رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حين يحزن الوطن

هناك حزنٌ لا يحتاج إلى تفسير، حزن يمرّ على القلوب بهدوء، لكنه يترك فيها أثراً واضحاً، كأنه يذكّرنا بشيء كنا نعرفه دائماً، ثم ننساه في زحمة الأيام، في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال عمّا حدث بقدر ما يكون عمّا نشعر به نحن، وكيف نقترب من بعضنا أكثر دون أن نتفق مسبقاً على ذلك. هذا النوع من الحزن لا يفرّق بين الناس، بل يجمعهم، يذيب المسافات التي صنعتها الحياة اليومية، ويعيد ترتيب العلاقات الإنسانية على أساس أبسط وأصدق: أننا نشعر ببعضنا، فجأة يصبح التعاطف لغة عامة، لا تحتاج إلى تعليم أو توجيه، نظرة عابرة، رسالة قصيرة، دعاء صادق، كلها تتحوّل إلى جسور صغيرة تربط القلوب ببعضها. ولعل ما يلفت في مجتمعنا العربي، أن هذا التماسك العاطفي ليس حالة طارئة، هو جزء من تكويننا الإنساني، من ذاكرتنا الجماعية، من تربيتنا التي تعلّمنا أن الحزن ليس شأناً فردياً، بل مسؤولية وجدانية مشتركة، حين يتألم أحدنا، نشعر (بطريقة أو بأخرى) أن شيئاً في داخلنا يتألم معه، ليس بدافع الواجب فقط، بل بدافع الانتماء الذي نشأنا عليه. في لحظات الفقد أو الوجع العام، يظهر هذا التماسك كقوة هادئة، لا يرفع صوته، ولا يسعى لإثبات نفسه، لكنه حاضر بوضوح في تفاصيل كثيرة، في قدرة الناس على أن يكونوا أكثر لطفاً، أكثر تفهّماً، وأكثر استعداداً لأن يمنحوا من وقتهم ومشاعرهم دون انتظار مقابل، كأن المجتمع كله يتحوّل إلى مساحة احتواء، يتقاسم فيها الجميع عبء الشعور حتى لا يبقى أحد وحيداً مع حزنه. هذا التماسك العاطفي هو ما يمنح الأوطان قدرتها على العبور، ليس لأنه يلغي الألم، بل لأنه يخفّف وطأته، ويحوّله من تجربة فردية إلى تجربة مشتركة، حين نشعر أننا لسنا وحدنا، يصبح الحزن أقل قسوة، وتصبح القدرة على الاستمرار أقوى، وهنا تحديداً تتجلّى قيمة الروابط الإنسانية التي تربطنا، والتي لا تظهر حقيقتها إلا في أوقات الاختبار. ربما لا نستطيع أن نمنع لحظات الحزن من المرور في حياة مجتمعاتنا، لكننا نستطيع أن نحافظ على هذا الإرث العاطفي الذي يميّزنا، إرث يجعلنا نلتقي حول المعنى قبل أن نلتقي حول الحدث، ونمنح بعضنا شعوراً بالأمان حتى في أصعب الظروف. حين يحزن الوطن، لا يكتشف فقط حجم الفقد، بل يكتشف أيضاً حجم ما يملكه من قلوب متماسكة، قلوب تعرف بالفطرة أن الإنسانية، حين تتقدّم، تصنع من الألم مساحة أوسع للتقارب، ومن الصمت لغة أعمق للفهم، وفي هذا التماسك تحديداً، يبقى الأمل حيّاً، ويبقى المجتمع قادراً على أن ينهض كل مرة، أكثر قرباً من ذاته وأكثر وفاءً لمعناه.

495

| 24 مارس 2026

تقييم الأداء الحكومي

أخطر ما يواجه الأنظمة الإدارية ليس ضعف الأداء… بل الاطمئنان إلى أدوات قياس لم تعد تقيس الحقيقة. بهذه الحقيقة يمكن فتح نقاش مهني طال انتظاره حول معايير تقييم الأداء في بعض المؤسسات الحكومية، فالتحدي اليوم لا يكمن في توفر الكفاءات، بل في مدى قدرة أدوات القياس الحالية على عكس الواقع الحقيقي للأداء داخل بيئات عمل متسارعة ومتغيرة. لقد شهدت الدولة تطوراً واضحاً في التخطيط الاستراتيجي والتحول المؤسسي وجودة الخدمات، لكن في المقابل ما تزال بعض استمارات التقييم تركز على مؤشرات تقليدية مثل الحضور والانضباط والإجراءات، وهي مؤشرات مهمة، لكنها لا تكفي لقراءة الأداء قراءة عميقة، ولا تعكس جودة البيئة التي يُنتج فيها هذا الأداء. ما لا تقوله نماذج التقييم الحالية قد يكون أكثر تأثيراً مما تقوله، فهي تمنحنا نتائج رقمية واضحة، لكنها تتجاهل معياراً أصبح في النماذج الإدارية الحديثة أحد أهم مؤشرات جودة القيادة واستدامة النتائج: الرفاه الوظيفي، فالإدارة التي تحقق الإنجاز في بيئة مستقرة ومحفزة لا تحقق نتائج آنية فقط، بل تبني قدرة مؤسسية طويلة الأمد على الصمود والابتكار. وحين يغيب معيار الرفاه الوظيفي عن منظومة التقييم، قد تبدو النتائج ناجحة على الورق، بينما تتراجع مؤشرات الثقة والانتماء والقدرة على التطور داخل الفرق، وهنا تتشكل فجوة صامتة بين الأداء الذي يُسجل في التقارير، والأداء الذي تعيشه المؤسسات فعلياً في الواقع اليومي. إن التقييم أحادي الاتجاه، الذي يضع الموظف تحت القياس المستمر دون أن يقيس جودة القيادة أو المناخ التنظيمي، لم يعد كافياً في مرحلة تسعى فيها الدولة إلى تعزيز التميز المؤسسي، فالقيادة الحديثة لا تُقاس فقط بما تحققه من نتائج، بل بما تخلقه من بيئة تمكّن الآخرين من تحقيق تلك النتائج بثقة واستدامة.ماذا لو أدرجت الجهات الحكومية بنداً واضحاً بعنوان (تقييم الرفاه الوظيفي للإدارة من منظور الموظفين) ضمن التقييم القيادي السنوي؟ ماذا لو أصبح لهذا البند وزن نسبي يصل إلى 20%، بحيث يُقاس من خلال مؤشرات تتعلق بجودة المناخ التنظيمي ومستوى الثقة والتوازن المهني؟ عندها لن نقيس ما يُنجز فقط… بل كيف يُنجز.إن إعادة هندسة تقييم الأداء الحكومي لا تعني التقليل من أهمية الانضباط أو النتائج الرقمية، بل تعني توسيع مفهوم الأداء ليشمل العوامل التي تصنع استدامته، فالدول التي تتقدم لا تكتفي بتحقيق الإنجاز، بل تراجع باستمرار الأدوات التي تقيس به هذا الإنجاز. فالتحولات الكبرى في الإدارة العامة قد لا تبدأ بقرارات ضخمة، أحياناً تبدأ بإعادة تصميم استمارة.

