رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عرف التاريخ الحديث حالات متعددة جرى فيها استهداف قادة سياسيين أو عسكريين خارج أطر الحرب التقليدية، عبر الغزو المباشر أو العمليات الخاصة أو الضغوط غير المباشرة. إلا أن هذه الحالات تختلف جذريًا من حيث الشرعية القانونية، وطبيعة الهدف، وحجم التداعيات. المقارنة التالية تركز على الدروس لا على التبرير. أولاً: حالة مانويل نورييغا – بنما (1989) قامت الولايات المتحدة بتنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق ضد بنما، انتهت بإلقاء القبض على الحاكم العسكري مانويل نورييغا ونقله لمحاكمته في الولايات المتحدة. عسكريًا، لم تكن العملية جراحية أو محدودة، بل غزوًا شاملًا استخدمت فيه القوات البرية والجوية لتحقيق تفوق سريع. ورغم نجاحها التكتيكي، إلا أنها أسفرت عن خسائر بشرية كبيرة وأضرار واسعة للبنية التحتية. قانونيًا، استندت واشنطن إلى ذرائع حماية مواطنيها ومكافحة المخدرات، لكن غالبية فقهاء القانون الدولي اعتبروا العملية انتهاكًا صريحًا لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة. سياسيًا واستراتيجيًا، نجحت الولايات المتحدة في إزالة نورييغا، لكنها خسرت رصيدًا أخلاقيًا كبيرًا في أمريكا اللاتينية، وترسخت صورة القوة المتجاوزة للقانون الدولي. ثانيًا: حالة الرئيس الراحل صدام حسين – العراق (2003) أدى الغزو الذي قادته الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى إسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، رحمه الله ثم إلقاء القبض عليه لاحقًا بعد انهيار الدولة. من الناحية العسكرية، كان التفوق الغربي ساحقًا، والقبض على الرئيس لم يتم عبر عملية خاصة معزولة، بل كنتيجة لانهيار كامل للنظام السياسي والعسكري. قانونيًا، لم يحصل الغزو على تفويض صريح من مجلس الأمن، وبقيت شرعيته محل نزاع دولي عميق. أما النتائج، فكانت كارثية على المستوى الاستراتيجي: تفكك الدولة، صراع طائفي، صعود جماعات مسلحة، وتحول العراق إلى ساحة صراع إقليمي ودولي. هذه الحالة تُعد مثالًا صارخًا على الفرق بين النصر العسكري والفشل الاستراتيجي. ثالثًا: حالة أسامة بن لادن – باكستان (2011) نفذت قوات خاصة أمريكية عملية نوعية داخل أراضي باكستان أدت إلى قتل أسامة بن لادن. عسكريًا، كانت العملية عالية الدقة، قصيرة الزمن، قائمة على تفوق استخباري وتقني واضح، دون نية للبقاء أو السيطرة. قانونيًا، شكّلت العملية انتهاكًا لسيادة باكستان، لكنها بُررت أمريكيًا على أساس الدفاع عن النفس ضد فاعل غير دولتي مسؤول عن هجمات عابرة للحدود. وهنا يكمن الفرق الجوهري: بن لادن ليس رئيس دولة ولا يتمتع بحصانة سيادية، ما جعل التداعيات القانونية والسياسية أقل حدة مقارنة باستهداف قائد دولة. رابعًا: حالة فيكتور يانوكوفيتش – أوكرانيا (2014) في هذه الحالة، لم تُنفذ عملية عسكرية مباشرة للقبض على الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، بل غادر البلاد عقب احتجاجات شعبية واسعة وتدخلات وضغوط سياسية دولية غير مباشرة. هذه الحالة تمثل نموذج الإزاحة السياسية غير العسكرية، حيث استُخدمت أدوات