رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ترامب وتفكيك الدولة العميقة

تعد مسألة تفكيك الدولة العميقة كما جاهر ترامب بذلك مراراً وتكرراً من أهم المسائل التي تشغل بال السياسيين والكتاب الأمريكيين، نظراً لغرابتها وكيفية تنفيذها وخطورتها أيضا. ويعد عداء ترامب الشديد لما يسمى «الدولة العميقة» ليس جديدا، حيث أشار إليها خلال ولايته الأولى، بينما في الثانية قد عقد العزم على تفكيك بات لها. ما هي الدولة الأمريكية العميقة؟ إحدى أكبر المغالطات الشائعة والتي يقع فيها حتى الكثير من المتخصصين في حقل العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بناء تحليلات وتصورات استنادا إلى مصطلح الدولة العميقة؛ فالمصطلح-رغم شيوعه الذائع- غير علمي وغير دقيق بالمرة، ولم يرد في أية موسوعة سياسية حتى الآن. وبعيدا عن أسباب التداول الواسع للمصطلح دون أساس علمي، أصبح المصطلح فيما يبدو اختصاراً أو كناية عن مجموعة المؤسسات والقواعد والبيروقراطية الراسخة أو العتيقة في الدولة، والتي بدورها تلعب دورا ما، أو تؤثر بصورة ما على صانع القرار والسياسة العامة للدولة الداخلية والخارجية. وعلى هذا القياس، فالمقصود بالدولة الأمريكية العميقة البنية البيروقراطية الفيدرالية وما تشمله من مؤسسات وموظفين وخبراء وقواعد وأعراف. لماذا يكن ترامب عداء شديدا للدولة العميقة؟ على الرغم من التقارب الفكري والإيديولوجي لمعظم ما يسمى حركات وتيارات ما بعد الديمقراطية، وأبرزهم اليمين المتطرف، والشعبويين، والفوضويين، والنازيين الجدد...وغيرهم. فإن الشعبويين لهم خصلة واحدة فريدة تميزهم عن غيرهم وهي العداء الشديد للنظام المؤسسي القائم وقواعده حتى ولو كانت ديمقراطية. يصعد الشعبويون بصورة ديمقراطية عبر تلك المؤسسات الراسخة؛ لكنهم يعملون بشكل منهجي على تدمير هذا النظام المؤسسي، وبناء تصور جديد للدولة، لتحقيق مآربهم التي لا تتمايز عن مآرب جميع تيارات ما بعد الديمقراطية. وبناء عليه، يرى ترامب أن النظام المؤسسي الأمريكي القائم بجميع أركانه وقواعده، عائق كبير أمام تحقيق أجندته المتطرفة. فالقضاء على سبيل المثال، يقف دائما له بالمرصاد أمام قوانينه حول الهجرة، والكونجرس حول المساعدات الخارجية. ومن جانب آخر، لدى ترامب نزعة سلطوية غير خافية حيث ابدى إعجابه مراراً بزعماء سلطويين حول العالم. ومن ثم، يرى أن تفكيك الدولة العميقة سيعزز سلطته على البلاد، وتنفيذ أفكاره وسياساته البعيدة كليا عن نمط السياسة الأمريكية التقليدية. هناك من يرى أيضا أن ترامب يسعى للانتقام من أعدائه داخل هذه الدولة العميقة خاصة مما يعتقد أنه كان السبب في هزيمته في الانتخابات السابقة، وغير المؤيدين له. فتلك الدولة العميقة تعج بالديمقراطيين. خطة ترامب لتفكيك الدولة العميقة وتحدياتها بدأت خطة ترامب مبكراً أو قبل انتخابه رسمياً من خلال ترشيح «إيلون ماسك» لمنصب جديد غير معهود وهو منصب «وزير الكفاءة الحكومية»، وكان هدف، بحسب المعلن، هذه الوزارة الجديدة إدخال تحسينات شاملة في الجهاز الإداري للدولة، خاصة العمل على وقف إهدار النفقات غير الضرورية، والحد من البيروقراطية الحكومية أو الفيدرالية. وقد تأكدت الشكوك فيما بعد بأن مرمى الوزارة الحقيقي هو التخلص من الآلاف من الموظفين الفيدراليين، كخطوة أولى لتفكيك الدولة العميقة. إذ لم يمر شهر على ولايته، حتى أعلن ترامب عن قرار بتسريح أكثر من 75 ألف موظف اتحادي بحجة توفير النفقات، وسوء الأداء. وفي سياق ذلك، صرح إيلون ماسك أن تقليص الجهاز الفيدرالي بات ضرورياً لحماية أمريكا من الإفلاس. وفيما بعد أعلن ترامب عن نوايا لطرد آلاف أخرى من الموظفين في وزارات الطاقة، والصحة، والأعمال، وهيئة السلامة النووية وغيرهم. إذ يقدر عدد الموظفين المرجح تسريحهم خلال السنة الأولى لترامب بنحو 200 ألف موظف. وقد ترافق مع خطة التسريح الجماعي، إعلان ترامب عن نواياه بإلغاء وزارة التعليم الأمريكية بحجة تراجع التعليم رغم النفقات الباهظة المخصصة له. إن مخطط التسريح الجماعي الذي أصبح العنوان الرئيسي لتفكيك الدولة العميقة لن يتوقف بالقطع، حيث سيفاجئنا ترامب كل أسبوع بموجة تسريح جديدة، وإنهاء هيئات قائمة. حتى تحين الفرصة الملائمة وهي قريبا، ليطال التفكيك أهم المؤسسات الأمريكية قاطبة خاصة القضاء، وهو أهم ما يهدف إليه ترامب. وهنا سيواجه ترامب التحدي الأصعب، فهو يرمي إلى تقويض هذه المؤسسات وبالتحديد الخارجية والقضاء والبنتاجون، وتكديسها بموالين له. إلا أنه سيصدم بعقبات لا حصر لها، أهمها الدستور الأمريكي نفسه الذي يعد من المستحيل تغييره، وكما سيواجه بمعارضين داخل الحزب الجمهوري نفسه، وربما معارضة من مستشاريه، لما سيؤدي ذلك إلى تداعيات ستقلب السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية رأسا على عقب. فتحدي القضاء الأمريكي الراسخ ليس بالأمر السهل على الإطلاق. خطورة تفكيك الدولة الأمريكية العميقة ينطوي التفكيك على مخاطر لا حصر لها، سنذكر بعضا منها على الأقل على المدى القريب: - تعزيز السلطوية الشعبوية لترامب على حساب الديمقراطية - حرمان الولايات المتحدة من أبرز الكفاءات في الجهاز الإداري، مما سيضعف الدولة - تنامي الانقسام الأمريكي الذي يعد أخطر تهديد يواجه الولايات المتحدة

