رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصبحت ثقافة التكريم في المجتمع القطري اليوم إحدى الصور الحضارية التي تعكس اهتمام الدولة بإبراز النماذج التي تقدم جهداً حقيقياً في خدمة المجتمع، لأن التقدير حين يُمنح في موضعه الصحيح لا يكون مجرد مناسبة احتفالية عابرة، بل يتحول إلى رسالة وطنية ذات أثر معنوي عميق، تؤكد أن العطاء الصادق محل متابعة واعتراف، وأن المجتمع الذي يكرّم أبناءه يرسخ في الوقت ذاته قيمة المبادرة والمسؤولية والانتماء. وقد أثبتت التجارب أن الجوائز الاجتماعية حين تُحسن إدارتها ومعاييرها تصبح أداة لتحفيز العمل الإيجابي، وتفتح المجال أمام نماذج جديدة تتجه نحو خدمة المجتمع بروح أكثر التزاماً وثقة.
وفي هذا الإطار جاء تنظيم جائزة روضة للعمل الاجتماعي ليؤكد أن العمل الاجتماعي أصبح يحظى بمكانة متقدمة في المشهد الوطني، ويمكن النظر إلى هذه المبادرة باعتبارها من الصور المهمة التي اقتربت من مفهوم الجائزة الوطنية للتميز الاجتماعي، لأنها أبرزت قيمة العمل الإنساني وربطت التكريم بالأثر المجتمعي المباشر. والأهمية هنا لا تكمن فقط في أسماء الفائزين، بل في الرسالة التي تصل إلى المجتمع بأن العطاء المنظم والعمل التطوعي والمبادرات الإنسانية يمكن أن تتحول إلى نماذج وطنية يشار إليها بالتقدير.
إن أهمية مثل هذه المبادرات لا تقف عند حدود تكريم فئة محددة، بل تمتد إلى بناء ثقافة مجتمعية ترى في العطاء قيمة وطنية ينبغي أن تحظى بالاهتمام، وتمنح رسالة واضحة بأن كل جهد نافع يجد مكانه في الاعتراف المجتمعي. وهذا النهج يحتاج إلى مزيد من الاتساع، لأن المجتمع القطري غني بفئات كثيرة تقدم أعمالاً مؤثرة في مجالات متعددة، وبعضها يؤدي أدواراً يومية ذات أثر مباشر في حياة الناس دون أن يحظى بما يستحقه من إبراز.
ومن بين هذه الفئات التي تستحق أن تدخل ضمن نطاق التقدير أعضاء المجلس البلدي المركزي، باعتبارهم يمثلون تجربة وطنية قائمة على الانتخاب وتحمل المسؤولية العامة. فالمجلس البلدي ليس مجرد إطار إداري، بل هو قناة مباشرة لنقل احتياجات المواطنين إلى الجهات التنفيذية، ومن خلاله تُطرح قضايا تمس الحياة اليومية في تفاصيلها المختلفة، من الخدمات العامة والطرق والحدائق والنظافة وتنظيم المناطق إلى متابعة الملاحظات المرتبطة بالمرافق العامة.
وقد أثبتت التجربة خلال السنوات الماضية أن عدداً من أعضاء المجلس قدموا جهوداً واضحة في المتابعة الميدانية وطرح القضايا والحضور القريب من المجتمع، وبعضهم استطاع أن يترك أثراً ملموساً في ملفات خدمية متعددة. وهذا الجهد، وإن كان يتم في إطار رسمي، إلا أنه في جوهره يحمل بعداً اجتماعياً مباشراً لأنه يرتبط براحة الناس وتحسين بيئتهم اليومية، وهو ما يجعل من المناسب التفكير في أن يكون لهذا النوع من الأداء نصيب واضح ضمن منظومة الجوائز الاجتماعية الوطنية.
ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: لماذا لا يكون للعمل البلدي نصيب ضمن الجوائز الوطنية القادمة؟ ولماذا لا تُخصص فئة تُعنى بالمبادرات المحلية أو الأداء المجتمعي المرتبط بالخدمة العامة؟ فتكريم هذا النوع من الجهد سيعزز ثقافة المسؤولية، ويؤكد أن العمل العام حين يقترن بالإخلاص والنتائج يستحق التقدير، كما أنه يمنح رسالة إيجابية لكل من يعمل في الشأن المحلي بأن المجتمع يقدّر أثر الجهد الميداني.
ولا يقتصر الأمر على العمل البلدي فقط، فهناك أيضاً شريحة مهمة من المتقاعدين الذين قدموا سنوات طويلة من الخدمة الوطنية في مختلف مؤسسات الدولة، ثم واصل كثير منهم حضورهم الاجتماعي بعد التقاعد عبر مبادرات فردية أو مساهمات مجتمعية أو مشاركات تطوعية. وهذه الفئة تمتلك خبرة متراكمة وتجربة وطنية تستحق أن تبقى حاضرة في المشهد التكريمي، لأن التقدير لا ينبغي أن يتوقف بانتهاء الوظيفة، بل قد يمتد إلى ما بعدها عندما يستمر العطاء بصورة مختلفة.
كما أن المجتمع القطري يضم أصحاب مبادرات مجتمعية يعملون بعيداً عن الأضواء؛ منهم من يشارك في التوعية، ومنهم من يسهم في العمل البيئي، ومنهم من يدعم المبادرات الإنسانية أو يقدم خدمات اجتماعية داخل الأحياء والمناطق. وهذه النماذج غالباً ما تكون الأكثر تأثيراً لأنها تعمل بدافع ذاتي وبإحساس مباشر بالمسؤولية تجاه المجتمع، ولذلك فإن منحها مساحة من التقدير يساهم في إبراز قدوات مجتمعية حقيقية للأجيال الجديدة.
ويتكامل هذا التوجه مع ما تسعى إليه دولة قطر من ترسيخ مفهوم المسؤولية المجتمعية بوصفه جزءاً من مسار التنمية الوطنية، حيث إن بناء المجتمع لا يعتمد فقط على المؤسسات الرسمية، بل أيضاً على المبادرات الفردية والجماعية التي تخلق أثراً إيجابياً وتدعم التماسك الاجتماعي. فكل جهد تطوعي، وكل مبادرة محلية، وكل مساهمة صادقة في خدمة الناس، تمثل في حقيقتها رصيداً وطنياً يجب أن يجد مكانه ضمن منظومة التقدير الوطني.
ومن هنا قد يكون من المناسب مستقبلاً التفكير في إطلاق جائزة وطنية سنوية شاملة للعطاء المجتمعي، تضم مسارات متعددة للتميز الاجتماعي، والعمل البلدي، والمبادرات التطوعية، وخبرة المتقاعدين، والجهود البيئية، بحيث تصبح منصة وطنية جامعة تُمنح وفق معايير واضحة وتحتفي بكل من جعل من خدمة المجتمع جزءاً من مسؤوليته الوطنية.
فمثل هذه الجائزة لن تكون مجرد تكريم سنوي، بل ستتحول إلى مشروع مجتمعي يرسخ ثقافة التقدير، ويصنع قدوات جديدة، ويؤكد أن الوطن يثمّن كل جهد مخلص يسهم في بناء المجتمع وتعزيز تماسكه، لأن المجتمعات لا تنهض فقط بالمشروعات الكبرى، بل أيضاً بالأعمال اليومية الصادقة التي يؤديها أفراد يشعرون أن خدمة الوطن مسؤولية مستمرة لا ترتبط بموقع أو صفة، وإنما بروح العطاء والانتماء.
مجلس التقاعد الجديد
جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة تشكيل مجلس إدارة الهيئة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية ليمنح المتقاعدين... اقرأ المزيد
807
| 29 سبتمبر 2026
الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية... اقرأ المزيد
1311
| 28 سبتمبر 2026
خطاب سمو الأمير.. حين وضعت قطر العالم أمام مسؤولياته
لم يكن خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الدورة الحادية... اقرأ المزيد
345
| 23 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2232
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1122
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
627
| 12 أكتوبر 2026