رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين الحديث عن القيادة ومعاييرها، تطرح عدة أسئلة نفسها على طاولة النقاش، منها: ■ هل الكفاءة وحدها في مجال ما كافية لتولي المناصب القيادية؟ منكم من يقول نعم كافية، ومنكم من يرى خلاف ذلك. ومحدثكم مع الرأي الثاني.. ليس شرطاً أن تتولى منصباً أعلى لأنك أكفأ من غيرك في مهام معينة، وأنه لولاك ما نجح الآخرون!، أنت باختصار شديد أشبه بترس واحد ضمن مجموعة كبيرة من التروس، التي تتعاون معاً لتحرك آلة ضخمة تسمى دولة، أو وزارة، أو شركة، أو غيرها من كيانات. ومهما كانت أهمية وحجم وموقع هذا الترس، الذي هو أنت في حديثنا هذا، إلا أنه لن يتحرك من تلقاء نفسه، أو أنك لن تستطيع أن تتحرك، إنْ لم تتحرك بقية التروس معك وفق آلية متناغمة للعمل. واقرأ إن شئت قصة عزل الفاروق، رضي الله عنه، لأحد أكفأ القادة يومها، سيف الله المسلول، خالد بن الوليد، لتدرك أن الكفاءة ليست شرطاً للقيادة أو البقاء عليها. ■ هل العمر أو السن سبب لتولي القيادة؟ هل الموظف القديم أحق بالقيادة من آخر أحدث سناً منه في العمل؟ في مجال القيادة، العمر ليس مقياساً ولا يجب أن يكون كذلك. الأقدمية لا تعني الأفضلية، والحياة بشكل عام لا تنطبق عليها المعايير العسكرية. وتأمل قصة أبي ذر حين طلب الإمارة، وهو من أقدم الصحابة دخولاً في الإسلام، ورفض النبي، صلى الله عليه وسلم ذلك. لكنه أعطى القيادة لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وهما أحدث تاريخاً من أبي ذر في الإسلام. ■ هل الأتقى والأورع والأقوى إيماناً يصلح للقيادة؟ رأيي الشخصي أنها صفات طيبة لكنها ليست كافية ومؤهلة للقيادة. لكن إن توفرت مع شروط أخرى من شروط القيادة الناجحة، فنعمّ هي، لكن أن نولي أحدهم القيادة فقط لأنه تقي ورع، فهذا أمر لا يجب أن يؤخذ به، لأن تقواه وورعه إنما لنفسه. القيادة هي القدرة على توجيه الناس نحو تحقيق هدف ما، فإن كان تقياً ولا يملك قدرات التوجيه والقيادة، فما نفع تقواه للناس؟ هذا الأمر ينطبق حتى في المؤسسات الدينية. وقد سُئل الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف، فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيُغزى مع القوي الفاجر. تلكم كانت خواطر سريعة حول مسألة تولي المناصب القيادية، وكيفية اختيار الأفضل. الموضوع واسع متشعب، لكنه يتحمل كثير النقاش والخوض فيه وحوله..
255
| 09 يوليو 2026
العين البشرية ترى الأجسام بسبب انعكاس الضوء عليها، أو الصادرة عنها، بدليل أنها لا ترى في الظلام، وبالتالي أي جسم لا يعكس، أو يصدر عنه ضوء، فالعين البشرية لا يمكنها رؤيته، ومن هنا لا يمكننا رؤية الملائكة مثلاً، أو الجن، ولا الميكروبات ولا الأجرام السماوية السحيقة. لكن ما يدعو للتأمل في قوله تعالى وهو يتحدث عن الإنسان الغافل حين دنو أجله، ولحظات موته (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) والذي يفيد أن الإنسان يملك بصراً حديداً، أي من حدة وقوة الإبصار. والمراد بالبصر في الآية هو بصر العين. أي أن بصر عينك أيها الإنسان حال وفاتك، أو يوم وفاتك حديد؛ أي: قوي نافذ يرى ما كان محجوباً عنك ! يذهب بعض المفسرين إلى أن حدة الإبصار تقع حال وفاة الإنسان، كما جاء في تأويلات أهل السنة للماتريدي (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ) أي كشفنا عنك الشُّبَه التي تمنع وقوع العلم به والتجلّي له (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) أي ثاقباً نيّراً يُبصر الحق. لكن تأويلات أخرى تفيد أن نطاق الرؤية للعين البشرية يتسع بشكل هائل وقت الاحتضار، ويخرج عن النطاق الذي كان محدوداً، بدليل الحديث الصحيح: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر". إشارة إلى أن العين تظل مفتوحة حال الاحتضار وترتفع، كما لو أنها تتبع أمراً، أو ترى شيئاً ما يحدث أمامها، تجعلها مفتوحة مذهولة، وتجعل الدماغ مصدوماً لثوانٍ معدودة ! البصر المحبوس في النطاق المحدد، أو المسموح هو نعمة من الله وبها نعيش حياتنا بشكل طبيعي، مستشعرين في الوقت ذاته معية الملائكة ووجود الجن والشياطين وغيرها من مخلوقات الله المتنوعة الخافية، ما يجعلنا نزداد يقيناً وإيماناً بالغيب، حتى إذا ما دنت لحظة كشف الغطاء، ودخول البصر المحبوس إلى عالم اللامسموح، يحدث للمؤمن بالغيب والموقن به يقيناً لا يزعزعه أدنى ريب، راحة قلبية وهو يرى ملائكة الرحمة حوله، وربما أمور أخرى لا نعرفها ولا ندركها، تكون سبباً في رسم ملامح البِشر والسعادة على وجهه، فتخرج الروح هادئة مطمئنة. في حين تجد غير المؤمن ولا الموقن بعالم الغيب، أو المشكك فيه أثناء حياته الدنيا، يرى في عالم اللامسموح بعد كشف الغطاء، كل ما كان يشكك فيه، أو يكفر به، فترتسم على وجهه ملامح الحزن والخوف.. فهل رؤية تلك المخلوقات بعد كشف الحجاب عنها، تفسير لتلك الصدمة التي تجعل نشاط الدماغ عند الإنسان يزداد لثوانٍ قليلة قد تصل إلى دقائق معدودة أحياناً، كما لاحظها الأطباء؟ لا شيء يؤكد، ولكن لم لا؟
363
| 01 يوليو 2026