1101

| 24 فبراير 2025

كيف يُعجل ترامب أفول الهيمنة الأمريكية؟

قد أمسى من المسلم به أن الهيمنة الأحادية الأمريكية على العالم تعيش فصلها الأخير وليس الآن بل منذ الأزمة المالية العالمية 2008، وسط اعتراض قلة محدودة من المتخصصين على ذلك. ورغم علم الإدارات الأمريكية السابقة لترامب بذلك علم اليقين؛ ومع ذلك سعت جاهدة للمحافظة على هذه الهيمنة - إذ لا يمكن أن تتخلى قوى مهيمنة عن هيمنتها بسهولة - لكن عبر انتهاج سياسات وتكتيكات مختلفة، على رأسها حشد التحالفات الدولية، والتركيز على التفوق التكنولوجي، والحفاظ على الدور القيمي للولايات المتحدة في العالم من خلال قيادة المبادرة في بعض القضايا خاصة التغير المناخي. وبالقطع من المستحيل أن تستمر الهيمنة الأمريكية المطلقة عبر هذه السياسات، فالهيمنة الأحادية أو القطبية الأحادية استثنائية الطبع في النظام الدولي، أو وضع غير اعتيادي لن يدوم طويلا هذا من جانب. ومن جانب آخر تعد الأحادية الأمريكية استثناء خاصا برزت في ظل ظروف خاصة استثنائية في النظام الدولي، حيث انهار كل المنافسين في وقت واحد تقريبا. ومن جانب ثالث وهو الأهم، أن النظام الدولي قد أمسى متعدد الأقطاب ولن يعود للوراء بأي حال من الأحوال. لكن بغض النظر عن تصور الولايات المتحدة بإمكانية استدامة الهيمنة الأمريكية عبر تلك السياسات، وهو تصور خاطئ بالقطع. فإن تلك السياسات من شأنها الحفاظ على القوة الأمريكية إلى أطول مدى زمني ممكن، أو بعبارة أخرى عدم التسريع في إعلان الأفول الرسمي للهيمنة الأمريكية. ويقدم المقال تقديرا للكيفية التي يعجل بها ترامب من أفول الهيمنة الأمريكية من خلال التركيز على الحرب التجارية وسياسة الهجرة. رغم إصرار ترامب على شعاره «جعل أمريكا عظيمة مجددا»، لكنه في المجمل العام يتبنى نهجاً في السياسة الخارجية تحديدا يتمحور حول الانعزالية، والانفرادية، ومنطق الصفقات التجارية، وغطرسة القوة المفرطة، منافيا تماما لذلك الشعار. وتعكس الحرب التجارية، وسياسة الهجرة العنيفة ذروة النهج الخاص لترامب وعقيدة الشخصية أيضا. دشن ترامب مصطلح الحرب التجارية في قاموس السياسة الأمريكية، العالم. بدأت الحرب التجارية لترامب في ولايته الأولى كان المستهدف منها بالأساس الصين، لكنها عكست تصور ترامب العالم للاقتصاد الأمريكي والقوة الأمريكية عامة. إذ يرى ترامب أن الاقتصاد الأمريكي قد تدمر جراء عدم الحمائية التجارية الناجمة بالأساس من الاعتماد التجاري المتبادل والعولمة. وفى ولايته الحالية، قام مؤخراً بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 % على جميع واردات الولايات المتحدة من الحديد والألومنيوم، ولم يستثن دولة واحدة، إضافة إلى فرض رسوم بنسبة 10 % على جميع واردات الصين. تعكس الحرب التجارية قصر نظر فادحا لترامب وداعمي الحرب التجارية. إذ على المدى القصير لا شك أنها ستجلب مليارات الدولارات للخزانة الأمريكية. لكن التداعيات على المدى المتوسط والطويل شديدة الخطورة على الاقتصاد الأمريكي، والدور الاقتصادي العالمي لواشنطن، ودورها الريادي العالمي أيضا. ستجلب الرسوم الجمركية مليارات الدولارات للولايات المتحدة، لكنها في المقابل ستؤدى إلى موجة تضخمية عنيفة، وخلق مناخ سلبي طارد لمجتمع الأعمال. وذلك ببساطة لأن الولايات المتحدة تعتمد على الأسواق الخارجية بنسبة تناهز 80 % سواء في المنتجات العادية، أو مستلزمات الإنتاج والتشغيل، خاصة من الدول الثلاث التي كانت بؤرة تركيز الحرب التجارية: الصين، كندا، والمكسيك. وعلى نحو آخر، تمثل الحرب التجارية العنيفة لترامب عداء صريحا لنظام التجارة العالمي ومن خلفه العولمة الاقتصادية الداعمة له، مما سيقوض الهيمنة الاقتصادية الأمريكية التي لا تزال تحتفظ بها عبر قوة الدولار وتشجيع تحرير الأسواق والتجارة، فالعولمة بالأساس حركة منتجة ومدفوعة بواسطة الولايات المتحدة. ومن المحتم أن يكون نتاج ذلك، تعزيز النظم العالمية الناشئة للاقتصاد خاصة النظام الصيني الأكثر موضوعية وعدالة، ذات التصورات المختلفة للعولمة وتحرير التجارة العالمية، والمتجسد في مجموعة البريكس. وعلى نطاق آخر، ستدمر الحرب التجارية التحالفات الأمريكية خاصة مع حلفائها التاريخيين عبر الأطلسي، فتضرر الحلفاء الشديد من الحرب التجارية في ظل التدهور الاقتصادي لهم، وفى ظل أيضا العداء الترامبى الانعزالي للحلفاء؛ سيدفعهم حتما إلى فك الارتباط التاريخي مع واشنطن نظير الالتفاف نحو الخصوم خاصة الصين. والتصريحات الألمانية الفرنسية منذ تولى ترامب توحي على نحو كبير بذلك. يعد ضبط سياسة الهجرة حقا سياديا لأي دولة، ونهج ترامب العام للهجرة لا يجانبه الصواب، إذ من غير المعقول أن تكون أمريكا مرتعا سهلا لتدفق عشرات الآلاف من أمريكا الجنوبية سنويا. لكن تكمن خطورة سياسة ترامب في تطرفها الشديد، والتي تنم عن شيفونية متطرفة ضد الأجانب، أكثر من كونها توجها لضبط الهجرة. تعد أمريكا دولة مهاجرين بالأساس، وقدم المهاجرون-غير الأنجلوساكسون- خدمات عظيمة لأمريكا، فأغلب حائزي جائزة نوبل من الأمريكيين مهاجرون من بينهم من أصول صينية وأصول مسلمة. ولا يزال المهاجرون يشكلون قوى مهمة للأمة الأمريكية، وعاملا رئيسيا للتفوق الأمريكي العالمي عبر تشجيع قدوم المهاجرين ذوي الكفاءة العالية من كافة أنحاء العالم. وهنا تكمن خطورة سياسة ترامب المتطرفة في الهجرة، حيث تنطلق من منطلق إقصائي، ستؤدى بدورها إلى حرمان الولايات المتحدة من أكفأ المهارات العملية والعلمية في العالم التي تستغلها واشنطن لتعزيز تفوقها، خاصة من العالم الإسلامي، وجنوب شرق آسيا.

756

| 17 فبراير 2025

ديب سيك... والدلالات الإستراتيجية

في خضم ذروة زهو ترامب بقوته وسياسته الجديدة التي يريد بها تغيير العالم، أحدثت الصين صدمة عالمية مدوية - نظن أنها كانت معدة سلفاً، وليست عشوائية- بإصدار تطبيق «ديب سيك» للذكاء الاصطناعي الذى يحاكى عمل «تشات جى بى تى» التطبيق الأشهر في العالم. وهى صدمة بكافة المقاييس نظراً للتكلفة الزهيدة للتطبيق، ولأدائه وسرعته التي تفوق خمسة أضعاف كل نظائره، وإتاحته بصورة مجانية للعالم. لكن لعل الصدمة الكبرى كانت انفجار فقاعة التفوق لترامب أولاً، والتكنولوجيا الأمريكية ثانيا، أمام العالم في غضون ساعات دون سابق إنذار. إذ من المعروف أن التكنولوجيا هي من الأذرع القليلة التي ما زالت متبقية في يد الولايات المتحدة لتأكيد تفوقها العالمي، بعد انسحاب بساط التفوق في مجالات عديدة إلى أرجل الخصوم. وإن كانت الصين فيما يبدو أرادت توصيل رسالة مباشرة لترامب مفادها بأن الحرب التجارية والتكنولوجية الساحقة التي عزم إعلانها على الصين لن تجدى نفعاً ومن الأفضل للقوتين الحوار والتفاوض. فالحرب التكنولوجية التي فرضها على الصين في ولايته الأولى، قد أفادت الصين حيث أعلنت عن خطة صنع في الصين 2050 والتي ارتكزت على تلبية الاعتماد الذاتي في المجال التكنولوجي خاصة أشباه الموصلات، وقد تمخض عن ذلك «ديب سيك». ومع ذلك، تتبدى في الأفق الدلالة الاستراتيجية الأخطر من ديب سيك وهى استحالة استمرار شارة التفوق التكنولوجي في يد أحد لاسيما قوى كبرى. ولعل ذلك ليس بالجديد في حد ذاته، فمئات «الهاكرز» من المراهقين قد استطاعوا في السابق اختراق أصعب الأنظمة التكنولوجية تحصيناً مثل البنتاجون، واكتشاف ثغرات فادحة في أشهر التطبيقات العالمية مثل فيسبوك. لكن ربما الجديد في هذه الواقعة يتعلق بالذكاء الاصطناعي، فبكلفة زهيدة ووقت قياسي وبأنظمة بسيطة، خرج إلى النور «ديب سيك»، في حين تنفق شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية مئات المليارات سنويا على تطوير برامج وتقنيات ينتهى بريقها في غضون ستة أشهر من خلال تطبيقات أحدث. فالخطير في الأمر أن الذكاء الاصطناعي ذاته قد سهل على جميع تطوير تقنيات فائقة الدقة والسرعة، دون الحاجة إلى تكلفة باهظة، بل مجرد تمكن في المعرفة وإلهام فكرى وهذا قد يكون عبر مراهق أو إرهابي أو هاكر يسعى للتجسس أو السرقة. ولعل هذه النتيجة قد تدفع القوتين خاصة الولايات المتحدة إلى تكثيف التعاون للتصدي لمخاطر الذكاء الاصطناعي الكارثية. لكن فيما يبدو أن ذلك لم يحدث، حيث سيستبد العناد والتحدي من الطرفين خاصة من واشنطن، ففور ظهور التطبيق أعلن ترامب عن استثمارات بنحو بنصف مليار دولار في الذكاء الاصطناعي. والتفوق في مجال الذكاء الاصطناعي- رغم مخاطره- أصبح ضرورة حتمية للتفوق الشامل للدول خاصة في المجال العسكري، فتقنيات الذكاء الاصطناعي تدفع جميع المجالات المعتمدة عليه لخطوات هائلة للأمام وهذا أمر محمود ولا يمكن النكوص عنه. لكن مع ذلك، سيدفع التنافس الاستراتيجي العالمي خاصة بين واشنطن وبكين إلى مربع الصراع المرعب الذى قد يتحول إلى مسلح. فتطبيق ديب سيك لابد أن يزيد المخاوف والهواجس بشأن الصراع على المعرفة والتفوق والموارد اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي.

