رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مفارقة غريبة حدثت أمس لاحظتها وأنا أتابع البوصات الملونة فبينما تعج القنوات بغثها ورقصها ضاربة روحانيات الأمة في قلبها، وبينما الإغراءات شرسة بنداءات متوالية للاشتراك في مسابقات أرباحها مذهلة، وبينما سوق (البث الهوائي) المبهرج لاه ببضاعته المضروبة، كان هناك بث خاص يقوده المخلصون يحظى بمتابعة رائعة، وإقبال منقطع النظير رغم أنه لم يزن بالعبارة الشهيرة (اتصل الآن) وستحصل على كذا، وستربح كذا، لم يعد ذلك البث الخاص بجوائز ولا هدايا، ولا عطايا، لم يسأل من يربح المليون! بل كان بثا خيرياً مفتوحاً لمن يعطي لا لمن يأخذ، كانت دعوة طيبة مفادها (وسارعوا في الخيرات) واستجاب الناس بطبيعتهم الخيرة، وفطرتهم النبيلة طمعا في الجائزة الكبرى وممن وصفت جوائزه بـ(لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) اندفع الطيبون المواطنون والمقيمون يساندون بتبرعاتهم إخوانهم في سوريا ببذل لافت، ذكر البعض اسمه، واكتفى البعض بفاعل خير، وللمرة المليون نتأكد أن البث يمكن أن يوجه لقيم الخير والتكافل، ولقد قدمت الجمعيات والمؤسسات الخيرية في قطر والداعمة لحملة (الشام) نقطة مضيئة للتكافل الأسمى، ليتألق سباق الخير عبر بث مفتوح في أجمل وأروع صور التراحم.
* في عالمنا العربي الوسيع عندما يذكر رمضان (على طول) يذكر معه الكسل، وتوقف إنجاز المعاملات وكأن رمضان اجازة مدفوعة الأجر يعطي الموظف نفسه فيها الحق في تأجيل عمله وتعطيل مصالح الناس (صايم بقه)! وما دمنا في رمضان أدعو كل من ينام على مكتبه لأنه كان (سهران طول الليل مع المسلسلات الله يعينه! وادعو فريق (تعال باكر) لمراقبة شوارع الدوحة وملاحظة رجال المرور الصائمين الذين يؤدون عملهم تحت درجة حرارة تتجاوز الخمسين من غير (تعال باكر) تصوروا لو أن شرطة المرور عملت بمبدأ (تعال باكر) وتوقفت السيارات في الشوارع وتوقفت شرايين الحياة؟ تصوروا الخباز الواقف أمام حرارة فرنه اللافحة وهو يقول للواحد منا (تعال باكر) ولم نحصل على خبزنا؟ تصوروا لو أن الطبيب قال لمريضه المتوعك بأزمة قلبية (تعال باكر) فلم يأته ابدا لأنه لم يحتمل الانتظار فحملوه (لأبو هامور) وأصبح المرحوم فلان، تصوروا (الطيار) لو قال (تعال باكر مش طايرين النهاردة) لتتعطل مصالح الدنيا كلها! الغريب أن أصحاب المصالح والحاجات اقتنعوا صاغرين بوقف تقديم أي معاملة، أو متابعة أي مصلحة لانهم (عارفين) بأنهم لن يجدوا مبتغاهم، ولن تنجز معاملاتهم لأن المكاتب أيضا قد يهجرها موظفوها الصائمون!
واضح أننا نحتاج لتوعية مستمرة قبل وأثناء رمضان بأن اختصار ساعات العمل في رمضان كاف جدا للصائمين، وأن الصيام نفسه ليس مسوغا للتراخي والتأجيل فجوهر معناه الصوم عن الأكل والمعاصي وليس صياما عن انجاز ما نتقاضى عنه أجراً إلى جانب أنه مصلحة الناس.
