رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سلوى حسين الباكر

مستشار ومدرب موارد بشرية

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

36

سلوى حسين الباكر

كلمة شفهية قد تضعك أمام مسؤولية

29 أكتوبر 2026 , 12:00ص

في بيئات العمل المتسارعة، حيث تتزاحم الاجتماعات، وتتعدد المسؤوليات، وتتوالى المهام والتوجيهات الإدارية، قد يتلقى الموظف تكليفات وتعليمات شفهية من مسؤوله المباشر، تتعلق بتنفيذ مهام معينة أو اتخاذ إجراءات محددة، ثم تتلاشى بعض تفاصيلها مع مرور الوقت. وليس بالضرورة أن يكون ذلك نتيجة إنكار أو تهرب من المسؤولية، بل قد يكون انعكاسًا طبيعيًا لضغوط العمل وكثرة الالتزامات وتداخل الأولويات. وهنا تبرز أهمية التوثيق الكتابي، ليس باعتباره وسيلة لإثبات الخطأ على الآخرين، وإنما أداة مهنية تحفظ الحقوق، وتوضح المسؤوليات، وتحمي الموظف والمسؤول والمؤسسة على حد سواء.

فكم من توجيه شفهي فُهم بطريقة مختلفة، وكم من مهمة تأخر تنفيذها بسبب عدم وضوح تفاصيلها، وكم من اتفاق جرى خلال اجتماع ثم اختلفت الأطراف لاحقًا حول ما تم الاتفاق عليه. مثل هذه المواقف لا تعني بالضرورة وجود خلافات أو سوء نوايا، لكنها تكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن الذاكرة البشرية مهما بلغت قوتها تظل عرضة للنسيان، خصوصًا عندما تتداخل المهام وتتغير الأولويات.

ومن هنا، فإن الموظف الواعي لا يكتفي دائمًا بتلقي التعليمات الشفهية، بل يحرص على تأكيد ما تم الاتفاق عليه من خلال بريد إلكتروني مختصر وواضح، يحدد المهمة المطلوبة، والإجراءات المتفق عليها، والمدة الزمنية إن وجدت. فعبارة بسيطة مثل «إشارة إلى ما تم مناقشته، أود تأكيد النقاط المتفق عليها» قد تختصر الكثير من التساؤلات لاحقًا، وتمنح جميع الأطراف فرصة لمراجعة التفاصيل وتصحيح أي اختلاف في الفهم قبل البدء بالتنفيذ.

ولا ينبغي النظر إلى هذا الأسلوب باعتباره تشكيكًا في المسؤول أو محاولة لتحميله مسؤولية القرارات، فالتوثيق المهني لا يقوم على انعدام الثقة، بل على تنظيمها. وهو في الوقت ذاته لا يعني تحويل كل حديث عابر إلى مراسلة رسمية، وإنما يتطلب القدرة على التمييز بين المحادثات اليومية البسيطة والتوجيهات والقرارات التي قد تترتب عليها مسؤوليات أو التزامات أو آثار إدارية ومالية.

ولعل من أهم الجوانب التي يغفل عنها بعض الموظفين أن البريد الإلكتروني ليس مجرد وسيلة لإرسال الطلبات واستقبال الردود، بل سجل مهني يمكن الرجوع إليه عند الحاجة. فمن خلاله يمكن متابعة سير العمل، وتحديد المسؤوليات، وتوثيق الموافقات، وتوضيح التعديلات التي تطرأ على القرارات. كما يساعد المدير على استعادة تفاصيل التوجيهات السابقة دون الحاجة إلى الاعتماد على الذاكرة وحدها.

ومن المهم أيضًا إدراك أن بعض القرارات والتعليمات قد تتغير نتيجة مستجدات العمل، وهو أمر طبيعي في المؤسسات. وهنا تبرز قيمة التوثيق في تتبع هذه التغييرات وتوضيح أسبابها وتوقيتها، حتى لا يعمل أحد الأطراف وفق تعليمات سابقة بينما تكون الأولويات قد تغيرت. فوضوح المعلومة في الوقت المناسب لا يقل أهمية عن صحة القرار نفسه.

إن ثقافة التوثيق لا ينبغي أن تكون مسؤولية الموظف وحده، بل ممارسة مؤسسية يتبناها المديرون والموظفون معًا. فالمؤسسة التي تشجع على وضوح التعليمات وتوثيق القرارات المهمة تخلق بيئة عمل أكثر تنظيمًا وعدالة، وتقلل من الاجتهادات الفردية وسوء الفهم، وتعزز الثقة المتبادلة بين مختلف المستويات الوظيفية.

وفي النهاية، فإن حماية الموظف لنفسه مهنيًا لا تبدأ عند وقوع الخلاف، بل تبدأ من الممارسات اليومية البسيطة التي تحافظ على وضوح عمله ومسؤولياته. فالتوجيهات الشفهية تظل جزءًا مهمًا من التواصل الإنساني داخل المؤسسات، لكن استكمالها بالتوثيق عند الحاجة يمنحها وضوحًا واستمرارية.

قد تُنسى الكلمات مع ازدحام الأيام، وقد تختلف الذاكرة في استحضار التفاصيل، لكن ما يُوثَّق بوضوح يبقى مرجعًا للجميع. فوثّق لحماية نفسك، لا لإثبات خطأ غيرك، واجعل من بريدك الإلكتروني وسيلة لحفظ الحقوق وبناء الثقة، لا ساحة للخلافات.

اقرأ المزيد

الفشل.. إما أن يكسرك أو يصنعك الفشل.. إما أن يكسرك أو يصنعك

الفشل ليس حدثًا استثنائيًا في الحياة، بل مرحلة طبيعية في طريق أي إنسان يحاول أن يتقدم، كل من... اقرأ المزيد

312

| 20 أغسطس 2026

جبر الخواطر في العمل.. قوة لا يراها الكثير جبر الخواطر في العمل.. قوة لا يراها الكثير

كم موظفًا غادر عمله معنويًا قبل أن يغادره فعليًا؟ وكم بيئة عمل خسرت طاقات حقيقية بسبب كلمة قاسية... اقرأ المزيد

312

| 13 أغسطس 2026

القائد المتحدث القائد المتحدث

ليس كل من يجيد الحديث قائدًا، فالكلام وحده لا يصنع قيادة. لكن، في المقابل، لا يمكن لقائد حقيقي... اقرأ المزيد

318

| 09 يوليو 2026

مساحة إعلانية