الإعلام، والضغط الشعبي، والعزلة الدبلوماسية بدل القوة المسلحة. ورغم أن التغيير تم دون تدخل عسكري مباشر، إلا أن نتائجه كانت استراتيجية بامتياز، إذ دخلت أوكرانيا لاحقًا في صراع جيوسياسي دولي مفتوح. إسقاط المقارنة على السيناريو المفترض (فنزويلا) إذا قورن السيناريو المفترض لإلقاء القبض على رئيس فنزويلا بعملية خاصة محدودة، فإننا نكون أمام نموذج غير مسبوق تقريبًا: عملية جراحية تستهدف رأس دولة يتمتع بالحصانة السيادية، دون حرب شاملة أو تفويض دولي. التاريخ لا يقدم مثالًا واحدًا ناجحًا ومستقرًا لمثل هذا السيناريو. فكل الحالات التي جرى فيها استهداف قادة دول: • إما تمت عبر غزو شامل بكل كلفة • أو عبر تفكيك داخلي تدريجي • أو كانت موجهة ضد فاعلين غير دولتيين أما الجمع بين “عملية خاصة محدودة” و“رئيس دولة قائم”، فهو وصفة شبه مؤكدة لـ انفجار استراتيجي. الخلاصة التاريخية التجربة التاريخية تشير بوضوح إلى ما يلي: 1. إسقاط أو اعتقال القائد لا يعني بالضرورة إسقاط النظام. 2. تجاوز السيادة قد يحقق إنجازًا تكتيكيًا، لكنه يولد فوضى استراتيجية. 3. استهداف رئيس دولة بالقوة خارج الحرب الشاملة يُقوّض قواعد النظام الدولي أكثر مما يخدم الاستقرار. الاستنتاج النهائي (برؤية محلل محايد) لو نُفذت عملية عسكرية خاصة للقبض على رئيس دولة ذات سيادة، فإن التاريخ يرجح أنها: • ستنجح – إن نجحت – لحظيًا فقط • لكنها ستُفشل النظام الدولي طويل الأمد • وتفتح الباب أمام عالم تحكمه قواعد القوة لا قوة القانون.
315
| 04 يناير 2026
ليس من الضروري أن يولد التأثير من الصدام، ولا أن تُصنع المكانة من الضجيج. فبعض الدول لا تتقدّم لأنها تدفع العالم نحوها، بل لأنها تجعل العالم ينجذب إليها. من هنا، يصبح السؤال مشروعًا لا بوصفه استفزازًا فكريًا، بل بوصفه محاولة للفهم: كيف استطاعت قطر، خلال زمن قصير نسبيًا، أن تتحول من كيان محدود الجغرافيا إلى مركز تأثير يتجاوز معايير الحجم والعدد؟ هذا السؤال لا ينتمي إلى حقل السياسة المباشرة، ولا يسعى إلى إصدار حكم مسبق، بل يتحرك في مساحة أوسع: مساحة المعنى. فحين نتأمل التجربة القطرية، نلاحظ مفارقة لافتة بين محدودية المساحة واتساع الحضور، وبين قلة السكان وكثافة الدور. هذه المفارقة لا يمكن تفسيرها فقط بعوامل الاقتصاد أو الطاقة أو الإعلام، لأنها – رغم أهميتها – أدوات، وليست أصل الظاهرة. الأصل، في تقديري، يكمن في ما يمكن تسميته قانون الجذب المتزن. وهو ليس ذلك الفهم السطحي الذي يربط الجذب بالرغبة أو التمني، بل فهم أعمق يقوم على الانسجام الداخلي. فالجذب الحقيقي لا ينشأ من محاولة الإقناع، بل من وضوح الهوية. ولا يتأسس على الاستعراض، بل على الثبات. الأشياء التي تعرف موقعها بدقة لا تحتاج إلى رفع صوتها، لأنها تُسمَع من تلقاء نفسها. في هذا السياق، يصبح الاسم أكثر من علامة لغوية، والزمن أكثر من تاريخ، والدور أكثر من وظيفة سياسية. حين ينسجم الاسم مع دلالته، ويتوافق التوقيت مع الاستعداد، ويتوازن الفعل مع الإمكان، تتكوّن حالة جذب تلقائية. وهذه الحالة لا تُدار بالقوة، بل بالاتزان؛ ولا تُحافَظ عليها بالاندفاع، بل بالاستمرارية. إن الجذب، في جوهره، لا