825

| 16 مارس 2026

الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد فيه الأزمات العالمية تعقيدًا، لم تعد قوة المؤسسات تُقاس فقط بقدرتها على التخطيط أو بامتلاكها الموارد المالية والتقنية، بل بقدرتها على حماية الإنسان العامل داخلها، فالأزمات في حقيقتها لا تضرب الأنظمة أولًا، بل تضرب الاستقرار النفسي للموظفين، ومن هناك تبدأ ارتداداتها الحقيقية على الأداء المؤسسي. ومن هذا المنطلق يبرز مفهوم الرفاه الوظيفي كأحد أهم المفاهيم الحديثة في الإدارة المعاصرة، الذي لم يعد يُنظر إليه بوصفه امتيازًا وظيفيًا أو بيئة عمل مريحة فحسب، بل أصبح إحدى الأدوات الإستراتيجية لحماية المؤسسات في أوقات الأزمات.فالرفاه الوظيفي في جوهره هو قدرة المؤسسة على بناء بيئة عمل يشعر فيها الموظف بالأمان النفسي والمهني، ويحظى فيها بالوضوح في التواصل، والعدالة في التعامل، والدعم القيادي الذي يمكنه من أداء عمله بثقة واستقرار حتى في أصعب الظروف. وكما تشير التجارب المؤسسية الحديثة، فإن الأزمات لا تختبر قوة الخطط بقدر ما تختبر تماسك الإنسان داخل المؤسسة، فالموظف الذي يعمل في بيئة داعمة ومستقرة يكون أكثر قدرة على التركيز واتخاذ القرار والعمل بروح الفريق، بينما يتحول القلق الوظيفي في المؤسسات الهشة إلى عامل يضاعف تأثير الأزمة نفسها. ولهذا يمكن القول إن الرفاه الوظيفي لم يعد مفهومًا إداريًا ثانويًا، بل أصبح أحد أهم عوامل المرونة المؤسسية؛ أي قدرة المؤسسات على التكيف مع التغيرات والاستمرار في الأداء رغم الضغوط. ومن خلال التجارب العالمية يتضح أن المؤسسات التي استثمرت في رفاه موظفيها قبل الأزمات كانت الأكثر قدرة على تجاوزها، ففي العديد من الشركات العالمية الكبرى مثل شركات التكنولوجيا التي واجهت تحديات كبيرة خلال جائحة كورونا كان الاستثمار في رفاه الموظفين أحد أهم العوامل التي حافظت على مستويات الإنتاجية والاستقرار التنظيمي رغم الظروف غير المسبوقة. فالرفاه الوظيفي لا يقتصر على مبادرات تحفيزية أو أنشطة ترفيهية داخل بيئة العمل، بل يرتبط بثقافة مؤسسية متكاملة تبدأ من القيادة، فالقائد الواعي يدرك أن إدارة الأزمات لا تعني فقط إدارة القرارات، بل تعني قبل ذلك إدارة مشاعر القلق داخل المؤسسة. ومن هنا يمكن فهم العلاقة العميقة بين الرفاه الوظيفي والاستقرار المؤسسي، فالموظف الذي يشعر بالثقة في قيادته وفي بيئة عمله يكون أكثر استعدادًا لتحمل الضغوط المهنية والمشاركة في تجاوز التحديات، بينما يتحول الموظف القلق إلى عامل إضافي في تعقيد الأزمة. الأزمات لا تهز المؤسسات القوية لكنها تكشف المؤسسات التي أهملت الإنسان داخلها.كما أن التواصل المؤسسي يلعب دورًا محوريًا في حماية الرفاه الوظيفي أثناء الأزمات، فغياب المعلومات أو الغموض في القرارات يؤدي غالبًا إلى تضخم القلق داخل المؤسسة، بينما يسهم التواصل الواضح والصادق في تعزيز الثقة والاستقرار. الموظف الذي يثق في مؤسسته يعمل في الأزمات بعقل هادئ، أما الموظف القلق فيعمل تحت ضغط الخوف. وفي السياق المؤسسي لدولة قطر ومع التطور الكبير الذي تشهده المؤسسات الحكومية في مجالات الإدارة والحوكمة وجودة الأداء يبرز الرفاه الوظيفي كأحد المجالات الواعدة لتعزيز الاستقرار المؤسسي ورفع كفاءة الأداء الحكومي. فالمؤسسات التي تستثمر في رفاه موظفيها لا تحقق فقط بيئة عمل صحية بل تبني أيضًا كوادر بشرية قادرة على التعامل مع الأزمات بثقة ووعي، وهو ما يشكل أحد أهم عناصر الاستدامة المؤسسية في المؤسسات الحديثة. ومن هنا يمكن طرح ما يمكن تسميته معادلة الاستقرار المؤسسي: كلما ارتفع مستوى الرفاه الوظيفي داخل المؤسسة انخفضت قابلية المؤسسة للتأثر بالأزمات، فالرفاه الوظيفي لا يمنع الأزمات لكنه يقلل من تأثيرها ويحد من ارتداداتها داخل بيئة العمل.وفي عالم اليوم لم يعد السؤال المطروح أمام المؤسسات هو ما إذا كانت ستواجه أزمات أم لا بل كيف ستواجهها عندما تحدث، والإجابة في كثير من الأحيان تبدأ من الداخل من ثقافة المؤسسة ومن طريقة تعاملها مع الإنسان العامل فيها.فالمؤسسات القوية ليست تلك التي لا تمر بالأزمات بل تلك التي تعرف كيف تحمي إنسانها أثناء الأزمة، لأن الموظف المستقر نفسيًا والمحفَّز مهنيًا يظل دائمًا أحد أهم مصادر قوة المؤسسة وقدرتها على الصمود. الرفاه الوظيفي ليس رفاهية تنظيمية بل هو خط الدفاع الأول للمؤسسات في أوقات الأزمات.

