا لذلك النجاح، لذلك يرضى ويقبل بأي شيء، وينتظر ما تأتي به الأيام في سلبية واستسلام، دون أن يصنع لنفسه أهدافا عظيمة يسعى لتحقيقها. وليست هذه دعوى للسخط على الأقدار أو ترك القناعة، وإنما دعوة للفهم الصحيح للقضاء والقدر، والذي كان المسلمون في الصدر الأول ومن تبعهم بإحسان على وعي به، فهم يأخذون بالأسباب وينتقلون من حال إلى أخرى بعلمهم أن المقادير لها أسباب، وفي واقعة طاعون الشام التي حدثت في عهد الصحابة أمر الخليفة عمر بن الخطاب بعدم دخول الشام أو الخروج منها، فيما يعرف اليوم بالحجر الصحي، فقيل له: أفِرارا من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ فقال: نفر من قدر الله إلى قدر الله". وليس من المعقول أن يعيش المسلمون مشاعر العجز والفشل والإحباط ورؤية الضعف في النفس، والرضا بذلك، وهم الذين يرددون قول ربهم تعالى (واجعلنا للمتقين إماما). وليس من التقوى أو الورع أو الزهد أن يقلل الإنسان من شأن نفسه، أو يحتقرها، أو يجحف إمكاناتها وقدراتها، فهذا لم يأمر به الدين، وكثير من أبناء الأمة وقعوا ضحايا الخلط بين الكبر وبين تقدير الذات من ناحية، وبين التواضع المحمود واحتقار الذات من ناحية أخرى. الكبر هو احتقار الناس مع رد الحق وإنكاره، وهذا عند الله عز وجل جُرم عظيم، أما تقدير الذات أو الثقة بالنفس هو أن يعرف العبد ما حباه الله من إمكانات لتحقيق عبودية الله في الأرض والقيام بمهمة الاستخلاف، ويعتقد جازما أن هذه المواهب هي محض فضل من الله ومنته، فلا يركن إلى النعمة وينسى المنعم سبحانه وتعالى. وهذا أمر مطلوب بلا شك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على زرعه في نفوس أصحابه، وليس أدل على ذلك من هذه الألقاب العظيمة التي كان يطلقها على أصحابه، فيلقب أبا بكر بالصدّيق، وعمر بن الخطاب بالفاروق، وخالد بن الوليد بسيف الله المسلول، وأبا عبيدة بن الجراح بأمين الأمة، وحمزة بن عبد المطلب بأسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم، وغيرهم كثير من صحابته الكرام، ممن رباهم النبي على عينه، فجمعوا بين تقدير الذات والثقة بالنفس الدافعة إلى معالي الأمور، وبين التواضع المحمود الذي يقيهم عاقبة الغرور والاستكبار. وأما احتقار الذات المعجز للنفس والذي يدفع إلى الفشل واليأس والإحباط، فليس من ديننا العظيم في شيء، وتأمل معي قول الله تعالى بشأن الهدهد (فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به)، حيث مكث الهدهد زمنا غير بعيد، ثم حضر فعاتبه سليمان على مغيبه وتخلفه، فقال له الهدهد: علمت ما لم تعلمه من الأمر على وجه الإحاطة، وجئتك من مدينة سبأ باليمن بخبر عظيم الشأن، وأنا على يقين منه. فانظر إلى ذلك الهدهد العظيم الذي كان سببا في إيمان مملكة بأكملها، قد عرف قدر نفسه وقيمتها، ولم يحتقرها أو يقلل من شأنها، فالمسلم أولى بأن يثق فيما حباه الله من قدرات، ويتقي الوقوع في مصيدة احتقار الذات، بعيدا عن الغرور والكبر، بل يكون بين ذلك قواما، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

