رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثورة الشعب أدركت معمر القذافي وهو في ذروة الثقة بالنفس، العالم الغربي تتزاحم حكوماته وشركاته على العقود والصفقات، ولم يعد يبدي أي اهتمام بطبيعة النظام، ولولا تقارير تصدر بين الحين والآخر عن منظمات حقوق الإنسان لأمكن الاقتناع بأن الليبيين متعايشون جيدا مع الحكم، بمعزل عن المشاعر، وطوال العقدين الماضيين نسبح القذافي علاقات خاصة مع حكومات القارة السمراء مما أكسبه بعدا إفريقيا مهما هو الذي أعانه على تحمل تداعيات "أزمة لوكيربي" والحصار الدولي الذي رافقها حتى خلع على نفسه لقب "ملك ملوك إفريقيا" لكن هذه العلاقات كانت تتوقف على الجرعات المالية التي يضخها بشكل دوري ودائم.
في الوقت نفسه تراجعت الروابط العربية للنظام، لكنه حافظ على علاقة وثيقة مع جاريه المباشرين، مصر وتونس، وبالنسبة إلى الآخرين كانت ليبيا مكانا لاستيعاب بعض العمالة، لكن الملاحظ أن خصوماته السياسية تضاءلت في مؤشر إلى أنه لم يعد معنيا كي في السابق عندما كان يحول إضرابا ودكاكين سياسية وجيوشا من الانتهازيين الذين أسهموا في تضخيم الذات لدى القذافي، وكذلك في نسج زعامة "ثورية" وهمية تبين في النهاية أن أحداً سواه لم يكن يصدقها، بمن في ذلك أولئك المنتفعون، وقد تبين أيضا أنهم كانوا مجرد زبائن فيما اعتقد هو أنهم زعماء صغار يحجون إليه بصفته زعيمهم الأكبر وبصفتهم "ثوارا" مثله ومناضلين.
لاشك أن الترهيب الدموي الذي استخدمه طوال الوقت في الداخل شكل صورة نمطية تعيسة للمواطن الليبي، فبدا مستكينا خانعا، بل وكأنه قبل واقتنع بالدور الذي فرضه عليه جلاده، ونسي تاريخه وتراثه ليعتبر كأن حياته إنما بدأت مع هذا الزعيم، كنت إذا ذهبت إلى ليبيا ترى أناسا في الشوارع، لكن يخيل إليك أنهم غائبون، إنهم هنا وليسوا هنا، لم تكن تسمع سوى أصوات أعوان النظام حين يهتفون للزعيم، غير أن الصدمة الحقيقية تأتي من واقع ومشهد لبلد نفطي، أي لديه موارد، ومع ذلك فإنه بقي في حال ما قبل النفط، لا أثر للثروة في التعليم أو الطبابة، لا تنمية مبرمجة، ولا رؤية للمستقبل، فهذه جماهيرية صمت ينبغي أن تغوص بعيدا في عمقها كي تتعرف إلى الحقيقة، وبالنسبة إلى الليبيين كانت جماهيرية صمت وصبر، ذاك أن الحقيقة التي انتظرت اثنتين وأربعين عاما هي التي انفجرت أخيراً في 27 فبراير ولم يعد بإمكان القذافي وأبنائه ومرتزقته أن يعيدوها إلى الصمت، فهذه مهمة مستحيلة تعصي على أي مرتزقة.