894

| 12 مارس 2026

زوبعة العم سام في فنجان الزعفران

ليست كل زوبعة مقدمة لعاصفة، فالعالم اعتاد في أوقات التوتر أن يرفع صوت القلق أكثر مما يرفع حجم الحقيقة، وبين ضجيج الأخبار المتلاحقة وتحليلات المنصات المتعددة، يجد الإنسان نفسه أحيانًا محاطًا بسيل من التوقعات والافتراضات التي قد تضخم المشهد أكثر مما هو عليه، لكن الحكمة تقتضي أن ننظر إلى الصورة بهدوء، وأن نتذكر أن الاستقرار لا يقاس بعدد الأخبار العاجلة، بل بمتانة الأوطان التي نعيش فيها، وبقوة المؤسسات التي تدير شؤونها. في منطقتنا الخليجية، تعلمت الشعوب عبر العقود أن تفرق بين الضجيج العابر والحقائق الثابتة، فقد مرت على هذه المنطقة تحديات عديدة، وسمعنا عبر التاريخ الكثير من التوقعات المتشائمة، لكن الواقع كان دائمًا يقول كلمة مختلفة، الاستقرار يُبنى بالرؤية، ويُحفظ بالحكمة، ويستمر بفضل قيادة تعرف كيف تدير اللحظات الصعبة بثبات واتزان. بين ضجيج الأخبار وهدوء الواقع عندما تشتد الأخبار وتتسارع العناوين، يظن البعض أن العالم يقف على حافة المجهول، لكن الحقيقة أن كثيرًا من الأزمات في عالم السياسة تمر بمراحل من التصعيد الإعلامي قبل أن تتضح حدودها الحقيقية، فالأخبار بطبيعتها تبحث عن الإثارة، والتحليلات أحيانًا تتسابق في رسم السيناريوهات، بينما الواقع يسير غالبًا بخطى أكثر هدوءًا وتعقّلًا. ولذلك فإن القراءة الواعية للأحداث لا تقوم على الخوف أو القلق، بل على فهم أن ما يحدث في العالم ليس دائمًا بالحجم الذي يُصوَّر به، فالعواصف السياسية قد تبدو كبيرة في العناوين، لكنها في كثير من الأحيان لا تتجاوز كونها زوبعة في فنجان، سرعان ما تهدأ عندما تتقدم لغة العقل والحسابات الواقعية. نعمة الأمن التي نعيشها من أجمل النعم التي يعيشها الإنسان في الخليج اليوم نعمة الأمن والاستقرار، هذه النعمة التي قد يعتادها الناس حتى يظنوا أنها أمر طبيعي، بينما هي في الحقيقة نتيجة عمل طويل وجهود متراكمة بذلتها الدول عبر سنوات من التخطيط والتنمية. فالأمن ليس مجرد شعور مؤقت، بل منظومة متكاملة من السياسات الحكيمة، والإدارة الواعية، والاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والاقتصاد، ولذلك عندما ننظر إلى حياتنا اليومية في الخليج نجد أن الاستقرار ليس شعارًا، بل واقعًا نعيشه في تفاصيل الحياة، في الطرق الآمنة، في المؤسسات القوية، وفي المجتمعات التي تنمو بثقة وهدوء. قيادات صنعت الاستقرار برؤية لم يأتِ هذا الاستقرار من فراغ، بل كان ثمرة قيادات آمنت بأن بناء الدولة مسؤولية طويلة المدى، فقد اختارت دول الخليج أن تبني مستقبلها على أسس واضحة، تنمية اقتصادية، واستثمار في التعليم، وتعزيز لمكانة الإنسان، وبناء علاقات متوازنة مع العالم. هذه الرؤية جعلت المنطقة اليوم واحدة من أكثر المناطق استقرارًا في محيطها، ليس فقط بسبب الإمكانات الاقتصادية، بل بسبب الحكمة في إدارة التحديات، فالدول القوية لا تُقاس بردود الفعل اللحظية، بل بقدرتها على اتخاذ القرارات الهادئة التي تحمي مصالحها وتحافظ على استقرار مجتمعاتها. الاطمئنان ثقافة مجتمعية الطمأنينة ليست مجرد شعور فردي، بل هي ثقافة مجتمعية تتشكل مع الزمن، فعندما يعيش الناس في بيئة مستقرة ويشعرون بثقة في مؤسسات دولتهم وقيادتها، يتحول الاطمئنان إلى حالة عامة تسود المجتمع. وفي الخليج، اعتادت المجتمعات أن تنظر إلى الأحداث بعين متوازنة، فالتجربة علمتنا أن الأزمات مهما بدت كبيرة فإنها تمر، وأن الأوطان التي تبنى بالحكمة قادرة دائمًا على تجاوز التحديات. بين الزوابع والحقائق قد تتعالى الزوابع في سماء السياسة، وقد تتسابق العناوين في تصوير المشهد وكأنه على وشك التحول إلى عاصفة كبرى، لكن التاريخ يعلمنا أن كثيرًا من هذه الزوابع لا تلبث أن تهدأ عندما تتقدم الحكمة على الانفعال. وفي الخليج، حيث تتجذر قيم الاعتدال والتوازن، يبقى الاطمئنان خيارًا واعيًا لا سذاجة، فالثقة في القيادة، والإيمان بقدرة الدول على إدارة التحديات، والنظر إلى ما نملكه من خيرات وإنجازات، كلها عوامل تجعلنا نقرأ الأحداث بوعي وهدوء. وفي النهاية، قد تمر الزوابع هنا وهناك، لكن الأوطان التي بُنيت على الحكمة والرؤية تبقى ثابتة، وما نعيشه اليوم من أمن واستقرار ليس صدفة عابرة، بل نتيجة مسيرة طويلة من العمل والبناء، ولذلك، وبين كل ما يُقال ويُكتب، يبقى الواقع شاهدًا على حقيقة واحدة، أن الطمأنينة التي نعيشها أكبر من أي زوبعة عابرة.

348

| 05 مارس 2026

التجارب لا تُجامِل

استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت عنوان ( من فكرة إلى صناعة نفوذ ) أقول إن النظر إلى التجارب الدولية الناجحة يثبت أن التعليم غير النظامي لا ينجح عندما يُترك كجهود متفرقة أو مبادرات موسمية، بل ينجح عندما يتحول إلى منظومة دولة متكاملة. وتعد سنغافورة من أبرز النماذج العالمية التي استطاعت تحويل التدريب والتعليم غير النظامي إلى سياسة وطنية عبر مشروع Skills Future، حيث قامت الدولة بإنشاء منصة موحدة تتيح للمواطنين الوصول إلى برامج تدريبية معتمدة، وربطت هذه البرامج مباشرة باحتياجات الاقتصاد وسوق العمل، مع وجود نظام تمويل ودعم رسمي يضمن استمرار التعلم مدى الحياة. وقد أصبحت سنغافورة من خلال هذه المنظومة مثالًا عالميًا على كيف يمكن للدولة أن تصنع رأس مال بشري عالي الكفاءة دون الاعتماد فقط على التعليم الجامعي التقليدي. (ألمانيا) حين يصبح التدريب جزءًا من الاقتصاد وفي المقابل، تقدم ألمانيا نموذجًا مكملًا لا يقل أهمية، حيث نجحت عبر نظامها المعروف بالتعليم المزدوج في دمج التدريب المهني ضمن الاقتصاد الحقيقي، وربطت التعليم غير النظامي مباشرة بالمؤسسات الإنتاجية والشركات. فالتدريب في ألمانيا ليس شهادة إضافية، بل هو مسار توظيف واستقرار اقتصادي، مما جعل التعليم غير النظامي جزءًا من الأمن الاقتصادي الوطني، وأداة فعالة لإنتاج مهارات عالية الدقة تواكب التطورات الصناعية والتكنولوجية. قطر تدمج النموذجين إن دولة قطر تمتلك فرصة استراتيجية لتبني نموذج مشابه ولكن بصياغة قطرية خاصة، تقوم على دمج التجربتين ضمن إطار واحد، بحيث تتبنى قطر فلسفة سنغافورة في بناء المنصة الوطنية الموحدة للتعليم غير النظامي، ونظام الاعتماد والتمويل وربط التدريب بالتحول الوطني، وفي الوقت ذاته تستلهم من ألمانيا فكرة الربط المباشر بين التدريب والمؤسسات والشركات والوظائف الفعلية. ومن هنا يمكن تأسيس منظومة قطر للتعليم غير النظامي بحيث تكون كل البرامج التدريبية داخل الدولة، سواء المقدمة من الجامعات أو الجهات الحكومية أو القطاع الخاص أو مراكز التدريب، جزءًا من إطار وطني موحد ومعايير قياس أثر واضحة، بما يجعل التدريب رافعة وطنية تدعم رؤية قطر الوطنية 2030 وتخدم أهداف التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية. من سيستفيد؟ أما الفئات التي سيخدمها تطبيق هذا النظام في قطر، فهي فئات واسعة تبدأ من الشباب وطلبة الجامعات، مرورًا بالموظفين الحكوميين والقطاع الخاص، ووصولًا إلى النساء، ورواد الأعمال، والمتقاعدين، بل وحتى الفئات ذات الأولوية التنموية التي تحتاج إلى برامج تمكين خاصة. كما يمكن أن يخدم التعليم غير النظامي المقيمين في قطر من خلال برامج تعزز المهارات وتدعم سوق العمل، وهو ما يعزز الإنتاجية العامة للدولة. النتائج… أكبر من التدريب وإذا تم تطبيق هذا النظام بالشكل الصحيح، فإن النتائج التي ستحققها قطر ستكون متعددة الأبعاد. أولها بناء رأس مال بشري قادر على المنافسة العالمية، وثانيها رفع كفاءة المؤسسات الحكومية والخاصة، وثالثها دعم الاقتصاد الوطني من خلال تعزيز ريادة الأعمال وتقليل الاعتماد على الوظائف التقليدية، ورابعها تعزيز الاستقرار الاجتماعي عبر بناء منظومة قيم وسلوكيات ووعي مجتمعي متقدم. النفوذ الناعم… حين تتحول قطر إلى مصدر أما الأثر الأهم، فهو أن قطر ستتحول إلى دولة مصدرة للمعرفة، وليس فقط دولة مستهلكة لها. أي أن التعليم غير النظامي سيكون أداة لصناعة النفوذ الناعم القطري، عبر تصدير برامج تدريبية إقليمية ودولية، وبناء شراكات مع المنظمات العالمية وعلى رأسها اليونسكو، وتحويل التدريب إلى مسار دبلوماسي ثقافي يعزز حضور قطر العالمي. ما تفهمه الدول الكبرى إن الدول التي تفهم اليوم قيمة التعليم غير النظامي لا تعتبره نشاطًا تدريبيًا، بل تعتبره أمنًا استراتيجيًا ناعمًا. ومن هذا المنطلق، فإن قطر تمتلك فرصة تاريخية لتبني منظومة وطنية للتعليم غير النظامي، لا تكون مجرد برامج تدريب، بل تكون مشروع دولة، ومؤشرًا من مؤشرات التنمية، وأداة لصناعة الإنسان، وأداة لصناعة النفوذ. خاتمة: من التعليم إلى الريادة وبذلك، يصبح التعليم غير النظامي في قطر ليس خيارًا إضافيًا، بل سياسة وطنية تتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030، وتمنح الدولة مساحة جديدة من الريادة، ليس فقط في الاقتصاد أو السياسة، بل في صناعة الإنسان الذي يقود المستقبل.

