رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعم هذا هو واقع الحال، والإشارة وردت على لسان السفير السعودي ثامر السبهان في لقاء له مع قناة فضائية عراقية، حقيقة، العرب السنة ليسوا غاضبين على السعودية فحسب لكنهم غاضبون على عموم العرب مع بعض الاستثناء، وإجابة السفير كانت ردا على اتهام النخبة الموالية لإيران للسعودية بأنها لم تكف عن التدخل في الشأن الداخلي العراقي لصالح السنة في العراق وهو خلاف الواقع، ولو كان قد حصل ما غضب السنة، لكنه باختصار لم يحصل إطلاقا. وبدلا عن ذلك واظبت السعودية على الوقوف عند مسافة واحدة من جميع المكونات الاجتماعية رغم تبدل الظروف والأحوال.
لم يبن السفير إن كان الغضب في محله، وله مسوغاته أم لا؟ وأجيب شخصيا بالنيابة عنه أن الغضب كان في محله وهو تحصيل حاصل لموقف عام لم يكن مناسبا في تصورنا للظرف السائد في أي حال من الأحوال. لكن المملكة كغيرها من الدول لديها رؤيتها ومصالحها وهي تتصرف بناء على ذلك وليس بالضرورة بناء على تطلعات مكون كان ينتظر موقفا مغايرا.
اختار أغلب العرب الجلوس على التل ومراقبة المشهد المحزن عن بعد حتى بالنسبة للدول التي تبادلت التمثيل الدبلوماسي مع العراق، ولكل أسبابه ومبرراته، ورغم أن النخبة الحاكمة كانت ظاهريا تشجع على تبادل التمثيل الدبلوماسي مع الدول العربية فإن نظرة الشك والعداء للعرب لم تتغير، والكل يتذكر حادثة اختطاف وقتل السفير المصري المغفور له إيهاب الشريف عام 2005 وحديثا ردة الفعل المتشنجة للنخبة الحاكمة الموالية لإيران على تصريحات السفير في اللقاء المذكور، رغم تأكيده بأن توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان قضت بأن ينظر السفير لجميع العراقيين بعين واحدة وقلب واحد وعقل واحد. وهو نفس الموقف الذي لمسته شخصيا من خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي اختار ألا يكون للمملكة من دور أو تأثير على مجرى الأحداث في فترة ما بعد غزو العراق، والسبب كما قال لي رحمه الله وغفر له في لقاء معه على انفراد في قصر الجنادرية عام 2010 أنه يريد للملكة دورا لكن بعين الوقت لا يجر على المملكة أي اتهامات أو شبهات بأنها تعمل لصالح هذا المكون أو ذاك، وهذا المطلب بعيد المنال إذ سينظر للمملكة مهما اجتهدت أن تكون محايدة بأنها متحيزة للعرب السنة لهذا اخترنا عدم التدخل. أجبته (نحن لا نبغي إحراجكم ولا نحملكم فوق ما لا تقدرون عليه إنما نتطلع إلى مساعدتنا في ردع الآخرين ومنعهم من التدخل) وأضفت (سياسة الباب المسدود على العراق تضرنا ولا تفيدنا ونأمل أن تعيدوا النظر بها وإعادة العلاقات الدبلوماسية هي خطوة نتطلع إليها ونشجعها رغم أوضاعنا الصعبة، المملكة لا يمكن أن تغيب عن الساحة....وهذا الغياب لا يصب في صالح أحد) أجاب رحمه الله (لن تفتح المملكة سفارتها في بغداد بعد أن كذب علينا نوري المالكي ونقض جميع تعهداته) فوجئت بهذا الرد لكني علقت (ربما حصل سوء فهم فيما طرحه المالكي أو تعهد به في حواره معكم) أجاب (لم يكن هناك مجال لسوء الفهم وما عرضه نوري المالكي كان تعهدا مكتوبا حول إدارة العراق وتحقيق العدل والمساواة بين العراقيين جميعا وألا يسمح لدولة ما بالتدخل في شؤون العراق الداخلية، لكنه كذب علينا ونكل بالتزاماته ولذلك المملكة لن تعيد فتح سفارتها طالما بقي موجودا في السلطة.) استرسل المغفور له بإذن الله تعالى قائلا (العراق بلد عشائري وهو ملك للجميع، فيه شيعة وفيه سنة وفيه أكراد وتركمان ومسيحيون ومسلمون....