كان أبولهب، عم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، يرى أنه الأحق بالنبوة التي نالها ابن أخيه، حسداً من عند نفسه، فقاده ذلك الحسد إلى عمى بصيرة حتى حاد عن الحق المبين، ودخل دائرة عتاة المجرمين، الذين رفعوا لواء العداوة للرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم من قريش، مثل أمية وعقبة بن أبي معيط والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وغيرهم ممن تم دفنهم في قليب بدر.. إنّه الداء نفسه الذي أعاق أبي جهل بن هشام أن يتبع دين الاسلام، رغم أنه عرف الحق واعترف للناس بأنه دين حق، لكنه لم يؤمن لأن الحسد كان قد سيطر على قلبه، وزاده الكبرياء مع آخرين من صناديد قريش، أن رفضوا دعوة النبي، صلى الله عليه وسلم، معتقدين بأن محمداً ليس بذاك الرجل العظيم في قومه حتى يتبعه أشراف قريش، خاصة بعد أن رأوا أن أكثر أتباعه من الفقراء والموالي والعبيد. وهكذا عميت القلوب عند أبي جهل وأبي لهب وغيرهم. إنّ الروح المتكبرة المتعالية، والعنيدة المتصلبة، كانت سبباً رئيسياً في هلاكهم، إضافة إلى غلبة الحسد على قلوبهم، بعد أن لاحت وظهرت لهم فرص الخروج من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام على يد سيد المرسلين محمد، صلى الله عليه وسلم. فكفروا بنعمة الإسلام وظهوره بينهم على يد أقرب وأصدق وأكثر الناس أمانة إليهم. رفضوا وترفعوا وتعالوا وتجبروا. فكيف يدخلون ويتبعون ديناً، سبقهم إليه أراذل القوم وضعفائهم وفقرائهم ومواليهم وعبيدهم ؟! ذكر القرآن ما نطقت به ألسنتهم في وصف الدعوة الجديدة بمكة، من أنّ هذا الأمر ( لو كانَ خيراً ما سبقونا إليه ) يقصدون عماراً وبلالاً وصهيباً وسلمان الفارسي وابن مسعود، وغيرهم ممن آمن بالنبي الكريم من الفقراء والموالي والعبيد. هي القصة ذاتها إذن تتكرر عبر السنين. قالها صناديد قوم نوح ثم من جاء بعدهم في عاد وثمود مروراً بقوم شعيب حتى قريش. جميعهم كرروا عبارة واحدة، ذات مضمون واحد، وإن اختلفت بعض كلماتها ( قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) ! إنها حكاية خطأ آخر من أخطاء حجج المشركين الباطلة، كما يقول ابن عاشور في تفسير التحرير والتنوير، وهو خطأ منشؤه الإعجاب بأنفسهم وغرورهم بدينهم، فاستدلوا على أن لا خير في الإسلام بأن الذين ابتدروا الأخذ به ضعفاء القوم، وهم يعدونهم منحطين عنهم، فهم الذين قالوا ( أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا) وهو نظير قول قوم نوح ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أرَاذِلُنا بادي الرأي ).. وصدق من قال: ملة الكفر واحدة، في كل زمان وفي كل مكان.
264
| 24 يونيو 2026
رحم الله من أهدى إليّ عيوبي، كما قال الفاروق عمر، رضي الله عنه، حيث كان يسأل سلمان الفارسي عن عيوبه، حتى إذا قدم عليه مرة، قال: ما الذي بلغك عني مما تكرهه؟ قال: أعفني يا أمير المؤمنين، فألحّ عليه. فقال: بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة وأن لك حُلتين، حُلة بالنهار وحُلة بالليل ! قال: وهل بلغك غير هذا ؟ قال:لا قال: أما هذان فقد كفيتهما. لكن ذاك عمر، وليس كلنا عمر.. فالنفس البشرية تميل غالباً نحو من يغدق عليها عبارات الإطراء والمديح، أكثر من العتاب والتصحيح، وإن كان فعل النقد بنّاءً هادفاً، فيه الكثير من الخير. لكن هكذا النفس البشرية بشكل عام، إلا ما رحم ربي وقليل ما هم. الشاهد من قصة الفاروق - وهو من هو يومئذ - أنّه لم يتحفظ على ما كان يراه سلمان في فعل أمير المؤمنين، واعتبره جزءاً من الترف والبذخ غير المبرر وهو رئيس للدولة، بل تقبّل النقد بصدر رحب، وعالج ما كان يراه سلمان عيباً، فأثبت الفاروق أنه نعم الرئيس، وأثبت سلمان أنه نعم المرؤوس. ولعل هذا هو المطلوب من الناقد والمنتَقد بكل اختصار. الأول يبتغي من نقده وجه الله، وأن يصلح بنقده. أما الثاني مطلوب منه تقبل النقد الهادف، وشكر ناقده وتعظيم الأجر له قدر المستطاع، وأقل ذلك الدعاء له. فعل النقد الهادف البنّاء، هدفه التصحيح والتوجيه، والحيلولة دون وقوع أخطاء مرة أخرى. لكن إذا كان أداء فعل النقد لمجرد النقد، وحباً في توبيخ الآخرين، أو من باب الشماتة، فهذا مرض من أمراض القلوب، وفعل غير محبوب، بل لا مرحباً به في أي زمان وأي مكان. خلاصة ما أروم الوصول إليه في هذه العجالة ألا نتبع شهوة النقد لمجرد النقد، وتفريغ ما بالنفس من مشاعر تدفع المرء دفعاً للتشمت من فلان، أو للتشفي من علان، أو غيرها من أمراض النفوس، التي يرى المبتلون بها أن بالنقد، لا سيما الهادم غير الهادف، تحقق لهم راحة نفسية ! من يجد نفسه مبتلى بتلك الأمراض، يستحسن منه مراجعة وضبط نفسه عن الاندفاع نحو نقد أفعال الآخرين قدر المستطاع، ما لم تكن هناك ضرورة وحاجة ماسة للنقد، أو النصح والتوجيه، فالصمت أبلغ أحياناً كثيرة من الكلام، إذ ليس دوماً الساكت عن الحق شيطان أخرس، إن كان هذا الساكت لا يملك أدوات إظهار الحق، فيفسد بالكلام أكثر مما يبني ويصلح. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
363
| 18 يونيو 2026