756

| 24 فبراير 2026

جيل المناظرات.. لحظة مفصلية في إصلاح التعليم

ليست كل مراحل التعليم متشابهة. هناك مراحل تحسين، ومراحل تطوير، وهناك لحظات مفصلية تعيد تعريف المسار بالكامل، نحن اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات. لم يعد السؤال: كيف نُحسّن المناهج؟ السؤال الحقيقي: هل طريقة التعليم نفسها ما زالت صالحة لعصر تُدار فيه الدول بالأفكار، وتُحسم فيه المعارك بالحُجّة، وتنتشر فيه المعلومات في ثوانٍ؟ التعليم القائم على التلقين والحفظ والاختبار قد يمنح الطالب معرفة مؤقتة، لكنه لا يمنحه حصانة فكرية. وفي زمن تتصارع فيه السرديات قبل المصالح، تصبح الحصانة الفكرية أولوية وطنية لا خيارًا تربويًا. هنا تبرز المناظرات، لا كنشاط إضافي، بل كأداة إصلاح. المناظرة ليست تدريبًا على الخطابة، بل تدريب منهجي على التفكير. هي تعلم الطالب أن يبحث قبل أن يتحدث، وأن يستند إلى دليل قبل أن يتبنى رأيًا، وأن يُصغي قبل أن يرد، وأن يختلف دون أن ينفعل. هذه ليست مهارات تجميلية، بل مهارات بقاء في قرن الأفكار. الدول المتقدمة لم تعتبر المناظرات ترفًا ففي المملكة المتحدة يفرض المنهج الوطني تضمين مهارات التحدث والاستماع، بما يشمل النقاشات المنظمة، ضمن التقييمات الأساسية في المراحل الدراسية. الفوائد تتجاوز قاعة الصف. فكريًا، تعزز المناظرات التفكير النقدي وتحليل القضايا من زوايا متعددة، وتُدرّب الطالب على التمييز بين الرأي والمعلومة. اجتماعيًا، تبني ثقافة احترام الرأي المختلف والعمل الجماعي. نفسيًا، ترفع مستوى الثقة بالنفس، وتُنمّي القدرة على التعبير تحت الضغط. وطنيًا، تُعد جيلًا يفهم القضايا العامة بوعي، ويشارك بمسؤولية، ويحصّن المجتمع من الانجرار خلف التضليل. من هنا، يصبح إدماج التعليم غير النظامي، وعلى رأسه المناظرات، خطوة إصلاحية حقيقية لا تجميلية. المقترح واضح: إدراج مسار إلزامي للتعليم غير النظامي ضمن الخطة الدراسية، يكون شرط اجتياز للانتقال بين المراحل، دون احتساب في المعدل التراكمي، مسار يركز على المناظرات والتفكير النقدي والتدريب العملي. كما لا ينتقل الطالب دون نجاح في المواد الأساسية، لا ينبغي أن ينتقل دون إثبات قدرته على التفكير والحوار. أما آلية التنفيذ في قطر، فهي ممكنة دون أعباء إضافية. تتولى مناظرات قطر وضع الإطار الوطني للمناظرات التعليمية، وإعداد دليل موحد، وتأهيل واعتماد المدربين، وتنفذ مراكز التدريب الخاصة المعتمدة البرنامج داخل المدارس والجامعات بعد حصولها على الاعتماد، بينما تقوم وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي بإدراج المسار كمادة اجتياز إلزامية وتحديد آلية التقييم والمتابعة. إصلاح التعليم لا يعني إلغاء الإرث، بل تطويره وتهيئته لمتطلبات المستقبل. نحن أمام لحظة مفصلية فعلًا: إما أن نكتفي بتحسين الأدوات القديمة، أو نمتلك الجرأة لإضافة مهارات تواكب قرن الأفكار. جيل المناظرات ليس شعارًا، بل رؤية لصناعة عقول تُحاور بدل أن تنفعل، وتُقنع بدل أن تصطدم والقرارات المفصلية لا يُقاس أثرها اليوم، بل بعد سنوات، عندما نرى الفرق بين جيل يُجادل بعلم وجيل ينجرف خلف الصوت الأعلى.