3360

| 04 أغسطس 2023

حقيقة العبودية

من أبرز المفاهيم الإسلامية التي تم تحريف معناها واختزاله واجتثاثه، مفهوم العبودية لله رب العالمين، فما إن يذكر لفظ العبودية حتى تنصرف الأذهان إلى الصلاة والصيام والزكاة والحج والذكر والشعائر التعبدية المعروفة فحسب، فلئن كانت هذه أجل العبادات، إلا أن مفهوم العبادة أوسع وأشمل من ذلك بكثير. فالله تعالى خلق الخلق لعبادته كما دل القرآن الكريم {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، ومن أجل هذه الغاية سخر الله للإنسان ما على الأرض وما في السماء ليقوم بمهمة العبودية والاستخلاف، فهل كل ذلك من أجل بضع ركعات أو صيام النهار أو إخراج جزء يسير من المال أو قراءة القرآن وأداء الحج فحسب؟ العبادة معنى شامل لكل حركة وسكنة يؤديها الإنسان في مرضاة ربه، فهي كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة". فإذا عُلم ذلك، فإن العبادة يتسع معناها، لتشمل السمت الحسن، وبشاشة الوجه، والإصلاح بين الناس، وإتقان العمل، والنظافة، والحفاظ على البيئة، وإسعاد الآخرين، والحفاظ على الصحة، واكتساب القوة، والأخذ بأسباب الحضارة والتقدم والرقي، والتيسير على العباد، والرفق حتى مع الحيوانات، وإعمار الأرض، بل محبة الخير للناس وكراهية الشر لهم، وكل ذلك له أدلته من الكتاب والسنة، ولذا يدخل في معنى العبادة، لأنه قول أو فعل يحبه الله ويرضاه. ومن هنا ندرك كيف يكون التشجير والزرع مثلا عبادة، فقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ). لقد أدرك السابقون هذه الحقيقة، حتى إن أحدهم ربما تقرب بمشاعر الرحمة بالعباد إلى خالقه، فهذا أويس القرني من التابعين، والذي حجبه ضيق اليد عن التصدق فقال: "اللهم إني أعتذر إليك من كل كبد جائعة، ومن كل جسد عارٍ، فليس لي إلا بما على ظهري وفي بطني". وعندما كان هذا المفهوم الشامل للعبادة ماثلا أمام أعين المسلمين السابقين، برعوا في علوم الكيمياء والطب والفلك والرياضيات والصناعات وغيرها من مفردات الحضارة، فهم يتقربون إلى ربهم بتحصيل أسباب القوة والازدهار. لقد أدى اختزال مفهوم العبادة واجتثاث كثير من مفرداتها، إلى حالة التقوقع التي مرت بها الأمة في بعض عهودها، فانصرف بعض الناس عن التعاطي مع الواقع وشؤون الدنيا، بحجة التفرغ للعبادة، ولو فطنوا لمعناها الحقيقي لالتمسوا الأجر في الإعمار ورعاية شؤون الناس ومداواتهم وبناء مساكنهم وحياكة ثيابهم، وطباعة الكتب العلمية سواء كانت في علوم الدين أو الدنيا. كما أدى اختزال مفهوم العبادة، إلى حالة من الانفصام في حياة المسلمين، فيعتقد بعضهم أن كل ما عليه أن يؤديه هو الصلاة والزكاة والصيام والحج، لأنها تمثل كل العبادة وفق مفهومه القاصر، ثم على الجانب الآخر تجده يتساهل في المعاملات المالية، ولا يخالط الناس بخلق حسن، ويتكاسل عن تقديم العون لغيره، غير مدرك أن الأخلاق الحسنة من أعظم العبادات التي يتعبد بها لربه تعالى. العبادة بمعناها الشامل، تخرُج بالإنسان من محرابه إلى هذا الفضاء الرحب، لتجعله عنصرا فاعلا منتجا في مجتمعه وأمته، وتعيد صياغة سلوكياته وتنظم علاقاته مع الناس والبيئة. هذا الشمول في معنى العبادة، هو المراد من قوله تعالى {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]، عندما تكون كل حركة وسكنة وقول وعمل قربة إلى الخالق سبحانه، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. [email protected]