هذه نقاط ثلاث تتعلق بمسألة الزواج، أو تحديداً بداياته.. بحسب السنّة الشريفة التي أوصانا بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، نجد النقطة الأولى في أي مشروع زواج هي الإعلان عنه، والثانية إظهار الفرح بشكل مباح، ثم الأخيرة إطعام الطعام بدون إسراف. نقاط ثلاث واضحات لا تحتاج لكثير تفصيلات وشروحات، لكن إن أضفنا إلى تلكم النقاط قوله صلى الله عليه وسلم (أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة) فسيكون مشروع الزواج حينها مكتملاً للبدء به على بركة من الله ورعايته. لم آتِ بجديد في الموضوع لأنها أمور معروفة. لكن ما استدعى الكتابة فيه، وربما دعا آخرين كذلك لخوضه، هو ما يحصل اليوم في مسائل الزواج التي أضحت تسير عكس التوجيهات النبوية الشريفة، حيث المغالاة والإسراف والتباهي والتفاخر، وكلها عوامل لا تساعد على بدء مشروع الزواج بسلام وأمان، بقدر احتمالية حدوث العكس. وفي السطور التالية مزيد شروحات. في حديث صحيح يوضح المقصد من الكلام أعلاه، ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ: هل نظرت إليها فإنّ في عيون الأنصار شيئا؟ قال: قد نظرتُ إليها. قال: على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواقٍ، فقال له النبي ﷺ: على أربع أواقٍ؟! كأنما تنحتون الفضة من عُرض هذا الجبل). قوله صلى الله عليه وسلم (كأنما تنحتون الفضة من عُرض هذا الجبل) يُفهم منه كراهة المغالاة في المهور، فكأنّه صلى الله عليه وسلم يطالب بالتيسير على الشاب المقبل على الزواج، باعتبار أنّ المال الذي يكسبه من عمله يأتيه عن جهد، ولا يتساقط عليه من السماء، وبالتالي الضغط عليه وهو في بدايات تكوينه بمهر كبير، وما يأتي بعده من مراسم وحفلات وطلبات ما أنزل الله بها من سلطان - وهي الحاصلة اليوم في مجتمعاتنا - كلها عوامل تطفيش وتأخير سن الزواج، مع ما لذلك من آثار سلبية عليه وعلى المجتمع بشكل عام. ◾️ مشاريع الزواج صارت مكلفة قولاً وفعلاً بالنسبة للشاب، بل ربما وصلت إلى حد مخالفة توجيهات الشرع الحنيف.. ولو افترضنا جدلاً أن حالة الشاب المادية، أو حالة أهله ميسورة، إلا أنه مع ذلك لا ينبغي أن يحدث ما يحدث الآن في مجتمعنا، لأنه يدخل في نطاق الإسراف المنهي عنه شرعاً. ◾️ من هنا يمكن القول بأنه لا ينبغي أن تتحول حفلات الزواج إلى منصة للتفاخر والتباهي والتنافس غير المحمود بين العائلات، خاصة والسنّة المطهرة تدعو إلى التيسير في مثل هذه المشاريع المباركة، حيث يمكننا تجسيد ذلك التوجيه الكريم بالاكتفاء بحفلة منزلية نسائية عائلية محدودة العدد، ومثلها رجالية. ◾️ النسبة الكبيرة من المهور لابد أن تكون للفتاة، لكنها اليوم تذهب جلّها إلى الفنادق ومكاتب تجهيزات الأفراح، بدلاً من أن تكون أساساً لبناء أسرة جديدة، حيث لا تستفيد الفتاة منها بالشكل المطلوب إلا النزر اليسير، ما يدفع بأهلها لتغطية مصروفات أخرى تضاف على ما يصرفه أهل الشاب، لتتجاوز التكاليف الحد المعقول والمنطقي، التي قد تصل بعضها إلى المليون ريال وربما أكثر من ذلك !! ◾️ التفنن بالإسراف في تجهيزات الفتاة من ملابس وما شابه من احتياجات، واحدة من المسائل التي يمكن ضبطها وتأجيل معظمها لما بعد الزواج، فليس هناك ما يدعو إلى هذا الاستعجال في توفير كل المتطلبات والاحتياجات (أغلبها غير ضرورية) والتي يمكن توفيرها مستقبلاً. فالزوجان دخلا المشروع بهدف الاستقرار وبناء حياة أسرية مباركة خطوة بخطوة، وليست حياة مؤقتة قصيرة تستدعي كل هذا الضغط على الشاب لتوفير كل تلكم الاحتياجات وتراكمها، وهو بعد لم يبدأ يومه الأول مع زوجته! ◾️ لماذا ندفع الشاب إلى الاقتراض مبكراً واضطراره بعد ذلك لجدولة حياته وهندستها وفق الديون التي عليه سدادها خلال سنوات عدة قادمة، وهي السنوات المفترض أن تكون أسعد فترات حياته، يبني خلالها مع زوجته، بيتاً هانئاً سعيداً، لا أن تتحول عند كثيرين إلى فترة تعيسة ضاغطة بسبب الدخول إلى عالم الديون مبكراً. خلاصة الموضوع الحديث فقط عن هذه الظاهرة المقلقة لا يكفي دون أفعال تتم ترجمتها وتجسيدها على أرض الواقع، عبر قيام عائلات عديدة مقتدرة بالبدء في إعادة مشاريع الزواج إلى جادة الصواب والعقل والمنطق، وقبل ذلك إلى جادة الشرع الحنيف، تكون قدوة لبقية العائلات المتوسطة أو الأقل من ذلك، وذلك بمنع كل مظاهر الإسراف، وقبل ذلك التخفيف في المهور، والاكتفاء بحفلات زواج عائلية محدودة العدد، لتتوافق مع توجيهات الشرع الحنيف، وتتحقق النقاط الثلاث التي بدأنا بها الحديث. الإعلان، وإظهار الفرح، وإطعام الطعام. وبالتالي تكون العائلات المقتدرة ساهمت في وقف هذا الهوس بالمظاهر، والتنافس غير الواعي في مشروعات الزواج باستغلالها للتفاخر والتباهي في المجتمع ! لابد من توعية المقبلين على الزواج، لا سيما الفتيات، وأهمية الابتعاد عن المقارنات، أو التأثر بما في وسائل التواصل المختلفة. والتوعية ممتدة إلى الأمهات أيضاً، سواء أمهات الشباب أم البنات، فهما من أسباب نشوء هذه الظاهرة! وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مطالبة بتنظيم حملات توعوية عبر الخطباء والدعاة، وبالمثل وسائل الإعلام المختلفة، عليها واجب القيام بهذا الدور التوعوي، بالإضافة إلى المدارس والجامعات، مع قيام الوجهاء والمؤثرين بدورهم أيضاً في مثل هذه الحملات التوجيهية. والله كفيل بكل جميل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
813
| 10 يونيو 2026
