رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يستطيع الفلسطينيون أن يدهشوا أنفسهم، وأن يقدموا أحياناً على ما لا يتوقع منهم، لكن الآخرين ولا سيما العرب يتوقعون منهم أن يقوموا بالخطوة الضرورية والصحيحة لمصلحة قضيتهم وأن يكفوا عن إضاعة الوقت والفرص والجهود في صراع على السلطة رغم أن الأرض والشعب لا يزالان تحت الاحتلال، ولا تنفك المخططات تتجدد لإدامة هذا الاحتلال وتوسيعه وإضفاء الشرعية عليه.
أما الإدهاش فرأينا عينة منه في غزة، التي فتحت كبرى ساحاتها لمهرجان حركة "فتح" في الذكرى السنوية لانطلاقتها، فما كان مستحيلاً منذ عام 2007 أصبح ممكناً بعد هذه الأعوام السوداء.. ورغم ما في ذلك من حساسية، خصوصاً وسط الحديث عن الانتخابات، فإن رئيس الحكومة "المقالة" اتصل برئيس السلطة في رام الله ليهنئه بالمناسبة.
لا شك أن "حماس" التي تحكم القطاع وتديره، برهنت عن ثقة بالنفس ورحابة صدر وأريحية وطنية بتسهيلها الاحتفال الفتحوي. لعلها لا تزال منتشية بنتائج المواجهة الأخيرة مع العدو، بعدما خاضت التحدي ضده وجعلته يطرح على نفسه أسئلة غير مسبوقة، وأهمها: ما العمل إذا لم تعد القوة النارية والتفوق العسكري والقدرة على الغدر والاغتيال كافية لتحقيق الردع؟ بل لعلها خرجت من هذه المواجهة وقد تخلصت من بعض العقد التي اعتملت في داخلها بفعل الحصار القاسي الذي أثبتت بوضوح أنها تغلبت عليه، ولو بثمن كبير من الدم والدمار، ولعلها، أخيراً، تشعر بأنه أصبح لها مدى حيوي سياسي يتمثل في الحكم الجديد في مصر، على عكس السلطة و"فتح" اللتين تشعران بضغوط من كل جانب.
كانت المناسبة لـ"فتح" وقد استطاعت أن تبرهن فيها أن القطاع ليس حمساوياً، فالحشد الكبير أراد أن يقول إن الأمر الواقع السياسي الذي يعيشه القطاع لا يعبر عن حقيقته الشعبية أو عن خياراته الاجتماعية، وبالتالي فإنه يعكس أيضاً صورة واقعية عن شارع موزع بين اتجاهين شبه متساويين، بمعزل عمن يحكم أو يعتقد أنه يحكم، والعبرة، تحديداً في الحال الفلسطينية، في ما يستطيع الحكم أن يحققه للقضية والشعب، لا في من هو في السلطة.
كان المهم والأهم في هذه المناسبة أن الجميع شاء أن ينسبها إلى "المصالحة" التي يرغب فيها الطرفان ويجزمان بأن تقدما أحرز في سبيلها، بدليل أن اتفاقات وقعت وتفاهمات أبرمت ونيات أبديت.
لكنهما راكما الكثير من خيبات الأمل لدى الفلسطينيين والعرب إلى حد أن أحداً لم يعد يثق بدخان الأماني التي تطلق بين الحين والحين، حتى أصبح مفهوما أن تلك المصالحة دونها صعوبات وكأنها مدعوة لأن تجرى بين شعبين مختلفين تماماً ولم يسبق أن كانا شعبا واحدا، وقد حصل أن أحد السياسيين العرب شبّه مساعي المصالحة بمشاريع الوحدة التي شهد العرب نماذج عدة منها خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ولم تنجح بل لم يتبق منها أي أثر. ولم يكن صاحب هذه المقارنة متهكماً ولا ساخراً، وإنما ساقها بكل مرارة وأسف مشيرا إلى أن إدارة الخلاف بين "حماس" و"فتح" جعلت من الضفة والقطاع أشبه بدولتين منفصلتين ومتباعدتين، حتى أن العدو الإسرائيلي بات يجد ضرورة لأمنه ولأمن كل من الدولتين أن يصرف النظر عن الاقتراحات التي كان يقدمها سابقاً لتحقيق مطلب الفلسطينيين بأن يكون هناك تواصل جغرافي بين مناطق دولتهم العتيدة.
لعل المفارقة الكبرى أن حديث المصالحة يتجدد فيما تمر الضفة وسلطتها، والقطاع وحكومته "المقالة" بمزاجين متعارضين تماماً.