924

| 09 فبراير 2025

هل ترامب جاد بشأن ضم بنما؟

أدلى الرئيس ترامب أثناء حملته الانتخابية، وفي خطاب التنصيب بتصريحات ووعود مثيرة كالعادة، لكن تصريحاته المباشرة أثناء حملته الانتخابية وإعادة التأكيد عليها في خطاب التنصيب بشأن إعادة استعادة قناة بنما، ناهيك عن وعود مباشرة باحتلال جرين لاند، وضم كندا لأمريكا، أصابت العالم كله بذهول، فهي غير متوقعة حقاً خاصة من رئيس يعد بالسلام. قناة بنما خاضعة للسيادة الكاملة لدولة بنما منذ عام 2000 وما قبل ذلك كان مجرد اتفاقات أمريكية مع حكومة بنما تسمح للولايات المتحدة بالإدارة المشتركة على القناة مع الإقرار بسيادة بنما على القناة. والقناة تعد ثاني أهم ممر ملاحي عالمي بعد قناة السويس، ويتجاوز دخل بنما من القناة قرابة الخمسة مليارات دولار سنوياً. بغض النظر عن كيفية إعادة ترامب بنما للسيادة الأمريكية باعتبارها حقا تاريخيا كما يقول؛ بنما أولوية تركيز رئيسية لإدارة ترامب، وصرح ترامب ضمنيا وعلانية لبواعث التركيز على بنما، وهي التصدي للسيطرة الصينية على بنما - كما يقول - والتخلص من الرسوم الجمركية السخيفة وغير العادلة على حد قوله المفروضة على السفن التجارية الأمريكية التي تمر عبر القناة، وتعد الولايات المتحدة أكبر مستخدم للقناة. هدد ترامب باستخدام القوة العسكرية لاستعادة القناة بصورة علانية أمام العالم، وهذا ما سبب جدلا واسعا حول جديته في تنفيذ ذلك. والواقع أن بواعث اهتمام ترامب بالقناة، ربما تؤكد على استعداده لذلك. واستخدام القوة العسكرية لضم بنما ليس بالأمر السهل على الإطلاق، فبخلاف كونها جريمة عدوان متكاملة، فمن المؤكد أن هذا العمل سيتحول إلى حرب عالمية ثالثة، أو بالأصح تشكيل تحالف عالمي بقيادة الصين وروسيا يضم أيضا دول أمريكا اللاتينية ضد الولايات المتحدة وحدها. هل ترامب ومستشاريه لا يعملون ذلك؟ بالقطع يعلمون مآلات هذا التصرف. إذن التهديد باستخدام القوة العسكرية، أو التهديد بضم القناة بصفة عامة ليس ببعيد عن نهج «سياسة حافة الهاوية» أو «سياسة الضغط القصوى» المفضل لترامب. وهو نهج اتبعه لعقود كرجل أعمال، وأشار إليه في كتابه الشهير «فن الصفقة»، ويستند على ممارسة أقصى ضغط على الخصم من أجل إخضاعه بالموافقة على مطالب أدنى هي التي يريدها بالفعل الطرف الضاغط. وبالقياس على ذلك، يتصور ترامب أن ممارسة حافة الهاوية على حكومة بنما، ستؤدي إلى تخفيض الرسوم الجمركية على التجارة الأمريكية كحد أدنى من الطموح، وفي الحد الأقصى للطموح، إبرام اتفاقية مع بنما من شأنها توسيع النفوذ الأمريكي على القناة بصورة ما، وإجبار بنما على تقليص تعاونها مع الصين. وبشأن الأخيرة ربما قد ارتأى ترامب أن توسع النفوذ الصيني في بنما نظراً لموقعها الإستراتيجي الحيوي، يمهد الطريق لتقويض النفوذ الأمريكي التقليدي في أمريكا الجنوبية، لاسيما في ضوء الشراكات الصينية الواسعة مع دول القارة الكبيرة، واجتياح اليسار المعادي لأمريكا القارة. خلاصة القول، نرى أن ترامب استنادا إلى عقيدته المناهضة لاستخدام القوة، والضعف العام الذي تمر به الولايات المتحدة، والخطورة الشديدة الناجمة عن ضم القناة بالقوة، غير قادر على ضم القناة بالقوة، إنما هو تكتيك حافة هاوية هدفه في نهاية المطاف محاولة فرض النفوذ الأمريكي التام على القناة.

1020

| 27 يناير 2025

ترامب وسوريا الجديدة

تزامن الوضع السوري الجديد بسقوط الأسد وتولى هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع السلطة فعليا، مع تولى إدارة أمريكية جديدة بقيادة ترامب. ولما كان الدور الأمريكي شديد الأهمية في أية قضية في العالم، ولسوريا الجديدة أمسى أكثر أهمية من ذي قبل؛ بات مستقبل السياسة الأمريكية تجاه سوريا في ظل إدارة ترامب مسار تكهنات متعددة. إذ بالإضافة إلى سياسة ترامب الثابتة تجاه سوريا التي تميل نحو التهميش، يواجه ترامب مجموعة من التحديات والأولويات الهامة والخطيرة خاصة ملف الاقتصاد والهجرة والصين والحرب الأوكرانية. الدور الأمريكي النشط في سوريا الجديدة حاسم ولا غنى عنه لعدة أسباب رئيسية، نذكر ثلاثة منهم، منح الشرعية الدولية الكافية للقيادة الجديدة ذات الخلفية الإسلامية، وتسهيل تدفق المساعدات المالية والاقتصادية لإعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد السوري، والثالث، عرقلة الأطراف الخارجية ذات الأجندات والأطماع المتضاربة من سوريا من إفساد الوضع السياسي الجديد. ومكمن المشكلة هنا أن ترامب فقط لا يعنيه مطلقا استقرار الوضع السوري من عدمه أسوة بالسابق وبدول أخرى خاصة ليبيا ذات الظروف المتشابهة، بل أيضا لديه حساسية شديدة في التعاطي مع حكومة ذات مرجعة إسلامية، بل ينظر ترامب إلى هيئة تحرير الشام وزعيمها الشرع على أنهم «إرهابيين» رغم اعتراف إدارة بايدن بالهيئة ورئيسها وشرعية الوضع العام الجديد في سوريا بصورة عامة، وإلغاء المكافأة الأمريكية بصورة رسمية التي كانت مرصودة للقبض على الشرع. وعلى بيان ذلك، ستشهد السياسة الأمريكية تجاه سوريا في المائة اليوم الأولى لولاية ترامب حالة من التهميش والتخبط في الوقت ذاته، خاصة وأن ترامب سيكون منهمكا في تحدى التعافي الاقتصادي وإنهاء الحرب الأوكرانية. لا تسير سياسة الدول على وتيرة واحدة- عدا الحفاظ على بعض الثواب الاستراتيجية المحدودة- حيث تتبدل بصورة جذرية توافقا أو تعارضا مع مصالح أو تهديدات جديدة. فضلا عن ذلك، تُجبر الدول على التعاطي مع الأمر الواقع حينما تستشعر أنه سيدوم لفترة. وهذا تحديدا ما سوف يجبر ترامب على إعادة مراجعة سياسته تجاه سوريا، أو منحها قدراً من الاهتمام، إذ سيصدم بوضع قائم في سوريا متجسداً في حكومة الشرع ذات الشرعية الداخلية والخارجية، حيث تتهافت عليها دول العالم لترتيب مصالحها في سوريا بما في ذلك جميع شركاء واشنطن. وعلى الجانب الآخر، هناك الكثير من المصالح والتهديدات أيضا نابعة من سوريا الجديدة ذات أهمية كبيرة للمصالح الأمريكية، وتتوافق مع رؤى وهواجس ترامب أيضا، وأقرب حلفائه خاصة إسرائيل، في الوقت عينه. الأولوية لترامب ستكون الهواجس، وعلى رأسها عدم عودة تنظيم داعش لسوريا، وتصفية الوجود الإيراني، ومنع سوريا بان تكون ساحة جديدة لمهاجمة إسرائيل. وإزاء وضع قائم مشروع ممثلا في حكومة الشرع، قد حددت بوضع هذه الهواجس كأولويات لها خاصة رفض تحويل سوريا كساحة لمهاجمة إسرائيل وعودة النشاطات الإرهابية؛ فلا مفر أمام ترامب سوى التنسيق مع حكومة الشرع، بل والضغط لدعمها دوليا دبلوماسيا وماليا، ولنا في طالبان أفغانستان عبرة. وعلى إثر ذلك أيضا، ليس من المستبعد موافقة ترامب على بقاء القوات الأمريكية في شمال سوريا. * تنشيط الدور الأمريكي في سوريا الجديدة من شأنه منع تغلغل النفوذ الصيني داخل سوريا، واستمرار الضغط على روسيا وتركيا تحديداً. وهذا في المجمل سيصب في صالح أولويات ترامب، تقويض القوى الصينية عالميا، إبعاد روسيا عن الصين وإنهاء الحرب الأوكرانية بالتصور الذى يريده وغالبا، تحجيم الدور التركي المنافس لإسرائيل والمهدد لأكراد سوريا. فضلا عن ذلك، تعد سوريا حاليا ساحة خصبة للشركات الأمريكية لجنى ملايين الدولارات من إعادة الإعمار، واستمرار الهيمنة الأمريكية على نفط سوريا المطوق بجنود الحماية الأمريكية في شمال سوريا، وهذا يتقاطع مباشرة مع رأس أولويات ترامب التعافي الاقتصادي الذى كان السبب الرئيسي لفوزه الكاسح في الانتخابات. * خلاصة القول، ينذر الوضع العام لسوريا الجديدة إلى دور أمريكي نشط نسبيا في ولاية ترامب الجديدة، دور لا مفر منه بسبب الفرص والتحديات التي تفرضها على مصالح أمريكا الاستراتيجية التي تتوافق معظمها مع أهواء وانحيازات ترامب شخصيا.