* في رمضان، يتوالى الإعلان تلو الإعلان عن أعمال رمضان (السوده) وفيها لقطة (ليسرا) وهي تلبس فستانا أحمر وترقص على الواحدة ونص! واجب أن نقول للست يسرا إن لم تستحي من (رمضان) استحي على شيبتك، نسيتي إنك تجاوزتي الستين يا حاجة؟
* مسلسل (عمر) رضي الله عنه بغض النظر عن كون تجسيد الصحابة يجوز أم لا يجوز فذلك مسؤولية الفقهاء التي لا أتعرض لها إنما اتعرض لنتائج عمل نظيف يثبت أن اجتذاب الناس للمتابعة لا يحتاج مطلقا لسيقان فلانة، ولا رقص فلتانة، ولا عرى سين أو صاد كما اعتادت صناعة الموتورين الذين يسوقون خواءهم، ضروري التحية لعمل محترم عرفت من خلاله ملايين خصال (عمر) الذي وزن الأمة وما يدرينا ما فعل (عمر) القدوة بمتابعيه؟ لماذا لا يتسع الأمل لنأمل بعمر جديد تخاف منه شياطين الجن والأنس الذين لا يستحون؟
* قال الشيبة الطيب في ود صادق، ورأفة، يا مشغولون، يا منشغلون، يا مشوشون، يا ضائعون، يا مضيعون، يا سرحانون قولوا (اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وثقوا أنكم لن تصلوا لله إلا بالله) نقلني كلامه الطيب إلى حالنا في الصلاة، إلى خشوعنا المهاجر الذي يصعب في أوقات كثيرة القبض عليه، كم مرة صلينا دون أن ندري كم ركعة؟ كم مرة زدنا ركعة أو انقصنا ركعة؟ كم مرة ضعنا فلم ندر إن كنا قبل التشهد أو بعده؟ كم مرة سرحنا ونحن بين يدي الله فيما سنأكل ونشرب، في مشاوير ننتويها، في مشاريع نحضر لها، في مشاكل العمل واحداثه في المسلسل الذي حان موعده، في سيارتنا المحتاجة رخصتها لتجديد، في المفتاح أو جواز السفر، أو الموبايل، أو المحفظة التي ضاعت منا في البيت وفشلنا في العثور عليها، كم مرة قفزت إلى أذهاننا بعد (الله أكبر) أحاديث النفس لتأخذنا مبحرة بنا بعيداً في تشويش يصر على حرماننا من سكينة الصلاة وخشوعها؟ الحق، كثيرا، كثيرا جدا سرحنا، وانشغلنا، وضيعنا، وخرجنا من الصلاة أفقر مما دخلنا لأننا ربما عجزنا عن توفير صفاء الذهن لدقائق فقط ونحن في حضرة أعظم لقاء بين العبد وربه! السؤال: متى نتخلص من عبودية وسوسة النفس في الصلاة؟ متى نستغني عن سجود السهو الأبدي الذي أصبح جزءا دائما من متممات صلاتنا؟ ومتى نصل في لقائنا مع المحبوب أن نكون معه بكليتنا لا يشغلنا عنه شاغل؟! السؤال منا، والاجابة علينا، ولنقل اليوم إذن كما قال (الشيبة) الطيب (اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) ولقد علمتني صديقه دعاء جميلاً إذا ما اشتد تشويش النفس في الصلاة يقول (اللهم ابعد عني الشيطان كما ابعدته عن جنتك ويئسه مني كما يأسته من رحمتك).
* لو سألك سائل ما هو أجمل يوم في عمرك بماذا ستجيب؟ أتصور عشرات الأجوبة، قد تقول إن اجمل يوم في عمري كان يوم زفافي، أو يوم حصلت على الماجستير، أو الدكتوراه، أو يوم رأيت وجه مولودي الأول، أو يوم حصلت على الجواز (الأمريكاني) أو يوم حصلت على الميدالية الذهبية بالتصفيات النهائية، أو يوم حضور حفل تخرج إبني، أو مع ميلاد أول كتبي، أو ، أو، أو، اجابات كثيرة اتخيلها لكن يظل أجملها (أجمل يوم في عمري يوم صلحي مع الله).
