رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القيم والأخلاق من عناصر الثقافة اللامادية ، والقيم جزء هام من الثقافة ، وهي ثابتة وفقا للفلسفة المثالية . ولكل مجتمع قيمه الخاصة به، والتي تختلف من مجتمع إلى آخر وفقا للثقافة السائدة في المجتمع . فقيم المجتمع العربي تختلف مثلا عن قيم المجتمع الأمريكي أو المجتمع الأوربي وهكذا ، والمحافظة على القيم أمر مطلوب، بل ضروري، وهو أمر لا يتنافى مع التطور ، وإنما هو تذكير بالثوابت التى تدين بها وتنطلق على أساسها ، وهي لا تمنع الانطلاق والتطور ولكنها تحرص من الانفلات الذي يقضي على ماضينا وقيمنا ويفتح الباب للظلام والضياع ، فتطورنا ينبغي أن يكون مع المحافظة على هذه الثوابت .
والعولمة الثقافية الحادثة اليوم ، لها أثر كبير في قيم المجتمع العربى وأخلاقه وعاداته ، إذ إنها تحمل فى طياتها قيما غربية ومبادئ غربية عن المجتمع العربى ، ولا تمت إليه بأية صلة . وهذه القيم الدخيلة على مجتمعنا تأتي إلينا مغلفة ومعلبة فنحن لا نستطيع صدها مباشرة ، لأننا محتاجون إلى هذه الثقافة لنأخذ منها ما يفيدنا وينفع مجتمعنا . فنحن لا نستطيع أن نستغني عن الكمبيوتر ، ولا عن الإنترنت ولا عن الأجهزة الحديثة كلها .
وهذه القيم الغريبة عن المجتمع العربي تدخل إلينا بطريق غير مباشر عن طريق الأجهزة الحديثة كالإنترنت والكمبيوتر والدش وما إلى ذلك . وفي هذا أثر سلبى على قيم وأخلاق المجتمع العربي والتي يجب الحفاظ عليها وحمايتها من أى خطر وهجوم يريد بها سوءا .
إن لكل مجتمع قيمه الخاصة به ، ومبادئه وعاداته التى تختلف عن باقى المجتمعات، ولابد من إعطاء اهتمام زائد للقيم الإنسانية إذا أردنا بناء مجتمع جديد يتواءم ويتمشى مع هذا العصر . عصر الانفجار المعرفي وعصر الإنترنت والكمبيوتر .
والدول المعولِمة – بكسر اللام – تحاول الآن فرض قيمها وأخلاقها على جميع دول العالم ، ومنها الدول العربية ، وهذا فيه الخطر الداهم على قيمنا ومبادئنا وأخلاقنا ، حيث إن قيم هذه الدول لا تتفق لا مع الثقافة العربية ولا مع الدين الإسلامي الذي يفرض علينا قيما أصيلة فيها خوف من الله وحماية للناس أجمعين . واختصار ذلك هو أن العولمة الثقافية لها أثر كبير على قيم ومبادئ المجتمع العربي ، ويجب علينا في التصدى لهذه العولمة بكافة السبل ونقصد بالتصدي هنا مواجهة سلبياتها فقط ، فالعولمة ليست كلها خطرا، لكن فيها بعض الإيجابيات ، ولها أيضا بعض السلبيات التي يجب التصدى لها ومواجهتها ، حتى نحافظ على ثقافتنا ولغتنا وقيمنا . ونحن ننادي بالعودة إلى تراث الأمة وثوابتها الثقافية القائمة على القيم والأخلاق والمبادئ الأصيلة المشتقة من كتاب الله – عز وجل – ومن السنة الصحيحة .
أثر العولمة في الثقافة المادية :
من الأمور الواضحة والجلية فى العصر الحالى أثر العولمة الثقافية في الشق المادى من الثقافة فى مجتمعنا العربى والذي يتعلق بالملبس والمأكل والمشرب والمسكن وغير ذلك من عناصر الثقافة المادية التي تأثرت فى مجتمعنا بالغرب وبالنظام الغربي .
فبالنسبة للملبس هناك مظاهر اللباس التي تحيط بنا والتي تدفع بشبابنا وشاباتنا للباس الغربى من ملابس فاضحة وقبعات وأحذية وما إليها .
فالشباب يقلد النظام الغربى في أزيائه ، وكذلك الفتيات يقلدن النظام الغربي تقليدا أعمى دون مراعاة لقيمنا وتقاليدنا ، فلا فرق بين الذكر والأنثى وهذا ما هو سائد فى الغرب.
وبالنسبة للمأكل نجد أن نظام المأكل أيضا متأثر تأثيرا كبيرا بالنظام الغربى فنجد أنواعا من المأكولات دخيلة على مجتمعنا مثل الهامبرجر والكنتاكي وغير ذلك من الأطعمة السائدة في الدول الأوربية والتي نستوردها ونشجعها تاركين الأطعمة المحلية .
وما يقال عن المأكل يقال أيضا عن أنواع المشروبات الدخيلة علينا والتي تعتبر من مظاهر العولمة الثقافية على الشق المادى من الثقافة .
بذلك نكون قد وضحنا أثر العولمة الثقافية على الثقافة العربية ، بشقيها المادي واللامادي وتم توضيح ذلك فى أثر العولمة الثقافية على التنشئة الاجتماعية – واللغة العربية – وقيم وعادات المجتمع العربي وكذلك المأكل والملبس والمشرب وفيما يلي عرض لوقف العرب من العولمة الثقافية .
