رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

192

الدكتورة حصة حامد المرواني

وداعاً د. أحمد عبد الملك

20 يناير 2026 , 02:18ص

حين يرحل الكبار،لا يغيب شخص واحد فقط، بل يغيب معه جزء من ذاكرة المهنة، وطبقة كاملة من الحكمة، ونبرة نادرة من الاتزان لم تعد تتكرر كثيرًا في مشهد الإعلام اليوم. بعض الرحيل لا يُقاس بفقد إنسان، بل بفقد مرحلة كاملة من الوعي، وبانطفاء مدرسة كانت تُعلّم قبل أن تكتب، وتربّي قبل أن تنتقد.

رحيل الدكتور أحمد عبدالملك ليس خبرًا عابرًا في شريط الأحداث، بل علامة فارقة في تاريخ إعلامي طويل علّمنا أن الكلمة موقف، وأن الرأي مسؤولية، وأن الصحافة لا تُقاس بسرعة الانتشار، بل بعمق الأثر. كان واحدًا من أولئك الذين لم يلهثوا خلف العناوين، بل جعلوا العناوين تليق بهم، ولم يبحثوا عن الضوء، بل تركوا الضوء يبحث عنهم.

في زمن ازدحمت فيه المنصات وخفّ فيه الوزن النوعي للكلمة، ظل صوته مختلفًا؛ هادئًا من غير ضعف، حازمًا من غير صخب، ناقدًا من غير إساءة، ومخلصًا للمعنى قبل أي اعتبار آخر. لم يكن يكتب ليُدهش، بل ليُقوّم، ولم يكن يلاحق الحدث، بل يضعه في سياقه، ويعيد للخبر إنسانيته، وللرأي أخلاقه.

رحيل أمثاله يكشف لنا فجأة حجم الفراغ الذي لا ننتبه إليه إلا حين يقع. ندرك متأخرين أن بعض القامات كانت تمسك بتوازن المشهد دون أن تُعلن ذلك، وأن وجودها كان صمام أمان صامتًا، يحفظ للإعلام وقاره، وللمهنة هيبتها، وللرأي حدوده الرفيعة بين الجرأة والانفلات.

ليس الحزن هنا على رجل غادر فحسب، بل على قيمة بدأت تتوارى، وعلى نموذج مهني نادر، وعلى زمن كانت فيه الكلمة تُصاغ بضمير قبل أن تُنشر بحبر. فبعض الغياب لا يؤلم لأنه قريب، بل لأنه يكشف هشاشة ما تبقى، وحاجتنا الماسّة إلى أمثال هؤلاء في زمن تتسارع فيه الأصوات وتتباطأ فيه المعاني.

يبقى أن القامات الحقيقية لا تُختصر في تواريخ ولا تُطوى برحيل. تبقى في الذاكرة المهنية، وفي وعي الأجيال، وفي تلك اللحظات التي نبحث فيها عن صوت عاقل وسط الضجيج، فنستحضر أسماء علّمتنا أن الإعلام ليس سباقًا، بل مسؤولية. وليس منصة، بل رسالة.

رحم الله الدكتور أحمد عبدالملك، وجعل ما قدّم شاهدًا له لا عليه، وجعل من سيرته درسًا مفتوحًا لكل من يظن أن الكلمة مجرّد مهنة، بينما هي في حقيقتها أمانة عمر.

مساحة إعلانية