2448

| 28 يوليو 2023

الإسلام والحضارة

معظم الأفكار التي تنادي بإقصاء المنهج الإسلامي، يربطون بينه وبين التخلف والجهل والرجعية التي تعاني منها بلادنا، ويدّعون بأنه ليس كفيلا بوضعنا على مسار السباق الحضاري، على الرغم من أن التاريخ يضم في صفحاته حضارة إسلامية ساطعة، فتحت الطريق أمام العالم بأسره للتقدم والازدهار. لقد جاء الإسلام بمنهج شامل متكامل لإسعاد البشرية، وإخراجها من الضيق إلى السعة ومن الجور إلى العدل، جاء بمنظومة عقدية تشفي النفوس الحائرة في قضية الكون، وتجيب على أسئلته الهائمة بشأن الخلق، وجاء بمنظومة من القيم والأخلاق التي تتسم بالثبات لأنها ربانية المصدر، وبالواقعية فتتناغم مع طاقات البشر وقدراتهم، وبالمرونة أيضا، فهي تراعي الحالات الخاصة، فيبيح الإسلام مثلا الكذب على الزوجة لتأليف قلبها. وجاء الإسلام كذلك إلى الإنسان بمهمة الاستخلاف وعمارة الأرض، باعتبار الإنسان موضوع الرسالة، فهو يدعو للأخذ بأسباب الحضارة والقوة وإعمار الحياة، ويعتبر ذلك من صميم العبودية التي خلق الله الناس من أجل تحقيقها، وإنك لتقرأ في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وصية عظيمة بهذا الصدد: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها). إنه يجعل من عمارة الأرض شيئا تتصل به الدنيا بالآخرة، فهما طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الجنة. هو ذلك الإسلام الذي قال لمعتنقيه {فامشوا في مناكبها} هو الذي قال {وأعدوا}، هو الذي قدم لنا في الكتاب قصة ذي القرنين بأبعادها الحضارية، والهدهد السليماني بأبعادها الإدارية والقيادية، تعليما للناس كيف بالإسلام يعيشون وبه يرتقون. ولما استمسك المسلمون الأوائل بالكتاب والسنة وعضوا عليهما بالنواجذ، أفرز ذلك حضارة إسلامية بلغت المشارق والمغارب، وقدمت أنموذجا فريدا في سياق التاريخ. وإنَّ ما أصاب الأمة من تخلف وتدهور لا يستطيع أحد إنكاره، قد أصابها بعد نأي أبنائها عن المنهج، والسير وراء كل ناعق يستورد أفكارا سادت في أرض غير الأرض، ومناخ غير المناخ، واجه بها الغرب ظرفا زمنيا قاهرًا، وواجهوا أوضاعا