رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا كنا قد بدأنا مقالنا السابق (الشرق 31 يناير 2012، العدد 8629) بمباركة الجامعة ومؤسساتها التعليمية، وتهنئة منتسبيها بعودة اللغة العربية إلى حرمها الجامعي، فإننا هنا في مقالنا هذا نعزي كلية التربية في صدمتها باستثنائها من قرار العودة إلى الأصل، وحرمانها من مشاركة أخواتها الكليات الأخرى وطلبتها وأعضاء الهيئة التدريسية فيها الفرحة الكبرى بهذه العودة الميمونة المحمودة. فعزاؤنا كبير لهذه الكلية وطلبتها وأعضاء هيئتها التدريسية الذين قفزوا فرحا ومرحا بهذا القرار، وتبادلوا حوله التهاني والتبريكات فيما بينهم، ولكنها للأسف فرحة مؤقتة عمرها قصير وقصير جدا حيث إنها لم تكتمل، مصداقا لنص المثل المصري "يا فرحة ما تمت" وفعلا لم تتم هذه الفرحة، فسرعان ما تبددت هذه المشاعر الجياشة عندما فوجئت الكلية بقرار الجامعة السريع بأن يستمر الحال في كلية التربية على ما هو عليه في تدريس مقرراتها وبرامجها المعتمدة باللغة الإنجليزية، ولا تغيير للغة التدريس فيها باعتبارها من الكليات التي لم يأت ذكرها في قرار المجلس الأعلى للتعليم بالعودة إلى التدريس باللغة العربية شأنها في ذلك شأن كليتي الهندسة والصيدلة، وغيرهما من الكليات والتخصصات التي لم يشملها القرار. فالقرار بشكله ومضمونه، ونصه وثغراته وفر فرصة سانحة للالتفاف عليه وتأويله في غير صالح الكلية ومنتسبيها.
ولذلك، فغير مفهوم استثناء كلية التربية من هذا القرار، ومن غير المنطقي أن تتساوى كلية التربية ذات الشأن المجتمعي الواسع، وارتباط مخرجاتها بتعليم وتثقيف أبناء المجتمع من خلال مؤسساته التعليمية مع كلية الهندسة وكلية الصيدلة باعتبارهما من الكليات النوعية المهنية المحدودة الارتباط بفئات المجتمع وشرائحه، فخريجي كلية الهندسة على سبيل المثال بحكم تخصصاتهم مرتبطين بعلاقات عمل مهني بفئات محددة في المجتمع، وبنوعيات خاصة متنوعة الثقافات والمعارف والهويات واللغات، فلا حرج في تدريسهم باللغة الإنجليزية للتعامل معها في الميدان العملي أكثر من اللغة الأم حيث الالتقاء بالمهندسين من شتى بقاع العالم، خصوصا في ظل الطفرة العمرانية التي تشهدها الدولة. ولا يختلف الأمر بالنسبة لطلبة كلية الصيدلة حيث التعامل باللغة الإنجليزية مع الأدوية والوصفات الطبية المكتوبة في الغالب باللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى تعاملهم في الميدان العملي مع الجاليات الأخرى غير العربية، فاللغة الإنجليزية بالنسبة لهم لغة قراءة وكتابة واتصال وتواصل وتفسير، وتوضيح إرشادات علاجية معينة.