يُفرض، بل يتحقق. وهو أقرب إلى قانون طبيعي: المركز لا يلاحق الأطراف، بل الأطراف تنجذب إليه متى استقرّ. والدول التي تفهم هذه القاعدة لا تستهلك طاقتها في إثبات الوجود، لأنها تبني وجودًا يجعل الآخرين يعترفون به دون طلب. وهذا ما يفسر لماذا تتحول بعض الدول إلى نقاط ارتكاز في أوقات الأزمات، بينما تفقد أخرى تأثيرها رغم ضجيجها. هنا يكتسب قول نيكولا تسلا عن الأرقام 3 و6 و9 معنى أعمق من القراءة الشائعة. فليس المقصود بالأرقام ذاتها بوصفها مفاتيح سحرية، بل بما ترمز إليه من نظام وتناغم. تسلا لم يكن يتحدث عن أعداد معزولة، بل عن بنية كونية تقوم على الإيقاع والتكرار المنظّم، حيث لا شيء يحدث خارج الانسجام. وحين نفهم هذا المبدأ، نفهم لماذا تنجح بعض التجارب دون أن تفرض نفسها، ولماذا تتحول بعض الكيانات إلى مراجع دون أن تعلن ذلك. التجربة القطرية، في هذا الإطار، تُقرأ بوصفها نموذجًا لدولة لم تُفرِط في الحركة، ولم تُبالغ في ردّ الفعل. اختارت التوازن في عالم يميل إلى التطرف، والوساطة في زمن الاستقطاب، والبناء الهادئ في بيئة تكافئ الصخب. وهذا الخيار، على المدى الطويل، هو ما يصنع الجذب. فالعالم المتعب من الصراخ يبحث دائمًا عن نقطة هدوء، وعن طرف قادر على الإصغاء بقدر ما هو قادر على الفعل. الجذب، في معناه العميق، ليس أن تجعل الآخرين يتبعونك، بل أن تجعلهم يثقون بأنك ثابت. والثبات لا يعني الجمود، بل يعني وضوح الاتجاه. والدول التي تعرف من هي، لا تخشى أن تكون كما هي، ولا تحتاج إلى تبديل أقنعتها مع تغيّر المواسم. من هنا، يصبح الاتساق قيمة استراتيجية، لا مجرد فضيلة أخلاقية. لهذا، يمكن القول إن نجاح قطر لم يكن وليد صدفة تاريخية، ولا نتيجة معادلة رقمية جامدة، بل ثمرة انسجام نادر بين الرؤية والسلوك، بين الإمكان والطموح، وبين الهدوء والتأثير. فالعدد هنا ليس سببًا، بل إشارة؛ ليس محرّكًا، بل مرآة تعكس ما هو أعمق في بنية التجربة ذاتها. وفي هذا الأفق، يستعيد قول تسلا معناه حين قال: «من يفهم 3 و6 و9 يملك مفاتيح الكون». فليس المقصود امتلاك الكون بالهيمنة، بل بفهم نظامه، ولا قيادة العالم بالقوة، بل بالمرجعية. وعندما يتحقق هذا المستوى من الفهم، تنتقل الدولة من موقع الفعل إلى موقع المرجع؛ والمرجعية لا تُفرَض، بل يُرجَع إليها.ومن منظور استشرافي، لا تنبؤي، يمكن القول إن المرحلة القادمة قد تشهد تحوّلًا تدريجيًا في موقع قطر ضمن النظام العالمي، بحيث تصبح خلال مدى زمني يتراوح بين تسع إلى ثماني عشرة سنة نقطة ارتكاز مرجعية في مجالات متعددة: سياسية، دبلوماسية، إنسانية، وربما معرفية. ليس بمعنى إخضاع العالم، بل بمعنى الاحتكام إلى نموذجها بوصفه معيارًا للاتزان في عالم مضطرب. فالعالم، حين يُرهَق من الصدام، يبحث عن مرجع، وحين يفقد ثقته بالضجيج، ينجذب إلى الهدوء العاقل. وإذا كانت بعض الدول تسعى إلى قيادة اللحظة، فإن دولًا نادرة تُهيّأ لقيادة المعنى. وقطر، بما راكمته من انسجام وثبات، تبدو مرشّحة لأن تكون من هذا الصنف. وهكذا، لا يعود قول تسلا حكمة معزولة، بل مفتاح قراءة: من يفهم الانسجام، يملك مفاتيح التأثير… ومن يملك مفاتيح التأثير، يصبح مرجعًا دون أن يطلب ذلك.