1206

| 19 يناير 2025

الدول الصغيرة والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة

يمثل هاجس البقاء الأولوية الرئيسية للدول الصغيرة، فهي بسبب محدودية مقدراتها الوطنية، وافتقارها إلى عمق استراتيجي، في الأغلب الأعم غير قادرة على الدفاع عن نفسها ضد تهديدات خارجية من دول كبرى. وعادة أيضا عرضة لأطماع وتدخلات خارجية لا تنقطع. ومن ثم، تتبع عادة الدول الصغيرة استراتيجيات محددة أبرزها التحالف مع قوى كبرى لحماية بقائها وأمنها. فدول بحر الصين الجنوبي الصغيرة معظمها منخرط في تحالفات عسكرية مع الولايات المتحدة لحماية نفسها من الصين. تشهد التكنولوجيا العسكرية طفرة هائلة مطردة، وستشهد طفرة أخرى أكثر تقدما في ظل التنامي المطرد لتقنيات الذكاء الاصطناعي. وتلك الطفرة-وفقا للخبراء العسكريين والاستراتيجيين- ستقلب موازين القوة العسكرية رأسا على عقب. إذ من ضمن ما سوف تحدثه هو رفع الكفاءة الدفاعية والردعية للدول الصغيرة بصورة غير مسبوقة. بل ربما ستساهم في تغيير ميزان القوى العسكرية بين بعض الدول الصغيرة وجيرانها الأقوياء، لصالح الأولى. فالتطور التقني العسكري هو بمثابة أسلحة أو أدوات تعويضية للدول الصغيرة التي تفتقر بطبيعة الحال لعامل «الكم» لتكوين جيش كبير وقوي. إذ على سبيل المثال لا الحصر، تستطيع الدول الصغيرة تعويض نقص القوة البشرية أو قوة المشاة لديها عبر استخدام «الروبوتات المتقدمة المقاتلة» و «الطائرات دون طيار». وأحد الأمثلة الحديثة على ذلك كان عملية تفجيرات «أجهزة البيجر» التي نفذتها إسرائيل ضد حزب الله، والتي يراها الخبراء مؤشراً على بدء ما يسمى الجيل الخامس للحروب التي ستكون عبر الأسلحة التكنولوجية وفي إطار الفضاء التكنولوجي والسيبرانى. وربما الأهم من ذلك، أن استحواذ الدول الصغيرة على التقنيات التكنولوجية والمعلوماتية الفائقة، وتكيفها عسكريا واستراتيجيا عبر خطة محكمة؛ سيساهم في تعزيز قوتها الدفاعية والردعية ضد أعدائها الأقوياء، وتعويض افتقارها عن العمق الاستراتيجي. إذ مثلا عبر التوظيف الفعال لتقنيات الهجوم والمراقبة من عن بعد؛ تستطيع الدول الصغيرة شل الأنظمة الصاروخية لأعدائها، أو تدميرها. وأيضا عبر التقنيات المتطورة في الفضاء السيبرانى، تستطيع اختراق الأنظمة الدفاعية المحصنة لأعدائها وإفساد الخطط العسكرية أو نوايا الهجوم بصورة استباقية. وبالتالي، في إطار التطور التقني العسكري الفائق، أصبح التفوق يستند على الكيف أو المعيار النوعي، وليس «الكمي». فامتلاك دولة لأسطول محدود كهولندا والدنمارك لكنه مزود بأحدث التقنيات العسكرية، أكثر فاعلية وكفاءة من دول تمتلك أسطولا تقليديا يتكون من مئات السفن والبوارج الحربية. وبدأت عدة دول صغيرة مؤخراً الانتباه لتلك المسألة وفي مقدمتها سنغافورة التي قامت بعملية تحديث شامل لقوتها العسكرية منذ 2009 تستند على توظيف أحدث التكنولوجيات المتطورة، وفي 2023، اعتمدت خطة موسعة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في كل أجهزتها العسكرية. تايوان أيضا وبمساندة قوية من الولايات المتحدة، تفطنت إلى فاعلية الاعتماد على أحدث التكنولوجيات المتطورة، كخيار رئيسي ضد أية مساع صينية لضم تايوان بالقوة. وربما تدرك تايوان أن هذا التوظيف لن يردع الصين القوية تماماً عن خططها لضم الجزيرة، لكنه سيرفع من كلفة هذا الضم بصورة فادحة، وربما ستتمكن تايوان من ضرب منشآت صينية حساسة من عن بعد. * خلاصة القول، سيقلب التطور التكنولوجي المطرد موازين القوة العسكرية رأسا على عقب، إذ أصبح التفوق العسكري مرهونا بمدى امتلاك التكنولوجيا المتقدمة وتطويرها بصورة مطردة، وليس بمدى امتلاك الأصول العسكرية التقليدية. ويتضح ذلك من الصراع المحتدم العنيف بين الدول الكبرى خاصة بين الصين والولايات المتحدة على التكنولوجيا. ومن ثم، قد اصبح بمقدور جميع الدول الصغيرة، لاسيما دول الخليج الغنية، تحقيق تفوق عسكري مطرد، وردع أعدائها بفاعلية عبر التركيز على التكنولوجيا المتقدمة وتوظيفها. وعليه أيضا، سيساهم ذلك في تخلص الدول الصغيرة من عبء الاستراتيجيات الأمنية التقليدية التي تنتقص من سيادتها وقرارها الخارجي.

