رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
«أحمل في يدي شهادة تقول إنني مهندس، وأحمل في جيبي هاتفًا يقول إنني لا شيء.. وأنا أصدّق الهاتف». هكذا قال يوسف، وهو يقلّب حافظة أوراقه التي تآكلت أطرافها من كثرة ما فتحها أمام الغرباء، كان في الصف الأخير من قاعة التدريب بجانبي يومها، لم يسأل سؤالًا واحدًا طوال الساعات الثلاث، وحين خرج الحضور جميعًا بقي واقفًا عند الباب ينتظر أن تخلو القاعة كي لا يسمعه أحد، اقترب من المدرب وسأله عن فرصة عمل، وكالعادة لم تبلغ أذنيه سوى تلك الجملة الجاهزة التي نسمعها جميعًا «الفرص لا تنتهي يا بُني»، فابتلع مرارة الجواب.. لأنه أدرك في تلك اللحظة أن الكلمات الجاهزة لا تُطعم أحدًا، وأنه لم يبقَ ليسمع موعظة، بل بقي ليتأكد أن أحدًا في هذا العالم يراه. وأخبرني بأنه أرسل سبعًا وثمانين مرة سيرته الذاتية في سبعة أشهر، ثلاث منها فقط وصلت إلى مقابلة، وردٌّ واحد وصله كتابةً يقول: «سنحفظ ملفك لدينا، وسنتواصل معك عند توفر فرصة مناسبة». قال لي وهو يبتسم ابتسامة لا علاقة لها بالفرح: «سنحفظ ملفك.. أي أنهم سيحفظونني في درج، ثم يغلقون الدرج». وأخشى ما أخشاه ألا يكون الانتظار وحده هو الخسارة، فالانتظار يمرّ، ولكن الذي لا يمرّ هو ما يشعربه الشاب في الانتظار. لقد خرج آباؤنا من الجامعة إلى وظيفة كانت تنتظرهم، أما أبناؤنا فيخرجون من الجامعة إلى قائمة انتظار، ثم نلومهم على شحوب وجوههم.وهنا سألني يوسف سؤالًا لم أنسه: «ماذا أفعل حتى يجدني أحد؟»، فأجبته بالشيء الوحيد الذي أملكه: لا تنتظر بيدين فارغتين، فمن ينتظر بيدين فارغتين تجفّ يداه. ومضت الشهور.وقبل أسابيع وصلتني منه رسالة، فيها أنه بدأ بتدريس ابن الجار مادة الرياضيات بلا مقابل، ثم صار يدرّس خمسة أطفال في حيّه، ثم تطوّع في فعالية صغيرة لا يعرفها أحد فأصلح لهم شبكةً معطّلة في ليلة واحدة، ثم بنى موقعًا بسيطًا لبقالة قريبة، ثم صمّم ما صمّم ونشر ما نشر.. وفي إحدى تلك الليالي رآه أحدهم، رجل كان يبحث عن مهندس، لم يسأله عن معدله التراكمي ولا عن جامعته، بل سأله سؤالًا واحدًا: «أرني ما بنيته».وكانت آخر جملة في رسالته: «لقد وجدوني». وهنا أتوقف، وأعيد قراءة جملته الأولى وجملته الأخيرة، لأكتشف أن العالم لم يتغيّر بينهما، الذي تغيّر هو ما كان يفعله يوسف بيديه في العتمة. فالشهادة تُثبت أنك تعلّمت، ولكن العمل هو الذي يُثبت أنك موجود، والفرصة ليست بابًا يُفتح لك، بل صوتٌ تصنعه أنت حتى يهتدي إليك من يبحث عنك. فيا كل شاب يجلس اليوم أمام شاشة مطفأة، ويحسب رسائل الرفض كما يحسب المهزوم جراحه، لا شيء فيك معطوب، وأنت غير مرفوض، ولا شيء في تعبك ضائع، وما أنت فيه ليس نهاية الطريق بل غرفة الانتظار فيه، فاصنع فيها شيئًا يشبهك، علّم، تطوّع، اكتب، أصلح، ابنِ ولو شيئا صغيرًا، فالكون لا يكافئ الأكثر شهادةً، بل يكافئ الأكثر ظهورًا بالعمل. وثِق تمامًا.. أنهم لم يرفضوك، إنهم لم يجدوك بعد.
177
| 30 يوليو 2026
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها...
4959
| 03 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن...
2343
| 01 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور...
2016
| 05 أغسطس 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا...
1494
| 30 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا...
1455
| 30 يوليو 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد...
951
| 02 أغسطس 2026
هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل...
786
| 31 يوليو 2026
في الإدارة، كما في الزراعة، ليس كل من...
645
| 05 أغسطس 2026
لا يستطيع منصف إنكار حقيقة أن الحضارة الغربية...
576
| 01 أغسطس 2026
من أعظم أسباب اضطراب القلب أن الإنسان يريد...
570
| 02 أغسطس 2026
رحلة القطار.. حين تمضي الحياة وتدعونا إلى الأمل...
543
| 04 أغسطس 2026
في رثاء المغفور له الأمير الوالد الشيخ حمد...
516
| 02 أغسطس 2026
مساحة إعلانية