رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. هلا السعيد

مساحة إعلانية

مقالات

483

د. هلا السعيد

حين لا يكذب الإعلام... لكنه يغيّر مفهوم الحقيقة

03 أغسطس 2026 , 11:27م

كثيرًا ما أتساءل وأنا أتابع نشرة أخبار، أو أقرأ تقريرًا صحفيًا، أو أشاهد محتوى متداولًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي: هل ما يصلني هو الحقيقة كاملة؟ أم أنني أرى جزءًا منها فقط؟ هذا السؤال لا يعني أن كل ما يُعرض علينا غير صحيح، لكنه يدفعني للتفكير في الطريقة التي تُقدَّم بها المعلومات، لأن الحقيقة أحيانًا لا تتغير، لكن طريقة عرضها قد تغيّر فهمنا لها.

الإعلام لا يحتاج دائمًا إلى أن يكذب حتى يؤثر فينا، فقد يكتفي باختيار زاوية معينة لعرض الحدث أو المعلومة. قد ينقل حقائق صحيحة، لكنه يسلط الضوء على جانب واحد منها، بينما تبقى جوانب أخرى خارج المشهد. وهنا لا تكون المشكلة في صحة المعلومة، بل في كيفية تقديمها، وما يتم التركيز عليه، وما يتم إغفاله.

فعندما نقرأ خبرًا عن حدث معين، أو نسمع إحصائية تتعلق بقضية اجتماعية أو اقتصادية، قد تكون المعلومات صحيحة، لكن السؤال يبقى: هل نعرف الصورة كاملة؟ وما السياق الذي جاءت فيه هذه الأرقام؟ وهل توجد بيانات أو آراء أخرى تساعد على فهمها بصورة أشمل؟ أحيانًا تكفي معلومة صحيحة لكنها ناقصة لتكوين انطباع مختلف لدى المتلقي.

كما أن الكلمات لها تأثير كبير في تشكيل نظرتنا للأحداث. فاختيار وصف معين قد يجعلنا نرى القضية بطريقة إيجابية أو سلبية. وهناك فرق بين أن يُقال “تطور مهم” أو “تحول جذري”، وبين أن يُوصف موقف ما بأنه “أزمة” أو “تحدٍ”. في جميع الأحوال قد تبقى الوقائع كما هي، لكن اللغة المستخدمة تصنع انطباعات مختلفة وتؤثر في طريقة استقبالنا للمعلومة.

ولا يقتصر الأمر على الكلمات، بل يشمل أيضًا العناوين، والصور، وترتيب الأخبار. فقد يجعلنا عنوان معين نكوّن فكرة مسبقة قبل قراءة التفاصيل، وقد يؤدي تقديم خبر في مقدمة النشرة إلى منحه أهمية أكبر من أخبار أخرى لا تقل عنه قيمة. وأحيانًا تكون المعلومة الأولى التي تصل إلينا هي الأكثر رسوخًا في أذهاننا، حتى وإن ظهرت لاحقًا تفاصيل تضيف إليها أو تعدّلها.

ومن الأمور التي تستحق التأمل أن الإنسان بطبيعته يميل إلى تصديق الرسائل التي تُقدَّم بصورة جذابة ومنظمة. فالصورة المؤثرة، والمقطع القصير، والعبارة المختصرة قد تترك أثرًا يفوق أثر الحقائق المجردة أو التقارير المطولة. ولهذا أصبح الإعلام الحديث يعتمد على أساليب العرض التي تستقطب الانتباه وتثير التفاعل، وهو ما يزيد من مسؤولية المتلقي في التحقق والتفكير قبل إصدار الأحكام.

ومن الأساليب التي قد تؤثر في فهمنا للحقيقة التركيز على الحالات الفردية أو الأمثلة الاستثنائية. فقد تُعرض قصة واحدة مؤثرة على أنها تمثل واقعًا عامًا، بينما تكون في الحقيقة حالة خاصة لا تعكس الصورة الكاملة. لذلك من المهم أن نميز بين المثال الذي يوضح قضية معينة، وبين المثال الذي قد يُستخدم لتكوين انطباع لا يستند إلى الواقع بأكمله.

وهذا لا يعني أن وسائل الإعلام تهدف إلى تضليل الناس، فهناك الكثير من المؤسسات الإعلامية التي تلتزم بالمهنية، وتسعى إلى نقل المعلومات بدقة وموضوعية. لكن في عصر تتدفق فيه الأخبار بسرعة هائلة، وتتنافس فيه المنصات على جذب الانتباه، أصبح من الضروري أن يمتلك المتلقي مهارة التفكير النقدي، وأن يبحث عن أكثر من مصدر، وألا يكتفي بما يراه أو يسمعه للمرة الأولى.

ربما لا يكون أخطر ما يواجهنا هو الكذب الواضح، بل أن نرى جزءًا من الحقيقة ونعتقد أننا رأيناها كاملة. لذلك من المفيد أن نسأل دائمًا: لماذا اختير هذا العنوان؟ ولماذا جرى التركيز على هذه الزاوية دون غيرها؟ وما المعلومات أو الآراء التي لم تُذكر؟

في النهاية، الحقيقة لا تتغير دائمًا، لكن الطريقة التي يعرض بها الإعلام الأحداث قد تؤثر في الطريقة التي نفهمها بها. وبين ما يُقال وما يصل إلينا، تبقى مساحة تحتاج إلى وعي، وتأمل، وتحقق، حتى نقترب من الصورة الكاملة. فالمتلقي الواعي لا يرفض كل ما يسمعه، ولا يصدق كل ما يراه، بل يبحث دائمًا عن المعرفة المتوازنة قبل أن يكوّن رأيه.

مساحة إعلانية