رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

174

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

الفكر الأصولي

11 يناير 2026 , 12:41ص

إن العودة إلى «الأصل» في جوهر البحوث العلمية، هي بحث عن الصدق والمصداقية. ففي علم اهل الحديث، نعتمد على «السند» وعلم الرجال» لضمان أن الفكرة لم تُشوه أو تدلس. هذه هو الفكر الإيجابي واليقيني بحذافيره، حيث الرجوع للأصل وهي التي تحفظ هوية الأمم. لكن المعضلة تبدأ عندما يتحول العقل من منبع للاستنارة إلى قيد للعقل، وهنا تشوه الراديكالية. في الفكر الأصولي الأصيل، يُعتبر تقديم النقل على العقل قمة المصداقية المنهجية. فالنقل (الوحي أو النص الصحيح بسنده) يمثل «الحقيقة المطلقة» المنزهة عن الهوى البشري، بينما العقل، رغم شرفه، يظل محدوداً بظروف الزمان، والمكان، والقصور البشري. قال تعالى: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } الجاثية ٢٣.

تكمن المزية الكبرى للفكر الأصولي في كونه «صمام أمان للهوية». في زمن العولمة الزاحفة التي تحاول صهر الثقافات في قالب واحد، يأتي الفكر الأصولي ليعيد الاعتبار لـ «الأصل»، مانحاً الشعوب درعاً يحميها من «الاستلاب الثقافي» و»تغريب المناهج». إن التمسك بالأصول يعني الحفاظ على اللغة والسند الأخلاقي الذي بدونه تصبح الأمة بلا ذاكرة.

تقديم النقل لا يعني «إلغاء العقل»، بل يعني تحديد وظيفته. العقل في هذا المنهج هو «مجتهد في الفهم» و»بارع في القياس»، لكنه لا يملك حق معارضة «النص القطعي»من الناحية المنهجية، يقدم الفكر الأصولي نموذجاً فريداً في «المصداقية». فاعتماده على «علم الرجال» والتدقيق في «السند» هو في جوهره أرقى أنواع البحث العلمي؛ إذ يرفض أخذ المعلومات من مصادر مجهولة أو مشكوك في نزاهتها. هذه «الأصولية» هي التي تحفظ الحقائق من التزييف، وتمنع «كذب» الأيديولوجيات العابرة من اختراق الوعي الجمعي.

كما يوفر الفكر الأصولي «الاستقرار النفسي والاجتماعي». في عالم «ما بعد الحقيقة» حيث تتغير القيم الأخلاقية بسرعة مربكة، يقدم الرجوع للأصل «ثوابت» صلبة تمنح الإنسان شعوراً بالمعنى والانتماء. إن «إيجابية» هذا الفكر تظهر في قدرته على بناء مجتمعات متماسكة تعتز بـ أصالتها وتستمد منها القوة لمواجهة تحديات الحاضر دون ذوبان.

ينظر العقل الغربي الليبرالي إلى الأصولية (خاصة الإسلامية) بوصفها نقيضاً للحداثة. في مخايلهم، أن «الأصل» يمثل الماضي المظلم، و»العقل» يمثل المستقبل المشرق.

من هنا ينطلق الغرب في محاولاته لتغيير المناهج التعليمية في الشرق؛ لزحزحة قناعة الشعوب بأن «النقل أولى من العقل». هم يرون في هذا المبدأ عائقاً أمام «التحديث» (الذي هو في الحقيقة «تغريب»).

إن القول بأن اليقين العلمي يُبنى على الفكر الأصولي هو قول يرتكز على حقيقة أن العلم لا يبدأ من الفراغ. العلم الذي لا «أصل» له هو علم مضطرب لا مصداقية له.في الفيزياء والكيمياء، نحن نمارس «أصولية علمية» بامتياز. اليقين في العلم يُبنى على ثوابت (بـ المُسلمات أو البديهيات) لا تقبل الجدل،. هي حجر الزاوية في بناء أي نظام فكري أو علمي، وهي الرابط الجوهري الذي يجمع بين «الفكر الأصولي» والعلوم التجريبية. قوانين المادة والحركة والرياضيات هي «أصول» العلم. في المعمل، لا نُصدق أي نتيجة إلا إذا كانت تمتلك «سنداً» من التجربة المتكررة والبرهان القاطع. هذا هو «علم الرجال» في المختبر؛ حيث نتحقق من نزاهة الأدوات ودقة الملاحظة (المصداقية).

أخيراً، الفكر الأصولي يمثل «المقاومة الثقافية» ضد الاستعمار الحديث. فمن خلال الاعتزاز بالمرجعية (سواء كانت دينية كالسلفية في صفائها، أو فكرية قومية)، تمتلك الشعوب القدرة على رفض التبعية العمياء للغرب. إنها عودة للذات ترفض أن يكون «الآخر» هو المرجع الوحيد للحقيقة، مما يفتح الباب لنهضة حقيقية تنبت من التربة الوطنية وتتغذى من جذورها العميقة.

اقرأ المزيد

alsharq لا تستصغروا لغتنا العربية

صراحة بت لا أعرف لم أقع في مواقف تثبت لي في كل مرة أن وضع اللغة العربية يزداد... اقرأ المزيد

129

| 11 يناير 2026

alsharq صناعة التفاهة

ليست الرويبضة حادثة اجتماعية عابرة، ولا زلة في مسار زمن مستقيم، بل هي مرحلة حضارية كاملة، لها شروطها... اقرأ المزيد

180

| 11 يناير 2026

alsharq فنزويلا كنموذج لحروب العصر السيبراني

لم تكن عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته مجرّد حدث أمني صادم أو اقتحام عسكري تقليدي، بل... اقرأ المزيد

99

| 11 يناير 2026

مساحة إعلانية