303

| 23 فبراير 2026

من فكرة إلى صناعة نفوذ

ليس (هل؟) بل (كيف؟) استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر بتاريخ التاسع من فبراير تحت عنوان التعليم غير النظامي أداة ناعمة لصناعة النفوذ الدولي، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس هل نحتاج إلى (التعليم غير النظامي)، بل كيف يمكن لدولة قطر أن تحوّل هذا المفهوم إلى منظومة وطنية استراتيجية تخدم الدولة، وتحقق رؤيتها، وتعزز حضورها العالمي، وتؤسس نموذجًا يُحتذى به في المنطقة. المقومات مكتملة… ولكن إن دولة قطر تمتلك جميع مقومات التحول إلى مركز إقليمي وعالمي للتعليم غير النظامي، ليس فقط بسبب ما تملكه من بنية تحتية تعليمية قوية، بل لأنها تمتلك أيضًا رؤية وطنية واضحة تتمثل في رؤية قطر الوطنية 2030، والتي ترتكز على أربعة محاور رئيسية: التنمية البشرية، والتنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والتنمية البيئية. وجميع هذه المحاور لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع دون منظومة تدريب وطنية مرنة وسريعة تستجيب للتغيرات العالمية المتسارعة، وتعيد تشكيل المهارات والوعي المجتمعي بشكل مستمر. التعليم الرسمي وحده… يتأخر إن التعليم الرسمي وحده لا يستطيع مواكبة تسارع احتياجات سوق العمل، ولا يملك المرونة الكافية لمواجهة التحولات المتلاحقة في التكنولوجيا والاقتصاد والهوية الثقافية. وهنا يأتي التعليم غير النظامي ليملأ هذه الفجوة، ليس بوصفه بديلًا، بل بوصفه الذراع الاستراتيجي السريع للدولة لبناء الإنسان وصناعة الجاهزية الوطنية. الحل يبدأ باسم واحد (منظومة) ومن أجل تحويل هذا المفهوم إلى واقع في قطر، فإن الخطوة الأولى تبدأ من تبني إطار وطني رسمي يسمى على سبيل المثال منظومة قطر للتعليم غير النظامي، بحيث يتم تنظيم التدريب، وتوحيد المسارات، وربط الاعتماد بجودة المحتوى، وربط المخرجات بحاجات الدولة. هذه المنظومة يجب أن تكون قائمة على الشراكة بين الجهات الحكومية والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، وأن تكون مرتبطة مباشرة بمؤشرات أداء وطنية قابلة للقياس. (وزارة التربية) حيث تبدأ الحوكمة وعند الحديث عن الجهات التي يمكن أن تقود هذا التحول، فإن وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي تمثل حجر الأساس بوصفها الجهة التنظيمية العليا، حيث يمكن أن تتولى وضع المعايير، وتنظيم الاعتمادات، وإطلاق إطار رسمي للتعليم غير النظامي، وتحديد المسارات التي تخدم التنمية البشرية. كما يمكن للوزارة أن تنسق مع الجهات الأخرى لإنشاء نظام وطني للاعتماد والتصنيف، بحيث لا يصبح التدريب مجرد سوق تجاري، بل يصبح قطاعًا تنمويًا منظمًا. (وزارة العمل) التدريب الذي يساوي إنتاجية أما وزارة العمل فيمكن أن تكون الذراع التنفيذي في ربط التعليم غير النظامي بسوق العمل، عبر تطوير برامج تدريب مرتبطة بالوظائف المستقبلية، وإعادة تأهيل الباحثين عن عمل، وتطوير المهارات المهنية للموظفين في القطاعين العام والخاص. ويمكن للوزارة أيضًا أن تستثمر في برامج إعادة بناء المهارات للوظائف المتغيرة نتيجة التحول الرقمي، بحيث يصبح التعليم غير النظامي أداة حقيقية لخفض البطالة المقنعة ورفع الإنتاجية الوطنية. (وزارة التنمية) الاستثمار في الإنسان وفي السياق ذاته، فإن وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة يمكن أن تلعب دورًا جوهريًا في تحويل التعليم غير النظامي إلى أداة استقرار اجتماعي، عبر إطلاق برامج تدريبية تعزز الوعي الأسري، والمهارات التربوية، والتمكين الاقتصادي للمرأة، والتأهيل المجتمعي للشباب، بما يخدم التنمية الاجتماعية ويعزز التماسك الوطني. (الجامعات) حين يتجاوز الدور القاعة الدراسية أما الجامعات القطرية وعلى رأسها جامعة قطر، فإن دورها يجب أن يتجاوز حدود التعليم الأكاديمي التقليدي، لتصبح الجامعات مصانع معرفة وطنية تقدم برامج تعليم مستمر قصيرة ومعتمدة، وتفتح المجال لبرامج مهنية وشهادات مصغرة تخدم الموظفين والخريجين والقيادات. ويمكن لمراكز التعليم المستمر داخل الجامعات أن تتحول إلى شريك استراتيجي في بناء منظومة وطنية للتعليم غير النظامي، بحيث تتكامل الجامعة مع الدولة في بناء القدرات. (مؤسسة قطر) منصة المعرفة العالمية كما أن مؤسسة قطر، بما تمتلكه من منظومة تعليمية وبحثية عالمية، قادرة على أن تكون منصة دولية لتطوير نموذج قطري عالمي في التعليم غير النظامي، عبر برامج الابتكار، وتطوير القيادات، وربط التدريب بالبحث العلمي، وتحويل المعرفة إلى أثر مجتمعي واقتصادي. (القطاع الخاص) الشريك الذي لا غنى عنه ولا يمكن تجاهل الدور الحيوي للقطاع الخاص، إذ إن نجاح التعليم غير النظامي عالميًا مرتبط دائمًا بالشراكة مع الشركات والمؤسسات الكبرى، لأن القطاع الخاص هو الأكثر قدرة على تحديد المهارات المطلوبة، والأكثر احتياجًا للكوادر المؤهلة. ويمكن للقطاع الخاص في قطر أن يسهم من خلال برامج المسؤولية المجتمعية في تمويل التدريب، ودعم المبادرات التعليمية، وتقديم فرص تدريب ميداني، وخلق مسارات توظيف مرتبطة بالتعليم غير النظامي. (غرفة التجارة ومعهد الإدارة) دعم المسار الوطني ومن هنا فإن الجهات التي يمكن أن تلعب دورًا داعمًا في قطر تشمل غرفة تجارة وصناعة قطر، التي يمكن أن تكون منصة لتحديد احتياجات الشركات من المهارات، وتنسيق التدريب مع مؤسسات التدريب، وتطوير برامج نوعية موجهة لرواد الأعمال. كما يمكن أن يكون لمعهد الإدارة العامة دور مهم في اعتماد البرامج الحكومية وبناء الكفاءات القيادية والإدارية وفق معايير وطنية موحدة. (الإعلام) المعركة تبدأ من الوعي وفي جانب آخر، فإن الإعلام الوطني يمثل أحد أعمدة نجاح التعليم غير النظامي، لأنه مسؤول عن تغيير الثقافة المجتمعية تجاه التدريب، وتعزيز فكرة أن الشهادة الجامعية وحدها لم تعد كافية لصناعة المستقبل. ويجب أن يكون هناك خطاب إعلامي جديد يرسخ قيمة التعلم مدى الحياة، ويرفع مكانة التدريب في الوعي الوطني.

