رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان محمد بن عبد الله –عليه الصلاة والسلام– قبل البعثة، رجلاً محبوباً في مكة، وكان موضع تقدير واحترام من الجميع، الأطفال والنساء، والسادة، والعبيد، وغيرهم. واشتهر بالصادق الأمين.. وفجأة تغيرت النظرة إليه بعد انتشار خبر الرسالة، فتغيرت النظرة إليه سريعاً، وتغيرت كل الألقاب والأوصاف التي أطلقها القرشيون أنفسهم عليه، فصار هو الكاذب، الساحر، المبتدع، المفرّق بين الأب وابنه، والزوج وزوجه، وهكذا، لماذا؟ لأنه أحدث انقلاباً عظيماً في أم القرى وما حولها. انقلاباً في المفاهيم، والمعتقدات، والأخلاقيات، والسلوكيات، وغيرها كثير كثير، فكان من الطبيعي أن تتغير النظرة القرشية إليه –صلى الله عليه وسلم.
ما إن علمت السيدة خديجة بخبر الرسالة، حتى أسرعت إلى ورقة بن نوفل، أحد الخمسة الذين بقوا على الملة الحنيفية، أو دين إبراهيم، بعد أن درس وتمكن من الإنجيل والتوراة، فأخبرته بحدث غار حراء ونزول جبريل على زوجها، فاستبشر ورقة وقال: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده، إن كنتِ أصدقتِني يا خديجة، فلقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي لموسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له: فليثبت. ثم رجعت السيدة خديجة –رضي الله عنها- إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته بقول ورقة.
خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم– بعد تلك الحادثة بقليل ليطوف بالبيت، فلقيه ورقة فقال: يا ابن أخي: أخبرني بما رأيت وسمعت. فأخبره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال ورقة: «والذي نفسُ ورقة بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي كان يأتي لموسى، ولتكذّبنّه، ولتؤذَينّه، ولتُخْرجنّه ولتُقاتلنّه، ولئن أدركت ذلك اليوم، لأنصرن الله نصراً يعلمه». ثم دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل رأسه.
يذكر رواة السير عبارة (ثم لم ينشب ورقة أن توفي قبل أن يظهر الإسلام ). أي لم يلبث طويلاً، وكأنما الله سبحانه، أبقى ورقة طوال هذه السنوات ليقول تلك الكلمات القليلة لرسول الله، وينتهي دوره عند ذلك.
التكذيب الإعلامي
تكاد تكون السيرة النبوية محصورة بين كلمات أربع، هي التي ذكرها ورقة بن نوفل للنبي الكريم –صلى الله عليه وسلم– حين قال له:».. ولتكذّبنّه، ولتؤذَينّه، ولتُخْرجنّه ولتُقاتلنّه..». التكذيب، الإيذاء، الطرد، القتال. هذا تماماً ما جرى للحبيب وصحبه.
على رغم أن الدعوة بدأت سرية وعلى نطاق ضيق جداً، على عادة الدعوات الإصلاحية في أي مجتمع وثني أو فاسد، إلا أن التوتر كان قد بدأ يسود بيوت مكة، لاسيما زعماءها وسادتها. فلما بدأت الدعوة الجهرية، دخل النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم– مجال الكلمة الأولى وهي التكذيب. إذ بدأت الوسائل الإعلامية لقريش، كما هو حاصل اليوم في كثير من الأقطار، بتكذيب ما يصدر عن النبي وصحبه، على رغم قناعاتهم الداخلية أنه يقول الحق، لكنهم وجدوه عاملاً مهدداً لمصالحهم القريبة والبعيدة، فلابد إذن أن تعمل قريش لتكذيب النبي والتشويش على الآخرين، وتولى كبيرهم النضر بن الحارث مسألة نشر التكذيب بعد كل جلسة دعوة للنبي الكريم مع الناس، فكانت مهمة النضر أن يدعو نفس الأشخاص إليه، يحدثهم بالأساطير وقصص الأولين، ظناً منه أن أحاديث المصطفى –صلى الله عليه وسلم– والآيات القرآنية التي كان يتلوها، ليست سوى أساطير الأولين، وأنه بالمثل يحفظ منها الكثير الكثير.