ما أهلك فرعون سوى عقله المتحجر المتصلب، وبالمثل سار على دربه أبوجهل وثلة أخرى معه متعصبة كأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وغيرهم ممن دفنهم النبي الكريم في قليب بدر، كما أن الذي أهلك الأقوام القديمة، قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم الغابرة التي عرفنا أخبارها من القرآن الكريم، أو أخرى نعاصرها وننتظر هلاكها بصورة وأخرى، هو التعصب للرأي، وإن كان باطلاً وفاسداً مفسداً، بالإضافة إلى التعمق في محاربة الحق وأهله. سلوكيات لابد أن عواقبها غير محمودة البتة، قديماً وحديثاً وإلى ما شاء الله لهذه البسيطة البقاء. هلكت الأقوام البائدة إذن بسبب ذلك المبدأ الذي يزينه الشيطان في كل زمان ومكان، مبدأ يدور حول التمسك غير المبرر بقديم بال خاطئ، بعيد عن الحق والصواب، وقد ترجمه القرآن في آيات كثيرة، منها (قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) ومنها (إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) وآيات أخرى شبيهة. لا شيء في أن يتمسك المرء بتاريخه وتراثه وعاداته وثقافته القديمة، طالما تسير على صراط مستقيم، أو على جادة من الحق المبين، فما فائدة تاريخ الآباء والأجداد، أو تراثهم وثقافتهم وأعرافهم، إن كانت خاطئة، وعلى الباطل متجذرة؟ من هنا تأتي أهمية أن يكون العقل واعياً ناضجاً ومدركاً لما حوله، لا متحجراً أو متخشباً، العقل الواعي دوره مؤثر في إنقاذ صاحبه قبل فوات الأوان من خلال عمليات مستمرة في تقييم وتقويم معتقدات وثقافات وتراثيات الأسلاف، وفق معايير من الحق واضحة من تلك التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، الذين كانت أبرز مهامهم تليين العقول المتحجرة، وتنبيهها وتهيئتها لتقبل الحق واتباعه، ونبذ الباطل واجتنابه. خلاصة القول أن العـقل المتحجر يكاد يودي بصاحبه إلى التهلكة. التحجر هذا هو نتاج بيئة تسود فيها ثقافة التقليد الأعمى، أو الثقافة الإمّعـية المتجسدة في سلوك الامتثال دون وعي، الذي يدفع بالفرد حين يرى بعض رموز مجتمعه في موقف ما خاطئ، للامتثال لهم واتباعهم وعدم الشذوذ عنهم، رغم يقينه التام أنهم على باطل! هذا السلوك سببه عقل متحجر غير مرن، وغير مُدَرّب على مهارات التفكير السليم والاتصاف بخُلق الأخذ والعطاء، فإذا أحسنَ الناسُ أحسن، وإن أساؤوا أساء. إنه السلوك ذاته المنهي عنه في حديثه صلى الله عليه وسلم: "لا يكُن أحدُكم إمّعَة. يقول: أنا مع الناس. إنْ أحسنَ الناسُ أحسنتُ، وإن أساؤوا أسأتُ. ولكن وَطِّنوا أنفسكم. إنْ أحسنَ الناسُ أن تُحسِنُوا، وإن أساؤوا ألا تَظلِمُوا".
948
| 04 يونيو 2026
خاب ظن يهود يثرب بعد أن خرج نبي آخر الزمان عربياً من بني هاشم من نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. ومن فورهم، أعلنوا وقرروا معاداته مبكراً. وقد كان. حيث تأذى منهم النبي الكريم وأصحابه أيما أذى، ابتداء من مؤامرات بني قينقاع والنضير، ثم خيانة وغدر بني قريظة للمسلمين، وانتهاءً بيهود خيبر. وعلى رغم كل ما أنزل بهم الرسول الكريم من عقوبات، جراء تلك العداوات والمؤامرات، إلا أنهم لم يرتدعوا، بل استمروا في عداواتهم بصورة وأخرى، ظاهرة مرة، وباطنة مرات أخرى عديدة، الى يوم الناس هذا.. عداوتهم لهذا الدين وأتباعه لن تتوقف أبداً حتى قيام الساعة، وهلاكهم مع زعيمهم المسيح الدجال. لقد عادى اليهود النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، ليس لشيء سوى حسد بغيض عميق، كان ضارباً في أعماق نفوسهم. ذلك الحسد تطور سريعاً إلى كراهية وعداوة أدت إلى حروب ومؤامرات مستمرة عليه وعلى أتباعه إلى ما شاء الله للأرض أن تبقى، أو هكذا تقول الأحداث والوقائع عنهم. لاحظ اليوم أن جل مشاكل الأمة العربية المسلمة سببها الرئيسي وجود دولة الاحتلال في قلب المنطقة العربية. فلا تلتفت يميناً أو شمالاً إلا وتجد مشكلة، أو أزمة، أو قلقاً وتوتراً، مصدرها اليهود الصهاينة، أو نظامهم العنصري المحتل، وأنّ لهم دورا ويدا فيها بصورة وأخرى.. إذ بالإضافة إلى غزة ومناطق عديدة من فلسطين المحتلة، هناك لبنان، سوريا، العراق، الخليج، ليبيا، السودان، الصومال وغيرها.. والغرب الاستعماري الخبيث، وهو يخرج من المنطقة، زرع هذا الجسم السرطاني فيها، وقد استشرف مستقبل المنطقة، بل رآها مليئة بالمشكلات ومتأزمة على الدوام بسبب هذا الجسم الخبيث. لهذا كله لن نستغرب لم ورد ذكرهم في فاتحة الكتاب، ووصفهم بالمغضوب عليهم. فلقد عرفوا الحق مبكراً منذ النبي موسى عليه السلام، ووجدوا طريق الهداية واضحة مرسومة لهم، لكنهم رفضوا اتباع الحق والسير على طريق الهداية، فلا هم استمروا على طريق موسى، ولا اختاروا طريق محمد من بعده، عليه وعلى موسى أفضل الصلاة والسلام، بل اختاروا الغواية وإثارة الفتن وإشعال الحروب بين الناس، فإن تلك الأعمال ضمان استمرارهم في الحياة، وإن لعنهم الله ولعنهم اللاعنون على مدار التاريخ. نخلص من حديثنا أنه ليس سهلاً تجاوز حقائق التاريخ، وليس سهلاً أن ندّعي عكس ما هو مبين وواضح في القرآن بخصوص هذه الشرذمة البشرية، الذي إن فهمناه واستوعبنا توجيهاته وحقائق الأمم وأنواع البشر من حولنا، فلن نجهد ونتعب في فهم علاقاتنا الحالية مع غيرنا من العالمين، واليهود منهم.