الخ والمملكة لا ترغب أن تكون بجانب طرف ضد طرف بل نريد لكم العيش كأخوة في بلد واحد ولا تسمحوا بأن يتدخل أحد بينكم ونحن مستعدون أن نساعدكم على ذلك) علقت قائلا (أتمنى أن يسمع نوري المالكي والزمرة الحاكمة هذا الموقف النبيل وهو يتهمنا ويتهم المملكة بالطائفية والإرهاب صباح مساء) وأضفت (مع الأسف هذا الموقف النبيل من جانبكم لن يغير من موقف بغداد منكم أو منا لأن موقفهم مغرض...هم يتهمون المملكة أنها وراء تفشي العنف والإرهاب ونحن ضالعون في ذلك أي إرهابيون...)...عدت إلى بغداد لأفاجأ بنوري المالكي وقد علق لافتات ضخمة على محيط ساحة التحرير أكبر ساحات بغداد مطبوع عليها صورتي إلى جنب صورة الملك عبد الله وبيننا العلم الإسرائيلي!! أرسلت نسخة من هذه الصور للمملكة تأكيدا لكلامي، بأن مجرد وقوفهم على الحياد دون تدخل لن ينقذهم من سوء الظن والاتهامات الباطلة. وللتأريخ أقول إن المملكة ليست فقط لم تتدخل بل كانت سباقة لإغاثة العراقيين منذ الأيام الأولى للغزو عندما أرسلت العديد من المستشفيات السيارة المتنقلة عن طريق الأنبار، كما أنها خصصت مليارا وربع دولار لم تستثمر حتى الآن لأغراض الإعمار والخدمات إضافة إلى مساهمتها بنصف مليار دولار عام 2013 خصصت لأغراض الإغاثة عن طريق الأمم المتحدة.....وهناك بالتأكيد الكثير من هذا القبيل. رغم ذلك فقد كانت الأمنيات أن تلعب المملكة دورا في العراق أكبر بكثير مما ذكر، دورا يوازي مكانتها من جهة ويكافئ أهمية العراق الجيوسياسية في المنطقة من جهة أخرى.
شيء من الذاكرة حول حقيقة التدخل السعودي، والحاصل فإن عدم التدخل أغضب العرب السنة لكنه بالتأكيد لم يرض النخبة الموالية لطهران، موقف أغضب الطرفين.
تهيأت فرصتان فريدتان لدور عربي فاعل تمثلت الأولى بمؤتمر القاهرة عام 2005 واتفاقية مكة عام 2006 لكنهما ضاعتا بسبب عظم التحديات في الداخل إلى جانب قصور الجامعة العربية في المتابعة، باستثناء ذلك غاب العرب عن المشهد العراقي، هذه هي الحقيقة، وتركوا فراغا هائلا وظفته إيران لصالحها، وسواء جاء موقف العرب بناء على تفاهمات أو ضغوط دولية، أو قصر نظر وسوء تقدير، أو انعاكسا من مخاوف مزعومة قد تنشأ من عراق قوي، أم لأسباب اقتصادية تتعلق بحصة العراق من النفط الخام في إطار منظمة الأوبك، فإن مآلات هذا الموقف بناء على قراءة موضوعية لتسلسل الأحداث كانت كارثية على المصلحة العربية، وليس على العرب السنة أو عموم العراقيين فحسب.
الموضوع عميق وشائك، لكن الأهم منه هو الحاضر والمستقبل، فإذا كانت الأمة قد قصرت في الماضي بشأن العرق فهل تراها استوعبت الدرس وعقلت وتوكلت لتعويض ما فات وتدارك ما حصل؟؟ شخصيا لا أرى ضياء في نهاية النفق...وكل ما أخشاه عندما تتغير الظروف للأفضل أن تملي علينا وجهات نظر ومشاريع قد لا تصب هي الأخرى في مصلحتنا الوطنية أو العربية لأننا ببساطة لم نقدم البديل بل تقاعسنا عن ترتيب أوضاعنا في المستقبل.
سنة العراق غاضبون....
طارق الهاشمي
نعم هذا هو واقع الحال، والإشارة وردت على لسان السفير السعودي ثامر السبهان في لقاء له مع قناة فضائية عراقية، حقيقة، العرب السنة ليسوا غاضبين على السعودية فحسب لكنهم غاضبون على عموم العرب مع بعض الاستثناء، وإجابة السفير كانت ردا على اتهام النخبة الموالية لإيران للسعودية بأنها لم تكف عن التدخل في الشأن الداخلي العراقي لصالح السنة في العراق وهو خلاف الواقع، ولو كان قد حصل ما غضب السنة، لكنه باختصار لم يحصل إطلاقا. وبدلا عن ذلك واظبت السعودية على الوقوف عند مسافة واحدة من جميع المكونات الاجتماعية رغم تبدل الظروف والأحوال.