فالضفة تعيش إحباطاً ثقيلاً بسبب الأزمة المالية التي بدأت واستمرت للضغط على السلطة الفلسطينية أولاً لأنها وضعت شرطاً لتجميد الاستيطان لفك المفاوضات، وثانيا لأنها أصرت على الذهاب إلى الأمم المتحدة والحصول على وضعية الدولة المعترف بها تحت الاحتلال، أما القطاع فيعيش حالاً واعدة إلى حد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يتوقع أن تسيطر حماس على السلطة الفلسطينية "في أي وقت"، وليس مفهوماً إذا كان يدفع بهذا التوقع من قبيل تخويف الإسرائيليين أو استفزاز "فتح". الأرجح أنه أراد أن يبرر مسبقاً برنامجه الانتخابي الذي لا يعترف بشيء اسمه "سلام" مع الفلسطينيين.
في أي حال يتجدد البحث عن المصالحة الفلسطينية وسط عودة إلى الحديث عن مشاريع مشبوهة ليست من الخيارات لدى أي من الفصائل الفلسطينية، فلا "الكونفيدرالية" مع الأردن من الخيارات التي طرحتها "فتح" أو السلطة، ولا "التمرد في سيناء" من الخيارات التي طرحتها "حماس" أو تحاول تسويقها، لكن المعلومات تفيد بأن إسرائيل (بالتفاهم مع الولايات المتحدة) هي التي وضعت هذين الخيارين في التداول، باعتبار أن اليمين المتطرف الذي بات متوقعاً أن يبقى في الحكم لا يريد إزالة الاحتلال عن أجزاء كبيرة من الضفة بذريعة التوسع الديمغرافي، ولا يرى حلاً للمسألة الفلسطينية إلا بالتخلي عن بعض الضفة لتكون في كنف الأردن وبدفع غزة نحو مصر لتكون تحت مسؤوليتها، ورغم أن الولايات المتحدة لا تبدي رسمياً تبنيها لهذه الأطروحات إلا أنها توحي باستعدادها لمباركتها إذا حظيت بموافقة الأطراف، وبالنسبة إليها، وطالما أن إدارة باراك أوباما لا ترغب في تقديم أي مبادرات، فإن أي حلول قابلة للتطبيق ولا تضطرها للتدخل وخوض معارك دبلوماسية من أجلها، هي حلول مرحب بها.
بين الردود التي سمعت على إثارة موضوع "الكونفيدرالية" أنها يمكن أو لا يمكن أن تبحث قبل نيل الفلسطينيين كامل حقوقهم، أو قبل إعلان الدولة الفلسطينية والاعتراف بها، لكن إسرائيل (والولايات المتحدة) تدفعان باتجاه هذه الفكرة تحديداً لأن "حل الدولتين" لم يعد ممكناً، وكذلك لأن هذه الصيغة يمكن أن تغرق قضية التوسع الاستيطاني في الترتيبات الكونفيدرالية المتوقعة في حال أمكن فرض هذه الصيغة، أما تمدد غزة إلى سيناء فيروّج له على أساس أن مصر لم تبد منذ استعادتها شبه الجزيرة تحت سيادتها اهتماماً نشطاً في تنميتها وتأهيلها ولا في الاستفادة منها.
في إطار المصالحة الفلسطينية أصبح مطلوباً، وبإلحاح، توضيح الموقف الفلسطيني من هذه المشاريع، ليس فقط لأنها تثبط جهود المصالحة وتنقض أهدافها، وإنما خصوصاً لأنها تحاول استثمار الانقسام الفلسطيني والإيحاء بأن "الحل المشرف" للقضية الفلسطينية لم يعد ممكناً.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان صانعي القرار، قد تكون الحرب اختباراً للقدرات والإمكانات وللقدرة على الصبر وتحمُّل أعباء خسائر الحرب من قتل ودمار ولكن صانعي القرار ومن هو مسؤول عن دولة وعن نظام وعن شعب يجب أن يظل حاضراً في ذهنه ماذا بعد الحرب، فقد عانت إيران من الحصار لأكثر من 40 سنة مما دفع بالكثير من بنيتها التحتية وبنية قطاع الطاقة للتهالك خلال تلك الفترة، فإذا جاءت الحرب بدمارها من جديد فإن موضوع الإعمار إن كان قبل الحرب ضرورة فإنه بعد الدمار وبعد الحرب ضرورة قصوى، كما عانت إسرائيل من دمار سنين الحرب السابقة للحرب على إيران ويزداد الدمار يوماً عن يوم وبوتيرة متسارعة يدفع للتساؤل من أين سيأتي الإعمار. عندما تضع الحرب أوزارها ستكون إيران منهكة كلياً وتحتاج للإعمار، في الوقت نفسه أمريكا لم