534
| 21 مايو 2026
العالم الخفي من حولنا مخيف بحكم طبيعتنا التي تخاف المجهول، حتى يتحول لظاهر بيّن معلوم. والعوالم الخفية عنا كثيرة لا نراها، إما بسبب حجمها أو تكوينها. فتكون كبيرة بعيدة كالمجرات وأمثالها في الكون الواسع الممتد، أو تكون صغيرة قريبة جداً كعالم الجراثيم والميكروبات، أو عالم ثالث غير مرئي بحكم طبيعة تكوينها، كعالم الملائكة والجن.. وليس حديثنا اليوم حول هذه العوالم الخفية، بل خواطر حول المجهول والمألوف في حياتنا. إنّ أي أحد منا تجده تلقائياً حينما يكون أمام خيارات في أمر ما، يختار المألوف على المجهول، والتفكير لا يطول به كثيراً في ذلك. لماذا؟ لأن المألوف عادة يُشعره بالأمان، بينما المجهول يفقده ذاك الأمان، وهو ما جعل العامة تقول حول هذا المعنى: خليك على مجنونك، لا يجيك اللي أجن منه! أصحاب الخبرات الحياتية يرون البقاء على المألوف، نوعا من حرمان النفس من متعة التجريب، والاستمتاع باكتشاف المجهول، الذي يكون في الغالب مثيراً، أو ربما في طياته فرص كبيرة لتحصيل المزيد من الخبرات الحياتية، وهذا الأمر لا يتأتّى لك من خلال الروتين، أو المألوف من الأعمال والمهام الحياتية اليومية. حين تخاف من المجهول، فأنت مُعرَّض لتفويت فرص عديدة على نفسك.. ستقول: كيف؟ خذ على ما أقول مثالاً حياتياً لابد أنك عشته مرة، أو ربما ستعيشه مستقبلاً بإذن الله. تخيل أنك تعمل في وظيفة ما، وتشعر بما نسميه الرضا الوظيفي بسبب أنك تحفظ عملك هذا عن ظهر قلب، لا أخطاء ولا مشاكل، ولا أنت من الذين يحزنون. لكن حين تجد عرضاً وظيفياً لا يُقاوم، وفي مجال قريب من تخصصك، لكن الوظيفة تتطلب جهوداً وأفكاراً تطويرية، ماذا أنت فاعله؟ إن كنت من النوع الذي يميل إلى المألوف فستختار تلقائياً ما ألفت عليه، وتبقى في عملك والروتين الذي تعيشه، لأنه يشعرك بأمان، فما الداعي للذهاب إلى مجهول لا تعرفه، قد تفقد بسببه ما أنت عليه؟! وانت بهذا الاختيار تكون قد وضعت نفسك في خانة الروتينيين غير المحبذين للتجديد والتطوير وحب الاكتشاف والتجريب، فتظل بسبب ذلك السلوك، جامداً لا تضيف إلى حياتك المهنية أي جديد بعد عدد من السنوات، بل ربما تكون عُـرضة للاستغناء عنك في أول قرار لتطوير وتجديد موقع عملك ! أما إن كنت من النوع المتجدد الراغب في استكشاف المجهول، والمتطلع إلى التغيير المستمر والتجديد والتطوير، فستختار من فورك الوظيفة الجديدة، لأنها فرصة للخروج بك عن المألوف والروتين والجمود الوظيفي، وفرصة لاكتساب خبرات حياتية ومهنية جديدة، بل وفرصة لمزيد من المعارف والمهارات واكتساب الأصدقاء، واختيارك ذاك سيملأ نفسك بشعور التحدي، الذي هو سر الإبداع والإنتاج المستمرين.. فانظر ماذا ترى؟
297
| 13 مايو 2026
زيارة سريعة لعدد من المرضى في أي مستشفى، ستدفعك دفعاً وأنت خارج عنهم أن تشكره سبحانه في كل دقيقة وثانية.. تشكره على نعمة العافية التي لا يمكن لأحد أن يساوم عليها بملايين الدراهم والريالات أو الدولارات. هي واحدة من نعم الله علينا وعليك. ألا تلاحظ معي أن الناس في لحظات معينة من حياتهم صارت تدفع ما تملك، لتسترد ما كانت تملك من صحة وعافية؟ نعمةٌ لا نشعر بها إلا حين تغيب ولو للحظات. عايشت هذه المعاني خلال شهر كامل مع الوالد - رحمه الله – حين أصابه التهاب رئوي كان يتطور ويعاند أقوى المضادات الحيوية، حتى تم نقله اضطرارياً إلى العناية المركزة بمركز الرعاية الطبية، لكن لم تطل مدة إقامته فيها أكثر من أسبوع حيث فاضت روحه إلى البارئ قبل أسبوعين من الآن، بعد أن عانى ما عانى فيها، من اضطرابات في التنفس وعمل القلب وانتهى الأمر بفشل الكلى، رغم كل أنواع الرعاية والأدوية.. فهكذا كانت الأقدار. بعد وفاته بأيام، وفي جلسة فردية منعزلة هادئة، تأمّلت قوله تعالى ( وإن تعـدوا نعمة الله لا تحصوها ) فوجدتها كما لو أنني أسمعها حديثاً، فآمنت أكثر فأكثر بأهمية شكر الواهب دوماً وأبداً، وأن نكون عباداً لله ممتنين شاكرين لأنعمه، لا يجب أن نرهق أنفسنا في البحث عن نعم مفقودة نسعى خلفها كثيراً وطويلاً، وهي ربما معطّلة عنا لحكم ربانية لا ندري ما هي، وأنه بدلاً من ذلك اللهاث حول المفقود من النعم، لم لا نشكر الواهب ونتأمل النعم الكثيرة الموجودة حولنا فعلياً، لكنها صارت غير محسوسة بفعل أمر الاعتياد عليها ! نعمٌ كثيرة لا تُعد ولا تُحصى تستحق أن نسجد بسببها للخالق طويلاً وكثيرا.. لا أريد أن أعدّد النعم، فكلنا أدرى بها، لكن واحدة فقط من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين، هي نعمة تنفُّس أكسجين الهواء برئة سليمة، وإخراج ثاني أكسيد الكربون، ضمن عملية تنفس متناغمة طبيعية، دون أي حاجة لأجهزة تنفس