لم يبن السفير إن كان الغضب في محله، وله مسوغاته أم لا؟ وأجيب شخصيا بالنيابة عنه أن الغضب كان في محله وهو تحصيل حاصل لموقف عام لم يكن مناسبا في تصورنا للظرف السائد في أي حال من الأحوال. لكن المملكة كغيرها من الدول لديها رؤيتها ومصالحها وهي تتصرف بناء على ذلك وليس بالضرورة بناء على تطلعات مكون كان ينتظر موقفا مغايرا.
اختار أغلب العرب الجلوس على التل ومراقبة المشهد المحزن عن بعد حتى بالنسبة للدول التي تبادلت التمثيل الدبلوماسي مع العراق، ولكل أسبابه ومبرراته، ورغم أن النخبة الحاكمة كانت ظاهريا تشجع على تبادل التمثيل الدبلوماسي مع الدول العربية فإن نظرة الشك والعداء للعرب لم تتغير، والكل يتذكر حادثة اختطاف وقتل السفير المصري المغفور له إيهاب الشريف عام 2005 وحديثا ردة الفعل المتشنجة للنخبة الحاكمة الموالية لإيران على تصريحات السفير في اللقاء المذكور، رغم تأكيده بأن توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان قضت بأن ينظر السفير لجميع العراقيين بعين واحدة وقلب واحد وعقل واحد. وهو نفس الموقف الذي لمسته شخصيا من خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي اختار ألا يكون للمملكة من دور أو تأثير على مجرى الأحداث في فترة ما بعد غزو العراق، والسبب كما قال لي رحمه الله وغفر له في لقاء معه على انفراد في قصر الجنادرية عام 2010 أنه يريد للملكة دورا لكن بعين الوقت لا يجر على المملكة أي اتهامات أو شبهات بأنها تعمل لصالح هذا المكون أو ذاك، وهذا المطلب بعيد المنال إذ سينظر للمملكة مهما اجتهدت أن تكون محايدة بأنها متحيزة للعرب السنة لهذا اخترنا عدم التدخل. أجبته (نحن لا نبغي إحراجكم ولا نحملكم فوق ما لا تقدرون عليه إنما نتطلع إلى مساعدتنا في ردع الآخرين ومنعهم من التدخل) وأضفت (سياسة الباب المسدود على العراق تضرنا ولا تفيدنا ونأمل أن تعيدوا النظر بها وإعادة العلاقات الدبلوماسية هي خطوة نتطلع إليها ونشجعها رغم أوضاعنا الصعبة، المملكة لا يمكن أن تغيب عن الساحة....وهذا الغياب لا يصب في صالح أحد) أجاب رحمه الله (لن تفتح المملكة سفارتها في بغداد بعد أن كذب علينا نوري المالكي ونقض جميع تعهداته) فوجئت بهذا الرد لكني علقت (ربما حصل سوء فهم فيما طرحه المالكي أو تعهد به في حواره معكم) أجاب (لم يكن هناك مجال لسوء الفهم وما عرضه نوري المالكي كان تعهدا مكتوبا حول إدارة العراق وتحقيق العدل والمساواة بين العراقيين جميعا وألا يسمح لدولة ما بالتدخل في شؤون العراق الداخلية، لكنه كذب علينا ونكل بالتزاماته ولذلك المملكة لن تعيد فتح سفارتها طالما بقي موجودا في السلطة.) استرسل المغفور له بإذن الله تعالى قائلا (العراق بلد عشائري وهو ملك للجميع، فيه شيعة وفيه سنة وفيه أكراد وتركمان ومسيحيون ومسلمون....الخ والمملكة لا ترغب أن تكون بجانب طرف ضد طرف بل نريد لكم العيش كأخوة في بلد واحد ولا تسمحوا بأن يتدخل أحد بينكم ونحن مستعدون أن نساعدكم على ذلك) علقت قائلا (أتمنى أن يسمع نوري المالكي والزمرة الحاكمة هذا الموقف النبيل وهو يتهمنا ويتهم المملكة بالطائفية والإرهاب صباح مساء) وأضفت (مع الأسف هذا الموقف النبيل من جانبكم لن يغير من موقف بغداد منكم أو منا لأن موقفهم مغرض...