رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

99

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نحو جائزة وطنية شاملة للعطاء المجتمعي

23 أبريل 2026 , 11:07م

أصبحت ثقافة التكريم في المجتمع القطري اليوم إحدى الصور الحضارية التي تعكس اهتمام الدولة بإبراز النماذج التي تقدم جهداً حقيقياً في خدمة المجتمع، لأن التقدير حين يُمنح في موضعه الصحيح لا يكون مجرد مناسبة احتفالية عابرة، بل يتحول إلى رسالة وطنية ذات أثر معنوي عميق، تؤكد أن العطاء الصادق محل متابعة واعتراف، وأن المجتمع الذي يكرّم أبناءه يرسخ في الوقت ذاته قيمة المبادرة والمسؤولية والانتماء. وقد أثبتت التجارب أن الجوائز الاجتماعية حين تُحسن إدارتها ومعاييرها تصبح أداة لتحفيز العمل الإيجابي، وتفتح المجال أمام نماذج جديدة تتجه نحو خدمة المجتمع بروح أكثر التزاماً وثقة.

وفي هذا الإطار جاء تنظيم جائزة روضة للعمل الاجتماعي ليؤكد أن العمل الاجتماعي أصبح يحظى بمكانة متقدمة في المشهد الوطني، ويمكن النظر إلى هذه المبادرة باعتبارها من الصور المهمة التي اقتربت من مفهوم الجائزة الوطنية للتميز الاجتماعي، لأنها أبرزت قيمة العمل الإنساني وربطت التكريم بالأثر المجتمعي المباشر. والأهمية هنا لا تكمن فقط في أسماء الفائزين، بل في الرسالة التي تصل إلى المجتمع بأن العطاء المنظم والعمل التطوعي والمبادرات الإنسانية يمكن أن تتحول إلى نماذج وطنية يشار إليها بالتقدير.

إن أهمية مثل هذه المبادرات لا تقف عند حدود تكريم فئة محددة، بل تمتد إلى بناء ثقافة مجتمعية ترى في العطاء قيمة وطنية ينبغي أن تحظى بالاهتمام، وتمنح رسالة واضحة بأن كل جهد نافع يجد مكانه في الاعتراف المجتمعي. وهذا النهج يحتاج إلى مزيد من الاتساع، لأن المجتمع القطري غني بفئات كثيرة تقدم أعمالاً مؤثرة في مجالات متعددة، وبعضها يؤدي أدواراً يومية ذات أثر مباشر في حياة الناس دون أن يحظى بما يستحقه من إبراز.

ومن بين هذه الفئات التي تستحق أن تدخل ضمن نطاق التقدير أعضاء المجلس البلدي المركزي، باعتبارهم يمثلون تجربة وطنية قائمة على الانتخاب وتحمل المسؤولية العامة. فالمجلس البلدي ليس مجرد إطار إداري، بل هو قناة مباشرة لنقل احتياجات المواطنين إلى الجهات التنفيذية، ومن خلاله تُطرح قضايا تمس الحياة اليومية في تفاصيلها المختلفة، من الخدمات العامة والطرق والحدائق والنظافة وتنظيم المناطق إلى متابعة الملاحظات المرتبطة بالمرافق العامة.

وقد أثبتت التجربة خلال السنوات الماضية أن عدداً من أعضاء المجلس قدموا جهوداً واضحة في المتابعة الميدانية وطرح القضايا والحضور القريب من المجتمع، وبعضهم استطاع أن يترك أثراً ملموساً في ملفات خدمية متعددة. وهذا الجهد، وإن كان يتم في إطار رسمي، إلا أنه في جوهره يحمل بعداً اجتماعياً مباشراً لأنه يرتبط براحة الناس وتحسين بيئتهم اليومية، وهو ما يجعل من المناسب التفكير في أن يكون لهذا النوع من الأداء نصيب واضح ضمن منظومة الجوائز الاجتماعية الوطنية.

ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: لماذا لا يكون للعمل البلدي نصيب ضمن الجوائز الوطنية القادمة؟ ولماذا لا تُخصص فئة تُعنى بالمبادرات المحلية أو الأداء المجتمعي المرتبط بالخدمة العامة؟ فتكريم هذا النوع من الجهد سيعزز ثقافة المسؤولية، ويؤكد أن العمل العام حين يقترن بالإخلاص والنتائج يستحق التقدير، كما أنه يمنح رسالة إيجابية لكل من يعمل في الشأن المحلي بأن المجتمع يقدّر أثر الجهد الميداني.

ولا يقتصر الأمر على العمل البلدي فقط، فهناك أيضاً شريحة مهمة من المتقاعدين الذين قدموا سنوات طويلة من الخدمة الوطنية في مختلف مؤسسات الدولة، ثم واصل كثير منهم حضورهم الاجتماعي بعد التقاعد عبر مبادرات فردية أو مساهمات مجتمعية أو مشاركات تطوعية. وهذه الفئة تمتلك خبرة متراكمة وتجربة وطنية تستحق أن تبقى حاضرة في المشهد التكريمي، لأن التقدير لا ينبغي أن يتوقف بانتهاء الوظيفة، بل قد يمتد إلى ما بعدها عندما يستمر العطاء بصورة مختلفة.

كما أن المجتمع القطري يضم أصحاب مبادرات مجتمعية يعملون بعيداً عن الأضواء؛ منهم من يشارك في التوعية، ومنهم من يسهم في العمل البيئي، ومنهم من يدعم المبادرات الإنسانية أو يقدم خدمات اجتماعية داخل الأحياء والمناطق. وهذه النماذج غالباً ما تكون الأكثر تأثيراً لأنها تعمل بدافع ذاتي وبإحساس مباشر بالمسؤولية تجاه المجتمع، ولذلك فإن منحها مساحة من التقدير يساهم في إبراز قدوات مجتمعية حقيقية للأجيال الجديدة.

ويتكامل هذا التوجه مع ما تسعى إليه دولة قطر من ترسيخ مفهوم المسؤولية المجتمعية بوصفه جزءاً من مسار التنمية الوطنية، حيث إن بناء المجتمع لا يعتمد فقط على المؤسسات الرسمية، بل أيضاً على المبادرات الفردية والجماعية التي تخلق أثراً إيجابياً وتدعم التماسك الاجتماعي. فكل جهد تطوعي، وكل مبادرة محلية، وكل مساهمة صادقة في خدمة الناس، تمثل في حقيقتها رصيداً وطنياً يجب أن يجد مكانه ضمن منظومة التقدير الوطني.

ومن هنا قد يكون من المناسب مستقبلاً التفكير في إطلاق جائزة وطنية سنوية شاملة للعطاء المجتمعي، تضم مسارات متعددة للتميز الاجتماعي، والعمل البلدي، والمبادرات التطوعية، وخبرة المتقاعدين، والجهود البيئية، بحيث تصبح منصة وطنية جامعة تُمنح وفق معايير واضحة وتحتفي بكل من جعل من خدمة المجتمع جزءاً من مسؤوليته الوطنية.

فمثل هذه الجائزة لن تكون مجرد تكريم سنوي، بل ستتحول إلى مشروع مجتمعي يرسخ ثقافة التقدير، ويصنع قدوات جديدة، ويؤكد أن الوطن يثمّن كل جهد مخلص يسهم في بناء المجتمع وتعزيز تماسكه، لأن المجتمعات لا تنهض فقط بالمشروعات الكبرى، بل أيضاً بالأعمال اليومية الصادقة التي يؤديها أفراد يشعرون أن خدمة الوطن مسؤولية مستمرة لا ترتبط بموقع أو صفة، وإنما بروح العطاء والانتماء.

مساحة إعلانية