رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مفارقة غريبة حدثت أمس لاحظتها وأنا أتابع البوصات الملونة فبينما تعج القنوات بغثها ورقصها ضاربة روحانيات الأمة في قلبها، وبينما الإغراءات شرسة بنداءات متوالية للاشتراك في مسابقات أرباحها مذهلة، وبينما سوق (البث الهوائي) المبهرج لاه ببضاعته المضروبة، كان هناك بث خاص يقوده المخلصون يحظى بمتابعة رائعة، وإقبال منقطع النظير رغم أنه لم يزن بالعبارة الشهيرة (اتصل الآن) وستحصل على كذا، وستربح كذا، لم يعد ذلك البث الخاص بجوائز ولا هدايا، ولا عطايا، لم يسأل من يربح المليون! بل كان بثا خيرياً مفتوحاً لمن يعطي لا لمن يأخذ، كانت دعوة طيبة مفادها (وسارعوا في الخيرات) واستجاب الناس بطبيعتهم الخيرة، وفطرتهم النبيلة طمعا في الجائزة الكبرى وممن وصفت جوائزه بـ(لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) اندفع الطيبون المواطنون والمقيمون يساندون بتبرعاتهم إخوانهم في سوريا ببذل لافت، ذكر البعض اسمه، واكتفى البعض بفاعل خير، وللمرة المليون نتأكد أن البث يمكن أن يوجه لقيم الخير والتكافل، ولقد قدمت الجمعيات والمؤسسات الخيرية في قطر والداعمة لحملة (الشام) نقطة مضيئة للتكافل الأسمى، ليتألق سباق الخير عبر بث مفتوح في أجمل وأروع صور التراحم.
* في عالمنا العربي الوسيع عندما يذكر رمضان (على طول) يذكر معه الكسل، وتوقف إنجاز المعاملات وكأن رمضان اجازة مدفوعة الأجر يعطي الموظف نفسه فيها الحق في تأجيل عمله وتعطيل مصالح الناس (صايم بقه)! وما دمنا في رمضان أدعو كل من ينام على مكتبه لأنه كان (سهران طول الليل مع المسلسلات الله يعينه! وادعو فريق (تعال باكر) لمراقبة شوارع الدوحة وملاحظة رجال المرور الصائمين الذين يؤدون عملهم تحت درجة حرارة تتجاوز الخمسين من غير (تعال باكر) تصوروا لو أن شرطة المرور عملت بمبدأ (تعال باكر) وتوقفت السيارات في الشوارع وتوقفت شرايين الحياة؟ تصوروا الخباز الواقف أمام حرارة فرنه اللافحة وهو يقول للواحد منا (تعال باكر) ولم نحصل على خبزنا؟ تصوروا لو أن الطبيب قال لمريضه المتوعك بأزمة قلبية (تعال باكر) فلم يأته ابدا لأنه لم يحتمل الانتظار فحملوه (لأبو هامور) وأصبح المرحوم فلان، تصوروا (الطيار) لو قال (تعال باكر مش طايرين النهاردة) لتتعطل مصالح الدنيا كلها! الغريب أن أصحاب المصالح والحاجات اقتنعوا صاغرين بوقف تقديم أي معاملة، أو متابعة أي مصلحة لانهم (عارفين) بأنهم لن يجدوا مبتغاهم، ولن تنجز معاملاتهم لأن المكاتب أيضا قد يهجرها موظفوها الصائمون!
واضح أننا نحتاج لتوعية مستمرة قبل وأثناء رمضان بأن اختصار ساعات العمل في رمضان كاف جدا للصائمين، وأن الصيام نفسه ليس مسوغا للتراخي والتأجيل فجوهر معناه الصوم عن الأكل والمعاصي وليس صياما عن انجاز ما نتقاضى عنه أجراً إلى جانب أنه مصلحة الناس.