سيئة بحلول أخرى سيئة. العلاقة بين الإسلام والتحضر، علاقة طردية، متى تمسك به أتباعه تقدموا وازدهروا، حتى إذا ما جعلوه وراءهم ظهريا تخلفوا وتنكبوا، فهو ليس مسئولا عن التخلف، وإنما يُسأل عن ذلك من حصروه في المساجد والزوايا والتكايا، أو قالوا بأن الدين لا يصلح لهذا الزمان، أو قاموا بتفريغه واختزاله إلى علاقة بين العبد وربه. لقد أنصف بعض الكتاب والفلاسفة الغربيين عندما خرجوا عن قيود التعصب الأعمى، وأظهروا الحقيقة الساطعة بين الإسلام والتحضر والتقدم، ومن هؤلاء الفيلسوف الفرنسي «جوستاف لوبون» في كتابه «حضارة العرب» إذ يقول عن العرب: «الجامعات الأوروبية ومنها جامعة باريس عاشت مدة ستمائة عام على ترجمات كتبهم وجرت على أساليبهم في البحث، وكانت الحضارة الإسلامية من أعجب ما عرف التاريخ «. ومنهم المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب» حيث تقول: «إن أوروبا مدينة للعرب وللحضارة العربية، وإن الدين الذي في عنق أوروبا وسائر القارات للعرب كبير جدا. وكان يتعين على أوروبا أن تعترف بهذا الفضل منذ زمن بعيد، لكن التعصب واختلاف العقيدة أعميا عيوننا وتركا عليها غشاوة». وفي كتابه «معالم تاريخ الإنسانية»، يقول الكاتب البريطاني هـ. ج. ويلز عن المسلمين العرب: «وتقدموا في الطب أشواطا بعيدة على الإغريق، ودرسوا علم وظائف الأعضاء،... وكان لجراحيهم دراية باستعمال التخدير، وكانوا يجرون طائفة من أصعب الجراحات المعروفة. وفي ذات الوقت التي كانت الكنيسة تحرم فيه ممارسة الطب انتظارا منها لتمام الشفاء بموجب المناسك الدينية التي يتولاها القساوسة، كان لدى العرب علم طبي حق». إنها غيض من فيض شهادات غربية بالحضارة التي قامت على الإسلام، نخاطب بها دائما المنبهرين ببريق الغرب الذين يتهمون الإسلام بالمسؤولية عن تخلفنا عن ركب الحضارة، مع أنه في الأزمان التي تمسك فيها المسلمون بهذا المنهج أقاموا حضارة أدهشت الأمم، وإننا لم نتخلف عن الركب الحضاري إلا بعدما نأينا عن التمسك بهذا المنهج الذي يوفر كل سبل التقدم والازدهار، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2574