339

| 17 فبراير 2026

التعليم غير النظامي.. أداة ناعمة لصناعة النفوذ

لم تعد القوة في عالم اليوم تُقاس فقط بعدد الجيوش أو حجم الاقتصاد أو امتلاك الموارد الطبيعية، العالم دخل مرحلة جديدة من النفوذ، حيث أصبحت الدول الأكثر تأثيرًا هي تلك التي تملك عقلًا عالميًا قادرًا على تشكيل الوعي، وتصدير المعرفة، وصناعة الإنسان قبل صناعة السلاح، وهنا يظهر التعليم غير النظامي بمفهومه الشامل الذي يتضمن التدريب المهني، والتأهيل المجتمعي وبرامج بناء القدرات كإحدى أكثر الأدوات تأثيرًا في صناعة النفوذ الدولي، بل كقوة ناعمة تسبق السياسة وتؤسس للاقتصاد وتدعم الاستقرار. التعليم غير النظامي لم يعد خيارًا تكميليًا، بل أصبح أحد المسارات الأكثر حضورًا في سياسات الدول الذكية، لأنه يتعامل مع الإنسان كقيمة استراتيجية، وليس كرقم ضمن إحصائيات التعليم التقليدي، وفي زمن التحولات العالمية، يصبح الاستثمار في التدريب وبناء القدرات هو الاستثمار الأكثر ضمانًا لصناعة المستقبل. التدريب ليس ترفًا بل سياسة دولة تتعامل الدول المتقدمة مع التعليم غير النظامي باعتباره أداة استجابة سريعة للمتغيرات. فالتعليم الرسمي، رغم أهميته، يتحرك ببطء بسبب البيروقراطية وطول دورة تحديث المناهج، بينما التدريب قادر على تعديل المسار فورًا. وهنا تتشكل الحقيقة السياسية الأوضح: الدول التي تملك منظومة تدريب قوية هي الدول التي تستطيع حماية مستقبلها دون ضجيج. نقل المعرفة من التعليم إلى إعادة تشكيل الوعي التعليم غير النظامي لا يقتصر على نقل مهارة أو تدريب موظف. بل هو أداة لإعادة تشكيل الثقافة. فعندما تستثمر دولة في تدريب الشباب على القيادة، أو تدريب موظفيها على الابتكار، أو تدريب مجتمعها على ريادة الأعمال، فهي لا تصنع أفرادًا فقط، بل تعيد صياغة عقل الدولة بالكامل. وهذا تحديدًا ما يجعل التعليم غير النظامي قادرًا على خلق موجات تغيير واسعة تتجاوز الفرد وتصل إلى نمط التفكير الوطني، وهو ما تفتقده كثير من الأنظمة التي تعتمد فقط على التعليم التقليدي. أمثلة دولية.. كيف صنعت الدول نفوذها عبر التعليم غير النظامي؟ من يقرأ التاريخ الحديث للتنمية يدرك أن كثيرًا من الدول لم تصعد عبر الموارد، بل عبر الإنسان ومن أبرز الأمثلة: سنغافورة جعلت التدريب المستمر جزءًا من هوية الدولة. فالمواطن هناك لا يتوقف عن إعادة التأهيل، لأن الدولة تعتبر تطوير المهارات شرطًا للاستقرار الاقتصادي والتنافس العالمي. ألمانيا رسخت قوتها الصناعية من خلال منظومة التدريب المهني المزدوج، حيث يتعلم الفرد داخل المؤسسة كما يتعلم داخل الأكاديمية، مما جعل مهارات العمالة الألمانية معيارًا عالميًا في الجودة. كوريا الجنوبية انتقلت من دولة متعثرة إلى دولة مؤثرة عالميًا عبر الاستثمار المكثف في التدريب والمهارات التقنية والابتكار، مما ساهم في بناء اقتصاد صناعي ثم معرفي ثم رقمي. كندا استخدمت التعليم غير النظامي كأداة استقرار اجتماعي، خصوصًا عبر برامج التدريب ودمج المهاجرين، وهو ما جعل التنوع مصدر قوة لا مصدر اضطراب. هذه الدول لم تعتبر التدريب خيارًا بل اعتبرته أداة بناء دولة حديثة. اليونسكو تؤكد: التعليم مدى الحياة هو معيار الدول المتقدمة اليونسكو لم تعد تركز فقط على التعليم المدرسي، بل تضع التعليم غير النظامي ضمن أولوياتها العالمية خصوصًا من خلال مفهوم التعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) باعتباره حقًا إنسانيًا وأداة استراتيجية للتنمية. وقد ركزت اليونسكو في تقاريرها ومبادراتها على أن التعليم غير النظامي يمثل مسارًا ضروريًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وبشكل خاص الهدف الرابع الذي ينص على ضمان تعليم شامل وعادل وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع. كما أن اليونسكو تدعم بشكل واضح مبادرات بناء القدرات المجتمعية، والتدريب المهني للشباب وتمكين النساء عبر التعليم المستمر، وتطوير مهارات العمل والابتكار، ودعم التعلم خارج الإطار الرسمي. وهذا يؤكد أن التعليم غير النظامي ليس نشاطًا تدريبيًا عابرًا، بل أحد أهم محاور السياسات الدولية الحديثة. النفوذ الحقيقي يبدأ من التعليم غير النظامي: لم يعد السؤال المطروح اليوم: هل نحتاج التدريب؟ بل السؤال الحقيقي: هل يمكن لدولة أن تنافس عالميًا دون منظومة تعليم غير نظامي قوية؟ التعليم غير النظامي هو خط الدفاع الأول عن المستقبل، وهو الأداة الأذكى لصناعة القوة الناعمة وهو الطريق الأكثر تأثيرًا لبناء إنسان قادر على قيادة التنمية.

585

| 09 فبراير 2026

هل نعرف هذا المصطلح؟

ليست كل إشكالية في قطاع التدريب ناتجة عن ضعف المحتوى أو هشاشة الطرح، فبعض الأزمات تبدأ من العنوان، حين يُعامل لا بوصفه مدخلًا معرفيًا، بل بوصفه اختبارًا لحدود الفهم لدى الجهة المعتمِدة. هنا تحديدًا، ينقلب التنظيم إلى وصاية، والمعيار المهني إلى ذائقة شخصية، ويُختزل التطوير في ما هو مألوف لا فيما هو مطلوب. في بعض الدوائر، لا يُقيَّم العنوان وفق مرجعيته العلمية، ولا يُسأل عن أثره، ولا يُربط بالتحولات الوطنية أو الدولية، بل يُختصر القرار في سؤال واحد: (هل نعرف هذا المصطلح؟) فإن لم يكن شائعًا إداريًا، طُلب تغييره، لا لأن فيه خللًا، بل لأن الفهم لم يسبقه. هذا الأسلوب يتناقض صراحة مع رؤية قطر الوطنية 2030، وبشكل أدق مع الإستراتيجية الوطنية الثالثة التي ركزت على تسريع الأداء الحكومي، ورفع كفاءة رأس المال البشري، وتحسين جودة الحياة الوظيفية، وربط السياسات بالنتائج القابلة للقياس، فلا يمكن الحديث عن تسارع مؤسسي بينما تُدار أدوات التدريب بعقلية تخشى تحديث اللغة والمفاهيم. في الدول المتقدمة في إدارة التدريب، لا يُنظر إلى عناوين الدورات باعتبارها تفاصيل شكلية، بل كأدوات توجيه إستراتيجي. في سنغافورة، تُحدّث عناوين البرامج باستمرار لتتوافق مع متطلبات المرحلة الاقتصادية والتحول الرقمي، وتُقاس فعاليتها من خلال مؤشرات واضحة مثل الإنتاجية، الجاهزية المستقبلية، ومستوى الرضا الوظيفي. في المملكة المتحدة، ترتبط عناوين البرامج التدريبية مباشرة بمؤشرات الأداء الوطنية المتعلقة بجودة الحياة في العمل والفعالية المؤسسية. أما في كندا ودول الاتحاد الأوروبي، فقد أصبح تحديث العناوين جزءًا من الحوكمة، لأن العنوان يحدد زاوية التفكير ويعكس أولويات الدولة. وعند إسقاط ذلك على الإستراتيجية الوطنية الثالثة في قطر، نجد أن مؤشرات الأداء التي تعتمدها مثل رفع كفاءة القوى العاملة، تحسين بيئات العمل، تعزيز الاستدامة المؤسسية، وتسريع الإنجاز لا يمكن تحقيقها عبر برامج تدريبية تُدار بعناوين تقليدية مكررة، فالعنوان هنا ليس ترفًا لغويًا، بل مؤشرًا مبكرًا على مدى انسجام البرنامج مع التوجه الإستراتيجي. إن رفض العناوين الحديثة دون تقييم أثرها على مؤشرات الأداء يُضعف إحدى أهم أدوات تنفيذ الإستراتيجة الوطنية وهي بناء القدرات البشرية، فكيف يمكن تحسين الإنتاجية دون (الرفاه في بيئة العمل)؟ وكيف يمكن رفع جودة الحياة المهنية دون برامج تدريبية تعكس هذا التوجه بوضوح؟ وكيف يمكن الحديث عن تسارع بينما نطلب من التدريب أن يبقى داخل قوالب قديمة؟ الأخطر من ذلك أن هذا السلوك يرسل رسالة معاكسة تمامًا لروح الرؤية الوطنية: رسالة تقول إن المعرفة يجب أن تتكيف مع مستوى الجهة، لا أن ترتقي الجهة لاستيعاب المعرفة. وهذا يتناقض مع فلسفة التمكين، والابتكار، والمسؤولية المؤسسية. ليس من مسؤولية الخبير أو المدرب أن يُفرغ المفاهيم من عمقها لتصبح مريحة إداريًا، ولا أن يستبدل الدقة العلمية بمصطلحات لضمان المرور. السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بوضوح: هل نريد تدريبًا يقاس بعدد الموافقات؟ أم تدريبًا يقاس بمؤشرات الأداء والأثر الفعلي على الإنسان والمؤسسة؟

