رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذا كتاب يعبق برائحتي الحبر والورق، خطّه أستاذ جامعي حين تقاعد مستعيناً بذاكرة بعيدة، يظهر فيها وهو طفل يترعرع في كنف عائلة حرصت على تزيين جدران منزلها المطل على بيت المقدس بأرفف تغص بالكتب، وحرصت على تثبيت خطاه فوق طريق العلم مثل «العديد من أبناء فلسطين منذ ما قبل وما بعد ضياع الوطن»، وهي الطفولة التي رسمت بدورها صورة الشيخوخة، وسمحت لتلك الكتب أن تحفر أخاديدها في وعيه وفكره ومشاعره، وجعلت من تلك الذاكرة البعيدة قريبة، لا تختلف عنها في الشغف والعزم والعطاء.
إنه (د. طريف الخالدي 1938)، مؤرخ وكاتب وأستاذ أكاديمي فلسطيني. تحصّل تعليمه من جامعتي اكسفورد البريطانية وشيكاغو الأمريكية، وعمل في تدريس مادة التاريخ في الجامعة الأمريكية في بيروت، وكأستاذ للغة العربية في جامعة كامبريدج، وأصدر عددا من الكتب باللغتين العربية والإنجليزية، كما نشر ترجمة حديثة للقرآن الكريم باللغة الإنجليزية.
يتلبّس كتاب (أنا والكتب) طابع السيرة الذاتية الذي يصف فيه المؤرخ ابتداءً عزلته منذ سن مبكرة بين أرجاء الكتب، مستغنياً بها عن أقرانه، وقد عدّ عالم القراءة والكتابة عالمه الحقيقي، مؤكداً أن «الشك والامتناع عن الأحكام الجازمة والعلم بعواقب الأمور، كلها أمور تأتي في غالب الأحيان من التجارب التي يقع عليها المرء في الكتب. فلو لم تكن للكتب فائدة سوى هذين الأمرين لكانت الفائدة عميمة النفع».
يتعرض حين كان في العاشرة، وعائلته والآلاف من الفلسطينيين، للتهجير إثر الاحتلال الصهيوني، وما تبعه من وهن أصاب الجميع كلاً وفق طاقته في تشرّب المأساة! وحينها «أصبح العلم والتعلم أمراً غاية في الأهمية، فتقلصت مساحة الطفولة وحريتها! هرم والدي بسرعة وتوفي بعد ضياع فلسطين بقليل، وازداد الإحساس بأن العلم أمر عظيم الشأن وبأنه أولوية الأولويات». أما حين يلتحق بمدرسة داخلية في إنجلترا بقرار حازم من أهله، فيقضي وقته في وحشة تحت وطأة نظام هرمي مخيف، مضافاً إليه صعوبة تعلم اللغتين اللاتينية واليونانية.
ومما استحسن من الأدب اللاتيني، عبارة مؤرخ روما بعد أن دمر الرومان مدن بريطانيا: «يجعلون منها قاعاً صفصفاً ويسمونها سلاماً» ويعلق قائلاً: «فكأنه يصف ما فعلته وتفعله إسرائيل في فلسطين».
ثم يلتحق ضمن طاقم التدريس (في الجامعة الأمريكية في بيروت)، التي يجدها قد رفعت شعاراً مستورداً مفاده (النشر أو الموت)، فيأخذ على عاتقه مهمة مواكبة البحث العلمي إضافة إلى مهمة التدريس.
فيتحدث عن بعض أعلام المعرفة مستعرضاً مؤلفاتهم ومستلذاً بأفكارهم، فينقل عن الإمام الغزالي في كتابه (القسطاس المستقيم): «إن جميع العلوم غير موجودة في القرآن بالتصريح، ولكن موجودة فيه بالقوة، لما فيه من الموازين القسط التي بها تفتح أبواب الحكمة التي لا نهاية لها». فيتمنى على الكتّاب قائلاً: «ليتهم يتأملون هذا النص الذي يرى في القرآن مفتاح المعرفة وبدايتها وليس نهايتها، وأن النظريات العلمية أمور تتغير باستمرار، فالحكمة لا نهاية لها».
وفي الثمانينيات يتجلى اهتمامه بالسيد المسيح وتراثه، فيتحرى مكانته ضمن مناظرات سياسية وأخلاقية جرت بين المسلمين الأوائل، مستعيناً بكتب الأدب والتاريخ والأخلاق والفقه والكلام والتصوف. وعلى الرغم انه لا يقع على مصادرها الحقيقية، «لكنها جميعها تشي بإعجاب وإجلال إسلامي عميق لمن يسميه الغزالي (نبي القلب)، وجميعها تليق بالمسيح وتُنسب إليه بفائق الاحترام والمحبة. وإذا كان لي أن أتمنى مجدداً، فأمنيتي أن تأخذ هذه الأقوال طريقها إلى الحوار الإسلامي المسيحي للتأكيد على ما يجمع هاتين الديانتين لا ما يفرقهما. ولربما من المجدي أن نقارن ما جاء في التراث اليهودي (التلمود تحديداً) حول السيد والتشويه الشنيع لسيرته، بما جاء عنه في تراث الإسلام». أما عن (صور النبي في التراث الإسلامي) الذي جاء كمسك ختام للكتاب، فيتحدث عن كتابه الذي عرض فيه تسلسلاً زمنياً لصورته ﷺ ابتداءً من القرآن الكريم إلى الحديث الشريف منتهياً بالسير المعاصرة. وحين يتعرّض للعصر الحديث وما شابه من حملات تبشيرية استهدفت السيرة النبوية، يغذّيها اليمين الأوروبي-الأمريكي المتطرف والاستشراق الاسرائيلي، فيعرض عددا من تلك الآراء مقابل من تصدى لهم من المسلمين. فينقل من كتاب (إحياء الفكر الديني في الإسلام) للمفكر الهندي (محمد إقبال): «أن النبوة قد وصلت إلى خواتيمها في سيرة محمد وفي الإسلام الذي مزج بين أفضل الحضارات القديمة والحديثة. فرسالة محمد هي الدواء الناجع لكافة أمراض العالم المعاصر وخصوصاً المادية منها».
ختاماً، يرجو د. الخالدي من كتابه أن يشكّل حافزاً للباحثين العرب لتدوين ما اطلعوا عليه من كتب خلال حياتهم، متطلعاً بمرور الزمن الظفر بسجل يعكس التفاعل المستمر في ميادين التراث بين الماضي والحاضر، وليقف سداً منيعاً أمام سيل «الإهمال والجهل والنسيان والأمية الأدبية واللغوية».
وعلى مستوى شخصي، فقد قصدت قراءة هذا الكتاب تحديداً الآن لأتوّجه بالرقم (100) ضمن قراءاتي خلال العام، كتعبير يصف شغف مماثل للقراءة.. ووجدته ثريا رغم قصره، ويتعذر الوصف في تصوير روعته.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1737
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1257
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1032
| 07 يناير 2026