| 21 يوليو 2023

وإذا قلتم فاعدلوا

العدل جزء أصيل من رسالة الإسلام التي عبر عنها ربعي بن عامر في قولته الشهيرة: "الله ابْتَعَثنا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَمِنْ ضيق الدنيا إلى سعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ". كثير من العباد إلا من رحم الله، يطلق لسانه بالتجريح والتشهير والنقد الهدام والحكم على الآخرين بغير ميزان العدل والقسط. وذلك الظلم فاقم من فساد العلاقات بينهم، ودب فيهم داء الاختلاف، ولذلك لا عجب أن ذهب شيخ الإسلام بن تيمية إلى أن الظلم - إضافة إلى الجهل - أبرز أسباب الفرقة والاختلاف، فقال مؤكدا على العدل في الغضب والرضا وسائر الأحوال: "الْإِنْسَانُ خُلِقَ ظَلُومًا جَهُولًا فَالْأَصْلُ فِيهِ عَدَمُ الْعِلْمِ وَمَيْلُهُ إلَى مَا يَهْوَاهُ مِنْ الشَّرِّ فَيَحْتَاجُ دَائِمًا إلَى عِلْمٍ مُفَصَّلٍ يَزُولُ بِهِ جَهْلُهُ وَعَدْلٍ فِي مَحَبَّتِهِ وَبُغْضِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَفِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَإِعْطَائِهِ وَمَنْعِهِ". وعدّ رحمه الله الظلم من أسباب سقوط الدول ورفعتها، فيقول: "عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ وَلِهَذَا يُرْوَى: "اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً". ولقد أفاض القرآن البيان في لزوم العدل قولا وفعلا مع الناس، بما يحقق الاستقرار والتواد في المجتمع الإسلامي، فمن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}، ونقل ابن كثير قولا بليغا لابْنَ مَسْعُودٍ حول هذه الآية، إذ قال: إِنَّ أَجْمَعَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ}. وأمر الله تعالى بالقسط مع كل الناس دون اعتبار صفة القرابة والدم والنسب، فقال {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}. بل أمر بالعدل مع الخصوم، فقال {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ} أي: لا يحملنكم بغض {قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا} كما يفعله من لا عدل عنده ولا قسط، بل كما تشهدون لوليكم، فاشهدوا عليه، وكما تشهدون على عدوكم فاشهدوا له، ولو كان كافرا أو مبتدعا، فإنه يجب العدل فيه. ومن أبرز مميزات المنهج الإسلامي فيما يتعلق بقيمة العدل، أنه ألزم به في التعامل مع غير المسلمين، فتراه يشهد لبعض اليهود على عدواتهم، بأداء الأمانة، فقال جل وعلا: "{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ}. لذلك امتلأت صفحات التاريخ الإسلامي بقصص عظيمة في العدل مع غير المسلمين، ومن أروع الأمثلة في العهد النبوي حول العدل مع غير المسلمين، ما جاء في صحيح البخاري أن نفرًا من الأنصار (انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، وَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا، وَقَالُوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ: قَدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا، قَالُوا: مَا قَتَلْنَا وَلاَ عَلِمْنَا قَاتِلًا، فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ، فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلًا، فَقَالَ: «الكُبْرَ الكُبْرَ» فَقَالَ لَهُمْ: «تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ» قَالُوا: مَا لَنَا بَيِّنَةٌ، قَالَ: «فَيَحْلِفُونَ» قَالُوا: لاَ نَرْضَى بِأَيْمَانِ اليَهُودِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ). ومعنى الكبر الكبر: أي قدموا في الكلام أكبركم، ومعنى (يبطل دمه) أي يتركه يذهب هدرا بدون دية. فانظر إلى عظمة المنهج الإسلامي، فمع أنه قُتل في ديار خيبر، ورغم وضوح الأدلة بأن اليهود قتلوا الأنصاري، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم عمل بالقاعدة التي أرساها الإسلام في مثل هذه الحال "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"، فطالب الأنصار ببذل البينة والدليل على أن اليهود هم قاتلوه، وطالب اليهود بالحلف، وحتى تطيب نفس الأنصار دفع لهم دية قتله مائة من إبل الصدقة، دون أن يتخلى عن العدل مع اليهود. لقد تفاقم واستشرى في الأمة ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (بئس مطية الرجل زعموا)، فاعتمد فئات من الناس في الحكم على الآخرين على نقل الكلام بدون تثبت وبدون برهان، فيقولون قال الناس كذا وكذا، دون مراعاة منهج الإسلام في الحكم على الآخرين، وأن الدعاوى لا تثبت إلا بيقين وبرهان. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