* شبق مجنون في صناعة المسلسلات، 57 مسلسلا منتجة هذا العام خصصياً من أجل رمضان البريء منها، أما تكلفة انتاجها فبلغت أكثر من مليار جنيه، هذا الرقم ألا يجعلنا نفكر في حجم الاصرار والاستقتال الشرس للاعتداء على عقولنا، وأوقاتنا، وتفريغ ثوابتنا بمضامين فارغة؟! لا يجعلنا ننتبه أنها في معظمها (ذنوب ديلفري) تصلنا حيث كنا بضغطة على الريموت؟!
* فلتحسس قلوبنا ما بها قست حتى في رمضان؟ لماذا التراحم ضائع والود منسي والتسامح مهاجر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان صانعي القرار، قد تكون الحرب اختباراً للقدرات والإمكانات وللقدرة على الصبر وتحمُّل أعباء خسائر الحرب من قتل ودمار ولكن صانعي القرار ومن هو مسؤول عن دولة وعن نظام وعن شعب يجب أن يظل حاضراً في ذهنه ماذا بعد الحرب، فقد عانت إيران من الحصار لأكثر من 40 سنة مما دفع بالكثير من بنيتها التحتية وبنية قطاع الطاقة للتهالك خلال تلك الفترة، فإذا جاءت الحرب بدمارها من جديد فإن موضوع الإعمار إن كان قبل الحرب ضرورة فإنه بعد الدمار وبعد الحرب ضرورة قصوى، كما عانت إسرائيل من دمار سنين الحرب السابقة للحرب على إيران ويزداد الدمار يوماً عن يوم وبوتيرة متسارعة يدفع للتساؤل من أين سيأتي الإعمار. عندما تضع الحرب أوزارها ستكون إيران منهكة كلياً وتحتاج للإعمار، في الوقت نفسه أمريكا لم تعد قادرة على الإعمار فأعباء الديون على أمريكا يجعلها في خطر فقدان القدرة على الوفاء بخدمة الدين وفقدان جدارتها الائتمانية التي استمتعت بها على مدى عقود وعقود ولذلك فتوقع أي إعمار من أمريكا توقع يفتقد للموضوعية، وإسرائيل في نفس المعضلة ولذلك من سيكون قادراً على الإعمار سوى دول الخليج لوفرة رؤوس الأموال وعمق صناديق الاستثمار والاحتياطات الكبيرة المتوفرة في القطاع المصرفي والمصارف المركزية لديها والقدرات في تجاوز تبعات الحرب بشكل سريع، ولذلك مراعاة أمن دول الخليج من قبل الأطراف المتحاربة كونها ليست طرفا في الحرب فهي ضرورة أساسية لما بعد الحرب، إذن من يملك القدرة على الإعمار هي دول الخليج، فمن الحكمة لصناع القرار من البيت الأبيض وطهران وغيرها الأخذ في الحسبان عدم توتير العلاقة مع دول المنطقة والعمل على عدم تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لدول الخليج. إذا أراد النظام الإيراني البقاء فهو يعلم أنه ملزم بتوفير ما يطلبه الشعب الإيراني ما بعد الحرب من إعمار ومستشفيات وغذاء واقتصاد وعملة مستقرة، هل سيكون قادرا لوحده على الإيفاء بمتطلبات الشعب الإيراني بعد الحرب، فترامب أقصى الحلفاء واستهزأ بهم وادعى أنه لا يحتاج أحداً فأمريكا لديها القدرات والإمكانات أن تعمل ما تريد ورأيناه حين أغلق مضيق هرمز يبحث عن دعم الحلفاء ويضرب أخماسا بأسداس على أنهم تبرأوا منه حين الحاجة، فهل ستجد إيران نفسها بعد الحرب بحلفاء قادرين على إعمار ودعم الاقتصاد الإيراني والاستثمار فيه أم ستكون وحيدة تضرب أخماسا بأسداس على أنه ليس هناك من له رغبة في إعمار إيران أو الاستثمار فيها. قد يعتقد