هم يتهمون المملكة أنها وراء تفشي العنف والإرهاب ونحن ضالعون في ذلك أي إرهابيون...)...عدت إلى بغداد لأفاجأ بنوري المالكي وقد علق لافتات ضخمة على محيط ساحة التحرير أكبر ساحات بغداد مطبوع عليها صورتي إلى جنب صورة الملك عبد الله وبيننا العلم الإسرائيلي!! أرسلت نسخة من هذه الصور للمملكة تأكيدا لكلامي، بأن مجرد وقوفهم على الحياد دون تدخل لن ينقذهم من سوء الظن والاتهامات الباطلة. وللتأريخ أقول إن المملكة ليست فقط لم تتدخل بل كانت سباقة لإغاثة العراقيين منذ الأيام الأولى للغزو عندما أرسلت العديد من المستشفيات السيارة المتنقلة عن طريق الأنبار، كما أنها خصصت مليارا وربع دولار لم تستثمر حتى الآن لأغراض الإعمار والخدمات إضافة إلى مساهمتها بنصف مليار دولار عام 2013 خصصت لأغراض الإغاثة عن طريق الأمم المتحدة.....وهناك بالتأكيد الكثير من هذا القبيل. رغم ذلك فقد كانت الأمنيات أن تلعب المملكة دورا في العراق أكبر بكثير مما ذكر، دورا يوازي مكانتها من جهة ويكافئ أهمية العراق الجيوسياسية في المنطقة من جهة أخرى.
شيء من الذاكرة حول حقيقة التدخل السعودي، والحاصل فإن عدم التدخل أغضب العرب السنة لكنه بالتأكيد لم يرض النخبة الموالية لطهران، موقف أغضب الطرفين.
تهيأت فرصتان فريدتان لدور عربي فاعل تمثلت الأولى بمؤتمر القاهرة عام 2005 واتفاقية مكة عام 2006 لكنهما ضاعتا بسبب عظم التحديات في الداخل إلى جانب قصور الجامعة العربية في المتابعة، باستثناء ذلك غاب العرب عن المشهد العراقي، هذه هي الحقيقة، وتركوا فراغا هائلا وظفته إيران لصالحها، وسواء جاء موقف العرب بناء على تفاهمات أو ضغوط دولية، أو قصر نظر وسوء تقدير، أو انعاكسا من مخاوف مزعومة قد تنشأ من عراق قوي، أم لأسباب اقتصادية تتعلق بحصة العراق من النفط الخام في إطار منظمة الأوبك، فإن مآلات هذا الموقف بناء على قراءة موضوعية لتسلسل الأحداث كانت كارثية على المصلحة العربية، وليس على العرب السنة أو عموم العراقيين فحسب.
الموضوع عميق وشائك، لكن الأهم منه هو الحاضر والمستقبل، فإذا كانت الأمة قد قصرت في الماضي بشأن العرق فهل تراها استوعبت الدرس وعقلت وتوكلت لتعويض ما فات وتدارك ما حصل؟؟ شخصيا لا أرى ضياء في نهاية النفق...وكل ما أخشاه عندما تتغير الظروف للأفضل أن تملي علينا وجهات نظر ومشاريع قد لا تصب هي الأخرى في مصلحتنا الوطنية أو العربية لأننا ببساطة لم نقدم البديل بل تقاعسنا عن ترتيب أوضاعنا في المستقبل.
خبرة قطر في مونديال 2026
تنتظر جماهير الساحرة المستديرة مباريات منتخباتها في كأس العالم 2026، وفي ذاكرتها فعاليات أفضل نسخة مونديالية في التاريخ،... اقرأ المزيد
219
| 09 يونيو 2026
دعم مساعي تحقيق السلام الشامل
تعكس المواجهة العسكرية التي جرت بين إسرائيل وإيران خلال الساعات الماضية، مدى هشاشة الوضع في المنطقة، حيث تستمر... اقرأ المزيد
96
| 09 يونيو 2026
انقض غزلك!
ليس بالضرورة أن تكون الخطوب الجسام، أو عاديات الأيام، هي ما يستنزف روح المرء أو ما يقضم من... اقرأ المزيد
168
| 09 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
4971
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2685
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2298
| 02 يونيو 2026