210
| 30 ديسمبر 2025
أنا باحث في هذه العلوم منذ سنين طويلة، في علم الأعداد، والطاقة، والرموز، وفي علاقتها العميقة بحركة التاريخ والجغرافيا وسلوك الأمم، وبإذن الله تعالى سأصل إلى الحقيقة العلمية. وفي اليوم الوطني لدولة قطر، لا يكون الاحتفاء مجرد استذكار لتاريخ التأسيس، بل فرصة للتأمل في معنى الدولة، وفي سرّ تحوّلها من كيان جغرافي محدود إلى حضور عالمي مؤثر. قال العالم نيكولا تسلا عبارته اللافتة: «من يعرف عظمة الأرقام 3 و6 و9، يملك مفتاح الكون». لم يكن تسلا شاعرًا ولا صاحب خيال منفلت، بل عالم أدرك أن الكون تحكمه أنماط عددية وترددات دقيقة، وأن الجذب ليس صدفة، بل نتيجة انسجام بين البنية والوظيفة. ومن هنا جاء ما يُعرف بقانون 3-6-9، وهو في جوهره قانون التوازن والجذب. في هذا السياق، يمكن قراءة قطر قراءة مختلفة، لا تلغي السياسة ولا الاقتصاد، لكنها تضيف بعدًا رمزيًا تأمليًا. فإذا قرأنا اسم قطر بعلم الجُمَّل الكبير، وجدنا أن قيمته العددية هي 309. رقم يتكون من 3 في البداية، و0 في الوسط، و9 في النهاية. بداية، ومركز توازن، واكتمال. أما الصفر، فليس عدمًا، بل ما تسميه الفيزياء الحديثة نقطة الطاقة الصفرية، أي مركز السكون الذي تنطلق منه الحركة المتزنة. واللافت أن الرقم 6، وهو قلب معادلة تسلا، يظهر ضمنيًا بين 3 و9؛ فحين نطرح البداية من النهاية (9 - 3)، يظهر التوازن. كأن الاسم ذاته يحمل معادلة الانطلاق والاتزان والاكتمال في بنيته العميقة. لكن المعنى يكتمل أكثر حين ننتقل من الاسم إلى الزمن. اليوم الوطني لدولة قطر هو 18 ديسمبر. وعند اختزال هذا التاريخ عدديًا، نجد أن اليوم (1 + 8) يساوي 9، وأن الشهر (12 + 1 + 2) يساوي 3. وهكذا، يتكرر الرقمان نفسيهما اللذان حمَلهما الاسم: 3 و9. وحين يتوافق الاسم مع الزمن، يتحقق ما يسميه علماء الطاقة الرنين؛ أي أن الأثر يتضاعف لأن الهوية واللحظة تسيران على النغمة ذاتها. هذا التوافق بين الاسم (309) واليوم الوطني (3 و9) ليس احتفالًا بالأرقام، بل إشارة إلى انسجام أعمق بين الهوية والتاريخ. وفي مسيرة الدول، يكون هذا الانسجام أحد أسرار الثبات والاستمرار. ويزداد العمق حين نلاحظ أن الرقم 309 ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: «ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا». وهو رقم ارتبط في النص القرآني بالثبات عبر الزمن، وبالظهور بعد طول انتظار، وبالتحول إلى علامة. وليس المقصود إسقاط المعنى، بل استحضار دلالة: أن بعض الكيانات تُعدّ بصبر، ثم تظهر بوظيفة مؤثرة في وقتها المناسب. وفي الواقع المعاصر، جسّدت قطر هذا المعنى بصورة عملية. فقد اختارت منذ تأسيسها أن تبني قوتها على التوازن لا الصدام، وعلى الجذب لا الإكراه، وعلى الحضور الهادئ لا الضجيج. أصبحت قطر محورًا دبلوماسيًا، وبوصلة إعلامية، ووجهة اقتصادية، وملاذًا إنسانيًا، رغم محدودية المساحة. وهذا هو جوهر الرقم 6 في معادلة تسلا: أن تكون نقطة التقاء لا ساحة صراع. في اليوم الوطني، لا نحتفي فقط بتاريخ التأسيس، بل نحتفي بمعنى الدولة: دولة فهمت أن التأثير لا يُقاس بالحجم، بل بالاتزان، وأن الجذب أقوى من الدفع، وأن الثبات على المبدأ يصنع المكانة. بهذا المعنى، يمكن النظر إلى قطر بوصفها بوصلة في عالم مضطرب؛ لا تفرض الاتجاه، لكنها تكشفه. خلاصة القول إن قطر، اسمًا وزمنًا ودورًا، تقف في قلب معادلة 3-6-9: انطلاق واعٍ، اتزان راسخ، واكتمال وظيفي جاذب. وفي يومها الوطني، تتجدد هذه المعادلة لا بوصفها رقمًا، بل بوصفها قيمة وطنية جعلت من قطر دولة حاضرة بثبات، ومؤثرة بهدوء، وجاذبة بثقة.