1053

| 12 يناير 2025

إيران وولاية ترامب الثانية

إيران قطعاً ستكون إحدى أولويات التركيز القليلة لترامب في المنطقة خلال الأشهر الأولى من ولايته الجديدة. التفاعلات الأمريكية الإيرانية في ولاية ترامب الثانية تدور في سياق مختلف تماما عن ولاية ترامب الأولى، إذ يواجه ترامب إيران أضعف كثيراً عن السابق، فاقدة لمعظم أذرعها القوية في المنطقة. وعلى الجانب الموازي، يتفاعل ترامب مع إيران في ظل هياج إسرائيلي غير مسبوق بعد كارثة طوفان الأقصى، يبلغ طموحه الأقصى في تدمير البرنامج النووي الإيراني وإسقاط النظام الإيراني. وعلى إثر ذلك، يمكن القول إن جميع الاحتمالات واردة بشأن سياسة ترامب تجاه إيران، بدءًا من الاستمرار في سياسة الضغط القصوى-كما صرح أعضاء من إدارته- مروراً بإمكانية التفاوض-كما صرح ترامب شخصيا- وصولاً بتوجيه ضربة عسكرية للمفاعلات النووية. عندما يفكر ترامب في سياسة محددة في موضوع غاية في التعقيد كإيران، على الفور أول ما سيتبادر إلى ذهنه هو كيف يمكن تحقيق أقصى مكاسبنا بأقل خسائر ممكنة، وكيف يمكن تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة-لو أمكن- وذلك من منطلق مبدأ التعاملات التجارية الحاكم لنهج ترامب. وعلى ذلك، فمسألة الانخراط في حرب مع إيران من الخيارات غير المفضلة إطلاقا لترامب وهو ما يتماهى مع سياسته العامة «إنهاء الحروب الأبدية» خاصة في المنطقة. والحقيقة أن تصريحات ترامب وبعض من أعضاء إدارته المفاجئة صراحة بشأن إمكانية التفاوض مع إيران، تعكس جلياً ما سبق. ففيما يبدو أن ترامب يرى أن وضع إيران الضعيف والمهزوز حاليا في المنطقة خاصة بعد فقدانها سوريا؛ قد يجبرها على إبرام صفقة تتخلى فيها عن كل شيء بما في ذلك برنامجها النووي، مقابل فقط بقاء النظام الحاكم. وبالتالي، حقق ترامب أقصى ما يمكن من مكاسب مقابل لا شيء. بل حافظ أيضا على حصة المكاسب الاقتصادية التي تجنيها الولايات المتحدة من دول المنطقة عبر صفقات بيع السلاح المليارية بذريعة «البعبع الإيراني». يتبع ترامب نهج سياسة الضغط الأقصى المتدرجة كنهج معتاد عليه ويعتقد بفعاليته. وبالتالي، فمن المتوقع أن ترامب سيدعو إيران في الأسابيع من ولايته الجديدة للتفاوض المباشر على صفقة لإنهاء البرنامج النووي، ووسط هذه الدعوة تهديدات مباشرة وغير مباشرة من إدارته بعودة سياسة الضغط الأقصى، واحتمالية ضرب البرنامج النووي. ستواجه إيران بلا أدنى شك خلال ولاية ترامب الثانية وضعا شديد الصعوبة ربما لم تمر به من قبل. فإجبار إيران على التخلي عن برنامجها النووي هو بمثابة انتحار لها. فامتلاك السلاح النووي هو حلم إيران الأبدي الذى دفعت فيه أثماناً باهظة على مدار ثلاثة عقود من أموال وعقوبات ووكلاء واغتيالات. ناهيك عن ذلك، تقارير تؤكد أن إيران على أعتاب إنتاج قنبلة نووية خلال شهر إذا أرادت وفقا للتقارير الدولية التي أكدت قدرتها على تخصيب اليورانيوم بنسبة تتجاوز 70%. وربما يكمن التحدي الرئيسي لإيران في أن صفقة مع ترامب حول البرنامج النووي ستخلو من أية نافذة ممكنة للمناورة، حيث سيتعين عليها تسليم أو تدمير ما لديها من يورانيوم وبلوتونيوم وأجهزة الطرد المركزية، ووضع جميع منشآتها النووية تحت أعين الرقابة الدولية الدائمة. في ظننا أن إيران لن تقبل بصفقة التخلي النهائي عن البرنامج النووي، وترامب في المقابل لن يتحمل الانتظار طويلا السياسة الإيرانية التي تتبدل كل ساعة. وعليه، سيمضى فورا في مواصلة سياسة الضغط الأقصى أملا في إجبارها على صفقة التنازل. والواقع أن سياسة الضغط الأقصى المرتقبة ستكون أكثر عنفاً عن سابقتها، إذ من المتوقع أن يقطع ترامب جميع منافذ تصدير النفط لإيران لاسيما الدول المتحدية كالصين وروسيا، التي ربما ستستجيب إثر ضغوط أخرى ستمارس عليها كالحرب التجارية وإنهاء الحرب الأوكرانية. فضلا عن ذلك، أغلقت الكثير من المنافذ الإيرانية التي كانت تلتف منها على العقوبات كلبنان وسوريا وربما العراق. خلاصة القول، من الجلي في ظل وضع إيران، والضغوط الإسرائيلية، أن ترامب لن يقبل إلا بصفقة باتة تتخلى فيها إيران عن برنامجها النووي، ووكلائها، وجميع طموحاتها في المنطقة. ومع عدم استبعاد خيار استخدام الحل العسكري بسبب ضغوط إسرائيل الملحة، أو مواصلة إيران بشكل سريع إنتاج القنبلة النووية؛ إلا أن ترامب لا يحبذه مطلقا وهو ما يتماشى مع التوجه العام للولايات المتحدة بعدم الانخراط في أية حرب في المنطقة. إذ يراهن على مواصلة سياسة الضغط الأقصى لإضعاف إيران إلى أقصى مدى ممكن مما سيجبرها على صفقة في نهاية المطاف.

861

| 02 يناير 2025

ترامب وتدمير إرث بايدن في الإندو- باسيفيك

كانت سياسة حشد أو بناء التحالفات السمة الأبرز على الإطلاق لسياسة بايدن الخارجية. ومنطق بايدن أو الديمقراطيين عموما في بناء التحالفات يتلخص في أمرين: إن الحفاظ على الهيمنة الأمريكية يقتضى بناء هذه التحالفات الداعمة لكى لا تتحمل الولايات المتحدة وحدها عبء القيادة. والثاني، أن الولايات المتحدة لا تستطيع مواجهة الصين وحدها، فالحلفاء والشركاء ضروريون لمواجهة خصم قوى عنيد كالصين. وتركزت معظم تحالفات بايدن في منطقة الإندو-باسيفيك أو المحيطين الهندي-الهادئ؛ فحسبان أن تلك المنطقة تعد الركيزة الأساسية في سياق الحرب الباردة بين الصين وواشنطن على الهيمنة الدولية. وعلى أساس ذلك، قامت إدارة بايدن بإعادة تصنيف وضعها في المنطقة كجزء أساسي منها «أمريكا دولة إندو- باسيفك». كما قامت بعملية إحياء موسعة للتحالف الأمني الرباعي «كواد»، وتأسيس تحالف «أوكوس» الأمني. والتحالفان كانا نواة لتأسيس ما يسمى «الناتو» الآسيوي. فضلا عن ذلك، انخرطت في شراكات موسعة مع الهند والفلبين وفيتنام وتجمع الآسيان. وقدمت للأخير مساعدات مالية تقدر بأكثر بمائة مليون دولار. ومن هذا المنطلق، نجح بايدن في تكوين إرث صلب من التحالفات والشراكات مدعوم بانغماس أمريكي سياسي واقتصادي ومالي في المنطقة غير مسبوق. مطويا بذلك صفحة سوداء من الجفاء الأمريكي تجاه المنطقة في ولاية ترامب الأولى. لا يختلف ترامب عن بايدن في مسألة حتمية تقويض الصين فهي من المسائل المحدودة للغاية التي يتوافق عليها الحزبان الديمقراطي والجمهوري. بل إن بايدن قد واصل بعنف ما ابتدعه ترامب من سياسات لمواجهة الصين وتحديداً الحرب التجارية والتكنولوجية. لكن مكمن الاختلاف الرئيسي بين الجمهوريين والديمقراطيين يكمن في سياسات مواجهة الصين، فالجمهوريون لا يفضلون سياسة بناء التحالفات. وزد على ذلك أن ترامب لديه نهجه الخاص أيضا في مواجهة الصين يستند بالأساس على الحرب التجارية. فمن غير المتوقع أن شخصا مثل ترامب لاسيما بعد انتصاره الكاسح أن يعدل عن نهجه المعتاد عدا بعض التغيرات التكتيكية أو الحيوية. ومع ذلك أيضا، قد بادر ببعض الأمور التي تعكس بؤرة أولويته الرئيسية في سياق نهجه التقليدي وهى الاقتصاد وسلاح الحرب التجارية. حيث صرح علانية بفرض تعريفات جمركية عالية ليس على الصين فحسب، بل على بعض الشركاء مثل كندا والمكسيك. كما هدد دول البريكس المتطلعة للتخلي عن الدولار. يضاف إلى ذلك، أولوية ترامب لمواجهة اخطر تحد يواجه الولايات المتحدة وهو التدني الاقتصادي الحاد خاصة التضخم ومن الإجراءات اللازمة كما أعلن لمواجهة هذا التحدي إعادة توطين الصناعات الأمريكية. ويليها تحدي الهجرة أو خطة ترحيل المهاجرين. ناهيك عن ذلك، كرد ترامب أكثر من مرة مقولته المشهودة المتعلقة بضرورة دفع الحلفاء مقابل الحماية خاصة الأوروبيين. وعلى هدى ذلك، يرسم ترامب معالم سياسة إهمال شديد للإندو-باسيفيك خاصة لإرث التحالفات القوى الذى أسسه سلفه. فابايدن قد رسخ هذه التحالفات على أساس القيم المشتركة أو الديمقراطية تحديدا، والالتزام بالدعم الكامل خاصة المادي لتلك التحالفات ودولها. فإدارة بايدن قد دعمت أوكرانيا بما يقرب من 60 مليار دولار في إطار الحفاظ على الالتزام الأمريكي بدعم الحلفاء. وهذا الأمر أو الدعم تحديدا لا يمكن تصوره في ظل قيادة ترامب، بل على عكس ذلك سيعمل ترامب جاهداً على استنزاف الحلفاء. ستكون محصلتها ضعف هذه التحالفات وربما تفكيكها، وذلك أسوة بكواد الذى تحول في عهد ترامب إلى مجرد منتدى لوزراء الخارجية لتبادل النقاشات التقليدية دون تفعيل سياسات على أرض الواقع. والمخاطر الناجمة عن تدمير إرث تحالفات بايدن سيكون لها تبعات شديدة السوء على مستويات عدة. يكمن أهم خطر في صعوبة ترميم تلك التحالفات والشراكات مرة أخرى حتى في ظل إدارة ديمقراطية في المستقبل. فحبل الثقة بين واشنطن وحلفائها الذى أعاد أوصاله بايدن بصعوبة شديدة، سيتمزق نهائيا، مع علم الحلفاء أن المزاج العام الأمريكي الانعزالي الذى يجسده ترامب في نمو مرعب داخل الولايات المتحدة. بينما تكمن الخطورة الثانية، في منح الصين الفرصة الذهبية لجذب دول التحالف إلى شبكة تحالفاتها وترتيباتها خاصة في الباسيفيك، لاسيما دول تتبع ما يسمى «التحوط الاستراتيجي» في علاقاتها بين بكين وواشنطن كالفلبين وماليزيا وسنغافورة وفيتنام. دول أخرى كأستراليا وكوريا الجنوبية ستضطر إلى الانخراط في شراكات اقتصادية مع الصين. ملخص القول، تعد سياسة بناء التحالفات العمود الفقري أو السياسة الواقعية لاحتواء الصين، وباقي السياسات الأخرى تعد مكملة لها. وبالتالي، فالإجهاز على التحالفات الأمريكية سيعمل على عكس ما يعتقد الكثيرون على تقوية الصين خاصة توسيع رقعة نفوذها السياسي والاقتصادي.