660

| 03 فبراير 2026

أثرٌ بلا ضجيج.. أم ضجيجٌ بلا أثر؟

ليس كل من ارتفع صوته في بيئة العمل ترك أثرًا، وليس كل من صمت غاب حضوره. في الحياة، هناك من يُتقن فن الظهور، وهناك من يُتقن فن التأثير. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بصدق: بعد سنوات من العمل، ماذا بقي منك؟ أثرٌ حقيقي… أم مجرد ضجيج عابر؟ كثيرون يفاخرون بعدد سنوات الخدمة، بعدد الاجتماعات، بعدد المناصب التي شغلوها، أو بعدد الصور التي التُقطت لهم في الصفوف الأولى. لكن المؤسسات لا تُبنى بالأعوام، ولا تُقاس باللقطات، ولا تُدار بالتصفيق. المؤسسات تُقاس بما تغيّر فيها لأنك كنت حاضرًا. حين يتقدّم الصوت على الإنجاز: في كل قطاع، وفي كل إدارة، نرى النموذجين بوضوح. هناك من يتقن فن الكلام أكثر مما يتقن فن الإنجاز، يرفع صوته في الاجتماعات، ويكثر من الوعود… لكن الواقع لا يتغير. هذا نموذج واضح لـ «ضجيج بلا أثر». وفي المقابل، هناك من لا يكثر من الظهور، لا يتصدر المنصات، لكنه أعاد بناء فريقه، طوّر آليات العمل، خفّض نسب الأخطاء، وصنع بيئة صحية للعمل، هذا هو «أثر بلا ضجيج». الأثر الذي لا يحتاج إعلاناً: الأثر الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان. يُرى في تحسّن الأداء، في استقرار الفريق، في نمو الكفاءات، وفي استمرار النتائج حتى بعد مغادرتك الموقع. أما الضجيج، فغالبًا ما يختفي بانطفاء الأضواء، ولا يترك خلفه سوى ملفات معلّقة ووعودًا لم تكتمل. نماذج من الواقع الوظيفي: في أحد القطاعات الخدمية، تحكي موظفة عن مسؤول غادر موقعه منذ سنوات، وما زال اسمه يتردد حتى اليوم. لم يكن كثير الظهور، ولا عالي الصوت، لكنه كان يستثمر في الناس، يعلّمهم، يحميهم من التعقيد، ويمنحهم الثقة. تقول: بعد خروجه، بقينا نعمل على نظامه، ونستفيد من أفكاره. هذا هو الأثر الذي لا تلتقطه الكاميرات، لكنه يعيش طويلًا. وفي قطاع آخر، نرى شخصية كان حضورها الإعلامي لافتًا، صوته الأعلى في الاجتماعات، قراراته سريعة ومعلنة… لكن بعد انتقاله، لم يبقَ شيء يُذكر. الملفات عادت إلى نقطة الصفر، والفريق احتاج وقتًا طويلًا لإصلاح ما تعطل. هنا نفهم أن الضجيج قد يسبق الإنجاز، لكنه لا يصنع بقاءه. الأثر ليس حكرًا على القيادات: الأثر لا يخص القيادات وحدها، حتى الموظف في موقعه البسيط يصنع أثرًا حين يطوّر إجراءً، يختصر وقتًا، يسهّل خدمة، أو يترك خلفه نظامًا أفضل مما استلمه. كثير من الموظفين لا يحملون ألقابًا كبيرة، لكن أسماءهم تُذكر باحترام لأنهم غيّروا طريقة العمل، أو أنقذوا مشروعًا، أو صنعوا فرقًا في تجربة المستفيد. السؤال الذي لا نحب مواجهته: والسؤال الأخطر الذي يجب أن يواجهه كل موظف، وكل مسؤول، وكل صاحب قرار بصدق: لو غادرتُ مكاني غدًا… ماذا سيتغير؟ هل ستسير الأمور كما هي؟ أم سيظهر الفراغ؟ أم سيكتشف الجميع أن وجودي كان مجرد حضور شكلي؟ في معنى أن تترك أثرًا: في ثقافة العمل الحديثة، لم يعد المهم كم تتكلم، بل كم تُنجز. لم يعد المهم كم تظهر، بل ماذا تترك. المؤسسات الذكية لا تبحث عن أصحاب الأصوات العالية، بل عن صانعي الأثر الهادئ، أولئك الذين يغيّرون من الداخل، ويتركون الأنظمة أفضل، والفرق أقوى، والخدمات أجود. الخاتمة: ما الذي يبقى؟ لذلك، حين نراجع مسيرتنا المهنية، لا نحتاج أن نحصي السنوات، بل أن نحاسب أنفسنا على الإضافة. ما المشروع الذي ترك بصمة؟ ما الفريق الذي كبر معنا؟ ما الإجراء الذي تحسّن لأننا كنا هنا؟ هذه هي الأسئلة التي تصنع سيرة مهنية حقيقية. في النهاية، المناصب تزول، والعناوين تتغير، والضجيج يخفت سريعًا… لكن الأثر وحده هو ما يبقى. فاختر لنفسك أن تكون أثرًا بلا ضجيج… لا ضجيجًا بلا أثر.

855

| 26 يناير 2026

وداعاً د. أحمد عبد الملك

حين يرحل الكبار،لا يغيب شخص واحد فقط، بل يغيب معه جزء من ذاكرة المهنة، وطبقة كاملة من الحكمة، ونبرة نادرة من الاتزان لم تعد تتكرر كثيرًا في مشهد الإعلام اليوم. بعض الرحيل لا يُقاس بفقد إنسان، بل بفقد مرحلة كاملة من الوعي، وبانطفاء مدرسة كانت تُعلّم قبل أن تكتب، وتربّي قبل أن تنتقد. رحيل الدكتور أحمد عبدالملك ليس خبرًا عابرًا في شريط الأحداث، بل علامة فارقة في تاريخ إعلامي طويل علّمنا أن الكلمة موقف، وأن الرأي مسؤولية، وأن الصحافة لا تُقاس بسرعة الانتشار، بل بعمق الأثر. كان واحدًا من أولئك الذين لم يلهثوا خلف العناوين، بل جعلوا العناوين تليق بهم، ولم يبحثوا عن الضوء، بل تركوا الضوء يبحث عنهم. في زمن ازدحمت فيه المنصات وخفّ فيه الوزن النوعي للكلمة، ظل صوته مختلفًا؛ هادئًا من غير ضعف، حازمًا من غير صخب، ناقدًا من غير إساءة، ومخلصًا للمعنى قبل أي اعتبار آخر. لم يكن يكتب ليُدهش، بل ليُقوّم، ولم يكن يلاحق الحدث، بل يضعه في سياقه، ويعيد للخبر إنسانيته، وللرأي أخلاقه. رحيل أمثاله يكشف لنا فجأة حجم الفراغ الذي لا ننتبه إليه إلا حين يقع. ندرك متأخرين أن بعض القامات كانت تمسك بتوازن المشهد دون أن تُعلن ذلك، وأن وجودها كان صمام أمان صامتًا، يحفظ للإعلام وقاره، وللمهنة هيبتها، وللرأي حدوده الرفيعة بين الجرأة والانفلات. ليس الحزن هنا على رجل غادر فحسب، بل على قيمة بدأت تتوارى، وعلى نموذج مهني نادر، وعلى زمن كانت فيه الكلمة تُصاغ بضمير قبل أن تُنشر بحبر. فبعض الغياب لا يؤلم لأنه قريب، بل لأنه يكشف هشاشة ما تبقى، وحاجتنا الماسّة إلى أمثال هؤلاء في زمن تتسارع فيه الأصوات وتتباطأ فيه المعاني. يبقى أن القامات الحقيقية لا تُختصر في تواريخ ولا تُطوى برحيل. تبقى في الذاكرة المهنية، وفي وعي الأجيال، وفي تلك اللحظات التي نبحث فيها عن صوت عاقل وسط الضجيج، فنستحضر أسماء علّمتنا أن الإعلام ليس سباقًا، بل مسؤولية. وليس منصة، بل رسالة. رحم الله الدكتور أحمد عبدالملك، وجعل ما قدّم شاهدًا له لا عليه، وجعل من سيرته درسًا مفتوحًا لكل من يظن أن الكلمة مجرّد مهنة، بينما هي في حقيقتها أمانة عمر.