369
| 23 ديسمبر 2025
يُعدّ اليوم الوطني لدولة قطر محطةً أساسية في الوعي الوطني، إذ يُعيد إلى الأذهان لحظة التحوّل من مجتمع قبلي متفرّق إلى دولة موحّدة ذات سيادة، تقف على أسسٍ متينة من التاريخ والهوية. إنّ دراسة نشأة الدولة القطرية لا يمكن أن تُفهم بمعزل عن سياقها التاريخي والإقليمي، إذ تشكّلت قطر ضمن بيئةٍ خليجية معقّدة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وشهدت تفاعلاتٍ متواصلة بين القوى المحلية والإقليمية والدولية منذ القرن السابع عشر الميلادي وحتى اليوم. أولًا: البيئة التاريخية والاجتماعية لقيام الكيان القطري كانت شبه الجزيرة القطرية، بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي المطلّ على الخليج العربي، محورًا للتجارة والملاحة منذ العصور القديمة. ومع تزايد النشاط التجاري بين الهند وبلاد الرافدين وشبه الجزيرة العربية، أصبحت قطر ملتقى للقوافل البحرية، مما أسهم في ظهور مراكز عمرانية صغيرة على الساحل مثل الزبارة والدوحة والوكرة. ومع بدايات القرن الثامن عشر، أخذت ملامح المجتمع القطري تتبلور حول أنشطة اقتصادية رئيسة مثل صيد اللؤلؤ والتجارة البحرية، وهي أنشطة تطلبت التنظيم والتعاون بين القبائل الساحلية. وفي تلك المرحلة بدأت قطر تبرز ككيانٍ متميز عن محيطها الجغرافي، مع بروز شخصيات قيادية من آل ثاني الذين مثّلوا عنصر توحيد وتوازن في مجتمعٍ قبلي متنوع. ثانيًا: مرحلة التأسيس وبروز الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني يُعدّ الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني (1825–1913م) المؤسس الحقيقي لدولة قطر الحديثة. فقد ورث عن والده الشيخ محمد بن ثاني الحكمة والحنكة السياسية، وسار على نهجه في توطيد أركان الحكم وتوحيد القبائل تحت راية واحدة. وفي فترةٍ شهدت تنافس القوى الإقليمية (العثمانية والبريطانية)، أدرك الشيخ جاسم أن الحفاظ على كيانٍ قطري مستقلّ يتطلب مزيجًا من الواقعية السياسية والصلابة الوطنية، فعمل على تحقيق الاستقلال الذاتي دون الدخول في صدامٍ مباشر مع القوى الكبرى. لقد مثّلت معركة الوجبة سنة 1893م نقطة تحولٍ حاسمة في تاريخ قطر؛ إذ أظهرت قدرة القطريين على الدفاع عن أرضهم ضدّ محاولات الهيمنة الخارجية، ورسّخت مكانة الشيخ جاسم قائدًا وطنيًا ورمزًا للوحدة والاستقلال. ومنذ ذلك التاريخ، يمكن القول إن ملامح الدولة القطرية أخذت شكلها المؤسسي الأولي، حيث بدأت الدوحة تتحوّل إلى مركزٍ إداري وسياسي رئيس. ثالثًا: التأسيس كعملية تاريخية متراكمة من الخطأ النظر إلى تأسيس دولة قطر كحدثٍ واحدٍ أو تاريخٍ محدد، بل ينبغي النظر إليه بوصفه مسارًا تاريخيًا تراكميًا امتدّ عبر عقود. فما بدأه الشيخ محمد بن ثاني من توطيدٍ للقيادة، وطوّره الشيخ جاسم من تأسيسٍ للكيان السياسي، استمرّ مع خلفائه في صورة بناء مؤسسات وإدارة الموارد وتنظيم الشؤون العامة. إن هذا التراكم هو الذي جعل من قطر دولةً ذات شرعيةٍ تاريخيةٍ متجذّرة، لا وليدة ظرفٍ طارئ أو استعمارٍ مفروض. رابعًا: الأسس الفكرية والسياسية للتأسيس يمكن تلخيص فلسفة التأسيس القطري في ثلاثة مبادئ محورية: 1. الاستقلال والسيادة: فقد كانت قطر منذ بداياتها حريصة على إدارة شؤونها الداخلية بعيدًا عن الوصاية، سواء من القوى الإقليمية أو الدولية. 