رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

99

د. أحمد المحمدي

النار لا تطفئ النار

18 سبتمبر 2026 , 12:18ص

حين يفيض الغضب، يضيق الوعي حتى لا يرى الإنسان من الحقيقة إلا جرحه، ولا يسمع من الكلام إلا ما يؤجج ألمه؛ فتختزل الحادثة كلها في لحظة موجعة، ويغدو الرد محاولة عاجلة لاسترداد الكرامة. فإذا قابلناه بغضب مثله، لم يعد الخلاف بين حق وباطل، ولا بين مخطئ ومصيب، بل صار صراعا بين جرحين، يحاول كل منهما أن يتعافى بإيلام الآخر؛ فلا ينتصر أحد، وإنما تتسع دائرة الاحتراق، ويولد من الخطأ الأول أخطاء لا تنتهي.

ولهذا لم يجعل الإسلام القوة في القدرة على البطش، ولا في سرعة الرد وإسكات الخصم، بل في القدرة على ضبط النفس حين تثور دوافعها: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". فالقوة الحقيقية ألا تمنح غضب غيرك سلطة تشكيلك؛ لأن من يستفزك حتى تصير نسخة منه قد انتصر عليك، ولو غلبته في الكلام؛ إذ أخرجك من أخلاقك، وأدخلك في فوضاه، وجعلك تحمل في داخلك شيئا من قبح ما أنكرت عليه.

وليس الهدوء ضعفا، بل هو المسافة التي يضعها العقل بين الألم والقرار، حتى لا تتكلم اللحظة باسم العمر كله. وهو لا يمحو الخطأ، ولكنه يمنع تكاثره، ولا يلغي الكرامة، بل يحرسها من رد يثأر لها لحظة، ثم يثقلها ندما طويلا. فكلمات الغضب قد تنتهي في ثوان، لكن جراحها قد تبقى أعواما، ورب علاقة هدمتها جملة لم يكن صاحبها يقصد معناها بقدر ما كان يريد أن يفرغ بها ألمه.

وقد يكون الهدوء عتابا صريحا يكشف موضع الخطأ، أو حدا حاسما يمنع تكراره، أو انسحابا كريما حين يصبح الحوار بابا لمزيد من الأذى. فالصمت ليس فضيلة دائما، كما أن الرد ليس قوة دائما؛ إنما الفضيلة أن تقول ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، وعلى الوجه الذي ينبغي، لا ما تمليه مرارة الغضب ولا ما يرضي شهوة الانتصار العابر.

ومن هنا جاء الأمر الإلهي: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ فالآية لا تدعو إلى الاستسلام للإساءة، ولا إلى التنازل عن الحق، بل إلى مقاومتها من مقام أخلاقي أعلى؛ فتحفظ حقك دون أن تفقد نفسك، وترد الظلم دون أن تسمح له أن يزرع ظلمه في أخلاقك. وليس كل انتصار أن تسقط خصمك؛ فقد يكون الانتصار الأكبر أن يبقى الشر محصورا في صاحبه، وألا يجد فيك أرضا جديدة يمتد إليها.

لهذا لا تطفئ النار بالنار؛ لأنك حين تستعير من الإساءة لغتها لا تهزمها، بل تمنحها حياة أخرى فيك، وحين تجيب القسوة بقسوة قد تعاقب المسيء، لكنك تعاقب قلبك معه. أما الحلم فلا يبرئ المعتدي، وإنما ينقذ المعتدى عليه من أن يصبح أسيرا للحظة لم يخترها.

وأعمق الانتصارات ألا تحرق من آذاك، بل أن تمنعه من إحراق اتزانك، وتغيير أخلاقك، وتحويلك إلى صورة منه؛ وأن تخرج من المواجهة محتفظا بحقك، وبنقاء قلبك، وبقدرتك على النظر إلى نفسك دون خجل. ففي كل خصومة امتحانان: امتحان الحق الذي تدافع عنه، وامتحان الإنسان الذي ستصير إليه وأنت تدافع عنه. فالحق لا يحتاج إلى أن نتشبه بالباطل كي نثبت أنه حق أبدا.

اقرأ المزيد

بين بحر وبطن وغار بين بحر وبطن وغار

ثلاثة مشاهد بلغ فيها العجز الإنساني منتهاه: موسى وقومه بين بحر لا يعبرونه وجيش لا يرحمهم، ويونس في... اقرأ المزيد

123

| 15 أغسطس 2026

جعل الله أيامكم مطاياكم إلى آمالكم جعل الله أيامكم مطاياكم إلى آمالكم

قال أبو إسحاق الصابي: «مارست الكتابة ستين سنة، فلم يحضرني في الدعاء أحسن، ولا أوجز، ولا أجمع من... اقرأ المزيد

198

| 13 أغسطس 2026

 من ظلمة الجب إلى سدة الحكم من ظلمة الجب إلى سدة الحكم

من أعظم أسباب اضطراب القلب أن الإنسان يريد أن يفهم حكمة الله قبل أن تكتمل أقداره! فهو يحكم... اقرأ المزيد

711

| 02 أغسطس 2026

مساحة إعلانية