البعض أن إيران استطاعت أن تتحمل الحصار الاقتصادي وكانت قادرة على الاستمرار في تلك الظروف ولأنها استمرت لفترات طويلة استطاع الشعب الإيراني التعايش معها ولو أنه كان هناك فترات فقد فيها مثل هذا الهدوء فعندما تتراجع العملة بشكل كبير ويرتفع معدل التضخم لدرجات غير مسبوقة فإن الشعب الإيراني يخرج في الشوارع. فما حدث في الأربعين سنة الماضية شيء وما سيحدث بعد وقف الحرب مباشرة شيء آخر سيكون كل يوم ما بعد الحرب معادلا لفترة ما قبل الحرب، فالدمار وحضور مثل هذا الدمار أمام التجار وأمام السوق وأمام الشعب سيبعث على التشاؤم وإن حدث هذا دون أي أفق يبعث على الأمل سنرى تراجع التومان العملة الإيرانية كما لم نره سابقا وستزداد معدلات التضخم بشكل غير مسبوق وسيفقد الناس الأمل في حياة أفضل ولذلك سيفقد النظام قدرته على إدارة الدولة، أما إذا كان هناك رؤية لمشاريع إعمار فانها ستكون الداعم الحقيقي للنمو الاقتصادي والنشاط الاقتصادي وسيملأ الناس الأمل بأنه ما بعد الحرب هو وضع أفضل مما قبل الحرب فإن طغى على الناس الإحساس بالأمل وبالعمل وبالاستثمار سيكون هناك استتباب في إيران، أما إذا طغى التشاؤم وفقد الناس الأمل قد تفقد إيران الكثير من وحدتها لأن كل منطقة سترى أنها أقدر على إدارة شأنها الاقتصادي وأن طهران لم تعد قادرة على مد يد العون. وما لم تحققه أمريكا وإسرائيل في حربهما لتفكيك إيران سيتحقق ما بعد الحرب إذا لم يكن هناك مشاريع إعمار، كل يوم تستمر فيه الحرب تزداد فيه الحاجة للإعمار، فكما عمَّرَت قطر بقيادة الأمير الوالد جنوب لبنان في حرب 2006 من سيعمر جنوب لبنان ومن سيعمر إيران وإلى أي مدى غزة والضفة وإيران وجنوب لبنان سيكونون في حاجة ماسة للدعم ولمشاريع الإعمار.
8298
| 30 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2667
| 26 مارس 2026
كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية في الأدب الغربي؛ إذ نشأت غالبًا من تصورات وثنية تحاول تفسير الكون عبر صراعات الآلهة وتدخلها في حياة البشر. فمن هرقليز ورأس ميدوسا وعقب أخيل، مرورًا بقصص الخالدين والمستذئبين ومصاصي الدماء، إلى الأبطال الخارقين الذين يقارعون الكائنات الفضائية، والقائمة لا تنتهي. وللشرق كذلك منها نصيب وافر، فإيزيس وأوزريس في مصر الفرعونية وجلجاميش في العراق القديم الذي ثلثاه إله وثلثه بشر، وجارودا في الهند ذلك الكائن ملك الطيور نصفه إنسان والنصف الآخر صقر، وآديري أرض الموتى في ماليزيا، وغيرها الكثير، يتجلى فيها حضور الخيال بوصفه أداة لفهم العالم أو الهروب منه. هذا التراث الأسطوري، بما يحمله من خرافات حول النجوم والأرقام والتعاويذ والقوى الخارقة، دفع بعض أبناء الأمة إلى التساؤل: لماذا خلا التراث الإسلامي من هذا اللون الأدبي؟ ربما السؤال الأجدر بالطرح هو: لماذا لم يُقبل المسلمون في عصور الترجمة الزاهرة على نقل هذه الأساطير كما فعلوا مع علوم الفلسفة والطب والرياضيات؟ الحقيقة أن هذه الأساطير كانت في جوهرها محاولة لملء فراغ نفسي ومعرفي لدى الشعوب التي نشأت فيها، نتيجة غياب تصور واضح لعلاقة الإنسان بالكون، ومن هنا لم يكن غريبًا أن تتسلل هذه النزعة حتى إلى الفكر العلمي الغربي، كما ظهر عند فرويد الذي استند إلى أسطورة أوديب في بناء نظرياته حول النفس البشرية. في المقابل، لم يلتفت العقل الإسلامي إلى هذه الأساطير، لأنه كان مشبعًا برؤية واضحة ومتماسكة للكون والإنسان، فقد قدم الإسلام تفسيرًا متوازنًا للوجود، ينسجم مع العقل، ويمنع الوقوع في الحيرة أمام الغيبيات. المنهج الإسلامي ضبط هذا المجال ومنع الانزلاق في متاهات الميتافيزيقا، فبيّن حقيقة الملائكة والجن، وحدد طبيعة النجوم والكواكب، مؤكدًا أنها لا تملك نفعًا ولا ضرًا، ولا علاقة لها بمصائر البشر. كما حارب الإسلام الخرافات المرتبطة بالمرض والعلاج، وأبطل الطقوس الكهنوتية التي كانت تعزو الأمراض إلى الأرواح الشريرة، وأرسى مبدأ واضحًا: أن لكل داء دواء إلا الموت. ويتجلى هذا التصحيح في موقف النبي عند كسوف الشمس يوم وفاة ابنه إبراهيم، حيث قال: (إن أهل الجاهلية كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله به عباده). بهذا المنهج، وجّه الإسلام الإنسان إلى التأمل في الكون بعقلية علمية، مما مهّد لقيام المنهج التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الحديثة. لذلك، اتسم الأدب الإسلامي، خاصة في عصور ازدهاره، بالواقعية، واعتمد على نقل الأحداث وتوثيقها، حتى اشتهر بأسلوب العنعنة. وحتى القصص الرمزية، كالحوارات بين الحيوانات، لم تكن تهدف إلى ترسيخ الوهم، بل إلى تقريب المعاني والعِبر، مع وضوح أنها مجرد وسائل تعليمية. إن ابتعاد المسلمين عن الأسطورة لم يكن نقصًا، بل كان نتيجة طبيعية لقيمهم التي قامت على الشجاعة والكرامة والعمل، لا على الهروب من الواقع، فترى أشعارهم تعبر عن هذه الروح، فعلى سبيل المثال يقول الإمام الشافعي: ما حكّ جلدَك مثلُ ظُفرك....فتول أنت جميعَ أمرك من هنا، فإن خلو التراث الإسلامي من الخرافات يُعد ميزة لا عيبًا، ولم تظهر النزعة إلى تقليد الأساطير إلا في فترات الضعف، حين فقدت الأمة توازنها، وبدأت تبحث عن بدائل خيالية تعوض الفراغ النفسي. ومع ارتكاز صناعة السينما العالمية والأدب الغربي على الأسطورة والخرافة والشخصيات الخيالية، ومحاولات محاكاة هذا النمط في العالم العربي والإسلامي عن طريق الدراما والقصة والرواية، ازداد تعلق الأجيال بالخيال على حساب الواقع، رغم ما يحمله ذلك من آثار تربوية وثقافية وخيمة. في المقابل، يزخر التاريخ الإسلامي بقصص حقيقية وشخصيات ملهمة، لكنها تحتاج إلى إعادة تقديم في قالب أدبي جذاب يجمع بين التشويق والرسالة. وليست هذه السطور رفضًا لأدب الخيال العلمي والأساطير بشكل مطلق، بل هي إشارة إلى ضرورة التوازن بين الواقع والخيال، فنحن لسنا بحاجة اليوم إلى استنساخ الأساطير، بل إلى إنتاج أدب هادف يعبر عن القيم، ويكون وسيلة للبناء لا للهروب، فالأدب الحقيقي ليس الذي يغرق في الوهم، بل الذي يضيء الطريق أمام الإنسان ليعيش واقعه بوعيٍ وإرادة.
1728
| 30 مارس 2026