2. الشرعية القائمة على الإجماع الاجتماعي: إذ نشأت القيادة السياسية من توافق القبائل والبيوتات القطرية، لا من فرض القوة. 3. الموازنة بين الانفتاح والهوية: حيث حرصت الدولة الناشئة على الانفتاح على العالم العربي والإسلامي دون التفريط في الخصوصية القطرية والخليجية. خامسًا: جهود البناء والتحديث المبكر في النصف الأول من القرن العشرين، شهدت قطر تحولاتٍ مهمة مع ظهور النفط بوصفه موردًا اقتصاديًا جديدًا، ما أتاح للحكومة القطرية تطوير البنية التحتية وتحديث الإدارة. ومع تولي الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني (1949–1960م) الحكم، بدأت معالم الدولة الحديثة تتشكل: • تأسيس أولى الدوائر الحكومية. • تنظيم التعليم والرعاية الصحية. • تطوير العلاقات الدبلوماسية مع العالم الخارجي. ثم تواصلت مسيرة البناء مع الشيخ أحمد بن علي آل ثاني، الذي أعلن استقلال قطر عام 1971م، فدخلت البلاد مرحلة جديدة من التطور المؤسسي والسياسي. سادسًا: اليوم الوطني… رمز الذاكرة والتجدد في كل عام، حين تحتفل قطر بيومها الوطني، فإنها لا تحتفي بميلاد دولة فحسب، بل تُجدّد عهدها مع قيم التأسيس الأولى: الوحدة، السيادة، الإخلاص، والعمل. إن اليوم الوطني ليس تكرارًا لاحتفالٍ رسمي، بل هو تجسيد للذاكرة التاريخية التي تذكّر الأجيال بأن ما تحقق اليوم من نهضة وتنمية ومكانة دولية هو امتدادٌ مباشر لتلك الجهود التي بذلها المؤسسون الأوائل. وأخيراً أقول:- إنّ التاريخ القطري يمثل نموذجًا فريدًا في العالم العربي والخليج، حيث تمكنت قيادةٌ حكيمة من تحويل مجتمعٍ صغيرٍ في العدد إلى دولةٍ كبيرةٍ في الفعل والتأثير. لقد أثبتت التجربة القطرية أن بناء الدولة لا يكون بالموارد فقط، بل بالإيمان بالمصير، وبالقدرة على الموازنة بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثبات على المبادئ والتفاعل الإيجابي مع العالم. ولذلك، فإن اليوم الوطني لدولة قطر هو احتفاءٌ بجذور التاريخ وبثمار الحاضر معًا، وهو مناسبةٌ لتأكيد أن ما بدأه الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني بالأمس، يتواصل اليوم في ظلّ قيادةٍ واعية جعلت من “قطر” اسمًا يُذكر مقرونًا بالإنجاز، والكرامة، والرؤية المستقبلية.
246
| 16 ديسمبر 2025
مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16...
1602
| 04 يناير 2026
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك...
780
| 31 ديسمبر 2025
لا شكّ أن الجهود المبذولة لإبراز الوجه الحضاري...
657
| 04 يناير 2026
لا تمثّل نهاية العام مجرد انتقال زمني، بل...
504
| 31 ديسمبر 2025
يشتعل العالم، يُسفك الدم، يطحن الفقر الملايين، والحروب...
498
| 05 يناير 2026
عندما نزلت جيوش الروم في اليرموك وأرسل الصحابة...
492
| 04 يناير 2026
في بيئة العمل، لا شيء يُبنى بالكلمة بقدر...
483
| 01 يناير 2026
الطفل العنيد سلوكه ليس الاستثناء، بل هو الروتين...
483
| 02 يناير 2026
ليس هذا معرضًا يُطالَب فيه المتلقي بأن يفهم...
450
| 30 ديسمبر 2025
مغالطات وتجاوزات تخالف عقيدتنا، وتزدري هويتنا، تحولت إلى...
420
| 01 يناير 2026
لم تعد المخاطر الصحية في عالم اليوم مرتبطة...
411
| 31 ديسمبر 2025
مهما غبت عن غزة وما يحدث فيها كتابة،...
402
| 01 يناير 2026
مساحة إعلانية