3189

| 14 يوليو 2023

فقه مراعاة المصالح والمفاسد عند ابن تيمية

في هذا العصر الذي ازدادت فيه مساحات الاختلاف والتعارض، كثرت الحاجة إلى الاهتمام بفقه المصالح والمفاسد، وليس ذلك مدخلا للتساهل في تطبيق الأحكام كما ينظر إليه بعض أهل الغلو، فالتشريع الإسلامي قام على تحقيق المصلحة الخالصة أو الراجحة وتجنب المفسدة. ولقد كان الاهتمام بفقه المصالح والمفاسد محل عناية واهتمام كثير من العلماء، كان من أبرزهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والذي يعد هذا المجال جزءًا أساسًا في شخصيته الإصلاحية، فكثيرا ما أصّل لهذا الفقه وتناول تطبيقاته كما دلت عليها مواقفه وسيرته. وتكمن أهمية إبراز هذا الجانب في أن الأمة بصفة عامة وكثير من العلماء بصفة خاصة يتخبطون في هذا الباب، والذي تتفرع عنه قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان من الضروري بيان الضوابط التي كان يراها شيخ الإسلام لهذه الشعيرة في ضوء مراعاة المصالح والمفاسد ومقاصد الشريعة التي يدور حولها الدين كله، وفيه كذلك رد على اتهام شيخ الإسلام بأنه صاحب منهج هدّام. ومن أقواله الدالة على مراعاته لهذا الجانب قوله في مجموع الفتاوى: "وتمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل محرمات. ويرى ذلك من الورع كمن يدع الجمعة والجماعة خلف الأئمة الذين فيهم بدعة أو فجور ويرى ذلك من الورع، ويمتنع عن قبول شهادة الصادق وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفية ويرى ترك قبول سماع هذا الحق الذي يجب سماعه من الورع ". وقوله أيضا: " الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما". ومما يدل على اهتمامه بهذا الجانب جهاده تحت راية نظام سياسي يختلف معه صيانة للدولة من الأخطار الخارجية، وعلق الدكتور محمد عمارة على ذلك بقوله في تقديمه لكتاب (ابن تيمية والآخر): "كان شديد البصر والبصيرة بالمخاطر الخارجية التي تحدق بحضارة الإسلام وديار الإسلام، وفي هذا الميدان كان شديد الوعي بفقه الأولويات حتى لقد حمل السلاح وحارب الصليبيين والتتار تحت قيادة النظم السياسية التي مات في سجونها، فضرب لنا مثلا في الوعي الحضاري بفقه الأولويات لا زلنا في حاجة إلى فقهه حتى هذه اللحظات". ونرى اهتمامه بهذا الجانب ينعكس على تقديره المصلحة والمفسدة في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك ما ذكره عنه تلميذه ابن القيم في كتاب إعلام الموقعين حيث قال: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال، فدعهم". كما يظهر اهتمامه بذلك الجانب في فتواه ببقاء من تولى عن حاكم ظالم بهدف تخفيف الظلم كما يظهر في مجموع الفتاوى حيث يقول: لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم ؛ ومن تولاها أقام الظلم حتى تولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها. ودفع أكثره باحتمال أيسره: كان ذلك حسنا مع هذه النية، وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ما هو أشد منها جيدا. وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد فمن طلب منه ظالم قادر وألزمه مالا فتوسط رجل بينهما ليدفع عن المظلوم كثرة الظلم وأخذ منه وأعطى الظالم مع اختياره أن لا يظلم ودفعه ذلك لو أمكن: كان محسنا ولو توسط إعانة للظالم كان مسيئا". لكن ينبغي العلم، أن تقدير المصالح والمفاسد لا يكون بالأهواء، ولكن بما يوافق الشريعة، فإذا جاء النص بترجيح مصلحة وجب العمل بها، أما الاجتهاد فإنما يكون حيث لم يرد نص يغلّب مصلحة ما، وإلا كان عبثا بالشريعة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

5112

| 07 يوليو 2023

alsharq
إلى من ينتظرون الفرد المخلص

سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...

8643

| 08 مارس 2026

alsharq
الخليج ليس ساحة حرب

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...

4380

| 09 مارس 2026

alsharq
مواطن ومقيم

من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...

1365

| 11 مارس 2026

alsharq
«التقاعد المرن».. حين تكون الحكمة أغلى من «تاريخ الميلاد»

حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...

1248

| 11 مارس 2026

alsharq
العقل العربي والخليج.. بين عقدة العداء لأمريكا وغياب قراءة الواقع

أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...

1047

| 11 مارس 2026

alsharq
الخليج محمي

وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...

957

| 10 مارس 2026

alsharq
التجربة القطرية في إدارة الأزمات

عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...

846

| 09 مارس 2026

alsharq
فلنرحم الوطن.. ولننصف المواطن والمقيم

عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...

729

| 12 مارس 2026

alsharq
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...

654

| 12 مارس 2026

alsharq
إعادة ضبط البوصلة

ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...

645

| 13 مارس 2026

alsharq
قطر.. «جاهزية دولة» عند الأزمات

-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...

636

| 08 مارس 2026

alsharq
الخليج بين نارين

لا شك أن إيران تمثل خطرا لا يستهان...

531

| 10 مارس 2026

أخبار محلية