* في رمضان، يتوالى الإعلان تلو الإعلان عن أعمال رمضان (السوده) وفيها لقطة (ليسرا) وهي تلبس فستانا أحمر وترقص على الواحدة ونص! واجب أن نقول للست يسرا إن لم تستحي من (رمضان) استحي على شيبتك، نسيتي إنك تجاوزتي الستين يا حاجة؟
* مسلسل (عمر) رضي الله عنه بغض النظر عن كون تجسيد الصحابة يجوز أم لا يجوز فذلك مسؤولية الفقهاء التي لا أتعرض لها إنما اتعرض لنتائج عمل نظيف يثبت أن اجتذاب الناس للمتابعة لا يحتاج مطلقا لسيقان فلانة، ولا رقص فلتانة، ولا عرى سين أو صاد كما اعتادت صناعة الموتورين الذين يسوقون خواءهم، ضروري التحية لعمل محترم عرفت من خلاله ملايين خصال (عمر) الذي وزن الأمة وما يدرينا ما فعل (عمر) القدوة بمتابعيه؟ لماذا لا يتسع الأمل لنأمل بعمر جديد تخاف منه شياطين الجن والأنس الذين لا يستحون؟
* قال الشيبة الطيب في ود صادق، ورأفة، يا مشغولون، يا منشغلون، يا مشوشون، يا ضائعون، يا مضيعون، يا سرحانون قولوا (اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وثقوا أنكم لن تصلوا لله إلا بالله) نقلني كلامه الطيب إلى حالنا في الصلاة، إلى خشوعنا المهاجر الذي يصعب في أوقات كثيرة القبض عليه، كم مرة صلينا دون أن ندري كم ركعة؟ كم مرة زدنا ركعة أو انقصنا ركعة؟ كم مرة ضعنا فلم ندر إن كنا قبل التشهد أو بعده؟ كم مرة سرحنا ونحن بين يدي الله فيما سنأكل ونشرب، في مشاوير ننتويها، في مشاريع نحضر لها، في مشاكل العمل واحداثه في المسلسل الذي حان موعده، في سيارتنا المحتاجة رخصتها لتجديد، في المفتاح أو جواز السفر، أو الموبايل، أو المحفظة التي ضاعت منا في البيت وفشلنا في العثور عليها، كم مرة قفزت إلى أذهاننا بعد (الله أكبر) أحاديث النفس لتأخذنا مبحرة بنا بعيداً في تشويش يصر على حرماننا من سكينة الصلاة وخشوعها؟ الحق، كثيرا، كثيرا جدا سرحنا، وانشغلنا، وضيعنا، وخرجنا من الصلاة أفقر مما دخلنا لأننا ربما عجزنا عن توفير صفاء الذهن لدقائق فقط ونحن في حضرة أعظم لقاء بين العبد وربه! السؤال: متى نتخلص من عبودية وسوسة النفس في الصلاة؟ متى نستغني عن سجود السهو الأبدي الذي أصبح جزءا دائما من متممات صلاتنا؟ ومتى نصل في لقائنا مع المحبوب أن نكون معه بكليتنا لا يشغلنا عنه شاغل؟! السؤال منا، والاجابة علينا، ولنقل اليوم إذن كما قال (الشيبة) الطيب (اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) ولقد علمتني صديقه دعاء جميلاً إذا ما اشتد تشويش النفس في الصلاة يقول (اللهم ابعد عني الشيطان كما ابعدته عن جنتك ويئسه مني كما يأسته من رحمتك).
* لو سألك سائل ما هو أجمل يوم في عمرك بماذا ستجيب؟ أتصور عشرات الأجوبة، قد تقول إن اجمل يوم في عمري كان يوم زفافي، أو يوم حصلت على الماجستير، أو الدكتوراه، أو يوم رأيت وجه مولودي الأول، أو يوم حصلت على الجواز (الأمريكاني) أو يوم حصلت على الميدالية الذهبية بالتصفيات النهائية، أو يوم حضور حفل تخرج إبني، أو مع ميلاد أول كتبي، أو ، أو، أو، اجابات كثيرة اتخيلها لكن يظل أجملها (أجمل يوم في عمري يوم صلحي مع الله).
* شبق مجنون في صناعة المسلسلات، 57 مسلسلا منتجة هذا العام خصصياً من أجل رمضان البريء منها، أما تكلفة انتاجها فبلغت أكثر من مليار جنيه، هذا الرقم ألا يجعلنا نفكر في حجم الاصرار والاستقتال الشرس للاعتداء على عقولنا، وأوقاتنا، وتفريغ ثوابتنا بمضامين فارغة؟! لا يجعلنا ننتبه أنها في معظمها (ذنوب ديلفري) تصلنا حيث كنا بضغطة على الريموت؟!
* فلتحسس قلوبنا ما بها قست حتى في رمضان؟ لماذا التراحم ضائع والود منسي والتسامح مهاجر.
ليشهدوا منافع لهم
سويعات قليلة، وتدخل على الأمة أعظم أيام الدنيا، الأيام التي لا تشبه مرور الزمن المعتاد، بل تشبه مرور... اقرأ المزيد
96
| 17 مايو 2026
توطين الصناعة من قيود الممرات
قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب حساسيتها من التواجد في مناطق ملتهبة بالصراعات والتوترات، لكن الاستثمار... اقرأ المزيد
216
| 17 مايو 2026
سيرة يكتبها صاحبها.. وسيرة تفضحه
مؤخراً.. أصبحت بعض دور النشر العربية تنظر إلى المحرر الأدبي بوصفه شريكًا حقيقيًا في صناعة الكتاب، بعدما ظل... اقرأ المزيد
78
| 17 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5670
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5229
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1716
| 13 مايو 2026