831

| 26 ديسمبر 2024

تحديات المشهد السوري بعد الأسد

تواجه الدول التي تشهد مراحل انتقالية ناجمة عن تغير جذري في نظم الحكم الكثير من التحديات الصعبة التي قد تدوم في بعض التجارب حتى التخلص منها عقودا، ولنا في ليبيا عبرة التي بالكاد تسير على خطى استقرار هش بعد مخاض طويل من العنف وتدخلات دولية جماعية للاستقرار والمصالحة وإعادة البناء. والحالة السورية قطعاً لن تكون استثناء عن مثيلتها من تجارب الانتقال السياسي، بل يمكن القول دون أدنى تهويل إن الحالة السورية تتوازى في حجم التحديات المعقدة مع أصعب تجارب الانتقال السياسي خاصة في أفريقيا، وربما تفوق. وذلك من حيث اقتصاد مدمر بالكلية، وبنية تحتية عبارة عن ركام، غياب تام لمؤسسات خاصة الصلبة، إرث من الصراعات والعداءات الطائفية، أكثر من 20 مليون نازح خارجي، والأخطر من كل ذلك جهات خارجية عديدة متغلغلة في سوريا طامعة في اقتطاع مساحات أوسع من النفوذ. هيئة تحرير الشام بقيادة «أحمد الشرع» أو الجولانى هي من تتحكم في زمام الأمور في سوريا حاليا وسط توافق دولي على شرعيتها. وسرعان ما شكلت الهيئة حكومة انتقالية وسط تعهدات بأولوية إعادة الإعمار وحماية الأقليات وعودة اللاجئين السوريين ونزع سلاح الفصائل. ونظن أن الهيئة بقيادة الجولانى-الذى تحول فكرياً بنسبة 360 درجة- لديها نوايا طيبة في تنفيذ الوعود التي قطعتها على نفسها وتأسيس نظام ديمقراطي تعددي يمثل جميع الأطياف السورية. لكن تلك النوايا الحسنة تواجه بكم من التحديات الأساسية، لعل من أهمها هل ستعمل الهيئة على تأسيس حكومة إسلامية متشددة يعكس التوجه العام لجميع الفصائل المسلحة المنضمة لتحالف الجولانى، أم معتدلة تلامس واقع المشهد السياسي والاجتماعي لسوريا. والتحدي الثاني الأخطر، هل ستتمكن الهيئة بالفعل من نزع سلاح الفصائل وضمهم في جيش وطني. والحقيقة من واقع تجارب هيمنة الفصائل المتشددة على الحكم من الصعب مواجهة هذه التحديات، بل في الأغلب الأعم سرعان ما تتناحر هذه الفصائل في صراعات دموية لا تنتهى. والحالة السورية على وجه الخصوص التي تتشكل من قوميات عديدة بعضها يتمتع بقوة مسلحة ودعم خارجي كالأكراد، تحتاج إرساء سريع مدعوم بقوة خارجياً لقوانين ومؤسسات رادعة لنشر السلاح والتمرد خارج مؤسسات الدولة. تحتاج سوريا وفقا للتقديرات الدولية قرابة الـ 400 مليار دولار لإعادة بناء البنية التحتية وإعادة هيكلة مؤسسات الدولية، والسرعة في ضخ هذه الأموال الباهظة ضروري لإرساء حالة الاستقرار وعودة اللاجئين، وبث روح الأمل في سوريا جديدة ما بعد الأسد. بيد أن توفير حتى ربع هذه المبلغ يكاد يكون شبه مستحيل، بل إن حتى بعض المانحين الخارجيين سيكون دعمهم لسوريا مشروطا بأطماع وصفقات سرية متضاربة. في أغلب تجارب الانتقال السياسي، كان للعامل الخارجي دور رئيسي في سرعة هذا الانتقال وضمان استقراره، والعكس صحيح فالعامل الخارجي كان مفسداً في كثير من التجارب الأخرى. فالدور الأمريكي «البناء» كان عاملاً رئيسيا في تجارب الانتقال السياسي والديمقراطي في شرق أوروبا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وعلى نحو مماثل الدور الفرنسي في بعض تجارب الانتقال الديمقراطي في أفريقيا. ومن المفترض في الحالة السورية شديدة التعقيد، أن العامل الخارجي سيلعب دوراً رئيسياً في التغلب على تلك التعقيدات والتحديات بما في ذلك التحديات المالية. بيد أن جميع معطيات وملابسات الوضع الخارجي لسوريا منذ اندلاع الثورة في 2011 حتى الإطاحة ببشار الأسد؛ لا تشير لدور خارجي «بناء» مرتقب في سوريا. بل تشير بجلاء إلى أدوار خارجية مفسدة. تعد الولايات المتحدة-وتلك حقيقة لا يمكن دحضها- المحرك الرئيسي للأحداث على الأقل في المنطقة. فالقوى الغربية برمتها تتحرك خلف واشنطن. ودور قوى لواشنطن في سوريا يعنى حشد الدعم الدولي لسوريا الجديدة ماليا ودبلوماسيا، وردع تدخلات الأدوار الخارجية المفسدة. والحقيقة أنه قد تبدى منذ اندلاع الثورة السورية وذلك على خلفية الانغماس التام في آسيا، أن واشنطن لا تعنيها سوريا تماما عدا محاربة داعش ومساعدة إسرائيل في القضاء على النفوذ الإيراني. وسوريا الجديدة في ضوء ولاية ترامب ستتداعى تماما من جدول الأولويات الأمريكية. بل ستتحول إلى داعم للقوى الخارجية المفسدة وعلى رأسها إسرائيل التي لم تتوانى عن تنفيذ مخططها الجديد في سوريا بالتوغل التام في الجولان كمقدمة لتأسيس منطقة عازلة حتى أطراف دمشق. وفى ضوء المخاوف الكبيرة المفهومة لبعض أقليات سوريا من حكم سنى متشدد؛ سيكون المجال متاحا لمعظم القوى الخارجية الدولية والإقليمية لتقطيع أواصر سوريا إلى دويلات نفوذ.

