رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محليات

10104

القرضاوي: حرمة الرضاع تثبت بين زوج المرضعة والرضيع ذكرا أو أنثى

23 يونيو 2016 , 12:46م
alsharq
الدوحة - الشرق

الكتاب: فقه الأسرة وقضايا المرأة

المؤلف: د. يوسف القرضاوي

الحلقة : التاسعة عشر

الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أَولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته، وقد جعل القرآن تكوين الأسر سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به، ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21).. فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل؛ يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه. وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معاً، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعِّبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم واحتفالات الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات.. ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك".. "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض".

والزواج إذ يُيَسِّر أسباب الحلال يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن. وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228).

ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35).

الرضاع من جهة زوج المرضعة أو ما يسمى (لبن الفحل):

أجمعت الأمة على ثبوت محرمية الرضاع بين الرضيع- ذكرًا كان أو أنثى- وبين مرضعته، إذا تحقق الرضاع بأوصافه وشروطه في مدته الموقوتة، فهي تصير له أمًّا، ويصير ابنها، وبهذه البنوة الرضاعية يحرم عليه زواجها حرمة مؤبَّدة، ويحل له النظر إليها، والخلوة بها، والمسافَرة بها، ولكن لا تترتب على هذه البنوة الرضاعية أحكام الأمومة من كل وجه، فلا يتوارثان، ولا يتحمل الدية عنها، ولا يسقط عنها القصاص لو قتلته.. إلخ، فهما كالأجنبيَّيْن في هذه الأحكام .

وأجمعت الأمة كذلك على انتشار المحرمية بين المرضعة وأولاد الرضيع، وبين الرضيع وأولاد المرضعة، وأنه من ذلك كولدها من النسب .

وأما زوج المرأة المرضعة- الذي كان اللبن بسبب حملها وولادتها منه- ففي شأنه خلاف كبير وقديم منذ عهد الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ومَنْ بعدهم، وهي المسألة التي يعبِّرون عنها في الفقه بعنوان (لبن الفحل)، أي: لبن الرجل الذي منه كان الحمل والولادة، وبالتالي الإرضاع: هل تثبت الحرمة من جهته، وتنتشر كما ثبتت وانتشرت من جهة المرأة أو لا؟

في هذه القضية أربعة مذاهب، ترويها كتب الآثار والفقه المقارن:

1ـ مذهب من يحرِّم بلبن الفحل:

مذهب الأئمة الأربعة، بل المذاهب الثمانية المعروفة (الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، والظاهري، والزيدي والجعفري والإباضي): أن حرمة الرضاع تثبت بين زوج المرضعة وبين الرضيع- ذكرا كان أو أنثى- ويصير ولدا له، ويصير أولاد الرجل إخوة وأخوات للرضيع، ويكون إخوة الرجل أعمامًا للرضيع، وأخواته عماته، ويكون أولاد الرضيع أولاد ولد الرجل.. وهكذا.

ودليل هؤلاء، ما رواه الشيخان- واللفظ لمسلم- عن عائشة أم المؤمنين أنها أخبرت عروة بن الزبير: أنه جاء أفلح أخو أبي القُعَيْس يستأذن عليها، بعدما نزل الحجاب، وكان أبو القُعَيس أبا عائشة من الرضاعة. قالت عائشة: والله لا آذَنُ لأفلح حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أبا القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته! قالت عائشة: فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله، إن أفلح أخا أبي القعيس جاءني يستأذن عليَّ، فكرهت أن آذن له حتى أستأذنك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ائذني له". قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرِّموا من الرضاعة ما تحرمون من النسب.

وفي رواية أخرى لمسلم: قالت: استأذن عليَّ أفلح بن قعيس، فأبيتُ أن آذن له. فأرسل: إني عمُّك، أرضعَتْك امرأةُ أخي. فأبيت أن آذن له، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال: "ليدخل عليك؛ فإنه عمك".

وفي رواية: "فإنه عمُّك، تربت يمينك".

وفي أخرى: فقال لها: "لا تحتجبي منه؛ فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".

والحديث برواياته كلها صريح في المطلوب؛ لأنه أثبت العمومة من طريق الرجل زوج المرضعة، وهي فرع عن ثبوت أبوته للرضيع، وبنوَّة الرضيع له.

يؤيِّد هذا الحديث عموم حديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".