رغم أن النظام كما كان يراه معارضوه المنقبون في الخارج، أبدى الكثير من اليقظة والصرامة في بناء سطوته وسيطرته، واستعان بأخطر الأجهزة والخبرات في المعسكر الاشتراكي السابق ثم في العالم الغربي، إلا أن انهياره السريع لا يزال لغزا، فإما أنه كان حلقات موصولة ما إن سقطت إحداها حتى انفرطت المنظومة كلها فوجد الحكم نفسه منذ السقوط المبكر لبنغازي محصورا في طرابلس، وإما أن الغضب والنقمة والاستياء نخرت أسس النظام في أن حدد الموعد حتى استجاب الجميع، وهو حصد في النهاية نتيجة تهميشه للجيش وإيثاره للميليشيات، ومن الواضح أن استخباراته لم تعمل حين احتاج إليها، كما أن اطمئنانه إلى سياسة "فرق تسد" التي اتبعها مع القبائل لم يأت لمصلحته حين أراد اختباره على الأرض، والأكيد أن زيادة اعتماده على المرتزقة الأفارقة كانت عمليا العنصر الذي أدى إلى خسارته، لأن العسكريين والقبائل وعموم الشعب اختصروا الموقف بعبارة ذات دلالة، القذافي يستأجر أفارقة ليقتلوا أولادنا وأهلنا.
هذه أفكار أولية في محاولة تحليل السقوط البشع لهذا النظام الذي دهمته ثورة شعبه وهو لا يزال مالكا القوة النارية والمال، ومع ذلك لم يستطع أن يوقف العاصفة أو يقسم صفوف مواطنيه أو يقلب وجهة الأحداث، هناك أمران أشار إليهما المحللون الليبيون الذين احتلوا شاشات الفضائيات، أولهما أنهم فوجئوا بشجاعة مواطنيهم وتصميمهم واستعدادهم للتضحية والثاني أنهم فوجئوا أيضاً بأن هذا النظام الذين خشوه وهابوه طوال أربعة عقود بدا أشبه بقصر من ورق، وعندما ظهر سيف الإسلام القذافي في التلفزيون ليعلن خريطة طريق إلى تخريب البلد، إذا لم يستجب الشعب بوقف الاحتجاجات والمجيء إلى المؤتمر الشعبي العام لإقرار إصلاحات، فقد فاته في الوقت نفسه أنه كان يعلن أيضا أن نظام والده خسر معظم خياراته وأصبح مسبوقا بأشواط على المستوى الشعبي، وفيما شرع عسكريون ومسؤولون الانشقاق للانضمام إلى الشعب، بدا سيف الإسلام أنه حرص على الظهور قبل القذافي ليؤكد انشقاقه عن الكذبة التي غذاها وعاش عليها خلال الأعوام الأخيرة، وليعلن اأنه على العكس ينضم إلى والده الذي يقود المقاومة ضد ثورة الشعب.
مع مضي الأيام وتكرار القذافي إطلالاته الخطابية الفاشلة والمخزية تهاوت الأحلام والأوهام، فـ"الحرب الأهلية" التي هدد بها الأب والابن لم تبد خيارا في متناولهما وكذلك مخاطبة الغرب لتنبيهه إلى "إمارة إسلامية" تنشأ في الشرق، أو إلى أن تنظيم القاعدة الإرهابي في ضوء اكتساب موطئ قدم في ليبيا، لم تنجح في إقناع أحد في عواصم الغرب، وحتى التخويف من استخدام القوة وحرق كل شيء بدا أيضاً فزاعة مجوفة، ورغم أن الوحش الجريح يمكن توقع كل أذى وتخريب منه إلا أنه يمكن أن يرتكب المزيد من القتل لكن من دون أن يغير الواقع الجديد الذي فرض نفسه عليه.
إلى الاهتراء والتآكل اللذين انفضحا في بنية النظام، جاءت المكابرة والغرور لتقفلا الدائرة عليه إلى حد سد النوافذ لإيجاد مخارج داخلية أو حتى خارجية، لذلك انحصر مصير القذافي بين الموت قتلا أو السجن والمحاكمة سواء في الداخل أو في الخارج، فهذا النمط المنحط من الحكام لم يشأ أن يتوارى إلا وهو يوجه أسوأ الأوصاف والشتائم لأبناء شعبه، لعله، في الواقع، كان ينعت نفسه أولاً وعسى أن يعجل جنونه بنهايته لينزاح الكابوس عن ليبيا إلى غير رجعة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
6846
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
3963
| 15 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
3393
| 10 يونيو 2026