رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بالنظر إلى عنوان المنتدى بعناية وتمعن، يتبين أن اللغة العربية في أزمة حقيقية، بل في مأزق كبير، من حيث الهجر والتداول، والهجوم والانتقاد، ومن قبل من؟ من قبل أبنائها وبني جلدتها، ومن يلبس ثوبها النقي الأصيل. فقد توالت الهجمات الشرسة على اللغة العربية، والطعن فيها، وانتقادها واتهامها بأنها لغة بالية قديمة، ليست عصرية، وغير قابلة للتطور، وغير مواكبة للحداثة، وغير صالحة للعلم، فهي ليست لغة العلم ولا العصر، ولا لغة التكنولوجيا والكمبيوتر والمعلومات، بل لغة المتخلفين غير المثقفين من بني البشر، فهي لغة متخلفة عن الركب الحضاري. ولذا، فهُجرت اللغة العربية من أهلها إلى لغة الأعاجم من الغربيين الأوروبيين والإنجليز والأمريكيين، فأصبح اهتمام الأسر العربية والمثقفين العرب ينصب على اللغة الإنجليزية، وإتقانها والتحدث بها والتواصل من خلالها، وكأنها اللغة الوحيدة في العالم، وعلى حساب اللغة الأصلية للمجتمعات العربية. فأصبحت المجتمعات العربية تتباهي بأبنائها الراطنين باللغة الإنجليزية، والمتحدثين بها على الملأ في المحافل المحلية والإقليمية والدولية، وهناك أمثلة كثيرة على مستوى الوطن قد يأتي ذكرها لاحقا إن اتسعت المساحة المتاحة.
ومن هنا جاء الشعور بالأزمة، ودق ناقوس الخطر، مما أدى إلى تأسيس "المنظمة العالمية للنهوض باللغة العربية" وإخراجها من أزمتها، فتبنت دولة قطر مشكورة ممثلة في "مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع" قضية اللغة العربية بكل فخر واعتزاز وشعور بالانتماء الحقيقي لأمتها العربية، واعتبرتها قضيتها الأساسية باعتبارها قضية وجود وكيان وهوية، فاحتضنت المؤتمرات والندوات والمنتديات، وأقامتها على أرضها لبحث الأزمة، وتشخيصها، وتحديد أسبابها، والعمل على علاجها في نهاية المطاف من خلال اقتراح بعض الحلول الناجعة في ضوء أسباب المشكلة وانعكاساتها على الناشئة من أبناء الأمة عامة، والوطن بشكل خاص. وتأكيدا لذلك، وانطلاقا من هذا الشعور، جاءت المطالبة القطرية بضرورة وجود إرادة عربية رسمية ونخبوية وشعبية لحماية اللغة العربية من الضياع والتدهور، وذلك على لسان رئيس مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع سمو الشيخة موزا بنت ناصر في كلمتها الافتتاحية لمنتدى النهوض باللغة العربية تحت شعار "التنشئة اللغوية للطفل العربي: الواقع وآفاق المستقبل" والذي عقد في الدوحة في الفترة (من 20 -21 يناير 2016م). ولم تقتصر الكلمة الافتتاحية على هذه المطالبة، بل شملت بعض المحددات والأسباب التي أدت بالجمهور إلى هجر لغتهم وضعف الاهتمام العام بها من قبل الأطفال والشباب والأسر وأولياء الأمور والمسؤولين في الدول العربية عامة، وقطر بشكل خاص على مستوى القطاعين العام والخاص. واختتمت الكلمة بالإشارة إلى بعض أساليب العلاج مثل ضرورة الاهتمام بمناهج اللغة العربية وتبسيطها، متضمنة بعض الإشارات والأحاسيس الوطنية، والاعتزاز بالهوية العربية مثل "الأمم تتحصن بلغاتها، والعربية بالنسبة إلينا هي الهوية الواقعية، والعربية هي صوتنا الذي نحضر بحضوره ونغيب بغيابه". وتُعزز هذه العبارات والتوجهات والأحاسيس، بعبارات مماثلة نابعة من الاعتزاز باللغة والهوية ومدى ترابطهما ببعضهما البعض من التربوي القطري الأول الدكتور عبدالعزيز بن تركي السبيعي، وزير التربية والتعليم الأسبق في كلمته بالمنتدى