في غرف الطوارئ بالمستشفيات، أو العنايات المركزة لا قدّر الله !! صدق من قال: بالشكر تدوم النعم، أو هكذا تقول التجارب البشرية. إنها التجارب ذاتها التي تؤكد كذلك أن كفران النعم، سبب لزوالها. إنّ أغلبنا يلهث وراء المفقود من النعم وإن كانت قليلة نادرة، لكنه لا يشعر بالموجود منها، وهي كثيرة وافرة ! ومن هنا يعاتب الله الناس أن أكثرهم غير شاكرين، غير حامدين، بل لنعمائه جاحدون!. يقول ابن قيم الجوزية: "إظهار النعمة والتحدُّث بها من صفات المؤمنين الشاكرين، وأما أن يكتم المرء النعمة، ويُظهر أنه فاقد لها؛ إما بلسان الحال أو المقال، فهو كفرٌ لها، وهو من صفات الكافرين الجاحدين، وإنما سُمي الكافرُ كافراً؛ لأنه يغطي نعمة الله التي أسبغها عليه، ويجحدها ولا يقرُّ بها". يروى عن أحد الصالحين أن الرجل إذا سلم على الرجل، وسأله كيف أصبحت، فقال له الآخر: أحمدُ الله إليك. يقول المَلَك الذي عن يساره للذي عن يمينه: كيف تكتبها؟ قال: أكتبه من الحامدين. وروي أن رجلين من الأنصار التقيا، فقال أحدهما لصاحبه: كيف أصبحت؟ فقال: الحمد لله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا هكذا. فاللهم اجعلنا لك ذكّارين، لك شكّارين، إليك أوّاهين منيبين.. آمين يا رب العالمين.
552
| 07 مايو 2026
قبل أيام مضت، عشت مرارة الفقد للمرة الثانية بعد أعوام سبعة ماضية، كنت قد عشت خلالها مرارة فقد الأم، وها قد جاء بعدها الأب، ولكليهما منزلة خاصة عند المرء. فلا يقدر أحدنا القول بأن فقد الأم أعظم من الأب، أو العكس، وخاصة إن بلغا من الكبر عتيا. ويكفي حتى تعرف قدرهما وقيمتهما، أنهما وفق الشرع الكريم، بابان لدخول الجنة عبر الإحسان إليهما والبر بهما، فور أن يبلغ أحدنا سن الرشد والعقل والفهم والوعي. عشت مرارة فقد الأب بعد الأم، مهما يبلغ أحدنا من العمر.. وقد زادت مرارة الفقد في الأيام الأخيرة له وهو في معاناة وآلام لا يعلم مداها وكيفيتها وقوتها إلا الله. عاش وسط أنابيب وأسلاك وأجهزة طبية متنوعة، وأدوية مختلفة الأشكال والأنواع، وقد زادت وتعقدت بعد دخوله غرفة العناية الفائقة.. شعرت وأنا أراقب الوضع الصحي لأبي وهو يتدهور سريعاً، أنه كما لو صار محطة لتجارب الأطباء، وذلك عبر استخدامهم لكل أنواع الأدوية، من مسكنات ومضادات وغيرهما، فلعل أحدها تثمر وتوقف التدهور في صحته بشكل عام، أو هكذا كان تفكير الأطباء. لكن بدأت الكلى تتدهور وظائفها تدريجياً، حتى بات كل سائل يدخل الجسد لا يعرف كيف يخرج منه، ثم بدأ الضغط ينتقل إلى القلب، الذي ظل صامداً يعمل بصمت لعقود ثمانية هي عمر الوالد، رحمه الله، وخاصة مع استمرار الالتهابات بالرئة. حيث دخل الجسم في تحد جديد بعد مضاعفة مدرات البول - أعزكم الله - فلعلها تعين الكلى، وهو ما أدى إلى زيادة نسبة السوائل دون تصريف مناسب، ما أدى إلى هبوط ضغط الدم تدريجياً، رغم حقن الجسم بأدوية تمنع هبوطه. الجسم امتلأ بالأدوية والسوائل، وزادت الضغوط ولم تعد أدوية منع هبوط الضغط تفيد. فهكذا كنا نراه - رحمه الله - كما لو أنه يريد القول بأنه لا فائدة ترجى الآن، فقد فات الأوان، وإنّ قدرة الطب لها حدود، حيث بدأ الجسم القوي الذي عاش في نشاط وحركة وجهد طوال سبعة عقود، حتى ضعف في العقد الثامن تماماً، بدأ ينهار سريعاً أمام أعيننا، وبدأ نبض القلب ينخفض خلال ساعة من الزمن حتى وصل الرقم صفر، أو لا نبض ! كنا من ذي قبل قد اتفقنا مع الأطباء ألا يكون للعنف والقسوة مكان على جسد الوالد، باستخدام الصدمات الكهربائية لو توقف القلب، لأنه ألم فوق ألم، وتعذيب شديد لرجل ثمانيني منهك يحتضر، فما فائدة دقائق أخرى يعمل خلالها القلب طالما ليس صاحبه في وعيه، وهو أقرب إلى الآخرة من الدنيا ؟ تم التأكد من كهرباء القلب عبر جهاز التخطيط، وتبين للطبيب، وانا أشاهد معه التخطيط الذي ظهر خطاً مستقيما لا يرتفع ولا ينخفض، أن القلب فعلياً توقف، والمخ سيعمل دقائق أخرى، لكنه سيتوقف أيضاً، لأن مصدر حياته توقف عن ضخ سائل الحياة إليه كما كان لسنوات طوال. لقد قُضي الأمر. وحانت ساعة الأجل، التي تمت كتابتها في صحيفة الوالد - رحمه الله - وهو في بطن أمه، مثله مثل أي إنسان يأتي إلى هذه العاجلة. الشاهد من الموضوع، أن الوالدين كنز ثمين لا يعرف قيمته الأبناء سريعاً إلا بعد حين من الدهر طويل، بل ربما البعض يدرك ذلك فجأة وهو يرى أحدهما أو كلاهما وقد غادر الدنيا. ولات حين مناص !! ومن هنا يتبين أنّ البر بهما والاحسان إليهما، وبذل الغالي والنفيس من أجلهما، هو أقل ما يمكن أن يقوم به الأبناء تجاه والديهم. فاللهم ارحم موتانا وموتاكم، واغفر لآبائنا وآبائكم، وأمهاتنا وأمهاتكم. إنك سميع عليم مجيب الدعوات.