384

| 20 يناير 2026

سوق بلا قانون

لم تعد ظاهرة العمل دون ترخيص مجرد مخالفات فردية يمكن التغاضي عنها، بل تحولت إلى تهديد حقيقي لبنية الدولة، ولهيبتها، ولثقة المجتمع في مؤسساته. ما يُعرف شعبياً بـ (أصحاب الشنطة) ليسوا فقط خارجين عن القانون، بل هم نتاج ثقافة مجتمعية سمحت للفوضى أن تتسلل إلى المهنة، والسوق، والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية. التحرك الحازم الذي قامت به وزارة الصحة العامة في ضبط ممارسين غير مرخصين وإحالتهم للقضاء ليس إجراءً إدارياً، بل رسالة سيادية: لا أحد فوق القانون، ولا مهنة خارج القانون. لكنه في الوقت نفسه يضع المجتمع أمام سؤال صريح ومحرج: كيف سمحنا لهذا العبث أن ينتشر؟ ومن الذي صنع لهذا السوق غير النظامي زبائنه وشرعيته؟ الخطر الحقيقي لم يعد في وجود المخالفة، بل في تطبيعها اجتماعياً. حين يبرر الناس التعامل مع غير المرخص لأنه أرخص، أسرع، أو بدون إجراءات، فإنهم لا يبحثون عن حل، بل يشاركون فعلياً في بناء اقتصاد ظل، ومجتمع ظل، ومهنة ظل... بلا ضمانات، بلا حقوق، وبلا محاسبة. هنا لا يكون المواطن أو المستهلك متفرجاً بريئاً، بل طرفاً في الفوضى، يتصرف وكأن القوانين لا تعنيه وكأن بعض الناس أصبحوا فوق القانون. أما قطاع التدريب والتطوير البشري، فقد تحول إلى مسرح لمدّعي الخبرة. أفراد بلا اعتماد ولا تأهيل يبيعون الوهم تحت عناوين براقة، وتُمنح لهم المنصات لأن الجمهور لا يسأل: هل أنت مرخص؟ هل أنت معتمد؟ هل ما تقدمه علم أم استعراض؟ حين يقبل الناس بذلك، فإنهم لا يُضلَّلون فقط، بل يساهمون في تدمير قيمة المهنة نفسها. وفي قطاع التعليم، تستمر ظاهرة الدروس الخصوصية غير المرخصة ومدرسي الشنطة، ورغم أن وزارة التعليم بدأت تنظيماً جاداً، إلا أن المجتمع ما زال يتواطأ بالصمت والتعامل. حين يسلم أولياء الأمور مستقبل أبنائهم لممارسين غير مؤهلين لأنهم أقرب أو أرخص، فهم لا يخالفون نظاماً فقط، بل يفرطون في حق أبنائهم وفي مصلحة الوطن التعليمية. وفي قطاع التجميل، تُمارس أخطر الانتهاكات للجسد الإنساني داخل «عيادات الظل» و«كوافيرات الشنطة»، حيث تُجرى إجراءات في منازل وغرف مغلقة بلا رقابة صحية ولا مسؤولية قانونية. لكن من الذي يذهب إليهم؟ من الذي يغامر بجسده لأنه أرخص أو أسرع أو «من باب التجربة»؟ هنا لا يكون الضرر نتيجة فعل فردي، بل نتيجة قرار اجتماعي يستهين بالسلامة ويكافئ العبث. وفي قطاع الصيانة والخدمات الفنية، تنتشر عمالة غير نظامية تُستدعى لأنها أرخص أو بدون فاتورة. النتيجة: حرائق، أعطال، خسائر، ونزاعات بلا جهة تُحاسَب. ومع كل حادثة، يتكرر السؤال: لماذا لا يوجد تنظيم؟ بينما الحقيقة أن المجتمع اختار الطريق الأسهل لا الطريق الصحيح. أما قطاع العقار، فـ (سماسرة الشنطة) يعبثون بالسوق عبر صفقات غير موثقة، ووعود بلا ضمانات. ومع ذلك، يتعامل الناس معهم لأن الإجراءات الرسمية تأخذ وقتاً. هكذا تُبنى سوق بلا شفافية، بلا حماية، وبلا استقرار، وكأن بعض الوسطاء باتوا فوق القانون. ما يجمع كل هذه القطاعات حقيقة واحدة: العمل دون ترخيص ليس (شطارة)، بل تقويض مباشر لهيبة الدولة، لكنه أيضاً نتيجة مسؤولية مجتمعية مهملة. المخالف لا يعيش في فراغ، بل في سوق صنعه له المجتمع بتعامله، وتبريره، وصمته، حتى بدا وكأن من يعمل بلا ترخيص يتصرف فوق القانون دون مساءلة. القانون بلا وعي مجتمعي يبقى ناقص الأثر، كل فرد يختار التعامل مع غير المرخص لأنه أرخص أو أسرع، يشارك عملياً في تخريب النظام العام، كل من يتغاضى عن الترخيص، يتواطأ مع الفوضى. العمل من تحت الطاولة ليس مجرد مخالفة، بل خيانة لمعنى الدولة الحديثة التي تقوم على النظام، العدالة، وحماية الإنسان. والترخيص ليس ورقة شكلية، بل عقد أخلاقي بين المهنة والوطن. الرسالة يجب أن تكون قاطعة: لا مهنة بلا ترخيص. ولا سوق بلا قانون. ولا مجتمع واعٍ يساهم في صناعة الفوضى ثم يشتكي منها.

495

| 13 يناير 2026

alsharq
مواد البناء في قطر.. دروس من أزمة المضيق

أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية...

1662

| 31 مايو 2026

alsharq
لكل نهضةٍ رجالها

لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة...

1542

| 29 مايو 2026

alsharq
العطية.. رجل الدولة الذي قاد عصر الطاقة القطري

في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها...

1293

| 30 مايو 2026

alsharq
غريب في البيت

لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...

795

| 24 مايو 2026

alsharq
أبشر يا أبا أحمد بالفوز

ودعت قطر أمس ببالغ الحزن والأسى والرضا بقضاء...

681

| 30 مايو 2026

alsharq
يؤلمهم العيد

في كل عيد تبدو الحياة وكأنها تتفق فجأة...

672

| 27 مايو 2026

alsharq
قمة أرمينيا.. آفاق جديدة ولكن؟

في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد...

669

| 26 مايو 2026

alsharq
قطر والرياضة العراقية.. صفحات من الوفاء

وقفت قطر مع العراق مواقف الأخوة العربية الصادقة...

657

| 26 مايو 2026

alsharq
أين يختبئ المثقف المتواضع؟

لماذا يقبل الناس على مثقف أدنى من مثقف...

639

| 26 مايو 2026

alsharq
لا أحد سيبدأ عنك

كثيرون ينتظرون أن تبدأ حياتهم المهنية بفرصة جاهزة...

618

| 25 مايو 2026

alsharq
كثر خير الله وطاب

حياتنا في مساحاتها الواسعة تحتاج لمن يحفزها ويبعث...

603

| 28 مايو 2026

alsharq
قطر تدفع نحو خفض التصعيد

يعكس الاتصال الهاتفي بين حضرة صاحب السمو الشيخ...

597

| 27 مايو 2026

أخبار محلية