رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

216

د. أحمد المحمدي

صناعة التفاهة

11 يناير 2026 , 01:54ص

ليست الرويبضة حادثة اجتماعية عابرة، ولا زلة في مسار زمن مستقيم، بل هي مرحلة حضارية كاملة، لها شروطها وسياقها ومقدماتها.

فالمجتمعات لا تسقط أخلاقيا دفعة واحدة، وإنما تتآكل من الداخل ببطء شديد، عبر مسار طويل يبدأ بإضعاف المعايير، ثم بتجريد القيم من سلطانها، ثم بنزع الهيبة عنها، ثم بتقديمها بوصفها وجهة نظر، ثم بالسخرية منها، ثم في المرحلة الأخيرة بإقصائها بوصفها تخلفا أو عبئا على التطور. وعند هذه النقطة تحديدا، يستدعى الرويبضة ليملأ الفراغ!الرويبضة لا يصعد صدفة، ولا يفرض نفسه قهرا، بل يفسح له المجال لأن الزمن في تلك اللحظة يحتاجه؛ فهو ابن عصر لا يحتمل الميزان، ولا يصبر على الحقائق الثقيلة، ولا يريد من يذكره بالحدود والواجبات، بل من يمنحه مخرجا أخلاقيا لانحداره، وتبريرا لغريزته، وتسويغا لسقوطه.

الرويبضة لا يزعج الضمير، بل يسكنه، ولا يوقظ العقل، بل يخدره؛ ولهذا جاء التعبير النبوي بالغ الدقة، فلم يقل: يظهر الرويبضة، ولا يكثر الرويبضة، بل قال: وينطق فيها الرويبضة، أي يؤذن له بالكلام، ويستدعى إلى المنصة، وينتظر رأيه، ويقدم بوصفه ممثلا عن الناس، وربما ناطقا باسم الوعي الجديد.

وهنا جوهر التحذير: ليس في وجود التافه، فالتفاهة وجدت في كل عصر، بل في تمكينه من الكلام في أمر العامة، أي في مصير المجتمع وقيمه وأخلاقه واتجاهاته الكبرى، لا في شأنه الخاص ولا في هامش الحياة. فحين يصبح التافه مرجعا، تختل البوصلة، لا لأنه شرير بالضرورة، بل لأنه غير مؤهل.

صناعة التفاهة: حين يصبح الانحطاط وظيفة

في عصرنا، لم تعد التفاهة خللا عارضا، ولا ظاهرة هامشية، بل تحولت إلى صناعة مكتملة الأركان. تنتج المقاطع بدقة، وتختار العناوين بعناية، ويصمم المحتوى ليصدم لا ليصلح، وليستفز لا ليبني، وليكسر الحواجز النفسية لا ليوقظ الضمير. يعاد تقديم العقوق أو الفاحشة أو الانحراف، لا بوصفها آفات تحتاج إلى علاج، بل بوصفها قصصا إنسانية، أو تجارب شخصية، أو واقعا لابد من تقبله.

والخطر هنا لا يكمن في الفعل ذاته فقط، بل في تداوله وتكراره وتطبيعه، حتى يفقد المجتمع حساسيته الأخلاقية، فلا يعود القبيح قبيحا، بل مألوفا، ولا يعود المنكر منكرا، بل حرية. ومع التكرار، يتبلد الوجدان، وتعاد صياغة الذائقة، ويقاس الصواب لا بالحق، بل بعدد المشاهدات.

انزواء العقلاء: حين يصير الصمت فضيلة مرة

في هذا المشهد الصاخب، لا يقصى العقلاء بالقمع، ولا تكمم أفواههم بالقوة، بل يقصون بالتهميش. يغرق الضجيج صوت الحكمة، ويتهم صاحب المبدأ بالوعظ، ويوصف الثابت بالتشدد، ويسخر من العاقل لأنه لا يجيد الإثارة. فيختار كثير من أهل القيم الصمت، لا عجزا، بل اشمئزازا من سوق يقاس فيه الحق بعدد الإعجابات.

غير أن هذا الصمت، على وجاهته النفسية، يترك فراغا، والفراغ لا يبقى طويلا، بل تملؤه الرويبضة. فحيث يغيب الصوت الرصين، يعلو الصوت السطحي، وحيث تنسحب المرجعية، يتصدر الجهل.

انقلاب القدوة: حين يقدم السفه نموذجا

المجتمع لا يعيش بلا قدوات. فإذا غابت القدوة الصالحة، صنعت قدوة زائفة.

وحين يرى الجيل أن الشهرة تنال بالوقاحة، وأن الانتشار يكافأ بالعقوق، وأن السفه طريق مختصر للنجاح، فإن الرسالة التربوية تبث بلا معلم ولا منهج.

وهكذا يتحول الانحراف من سلوك مرفوض إلى نموذج يحتفى به، ويصبح السفيه واجهة، لا استثناء. فإذا تصدر السفهاء، لم يعد الفساد فرديا، بل منهجيا، ولم يعد الانحراف طارئا، بل سياسة ثقافية.

الرويبضة ليس أصل الداء، بل آخر أعراضه. فلا يقاوم بالسخرية، ولا بالانسحاب، بل بإعادة الاعتبار للقيمة، وبإحياء المرجعية، وبفضح التفاهة بوصفها مشروعا هادما، لا مجرد تسلية بريئة.

وفي زمن يكافأ فيه السفه، يصبح الثبات على المبدأ مقاومة.

وفي زمن ينطق فيه الرويبضة، يصبح العقل موقفا أخلاقيا.

وسيظل أهل المبادئ غرباء، غربة حق لا غربة ضعف، وشهادة على أن القيم وإن حوربت؛ لا تموت.

مساحة إعلانية