رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

582

د. أحمد المحمدي

وتلك الأیام نداولها بین الناس

29 ديسمبر 2024 , 02:00ص

آية تُلخّص الحياة بأسرها، وتُطمئن القلوب المرتجفة، وتُلين العقول المتصلبة، فليست كلمات عابرة، بل مرآة عاكسة لحقائق الوجود، وميزان يزن العاقل بها حركة التاريخ، لتنفض عنه غبار الغفلة، وتوقظ فيه أهلية المحاسبة.

فما الحياة إلا حُلم ممتدّ، ما يكاد ينقضي منه مشهد حتى يعقبه آخر، والمرء في هذه الحياة رهين عمله، يقرأ في غده ما خطت أعماله في أمسه!

بين عسرٍ ويُسرٍ، وليلٍ ونهار، تتداول الأيامُ أحوالَ الناس كما يتداول البحر موجه، فيُقبِل حيناً ويُدبِر حيناً، ومن يألف حياة البحار يدرك أن الأمواج التي ترفع اليوم قد تغمر صاحبها غدا، فدوام الحال مُحال، وتلك سنّة الله في كونه المنتظم والمحكم؛لا سرور دائم، ولا حزن مُقيم، وكل هذا بموازين عادلة وإن بدت للغافل ظالمة!

وخير مثال على ذلك ما يصيب الظالم من سطوة السلطان تلك التي تحجب عنه البصيرة، فإذا ذاق نعيم المقام وأنس بالحال، ونسي عاقبة المآل؛ استطال بغيا على العباد وظن أن حصونه مانعته من الله؛ فإذا بأيامه تنقلب كأنها صفحةٌ طوتها الريح، فيصير ذليلا بعد عزة، شريدا بعد منعة، ضعيفا بعد قوة، تحاصره المظالم أنى توجه وتوقظه أنات الثكالى أنى تقلب، وينتظره مصير محتوم بميزان عادل.

 وتريك الأيام في ذات الوقت: سجين الأمس مكين اليوم، هذا الذي عاش مستكينًا تحت رحى الظلم والقهر؛ تبدل حاله، وأتاه -بقدر الله- زمن جديد يرفعه حتى يصير من أهل القوة والهيبة!

 وهكذا، تمضي عجلة الحياة، تُبدّل المواقع، وتخلط الأوراق، وكأنها تُعلّمنا ألا نغتر بالنعمة، ولا نيأس من النقمة، فكلٌّ يمضي بأمر الله وحكمته

فلا تجزع من دوران الأيام، ولا تغتر بثبات الحال، واحذر الاستدراج، وارقب كيف تعمل يد الله في مصائر الطغاة، والتاريخ خير شاهد

فرعون ادعى الألوهية واستطال على الرعية، وقال: ما علمت لكم من إله غيري، فماذا كان؟! (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم)

قارون اغتر بماله، وانتفش بكنوزه، وقال: أوتيته على علم عندي، فماذا كان؟ (فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله)

عاد وثمود: رموز التكبر والجحود والتجبر، ماذا أغنت عنهم من الله؟! حين قال الله عنهم (.. فأهلكوا بريح صرصر عاتية).

وهذه الأمثلة ليست قاصرة على الزمن الذي نزلت فيه، بل ممتدة برسائلها إلى كل عصر

إنّ للظلم جولةً، وللعدل دولة، وما من ظالمٍ يرفع يده على ضعيف، أو يطغى بجوره على بريء، إلا وقد كتب القدر خاتمته، وما تلك الأيام التي تبسط له الطريق وتُزيّنه إلا استدراج من الله له، ثم تنقلب الموازين لتكون تلك الأيام ذاتها هي التي تُسقطه على وجهه يومًا ما، فلا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون.

مساحة إعلانية