أما بالنسبة لخريجي كلية التربية، فالأمر مختلف على نطاقات ومجالات متعددة، فالجمهور مختلف، والإدارة مختلفة، والزمالة مختلفة، والفئات العمرية مختلفة، والمادة العلمية مختلفة، والمهنة في حد ذاتها مختلفة حيث الحاجة إلى لغة تواصل متقنة 100% من طرفي الاتصال والتواصل داخل المؤسسة التعليمية وخارجها. فالجمهور عربي، والبيئة التعليمية والأجواء العامة عربية، وأولياء الأمور عرب، وكل فئات الشعب القطري عرب في عرب. وعلى هذا الأساس، فخريج كلية التربية مسؤول عن التواصل مع هذه الفئات المختلفة من المجتمع القطري بلغتهم الأم وليس بلغة أعجمية عوجاء (غير سليمة). فلا يجوز ولا يعقل أن يُدرس أو يُعامل هذا الخريج أثناء دراسته في الكلية بلغة غير لغة المجتمع الذي يُهيئ ويُعد لخدمته فيما بعد. ولذا، فالحاجة إلى العودة إلى التدريس باللغة العربية في كلية التربية أهم بكثير منها في قسم الشؤون الدولية الذي لم يعتمد اللغة العربية كلغة تدريس على الإطلاق، ولم يستخدمها في قاعات الدراسة قط منذ نشأته كقسم أكاديمي ضمن أقسام كلية الآداب والعلوم، كما أنها أهم بكثير من بعض الأقسام التي شملها القرار. ولذا، فإذا كان هناك أولويات يعتمدها القرار في صياغته الحالية، فالأولوية لكلية التربية باعتبارها الكلية الملتصقة أكثر بأهم مؤسسات المجتمع وهي المؤسسة التعليمية في المقام الأول، وإلا فالشمولية وعدم استثناء أي من الأقسام والكليات. وإذا كان هناك أي استثناء، فلابد أن يذكر بوضوح، ولا يترك للافتراضات والتحليلات والتأويلات غير الصائبة في الكثير من الأحيان مما قد يثير الكثير من الجدل بين أوساط الجهة المعنية بالاستثناء من القرار. وهذا ما حصل في كلية التربية، حيث الاستياء والسخط وعدم الرضا في صفوف منتسبيها، والذي بدوره أدى إلى إثارة الكثير من علامات الاستفهام والاستغراب والتعجب حول استثناء الكلية من نص القرار، وما إذا كان سقوطها سهوا أم عمدا؟ وأسئلة كثيرة، وتساؤلات جمة تتبادر إلى الأذهان. فعدم ذكر الكلية في القرار، وسقوطها من مضمونه لا يعني بالضرورة استثناءها من العودة الميمونة للغة العربية إلى الجامعة، بل ربما يعني أنها كلية عربية أصلا، ولم تعتمد اللغة الإنجليزية لغة تدريس في قاعاتها الدراسية، مما يبرر عدم ذكرها صراحة في نص القرار، ولذا فمن الممكن أن يلحق القرار بعبارة صريحة تنص على شمول الكلية في القرار، ليحسم الأمر، ويزال اللبس، وتتضح الصورة، ولا مجال للتأويل والتقويل على الإطلاق. ولكن هذا مجرد احتمال قد يصدق، وقد لا يصدق، ولذا، فيتساءل الكثير من منتسبي الكلية عن صحة هذا الاحتمال، ومعقوليته ومنطقيته وموضوعيته، خصوصا في ظل التنسيق القائم بين الكلية والمجلس الأعلى للتعليم تحت شعار ما يسمى بالشراكة في التعاون فيما بينهما بشأن العملية التعليمية وتطويرها، ودور الكلية في تلبية احتياجات المدارس المستقلة من معلمين، ومعلمين معاونين، ومن في حكمهم من الكوادر البشرية. ولذلك يبرز السؤال التالي: هل غاب عن المسؤولين في المجلس الأعلى للتعليم أن برامج الكلية في ضوء التوجه العام للجامعة تعتمد اللغة الإنجليزية لغة تدريس؟ فإن كان الأمر كذلك، فتلك مصيبة، وإن لم يكن فالمصيبة أكبر وأدهى وأمر. وذلك لما يترتب عليه من تبعات لا تخدم اللغة العربية في التعليم العام في الدولة، ولن تكون لصالح الهوية الوطنية في نهاية المطاف، مما قد يعكس غياب نية تعديل المسار في التعليم العام، وعدم عودة اللغة العربية إلى قاعات الدراسة كلغة تدريس وتخاطب وتواصل وتفاعل بين أهم عناصر العملية التعليمية وهما المعلم والمتعلم، وهل بذلك تستقيم المعادلة بطرفيها مخرجات التعليم العام، ومدخلات التعليم الجامعي؟ ويا فرحة ما تمت يا كلية التربية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12144
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10002
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3471
| 22 أكتوبر 2026