تعد قادرة على الإعمار فأعباء الديون على أمريكا يجعلها في خطر فقدان القدرة على الوفاء بخدمة الدين وفقدان جدارتها الائتمانية التي استمتعت بها على مدى عقود وعقود ولذلك فتوقع أي إعمار من أمريكا توقع يفتقد للموضوعية، وإسرائيل في نفس المعضلة ولذلك من سيكون قادراً على الإعمار سوى دول الخليج لوفرة رؤوس الأموال وعمق صناديق الاستثمار والاحتياطات الكبيرة المتوفرة في القطاع المصرفي والمصارف المركزية لديها والقدرات في تجاوز تبعات الحرب بشكل سريع، ولذلك مراعاة أمن دول الخليج من قبل الأطراف المتحاربة كونها ليست طرفا في الحرب فهي ضرورة أساسية لما بعد الحرب، إذن من يملك القدرة على الإعمار هي دول الخليج، فمن الحكمة لصناع القرار من البيت الأبيض وطهران وغيرها الأخذ في الحسبان عدم توتير العلاقة مع دول المنطقة والعمل على عدم تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لدول الخليج. إذا أراد النظام الإيراني البقاء فهو يعلم أنه ملزم بتوفير ما يطلبه الشعب الإيراني ما بعد الحرب من إعمار ومستشفيات وغذاء واقتصاد وعملة مستقرة، هل سيكون قادرا لوحده على الإيفاء بمتطلبات الشعب الإيراني بعد الحرب، فترامب أقصى الحلفاء واستهزأ بهم وادعى أنه لا يحتاج أحداً فأمريكا لديها القدرات والإمكانات أن تعمل ما تريد ورأيناه حين أغلق مضيق هرمز يبحث عن دعم الحلفاء ويضرب أخماسا بأسداس على أنهم تبرأوا منه حين الحاجة، فهل ستجد إيران نفسها بعد الحرب بحلفاء قادرين على إعمار ودعم الاقتصاد الإيراني والاستثمار فيه أم ستكون وحيدة تضرب أخماسا بأسداس على أنه ليس هناك من له رغبة في إعمار إيران أو الاستثمار فيها. قد يعتقد البعض أن إيران استطاعت أن تتحمل الحصار الاقتصادي وكانت قادرة على الاستمرار في تلك الظروف ولأنها استمرت لفترات طويلة استطاع الشعب الإيراني التعايش معها ولو أنه كان هناك فترات فقد فيها مثل هذا الهدوء فعندما تتراجع العملة بشكل كبير ويرتفع معدل التضخم لدرجات غير مسبوقة فإن الشعب الإيراني يخرج في الشوارع. فما حدث في الأربعين سنة الماضية شيء وما سيحدث بعد وقف الحرب مباشرة شيء آخر سيكون كل يوم ما بعد الحرب معادلا لفترة ما قبل الحرب، فالدمار وحضور مثل هذا الدمار أمام التجار وأمام السوق وأمام الشعب سيبعث على التشاؤم وإن حدث هذا دون أي أفق يبعث على الأمل سنرى تراجع التومان العملة الإيرانية كما لم نره سابقا وستزداد معدلات التضخم بشكل غير مسبوق وسيفقد الناس الأمل في حياة أفضل ولذلك سيفقد النظام قدرته على إدارة الدولة، أما إذا كان هناك رؤية لمشاريع إعمار فانها ستكون الداعم الحقيقي للنمو الاقتصادي والنشاط الاقتصادي وسيملأ الناس الأمل بأنه ما بعد الحرب هو وضع أفضل مما قبل الحرب فإن طغى على الناس الإحساس بالأمل وبالعمل وبالاستثمار سيكون هناك استتباب في إيران، أما إذا طغى التشاؤم وفقد الناس الأمل قد تفقد إيران الكثير من وحدتها لأن كل منطقة سترى أنها أقدر على إدارة شأنها الاقتصادي وأن طهران لم تعد قادرة على مد يد العون. وما لم تحققه أمريكا وإسرائيل في حربهما لتفكيك إيران سيتحقق ما بعد الحرب إذا لم يكن هناك مشاريع إعمار، كل يوم تستمر فيه الحرب تزداد فيه الحاجة للإعمار، فكما عمَّرَت قطر بقيادة الأمير الوالد جنوب لبنان في حرب 2006 من سيعمر جنوب لبنان ومن سيعمر إيران وإلى أي مدى غزة والضفة وإيران وجنوب لبنان سيكونون في حاجة ماسة للدعم ولمشاريع الإعمار.
4104
| 30 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2472
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1947
| 24 مارس 2026