رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

258

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

العزاء.. بين واجب المواساة وكلفة المظاهر

27 أبريل 2026 , 11:07م

العزاء في أصله موقف إنساني نبيل، يجتمع فيه الناس لمواساة أهل الميت، وتقديم الدعاء الصادق للفقيد، وتخفيف وقع المصاب على أسرته. وهذه من القيم التي حافظ عليها المجتمع القطري عبر أجيال طويلة، حيث كان الحضور إلى مجلس العزاء يحمل معنى التراحم والتكاتف، وتبقى البساطة فيه هي السمة الغالبة، فلا تكلف ولا مبالغة، وإنما مجلس مفتوح، وكلمة طيبة، ودعاء من القلب. لكن مع مرور الوقت، بدأت بعض المظاهر تدخل إلى هذا الجانب الاجتماعي حتى أصبحت في بعض الحالات تشكل عبئًا ماليًا لا ينسجم مع حقيقة المناسبة ولا مع المقصد الشرعي منها.

في عدد من مجالس العزاء اليوم، لم يعد الأمر يقتصر على استقبال المعزين وتقديم ما تيسر، بل أصبحت بعض الأسر تدخل في ترتيبات واسعة تشمل نصب الخيام الكبيرة، وتجهيز الذبائح، وتعدد أصناف الطعام، وأحيانًا تستمر هذه الترتيبات عدة أيام، وكأن أهل الميت أمام مناسبة اجتماعية تحتاج إلى إعداد خاص، مع أنهم أصلًا يعيشون ظرفًا نفسيًا صعبًا ويحتاجون إلى من يخفف عنهم لا إلى ما يزيد من انشغالهم.

ولا خلاف أن الكرم من الصفات المعروفة في المجتمع القطري، وهو خلق متجذر في الناس، لكن في مثل هذه المناسبات لا بد من التفريق بين الكرم المقبول وبين التكلف الذي قد يتجاوز الحاجة. لأن بعض الأسر قد تتحمل مصروفات كبيرة فقط خشية أن يُقال إن مجلسها كان أقل من غيره، أو أن تجهيزاتها لم تكن بمستوى ما اعتاده الناس، مع أن الجميع يدرك أن قيمة العزاء لا تُقاس بحجم الخيمة ولا بعدد الذبائح، وإنما بما يحمله الحضور من مواساة ودعاء.

الشريعة الإسلامية السمحاء وضعت أصلًا واضحًا في هذا الجانب، حين جاء في السنة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم"، وهذا الحديث يبين أن المقصود هو أن الناس يخففون عن أهل الميت لأنهم منشغلون بالمصيبة، وليس أن يتحمل أهل الميت إقامة الولائم أو الدخول في تكاليف إضافية. فالمعنى الشرعي هنا واضح في التيسير ورفع الحرج، وهو ما يحتاجه الناس فعلًا في مثل هذه المواقف.

كما أن الإسلام نهى عن الإسراف في كل الأحوال، قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، وهي قاعدة عامة تنطبق على مختلف شؤون الحياة، ومنها ما يتعلق بالمناسبات الاجتماعية. فإذا كان الاعتدال مطلوبًا في الأمور اليومية، فهو في أوقات الحزن أولى وأقرب إلى روح الدين.

اللافت أن كثيرًا من الناس اليوم، حين يُطرح الموضوع بينهم، يعبرون عن قناعة واضحة بأن التخفيف أفضل، وأن كثيرًا من المظاهر الحالية يمكن الاستغناء عنها دون أن يتأثر معنى العزاء. لكن العادة الاجتماعية أحيانًا تكون أقوى من الرغبة الفردية، فيستمر البعض في نمط من التكاليف لأنهم يرون أن المجتمع اعتاده، مع أن المجتمع نفسه أصبح أكثر إدراكًا لحاجة التوازن.

وفي بعض الحالات، تتحول هذه التكاليف إلى عبء فعلي، خصوصًا إذا كانت الأسرة لديها التزامات أخرى أو ظروف مالية مختلفة، فيصبح الحزن مقرونًا بانشغال إضافي في أمور كان يمكن اختصارها. بينما لو عاد الأمر إلى البساطة، لكان أقرب لراحة الجميع، وأبقى على جوهر العزاء كما هو.

ومن الجوانب التي تستحق التأمل أيضًا أن كثيرًا من الأموال التي تُصرف في ساعات قليلة كان يمكن أن يوجه جزء منها إلى صدقة جارية باسم الميت، أو إلى عمل خيري يبقى أثره، لأن الميت ينتفع بالدعاء والصدقة والعمل الصالح أكثر من أي مظهر مؤقت.

التخفيف في العزاء لا ينتقص من احترام الناس، بل على العكس، قد يعكس فهمًا أعمق لمعنى المواساة الحقيقي، ويعيد العزاء إلى صورته الطبيعية التي عرفها الناس طويلًا، حيث يكون المجلس مفتوحًا، والحضور حاضرًا، والدعاء هو الأساس.

فالعزاء ليس ميدانًا للمظاهر، بل موقف إنساني وديني واجتماعي، عنوانه الرحمة، ومعناه أن يشعر أهل الميت بأن المجتمع معهم، لا أن يشعروا بأن عليهم التزامات إضافية فوق ما هم فيه من ألم. والاعتدال في هذا الباب يظل أقرب إلى الشريعة، وأقرب إلى راحة الناس، وأبقى لأصل العادة الجميلة التي تقوم على المواساة لا على الكلفة.

اقرأ المزيد

alsharq حقوق المؤلف بين القانون ومسؤولية مجتمع

يحتفى هذا الشهر باليوم العالمي للكاتب وحقوق المؤلف، ليس هذا فحسب، بل يحتفى بالكلمة التي تصنع الوعي، وبالفكرة... اقرأ المزيد

9

| 28 أبريل 2026

alsharq الاعتداءات الإيرانية على الخليج والصهيونية على غزة وجهان لعملة واحدة

يقول الأكاديمي الكويتي الدكتور فيصل أبو صليب على قناة الجزيرة: (يجب ألّا تُنسينا الأحداث الحالية حقيقةً ثابتة، وهي... اقرأ المزيد

12

| 28 أبريل 2026

alsharq في زمن الأزمات ... من يكتب ولماذا؟

ليست الصحف مجرد صفحات تُطوى مع نهاية اليوم، بل هي سجل لما يختار مجتمع أن يقوله عن نفسه... اقرأ المزيد

12

| 28 أبريل 2026

مساحة إعلانية