348
| 29 أبريل 2026
الإجرام في اللغة هو القيام بفعل ذنب عظيم يقع المرء عليه عن قصد. أما من الناحية القانونية، فإن استخدام مصطلح الجريمة، يأتي لوصف فعل مدان قانونياً. ويُستخدم مصطلح مجرم لوصف شخص مرتبط بجريمة. فحين يتورط أشخاص مثلاً في جريمة ما، أو يرتبطون بها، يُشار إليهم بأنهم مجرمون. ولست هناك للحديث عن مسألة قانونية، فهذا مجال له أهله وناسه، لكنها مقدمة مقتضبة رأيت ضرورة البدء بها قبل أن ندخل صلب الموضوع. فعل الإجرام الذي لا يزال يُرتكب في عالم البشر منذ قديم الزمن، قد يتم ارتكابه في حقّ الله تعالى، مثلما في حق البشر أيضاً. فأما المرتكبُ في حق الله تعالى، يأتي الشرك به سبحانه كأبرز الأمثلة، بل هو أعظم درجات الجريمة في هذه الحياة الدنيا. ويمكن في السياق نفسه اعتبار ترك المأمورات، أو الفرائض الأساسية في ديننا كالصلاة والزكاة وغيرها من الفرائض عن قصد وتعمّد، جريمة في حق الله تعالى. أما الجرائم في حقّ الناس فهي كثيرة ومتنوعة، أعظمها جريمة قتل الأنفس بدون وجه حق، ثم غيرها من جرائم في حقوق العباد والبلاد، كالسرقات والإفساد في الأرض بأشكاله المتنوعة.. الشاهد من هذا الحديث، أنّ البشرية ابتُليت منذ جريمة ابني آدم، قابيل وهابيل حتى يوم الناس هذا، ببدعة أو جريمة الشرك بالله وبطرق متنوعة. كانت قديماً على شكل التقرب إلى أصنام وأوثان وأجرام سماوية وعبادتها، وأدنى تلك الأشكال كان اتباع الشيطان وخطواته. أما اليوم فإنّ فعل الشرك مستمر عند نسبة كبيرة من البشر، وإنْ بطرق مختلفة وأساليب متنوعة، دون أدنى اتعاظ وتفكر لما جرى للمشركين على مدار التاريخ.. منها شرك أكبر يُخرج من الملة، كعبادة القبور، والاستغاثة بالأموات، وتحكيم القوانين الوضعية، وشركٌ أصغر قد يؤدي الاستمرار عليه إلى الشرك الأكبر، كالرياء، والحلف بغير الله، وتعليق التمائم وغيرها كثير، بالإضافة إلى شرك المحبة والغلو في تعظيم وتقديس الناس، بالإضافة إلى الإلحاد والعلمانية التي تقصي الدين عن الحياة وإدارة شؤونها تماماً. يمكن القول إذن بأنّ الجريمة الأشد في عالم جرائم البشر، هي الشرك بالله دون أدنى ريب، والذي لا يوجد أي مبرر، أو حجة لإنسان ما تمنحه حق ارتكاب مثل هذا الفعل الشنيع. وجزء منه، التعرض للناصحين والواعظين بسوء، بل وربما ارتكاب جرائم بحقهم كالاعتداء البدني الذي يصل إلى حد القتل. إضافة إلى قيام المشرك بممارسة فعل اللامبالاة، أو فعل العناد ضد كل النصائح والارشادات التي تبين له سوء فعله، وعدم الاتعاظ مما يحل به من ابتلاءات ومحن وشدائد آنية في حياته الدنيوية، التي تأتي ربما كنوع من عقوبة تحذيرية عاجلة، أو أن المشرك لا يبالي بما يسمى بالاستدراج الإلهي له، عبر سعادة دنيوية يجدها ويعيشها بتفاصيلها، من مال وبنين، وقناطير مقنطرة من الذهب والفضة والأنعام والحرث، إلى غير ذلك من متع الدنيا الفانية، حتى يعتقد المشرك بعد حين من الدهر، وهو على تلكم الحالة، أنه مَرْضيٌ عنه عند الخالق جل وعلا، وإلا فما معنى كل هذه السعادة التي يعيشها ؟! لا أحد أظلم وأزيد تعدياً - كما جاء في تفسير القرآن لابن سعدي - ممن ذُكّر بآيات ربه، التي أوصلها إليه ربه، الذي يريد تربيته وتكميل نعمته على أيدي رسله. تأمره وتذكره بمصالحه الدينية والدنيوية، وتنهاه عن مضاره الدينية والدنيوية، التي تقتضي أن يقابلها بالإيمان والتسليم، والانقياد والشكر، فقابلها هذا الظالم بضد ما ينبغي، فلم يؤمن بها، ولا اتبعها، بل أعرض عنها وتركها وراء ظهره، فهذا من أكبر المجرمين، الذين يستحقون شديد النقمة، ولهذا قال (إنّا من المجرمين منتقمون). فاللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
432
| 23 أبريل 2026
العالم دخل حالة من الترقب والقلق بعد انسحاب الأمريكان من محادثات إسلام آباد، التي قيل أنها كانت تسير بشكل مثمر إيجابي، لكن وبحسب روايات متنوعة، تغيرت الأمور فجأة بعد مكالمة تلقاها رئيس الوفد الأمريكي، ليقوم بعدها ويوقف المحادثات إلى أجل غير مسمى، وإن بدأت بعض المصادر منذ الأمس الأول بالحديث عن بدء جولة جديدة من المفاوضات اليوم الخميس! بعد توقف المحادثات، تساءل كثيرون إن كان التوقف خطوة تكتيكية أمريكية من أجل زيادة الضغط على إيران، أم أن هناك أموراً أخرى خافية ؟ الأرجح أن التوقف هو تكتيك أمريكي قديم تستخدمه حكومات الولايات المتحدة في التفاوض مع المخالفين لها، والتي ترغب في إخضاعهم لشروطها عبر تطبيق ما يسمى بسياسة الضغط الأقصى عليهم، ويتم ذلك بطرق عدة، منها مثلاً، تعليق أو إبطاء المفاوضات، أو إرسال إشارات للمخالف بأنه غير مستعجل في الأمر، كي يخلق حالة من عدم اليقين عنده، وغيرها من طرق وأساليب. إذن وبناء على ذلكم التكتيك، ربما كان إذن الهدف من إنهاء المفاوضات هو دفع إيران لتقديم تنازلات أكبر في ملفات البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي وكذلك العقوبات الاقتصادية. وربما استخدام ترامب التاجر مثل هذه السياسة لها علاقة بأسواق النفط والمال، وانعكاسها مباشرة على أسعار النفط، وكذلك الأسهم في الأسواق المالية. ولك أن تبحث عن شركاته ومصالحه ومصالح آخرين من حوله في أسواق المال والنفط وغيرها، لتدرك خطوات ترامب التاجر ! لكن لماذا التوقف الآن رغم أن الهدنة لم تنته؟ التوقف قد يعني فعلاً وجود خلافات حقيقية لم تُحل، أو محاولة كسب وقت لإعادة ترتيب الأوراق، وربما اختبار ردود الفعل الدولية خاصة من أوروبا والصين، بل لم لا تكون أيضاً رسالة من كل طرف لجمهوره الداخلي بأنه متماسك عنيد ولا يتنازل بسهولة ! منذ توقف المحادثات والتحليلات السياسية تزداد يومياً تبحث عن الأسباب. لكن كما هو معروف عن ترامب ومزاجه المتقلب، وفيما العالم ينتظر أي خبر عن موعد آخر للمحادثات لتكملة ما بقي من موضوعات، يقوم بحركة مفاجئة ويعلن عن حصار الموانئ الإيرانية، في خطوة زادت الأزمة تعقيداً، حتى قال البعض بأن ما قام به ترامب هو قرصنة على الهواء مباشرة، مثلما هذا البعض يرى في الوقت نفسه، أن الفعل الإيراني مع المضيق أيضاً فعل قرصنة وتهديد للملاحة الدولية، وضغط جيوسياسي. لكن فريقاً آخر رأى بأن كلا الطرفين تجاوزا القوانين الدولية بشكل غير مقبول ومبرر، إلى غير ذلكم من تحليلات وتقييمات. لكن بشكل واضح ومختصر يمكن القول إن التوتر الناتج في الخليج بسبب سياسات ترامب تجاه إيران، وتحركات طهران في مضيق هرمز، لا يمكن تبسيطه بوصف " قرصنة " لأن أفعال الدولتين قانونياً ليست كذلك، ولكن يمكن تبسيط المسألة أكثر والقول بأن ما يجري هو نموذج لما يمكن تسميته بصراع نفوذ وضغط اقتصادي وأمني متبادل. لكن الإشكالية هاهنا أن من يدفع ثمن عدم الاستقرار هذا، هو منطقة الخليج أولاً ثم بقية العالم المستفيد من استقرارها وعدم توتر الأوضاع فيها. ما الحل وهكذا الحال؟ الحل بالطبع لا يكون بتصعيد حالة التوتر، والتي دون شك صار المستفيد الأكبر من استمرارها وإلتهابها هو نتنياهو وعصابته. الحل يكمن في عملية طويلة من التهدئة والتفاهمات التدريجية، من خلال الطرق الدبلوماسية، وضمان حرية الملاحة، ترافقها إعادة عملية بناء الثقة عبر وساطات دولية تقودها جهات مثل الأمم المتحدة مثلاً، وذلك من خلال تكليف أطراف ذات مصداقية دولية في عمليات الوساطة مثل قطر وعُمان، بشرط تأمين وضمان الحماية الكاملة لهما، باعتبار ما أصابهما من أذى إيراني غير مبرر خلال حرب الأربعين يوماً المتوقفة مؤقتاً ! خلاصة القول استمرار حالة التوتر الحالية في الخليج ليس مكسباً حقيقياً لأي طرف، لا الأمريكان ولا إيران ولا أحد من الخليج وخارجه، فإنّ تعطّل الإمدادات عبر مضيق هرمز، ما لم يتم فتحه وتأمينه كاملاً اليوم قبل الغد، فإنه سيضغط بعد قليل من الوقت على الاقتصاد العالمي، وسيرفع المخاطر الأمنية، ويعمّق فجوة الثقة. نعم، قد توجد مكاسب قصيرة الأمد قد يزعمها ترامب، أو حتى الجانب الإيراني، لكنها مكاسب هشة مؤقتة في نهاية الأمر، لأن الاستنزاف سيطال الجميع.. والحل كما أسلفنا، يبقى كامناً في التهدئة والدبلوماسية، لأنّ الحالة المتوترة بالمنطقة تحتاج بكل تأكيد إلى أصوات العقل والحكمة والدراية، حيث لم تعـد المنطقة تتحمل " فهلوة " من هذا أو ذاك، أو استعراض عضلات من هذه الدولة أو تلك، لأنها كلها سلوكيات ربما تؤدي إلى نوع من سباق تسلح متسرع غير مجد ونافع، واستنزاف هائل للموارد، أو حدوث نوع من الاحتكاك العسكري بقصد أو دون قصد، التي قد تجلب كوارث وأزمات، لا أظن العالم يتطلع إليها أو يحتاجها !
633
| 15 أبريل 2026
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن...
5784
| 07 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية...
1464
| 11 يوليو 2026
سيلعب منتخب مصر الحبيبة أمام المنتخب الأرجنتيني بأحد...
1458
| 07 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية...
1371
| 12 يوليو 2026
• في كل صيف، تتكرر الحكاية نفسها؛ وجهات...
1227
| 08 يوليو 2026
في المقال السابق تحدثت عن السؤال الذي ينبغي...
1056
| 08 يوليو 2026
من الأفكار الشائعة لدى البعض من غير المختصين...
876
| 08 يوليو 2026
مع دخول فصل الصيف وانطلاق الإجازة المدرسية، تتغيّر...
705
| 09 يوليو 2026
هناك أفراح تمر في حياتنا كأي مناسبة، وهناك...
660
| 07 يوليو 2026
لم نستيقظ فجر اليوم (أمس) على وقع الضربات...
654
| 13 يوليو 2026
- أسس نظامًا راسخًا ومهّد طريق الأجيال ولمستقبلهم...
648
| 13 يوليو 2026
لم تعد المنافسة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين...
633
| 09 يوليو 2026
مساحة إعلانية