1308

| 20 ديسمبر 2024

حسابات روسيا تجاه سوريا

التطور الدراماتيكي المفاجئ في سوريا والذي انتهى بسقوط حكم عائلة الأسد الذي دام قرابة الستة عقود؛ يثير العشرات من الأسئلة الملغزة، من قبيل، هل ما حدث في سوريا كان مخططا له أم مفاجئا؟ من المستفيد الحقيقي من ذلك؟ هل تقف جهات خارجية وراء دعم الفصائل المسلحة؟ هل لإسرائيل يد في تحريك تلك الأحداث؟ وهل سوريا ذاهبة إلى سيناريو التقسيم؟....إلخ. لكن من بين جميع تلك الأسئلة، يعد سؤال لماذا تخلت روسيا بصورة سهلة ومفاجئة عن بشار الأسد؟ هو السؤال الأهم والأخطر-في تقديرنا- لأن هذا التخلي يشير أو يعكس الكثير من الحقائق حول تطورات الأحداث في سوريا ومستقبلها. كانت روسيا في المقام الأول، وبدعم من إيران وحزب الله في المقام الثاني السبب الرئيسي لاستمرار نظام بشار الأسد طيلة عقد ونصف العقد منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011. والأهمية الحيوية للدعم الروسي لبشار كانت لا تكمن في قوتها النارية ضد قوات المعارضة ثم ضد داعش؛ بل في وزنها الدولي خاصة في مجلس الأمن لعرقلة أية مخططات غربية لإسقاط بشار أو مشروعات قوانين لتضيق الخناق عليه أو معاقبته. ولأنه لا يوجد عشاء مجاني في السياسة الدولية، فروسيا بدعمها لبشار قد ضمنت قاعدة بحرية عسكرية لها على سواحل المتوسط في «طرطوس»، وأخرى جوية في «حميميم». وبذلك، قد تمكنت روسيا من تمديد نفوذها إلى البحر المتوسط والشرق الأوسط وأفريقيا في إطار سعيها لترسيخ مكانتها كقوى كبرى وتجميع أوراق الضغط على الولايات المتحدة وأوروبا. وعلى هذا الأساس، لم يكن أحد يتصور أن تتخلى موسكو بسهولة عن بشار الحليف المضمون، وتخاطر بهذا التخلي بتلك المصالح الاستراتيجية التي جنتها على مدار عقد ونصف العقد. فور التقدم السهل والسريع للفصائل المسلحة في حلب دون رادع واضح من جانب موسكو؛ تباينت كبرى الصحف العالمية بخصوص موقف روسيا، وقد استقرت تقريبا على رأيين رئيسيين: مفاد الأول وجود صفقة بين روسيا والقوى الغربية (سوريا مقابل أوكرانيا). والثاني هو الإشارة إلى الخسائر أو الانتكاسة الكبرى لروسيا من فقدان حليفها الأسد، وهو ما يعكس تقهقر لقوة ونفوذ روسيا الدولي والإقليمي، وكسر هيبتها وسمعتها أيضا كقوى عظمى. وحقيقة الأمر، أن تخلى روسيا السريع المفاجئ عن بشار يعكس في طياته إعادة تفكير روسي ممتزج بين الرأيين أو التحليلين؛ سيما وأن التطورات في سوريا وإعادة الحسابات الاستراتيجية لموسكو ليست بمعزل عن التطور الدراماتيكي الأهم وهو وصول ترامب للبيت الأبيض. وفقا لتسريبات متعددة يعد الآن لصفقة بشان أوكرانيا تتمحور حول تعهدات لموسكو بعدم انضمام أوكرانيا للناتو، واعتراف بسيادة تامة لموسكو على القرم وأربعة أقاليم أوكرانية. ووفقا لتسريبات أخرى نحسبها موثوقة، قد جرت تفاهمات مع موسكو بشأن السماح لها ببقاء قواعدها في سوريا. وإذا صدقت هذه التسريبات فهي مؤشر خطير على سيناريو تقسيم قادم لسوريا. في جميع الأحوال، أو بعيداً عن صفقة بشأن تمديد الحضور الروسي في سوريا؛ تعد أوكرانيا حاليا الأهم لروسيا إذا تم الوضع في الحسبان عدة معطيات رئيسية: الفرصة التاريخية لموسكو الممنوحة من ترامب عبر تلك الصفقة، والإنهاك العسكري والاقتصادي الرهيب الذي تئن منه روسيا جراء الحرب الأوكرانية، والضعف الشديد لقوات «فاجنر» بعد مقتل زعيمها والتي تعد ذراع روسية حاسمة لتعزيز حضورها ونفوذها في العالم. الحرب الأوكرانية بلا أدنى شك أنهكت روسيا بصورة كبيرة، ويحسب للغرب بقيادة واشنطن نجاحه في إنهاك روسيا عبر الدعم المتواصل لأوكرانيا. وفى ضوء ذلك، يجب على موسكو حسم الأولويات القصوى للحفاظ على ما تبقى لها من نفوذ وهيبة. وبالتالي، فخسارة سوريا، أو تحديدا خسارة بعض المكتسبات الاستراتيجية من الدعم المطلق لبشار الأسد، أمر لا بد منه لإنهاء الحرب الأوكرانية والخروج بمكاسب استراتيجية والحفاظ على توازن القوى لروسيا أمام أوروبا. وفوق كل ذلك، حفاظ نظام بوتين على قوته وشرعيته التي كانت في طريقها للتداعي الحتمي بسبب طول الحرب الأوكرانية. خلاصة القول، سوريا مقابل أوكرانيا هو التفسير الواقعي العقلاني المقبول لفهم الأسباب الرئيسية للتخلي السريع والمفاجئ عن بشار الأسد أحد أهم حلفاء روسيا الرئيسيين. وهذا في حد ذاته يعكس أن أوكرانيا هي الأولوية الرئيسية لموسكو، كما يعكس تراجعا في القوة والنفوذ الروسي جراء الحرب الأوكرانية. والمشهد برمته يعكس بجلاء إعادة ترتيب لسوريا منطقه الرئيسي التخلص من جميع أدوات إيران وعلى رأسها الأسد والمستفيد الأول والأهم إسرائيل بلا أدنى شك.

834

| 13 ديسمبر 2024

الخطايا الكبرى للحزب الديمقراطي

فوز ترامب بالاستحقاق الرئاسي كان متوقعاً، لكن المفاجأة كانت في النتيجة فقط، حيث فاز باكتساح شعبي وفي المجمع الانتخابي. واكتسح أيضا السبع ولايات المتأرجحة. وفي مقابل ذلك، فالهزيمة القاسية لهاريس كانت هي المفاجأة وليس هزيمتها عامة. يقف خلف الانتصار الساحق لترامب جملة من الأمور من أهمها الأخطاء الفادحة للحزب الديمقراطي، وهو محط تركيز هذه المقالة. وفي صدد تشريح أخطاء الحزب الديمقراطي القاتلة؛ يمكن التمييز بين مستويين، الأول- الأصغر أو المرحلي. والثاني-الأكبر أو العام وهو الأهم. * على الرغم من أن تلك الأخطاء الصغرى للحزب الديمقراطي لن تبرر «مطلقا» الفوز الساحق لترامب. لكنها ساهمت جزئياً في هذا الفوز الساحق، كما تعكس أيضا طريقة إدارة وتفكير الحزب في إطار الأخطاء الكبرى التي سيتم الحديث عنها. كان الخطأ المرحلي الرئيسي الذي وقع فيه الحزب هو عدم ممارسة ضغوط كافية على بايدن للانسحاب من السباق الرئاسي. بل نعتقد أن إجماع الحزب على ترشحه لفترة ثانية كان خطأ فادحا، وذلك بسبب تقدمه في السن، وظروفه المرضية، وفشله الذريع على الصعيد الاقتصادي والخارجي. والشاهد في الأمر، أن خوض بايدن السباق الرئاسي قد صب في خانة ترامب. بل والأهم من ذلك، أن انسحابه المتأخر من السباق، قد حرم هاريس من فترة كافية للإعداد الجيد لحملتها الانتخابية، والتي تعد أقصر حملة انتخابية في تاريخ الولايات المتحدة. وهذا يدفعنا إلى الخطأ الثاني، وهو إجماع الحزب على خوض هاريس للسباق. إذ بالإضافة إلى حملها لإرث بايدن الفاشل، تفتقد هاريس إلى مقومات الزعامة، والكاريزما، والخبرة. وكل ما سبق، يرتد إلى الخطأ القاتل الثالث وهو استهانة الحزب بترامب، والثقة المبالغ فيها في انتصار هاريس استنادا إلى استطلاعات رأي- غالبا غير دقيقة - وحملة التبرعات التي ناهزت مئات الملايين في غضون أسابيع قليلة، ودعم مشاهير هوليود لهاريس. الهزيمة القاسية للحزب الديمقراطي الذي فقد أيضا الأغلبية في الكونجرس، تتأتى في المقام الأول من مجموعة من الأخطاء العامة القاتلة التي ينتهجها الحزب منذ إدارة أوباما. ويأتي في صدارة هذه الأخطاء بل هي أهمها على الإطلاق، تحول تركيز الحزب من الاقتصاد إلى الهوية. فيما يبدو أن نجاح أوباما- ذي البشرة السمراء - في 2009؛ قد رسخ قناعة لدى الحزب الديمقراطي أن الرهان على الهوية هو الكسبان خلال العقود القادمة في ظل تناقص أعداد البيض الأمريكيين، وطفرات في المقابل في أعداد الملونين من كافة المشارب. وعلى إثر ذلك، بدأ منذ ولاية أوباما تشكيل الحزب ضمنيا ما يعرف بتحالف الأقليات والمهاجرين كحاضنة تصويتية للديمقراطيين، وفي سياق ذلك أيضا يعد الحزب داعما أساسيا لسياسة الهجرة، بحسبانه أن زيادة أعداد المهاجرين ستمثل السلاح القاتل للقضاء على الحزب الجمهوري. ولعل هنا الخطأ القاتل الذي لا يغتفر للحزب هو تغافله أو تنحيته لأهم عامل حاسم في الفوز بالرئاسة الأمريكية وهو «الاقتصاد» وما يتبعه من وعود أو أداء. وهذا بدوره قد نفر بيض الولايات المتحدة من الحزب، الذي كان ما يقرب من نصفهم موالين للحزب. كما نفر أيضا الطبقات العاملة وفقراء الولايات المتحدة من البيض من الحزب، الذي كان يمثل الصوت الرئيسي لهم والحاضنة الأساسية لهم عبر ثوابت العدالة الاجتماعية والاشتراكية المتزنة للحزب. ويمكن القول، إن الفوز الساحق لترامب، قد عكس أو رسخ بجلاء أهمية الاقتصاد كعامل حاسم في الفوز، وليس الهوية. وخير دليل على ذلك، منح ما يقرب من نصف الأقليات والمهاجرين صوتهم لترامب رغم أجندته المعادية لهم، أملا في تحسن الوضع الاقتصادي المتردي، والثقة العالية في أداء ترامب الاقتصادي استنادا إلى ما حققه من نتائج اقتصادية مذهلة في ولايته الأولى. * ثاني هذه الأخطاء الجوهرية للحزب، يكمن في فقدان الحزب لهوية محددة له خلال العقدين الماضيين. فالحزب قد أصبح يعكس أجندة أو سياسات تمزج ما بين اشتراكية المتطرفة للغاية، وليبرالية المتطرفة للغاية أيضا. الهام في صدد ذلك، أن هذا المزيج لا يتماهى مع الأغلبية الساحقة من الأمريكيين، وتقاليد الولايات المتحدة الرئيسية التي تتلخص في ليبرالية علمانية محافظة متزنة. وتنطوي مظاهر هذه الاشتراكية المتطرفة في دعم الحزب لرفع الضرائب لمستويات كبيرة خاصة على الأغنياء. بينما على صعيد الليبرالية المتطرفة فتكمن في قضية الإجهاض القضية الخطيرة، حيث يدافع ويدعم الحزب «الحق المطلق في الإجهاض» دون ضوابط. والخطير في ذلك أن قضية الإجهاض تحديدا لم تنفر الأغلبية الأمريكية المحافظة من الحزب. بل قد نفرت الملايين من المهاجرين من الحزب بما في ذلك مسلمو الولايات المتحدة. * وثالث هذه الأخطاء تتمحور حول انفصال الحزب عن واقع المزاج الأمريكي العام. فمنذ كارثة حرب العراق 2003، تنامى مزاج عام أمريكي ينادي بالمزيد من الانعزال في السياسة الخارجية، والكف عن لعب واشنطن الدور المهيمن في العالم، ودعم حلفاء وحروب وقواعد عسكرية أنهكت الاقتصاد الأمريكي بتريليونات الدولارات. وهذا المزاج الانعزالي المتنامي باطراد أصبح يجد ضالته في ترامب الانعزالي الصريح. بينما لا يزال الحزب الديمقراطي يدافع ويدعم ما يسمى عودة الدور الأمريكي في العالم وسياسة دعم الحلفاء.