باعتباره رئيس مجلس أمناء المنظمة العالمية للنهوض باللغة العربية بإشاراته الداعمة بقوله "إن للتنشئة اللغوية للطفل دورا كبيرا، ومهما في ترسيخ الهوية، وإرساء الثقافة، وبسط اللسان في حقول المعرفة والعلم، والإسهام في العطاء والبناء، والتقدم الحضاري للأمة". وليس هذا فحسب، بل أظهر السبيعي أيضا إيمانه الراسخ بقوة اللغة العربية في مواجهة التحديات بقوله "إنه على الرغم من التحديات والعقبات التي تواجه تطور اللغة العربية، إلا أنها منطلقة في ركبها بإذن الله، وأنها باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مؤكدا أنه لا وجود لمن لا هوية له، ومن أراد الخلود فعليه الاعتزاز بلغة الضاد. وطالب رئيس مجلس أمناء المنظمة في نهاية كلمته بعدم اللحن في اللغة العربية، والزج باللهجات العامية، وإدخال الكلمات الأجنبية دون مبرر، (الشرق والراية، الخميس 21 يناير 2016). هذا ما ورد في كلمتي الافتتاح من رموز كبار في الدولة، ومعنيين باللغة العربية، وليسمع السامعون، والمتغنون باللغات الأعجمية اعتزازا وافتخارا وتباهيا وتظاهرا بالثقافة، وكأن الثقافة لا تستقيم إلا بالرطانة والتغني بلغة الأجنبي الغربي الإنجليزي، وكأنه لا ثقافة بدونها، ولا حضارة في غيابها، فالتحدث والتغني بلغة الغير ليست معياراً للثقافة، ولا دليلا على التقدم والرقي، فليس كل من تحدث الإنجليزية تقدم، وليس كل من لم يتحدث الإنجليزية تأخر. وكل من خاطب جمهوره وقومه ومواطنيه بلغة غير لغتهم تعالى عليهم. ولذا، فلتسمع تلك الفتاة القطرية التي أصرت على التحدث إلى جمهورها العربي الخليجي في ندوة محلية في قطر بالإنجليزية، ولتسمع تلك المسؤولة التي تصر في كل مناسبة إلا فيما ندر على التحدث إلى جمهورها العربي في غالبيته باللغة الإنجليزية، ولتسمع تلك المديرة التي ترفض قبول أي عضو لا يتحدث الإنجليزية في أي لجنة من لجان إدارتها أو قسمها الذي تديره، وليسمع ذلك المسؤول الكبير في مؤسسته الذي لا يحلو له الحديث إلا بلغة الغير، ولتسمع تلك الأم القطرية المرتدية لزيها الوطني التي تصر على أن تخاطب أبناءها وبناتها في الجمعيات والمجمعات التجارية باللغة الإنجليزية، ولتتذكر هذه الأم، وغيرها من الأمهات اللاتي لا يستقيم بهن الأمر إلا بالتفوه بكلمات إنجليزية للظهور بمظهر حضاري مزيف أمام الملأ أن "التنشئة اللغوية هي الهوية". وما ذلك إلا نتيجة طبيعية للانبهار بلغة الغير، والاعتزاز بها، وإنكار الأصل، لغة المجتمع، اللغة العربية .. لغة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وقومه وأمته، التي شرفها الله من أعلى سابع سماء إذ اختارها لغة سامية لكتابه العزيز "القرآن الكريم". فهل يعقل أن تستبدل لغتنا العربية، ولغة قرآننا الكريم، بلغة قوم آخرين لم تشرف ولم تكرم سماويا، ولماذا نحن العرب هم الذين يجب أن يتخلوا عن مبادئهم وقيمهم وهويتهم وثقافتهم من أجل مظهر حضاري، أو مطلب دنيوي زائل لا محالة، ولماذا لا نكون أقوياء بما فيه الكفاية، ونتمسك بقيمنا ومبادئنا وثقافتنا وهويتنا، شأننا في ذلك شأن الأمم الأخرى، كاليابانيين، والصينيين، والكوريين، والألمان، والفرنسيين، وحتى الإيرانيين وغيرهم من الشعوب والأمم الحرة المعتزة بلغتها وثقافتها وهويتها. فالعيب فينا، والخلل فينا، ولا يمكن إصلاحه إلا من خلالنا، وبإرادتنا الذاتية وبشكل فردي أولا، وليس جماعيا، وذلك لأن مسؤولية الجميع مسؤولية لا أحد، أما مسؤولية الفرد