2ـ مذهب من قال: لبنُ الفحل لا يحرم:

والمذهب الثاني في هذه المسألة، على عكس المذهب الأول، فهو لا يرى بلبن الفحل بأسًا، ولا يرى التحريم به بحال، وهو مذهب عدد كبير من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، وسنعرض بعد ذكر المذهبَيْن الآخرَيْن للقائلين بهذا المذهب وأدلتهم بتفصيل.

3ـ مذهب من يرى كراهية لبن الفحل:

وهناك من الفقهاء من وقف موقفًا وسطًا بين من لم ير بلبن الفحل أي بأس، وبين من رآه محرِّما. فلم يقل بالإباحة المطلقة، ولا بالتحريم المطلق، بل قال بالكراهة فقط.

ذكر ابن حزم في (المحلى) بالسند إلى مجاهد: أنه كره لبن الفحل. وذكر أيضا من طريق سعيد بن منصور وأبي عبيد بسندهما إلى عبد الله بن سبرة الهمداني أنه سمع الشعبي يكره لبن الفحل.

4ـ مذهب المتوقِّفين في المسألة:

وهناك مذهب رابع لبعض الفقهاء، أنهم توقَّفوا في المسألة، ولم يُفتوا فيها برأي، حيث تعارضت عندهم الأدلة، ولم يوجد أمامهم مرجِّح.

فقد روى سعيد بن منصور بسنده إلى عبَّاد بن منصور، قال: سألت مجاهدا عن جارية من عُرْض الناس (أي: من العامة) أرضعتها امرأة أبي، أترى لي أن أتزوجها؟ فقال: اختلف فيها الفقهاء، فلست أقول شيئًا. (وهذه رواية أخرى غير الرواية التي نسبت إليه القول بالكراهة). قال: وسألت ابن سيرين، فقال مثل قول مجاهد.

وهذا هو موقف الفقيه المتثبِّت حين تتعارض في نظره الدلائل، ولا يجد أمامه سبيلًا للتوفيق، أو الترجيح بينها. فهنا لا يسعه إلا التوقُّف، وقول: (لا أدري)، ومن قال: لا أدري فقد أجاب.

والآن نعود لتفصيل القول في المذهب الثاني.

تفصيل مذهب من قال: لا بأس بلبن الفحل:

ذهب جمٌّع غفير من الصحابة وأمهات المؤمنين والتابعين ومَن بعدهم مِن الفقهاء إلى أن لبن الفحل لا يحرِّم.

فمن الصحابة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ورافع بن خديج، وزينب بنت أم سلمة، بل عائشة نفسها راوية حديث أفلح أخي أبي القعيس، وغيرهم من الصحابة.

ومن التابعين: القاسم بن محمد بن أبي بكر ابن أخي عائشة وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن يسار، وسليمان بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة، وإبراهيم النخعي، وأبو قلابة، ومكحول، والشعبي، وإياس بن معاوية، وربيعة بن عبد الرحمن (ربيعة الرأي شيخ مالك)، وإبراهيم بن عُلَيَّة، وابن بنت الشافعي، وداود الظاهري وأتباعه، والشافعي في قول قديم له( ).

وحجتهم في ذلك أولًا: مفهوم قوله تعالى في بيان المحرمات في النكاح بعد ذكر المحرمات من جهة النسب- الأمهات والبنات والأخوات.. إلخ-: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ}[النساء:23] ولم يذكر العمة ولا البنت وغيرهما كما ذكر في النسب، فدل تخصيصهن بالذكر على أن من عداهن- ممن يُدلي بجهة غير جهة الأم- بخلافهن.

اقرأ المزيد

alsharq قطر تعرب عن أسفها البالغ لتعرض مبنى سفارتها لدى أوكرانيا لأضرار جراء قصف العاصمة كييف

أعربت دولة قطر عن أسفها البالغ لتعرض مبنى سفارتها لدى أوكرانيا لأضرار جراء قصف العاصمة كييف الليلة الماضية... اقرأ المزيد

1064

| 09 يناير 2026

alsharq قطر الأولى خليجياً وعربياً في جودة الرعاية الصحية

احتلت دولة قطر المرتبة الأولى خليجياً وعربياً وفق مؤشر الرعاية الصحية الصادر عن نامبيو لعام 2026، كما حلت... اقرأ المزيد

356

| 09 يناير 2026

alsharq مركز النور للمكفوفين يدشن جدارية برايل التفاعلية في ساحة M7 بمشيرب

دشّن مركز النور للمكفوفين، أحد المراكز التابعة للمؤسسة القطرية للعمل الاجتماعي، جدارية برايل التفاعلية في ساحة M7 بمنطقة... اقرأ المزيد

86

| 09 يناير 2026

مساحة إعلانية