1227

| 19 نوفمبر 2024

الدلالات البعيدة للاصطفاف الكوري مع روسيا

بحسب مصادر موثقة أرسلت كوريا الشمالية قرابة العشرة آلاف جندي إلى روسيا، بعض منهم شارك بالفعل مع القوات الروسية في معاركها في أوكرانيا، والبقية الباقية تتلقى تدريبات للانضمام لاحقاً. كما أكدت مصادر أخرى موثوقة عن خطط لإيفاد كوريا أعدادا أخرى من المقاتلين قريباً. الدعم العسكري الكوري المباشر لروسيا لا يمثل أو يعكس نتاجا طبيعيا لتطور العلاقات الأخير بين روسيا وكوريا، والذي أثمر اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة الموقعة في يونيو الماضي، بل فعلياً يعكس دلالات جوهرية بعيدة المدى يجب النظر فيها بعمق. بلا أية مواربة، يعكس هذا الدعم نواة لتحالف عسكري صلب بين القوة المناوئة للغرب وتحديدا روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران. فهذا الدعم الكوري لن يتم إلا بضوء أخضر صيني، فكما أن إسرائيل ولاية أمريكية بامتياز، فكوريا الشمالية أيضا تعد ملكية حصرية للصين مع بعض الاختلافات. وعلى إثر ذلك أيضا، أصابت التحليلات القائلة بأن الحرب الأوكرانية هي مجرد ساحة استنزاف بين الغرب والشرق أو تحديدا بين الصين والولايات المتحدة، أصابت كبد الحقيقة. فالولايات المتحدة تسعى من وراء الدعم القوى لأوكرانيا لاستنزاف أهم حليف للصين وهو روسيا، وفى المقابل ترى الصين أن الدعم الغربي (الأمريكي-الأوروبي) لأوكرانيا هو بمثابة استنزاف عسكري واقتصادي رهيب للغرب. وبالتالي، فالدعم الكوري هو مساندة إنقاذ قوية لروسيا التي تقهقرت بصورة كبيرة بعد التوغل الأوكراني لكورسك بفضل الدعم الغربي العسكري القوى. وبصورة أكثر وضوحاً، لاستمرار المعارك في أوكرانيا لاسيما في ضوء الإشارات الغربية القوية بالسماح بأوكرانيا بضرب أعماق روسيا بأسلحة متطورة. إذ في صدد ذلك، يمثل التعاون المتطور بين روسيا وكوريا جبهة ردع نووية قوية للكتلة الغربية برمتها. علاوة على ذلك، تمتلك كوريا منظومة صواريخ بالستية متطورة قادرة على اختراق أعماق الولايات المتحدة. ومن ثم، فهذا التعاون قد ينظر إليه على انه رسالة تحذيرية قوية للغرب ضد أية خطط أو نوايا وشيكة لضرب أعماق روسيا. وفى سياق نفس المضامين والتداعيات، يعد هذا التحالف العسكري، الذي قد ترجم عن عمد بتورط مباشر كورى في المعارك الأوكرانية، رسالة تحذيرية قوية للدول الإقليمية خاصة كوريا الجنوبية واليابان الطامحة في امتلاك سلاح نووي، أو للتخلي عن فكرة تدعيم التعاون العسكري مع واشنطن كنواة لتشكيل ناتو آسيوي يضم كل خصوم الصين الآسيويين. وينبغي هنا الإشارة الى أن هذا الدعم يأتي في سياق التصعيد العنيف بين إيران وإسرائيل، والذى ينذر بضرب إسرائيل لمنشآت إيرانية حيوية بما في ذلك المنشآت النووية، وإذا حدث ذلك فستضرر الصين ضرراً بالغاً باعتبارها أكبر مستورد للنفط الخليجي عامة حتى الإيراني. وحتى المناورات الصينية الأخيرة حول تايوان تندرج في سياق الرسائل التحذيرية لواشنطن من مغبة السماح لإسرائيل بضرب المنشآت النفطية الإيرانية. وعلى هدى ما سبق أيضا، فمن البديهي أن الحرب الأوكرانية سيطول أمدها، ومع فوز ترامب فمن المرجح استمرار الحرب لكن مع تقليص الدعم الأمريكي لأوكرانيا. خلاصة القول، نرى في تقديرنا الخاص، أن التورط العسكري الكوري المباشر في الحرب الأوكرانية، يمثل الإعلان الأولي الفعلي أو العلني للتحالف الشرقي العسكري الأعظم ضد التحالف الغربي بقيادة واشنطن. وهذا الصراع بين التحالفين قد يقود إلى حرب عالمية ثالثة-وإن كان ذلك غير مرجح بصورة كبيرة- لكنه من المؤكد يؤسس لنظام جيوسياسى-اقتصادي عالمي جديد بقيادة الصين، بديل عن النظام الغربي المهيمن عليه غربياً.

834

| 11 نوفمبر 2024

alsharq
ما وراء إغلاق الأقصى... هل نعي الخطر؟

ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم:...

3258

| 22 مارس 2026

alsharq
أنت لها يا سمو الأمير

يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد،...

1629

| 24 مارس 2026

alsharq
الشيخ عبدالرشيد صوفي وإدارة المساجد

* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل،...

1269

| 18 مارس 2026

alsharq
راس لفان.. إرادة وطن وشعلة لن تنطفئ

‏في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى...

873

| 24 مارس 2026

alsharq
لا تهاون في حماية أمن وسيادة قطر

رغم إعلان دولة قطر نأيها بنفسها منذ بداية...

714

| 19 مارس 2026

alsharq
حلت السعادة بحسن الختام

مرّت أيامك سريعًا يا شهر الصيام، ولكن رمضان...

711

| 19 مارس 2026

alsharq
نكون أو لا نكون

لم يعد الاعتماد على استيراد السلاح خيارًا آمنًا...

666

| 18 مارس 2026

alsharq
رجال الصناعة والطاقة.. منظومة تُدار بخبرات وطنية

من واقع خبرتي الميدانية، ومعايشتي المباشرة لتفاصيل قطاع...

642

| 22 مارس 2026

alsharq
الأزمات.. واختبار الأصدقاء

قبل أسابيع وصلتني رسالة قصيرة من صديقة عربية...

564

| 18 مارس 2026

alsharq
دعم وتضامن مستمر مع دولة قطر

في إطار المشاورات المستمرة بين القادة في المنطقة...

558

| 20 مارس 2026

alsharq
في قطر.. تبريكات العيد فوق منازعات الحياة

من أجمل ما يتحلى به مجتمع من المجتمعات...

498

| 21 مارس 2026

alsharq
هل غيرت الحرب وعي الشعوب الخليجية؟

وصل شهر رمضان لهذا العام الى نهايته والخليج...

492

| 18 مارس 2026

أخبار محلية