فهي مسؤولية الكل. وتأسيسا لما ورد في كلمة الشيخة موزا بنت ناصر، فالحاجة ماسة لإرادة وطنية قبل أن تكون عربية، فهي وطنية أولا، تتسع رقعة انتشارها فيما بعد شيئا فشيئا لتصبح إرادة عربية رسمية نخبوية شعبية. ولنبدأ بالوطن، بقطر، فمعظم مؤسسات الدولة العامة والخاصة للأسف لا تدعم جهود النهوض باللغة العربية في متطلباتها وشروطها وتركيبتها الداخلية، ومواصلتها مع الآخرين، ولغة التواصل فيما بين المنتسبين للمؤسسة الواحدة، فلنأخذ جامعة قطر على سبيل المثال، وعلى المستوى الرسمي ناهيك عن المستوى الشخصي لمنتسبي الجامعة، فالجامعة في غالبيتها رطانة في رطانة، ولحن في لحن، وكلمات إنجليزية بمبرر وبغير مبرر، فتتعثر الرطانة أحيانا، وينكسر اللحن أحيانا أخرى نتيجة لمحاولة المسايرة ممن تعجز ألسنتهم عن الرطانة واللحن باللغة الإنجليزية، فالاجتماعات في معظمها تدار بغير اللغة العربية، ومعظم المؤتمرات تغلب عليها اللغة الإنجليزية، ورش العمل، والندوات العلمية والثقافية تقدم باللغة الإنجليزية، والمراسلات والمخاطبات تتم في معظمها باللغة الإنجليزية، والكثير من المقررات الدراسية تدرس باللغة الإنجليزية، ومقررات الدراسات العليا، ووفقا لتوجهات وسياسات جامعية عامة تطرح وتدرس باللغة الإنجليزية، وشروط القبول محكومة بنتائج اختبارات اللغة الإنجليزية، مما يشكل هاجسا كبيرا للطلبة قبل دخولهم الجامعة، وبفترة ليست بالقصيرة، مما يدفعهم إلى التوجه نحو اتقان اللغة الإنجليزية، واجتياز اختباراتها، ويدفعون ذلك من وقتهم وجهدهم، ويصرفهم عن الاهتمام بلغتهم وقراءاتهم الذاتية بلغتهم العربية، أوليس في هذا انصرافاً وغفلة عن الاهتمام باللغة العربية؟ وماذا بقي في الجامعة للغة العربية، ففي الواقع لم يبقى شيء، وحتى أسماء الطلبة في كشوف الغياب والدرجات تصدر باللغة الإنجليزية، وموجودة على نظام البنر باللغة الإنجليزية، فأين العربية في مؤسستنا الوطنية؟ وكيف يمكن لهذه المؤسسة، ومن في حكمها من مؤسسات الدولة في ظل هذه الاتجاهات والسياسات والقناعات أن تدعم توجهات وجهود النهوض باللغة العربية، وحمايتها من الضياع. سؤال يحتاج إلى إجابة شافية وافية. وعلى فكرة، فالأمر لا يقتصر على جامعة قطر، كما وردت الإشارة آنفا، بل يتعداها ليشمل مؤسسات أخرى في الدولة مقتنعة تمام الاقتناع بهذا التوجه والاتجاه، ولديها نفس القناعات. ولذا، فنقول ونصر مرة أخرى وثانية وثالثة على أن الحاجة ماسة إلى إرادة وطنية في المقام الأول، قبل أن تكون عربية، والله من وراء القصد.
ترامب.. والمعادلة المتناقضة الأطراف
يرى المتتبع لتصريحات الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» منذ ترشيح نفسه للرئاسة الأمريكية إلى الآن، وبعد تنصيبه بشكل رسمي... اقرأ المزيد
978
| 19 فبراير 2025
أمة تائهة بين السبات والممات
لا يخفى على أحد ما تمر به الشعوب العربية والإسلامية من حيرة تجاه حال أمتها من غياب فعلي... اقرأ المزيد
1899
| 09 أبريل 2024
حماس وداعش.. والمقاربة الباطلة
في ظل غياب القيم الأخلاقية، تضيع المبادئ، وتُزدوج المعايير، وتختل الموازين، وتختلط بعد ذلك الأمور، وتُغلب المصالح، ويسود... اقرأ المزيد
2496
| 30 نوفمبر 2023
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12144
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10002
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3471
| 22 أكتوبر 2026