الإيذاء النفسي والبدني
لم تجد محاولات التكذيب القرشية للرسالة المحمدية نفعاً، فتحولت قريش إلى المرحلة الثانية كما قال ورقة، مرحلة الإيذاء النفسي والبدني للرسول الكريم وأصحابه الكرام. تفنن القرشيون في ابتكار وسائل التعذيب، لاسيما مع ضعفاء وفقراء المسلمين، وامتلأت زنازين الطغاة بالمصلحين من أصحاب رسول الله، واشتد التعذيب بصورة لم يجد الرسول الكريم من بد، سوى التفكير بالخروج من مكة تدريجياً والحفاظ على الثلة المؤمنة، فكانت المرحلة الثالثة، وهي الطرد أو الإخراج أو النفي من البلد، على رغم أن مكة هي وطن الجميع، ليس لأحد الحق أن يطرد مواطن من بلده، لمجرد الاختلاف معه في عقيدة أو فكر أو رأي. وهذا الذي حصل.
اللجوء السياسي
ترك المسلمون أموالهم وبيوتهم وما يملكونه في مكة، هجرة إلى الله وحفاظاً على دينهم، وتحولوا إلى شعب يطلب اللجوء السياسي، وضيوفاً على شعب آخر هم شعب يثرب التي صارت المدينة المنورة بعد ذلك، والتي لم تكن بالثراء والسعة التي يمكنها استقبال شعب كامل لاجئ، خاصة أن النسيج المجتمعي في المدينة لم يكن بذاك النسيج المتحد المتعاضد، بل قبائل متناحرة وعلى رأسها الأوس والخزرج، وقبائل يهودية أخرى في المدينة وما حولها.. ولكن أبدى الأنصار مع ذلك، موقفاً مشرفاً مع المهاجرين، حفظه لهم التاريخ إلى يوم الدين.
لم يكن الأمر بالسهولة التي نكتب عنها. فأن تهاجر إلى بلد آخر وأنت مطارد خائف لا تملك شيئاً، ثم تحل ضيفاً على أهلها، لا تدري كم مدة مكثِك وبقائِك معهم، هو أمر يمكن تصور حدوثه لبعض الوقت، لكن ليس كل الوقت، ولن ندخل في كثير من التفاصيل. لكن من فضل الله أن ألّف بين قلوب المهاجرين والأنصار، على رغم محاولات اليهود والمنافقين، خلخلة ذاك التكاتف وتلك المؤاخاة غير المسبوقة في التاريخ.
الإيذاء عابر الحدود
لم يكتف القرشيون بطرد المسلمين من وطنهم، والحجز على ممتلكاتهم ومصادرتها أو الاستيلاء عليها، بل بدأوا في وضع خطط إرسال الأذى إليهم خارج الحدود، ومحاولة إعادتهم إلى ديارهم، ليقينهم أن طرد المسلمين من وطنهم، وفيهم الأب والابن والزوج والزوجة، كان عملاً متهوراً غير مدروس منذ البداية، إنما كان مسايرة لأهواء وأمزجة بعض الزعماء السفهاء بينهم، الذين فجروا في خصومتهم، فأيقنوا أن طردهم كان بمثابة مكافأة لهم، ووجودهم خارج مكة هو الخطر ذاته.
في يقين القرشيين، أنه كان من الممكن التحكم والسيطرة على أهاليهم من المسلمين بصورة وأخرى وهم داخل الوطن، لكن مع خروجهم جميعاً، وحصولهم على داعم خارجي وحضانة شعبية من بلد آخر، سيعمل على تقوية شوكتهم، وستكون المسائل بعد ذلك غاية في التعقيد، وهذا ما حصل تماماً.
كان من نتائج إرسال الأذى للمسلمين حتى وهم خارج مكة، أن بدأت مرحلة القتال، بدر وأُحد والخندق، وما بينهما من تحرشات عسكرية بين الحين والحين، حتى تمكن المسلمون من السيطرة على الأوضاع، خاصة بعد هزيمة الأحزاب التي قال بعدها النبي الكريم –صلى الله عليه وسلم -: «الآن نغـزوهم ولا يغزونا «. إشارة إلى القوة والتمكن التي سيكون عليها المسلمون بعد حين من الدهر قصير، تكون لهم المبادرة في إظهار القوة والسيطرة وهذا ما تترجم عملياً في النهاية بفتح مكة.
السيرة النبوية الشريفة تكرار لسير الأنبياء والمرسلين. ستجد أن كلمات ورقة بن نوفل الأربع للنبي الكريم –صلى الله عليه وسلم– هي نفسها تتكرر.. التكذيب، والإيذاء، والتهجير، والقتال بصور مختلفة. وهذا شأن الطغاة والفراعنة مع المصلحين في كل زمان ومكان، الذين لا يرون بأساً أبداً في التعايش مع الصالحين، ولكن ليس المصلحين، والبون بينهما شاسع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11643
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8679
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3717
| 22 أكتوبر 2026