موقف العرب من ظاهرة العولمة الثقافية :
إن العولمة الثقافية أصبحت جلية وواضحة تماما في مجتمعنا العربي ، وأصبحت تحاصر الناس في كل مكان عن يمينهم وعن شمالهم ومن أمامهم ومن خلفهم ، ويتمثل ذلك – كما قلنا سابقا – في انتشار القيم الغربية والدخيلة علينا ، وانتشار المأكولات والمشروبات الغربية وكذلك المسكن والملبس الغربي – المصدر الأول والأساسى للعولمة-وهذا النمط الغربى الذى أوشك أن يهيمن على العالم عامة والمجتمع العربي خاصة له آثار سيئة سلبية على الثقافة فى أى مجتمع ، وقد أوضحنا أثر العولمة الثقافية – كبعد من أبعاد العولمة – على الثقافة العربية ، وعرفنا أن العولمة لها أثر سلبي على اللغة العربية ، ولها أثر سلبي أيضا على التنشئة الاجتماعية والسلوك الاجتماعي ، كذلك على قيم وعادات المجتمع العربى ونظام المأكل والمشرب والملبس السائد فيه .
ولذلك ، وللأخطار التي قد تسببها العولمة الثقافية بالنسبة للثقافة العربية كان لزاما علينا نحن العرب أن يكون لنا موقف تجاه ظاهرة العولمة الثقافية حتى نستطيع التصدي لها ومواجهتها ونستطيع حماية ثقافتنا العربية ولغتنا القومية ، ونحافظ أيضا على عاداتنا الخالدة وقيمنا وتقاليدنا ونظام المعيشة الذى نشأنا عليه .
وبالنسبة لموقف العرب من ظاهرة العولمة الثقافية لابد وأن يكون موقف متسما بالموضوعية ، بعيدا عن التحيز والأهواء الذاتية . فنحن العرب لا نرفض العولمة كلية ، بل لا نستطيع أن نرفضها ، لأن العولمة لا فكاك منها حثى ثورة المعلومات والتقدم العلمى والتكنولوجى والكمبيوتر وشبكة الاتصالات الدولية أو ما يسمى بالإنترنت . ونحن فى حاجة ماسة إلى كل ذلك ، لأن العصر الراهن الذي نعيش فيه يتطلب منا التعامل مع هذه الأجهزة الحديثة ، وذلك لاختصار الوقت وتقريب المكان والزمان .
فالعولمة لا يجدي معها أسلوب الرفض التام ، كذلك القبول التام والأعمى فيه خطر – كما أوضحنا ذلك سابقا – على هويتنا وعلى ثقافتنا ، فظاهرة العولمة ظاهرة يجب علينا أن نواجهها بكل ما نملك من أسلحة ثقافية وفكرية مع مراعاة الاستفادة من أدواتها وآلياتها مثل الكمبيوتر والإنترنت ووسائل التقدم العلمى والتكنولوجى .
إن الإعلام له دور كبير فى مواجهة تحديات العولمة الثقافية ، حيث يجب علينا أن نكون ثورة إعلامية تعمل على تحقيق مصالح ثقافية وفكرية مشتركة بحيث يقوم منهج هذه الثورة الإعلامية على التبادلية التفاعلية ، بحيث تخلع رداء الإقليمية ونرتدى وشاح القومية .
ولذا فإن على العرب أن يعملوا على حماية الثقافة العربية في ظل العولمة، وذلك بأن يقووا على النهوض من التراب وأن يعملوا على تنمية الثقافة وذلك بالعودة إلى التراث الثقافي فيعملوا على تجديده وإحيائه ، وكذلك بالتفاعل الإيجابي مع الثقافات الأخرى تجنبا للانغلاق والتحجر .
وبذلك يمكن أن تكون العولمة نعمة لنا فى هذه الحالة ، وذلك إذا اغتنما هذه الفرصة المتاحة لنا ألا وهي فرصة العولمة . فيمكن لنا أن نستفيد من احتكاكنا بالثقافات الأخرى ، بأن نأخذ منها ما نحتاج إليه ، لتنمية ثقافتنا ومواكبة عصر التقدم التكنولوجي ، ونترك ما يضرنا ويضر ثقافتنا وقيمنا وأخلاقنا الأصلية .
ويجب علينا أن نسعى إلى خلق شبكة للتبادل العلمي والثقافي ما بين البلدان العربية بأفرادها ومؤسساتها وتشجيع المشروعات التحتية بين المفكرين والعرب
فإذا فعلنا لك استطعنا خلق مفاهيم عربية للبنية الثقافية واستطعنا توحيد الفكر العربى ، وبذلك لا تستطيع العولمة تحقيق مآربها التى تصبو إليها .
ويرى أهل العلم المعنيون أن مواجهة تحديات العولمة ومشاريعها تستلزم العمل على أربعة مسارات متكاملة هى :
1- إعادة بناء نظام عربى سياسي وأمني على قواعد التضامن بديلا عن واقع التناحر والتفكك السائد حاليا .
2- تحقيق تكامل اقتصادي عربي تكون السوق العربية المشتركة منطلقة ، وتكون غايته تحقيق تنمية عربية مستقلة .
3- مواجهة الغزو الثقافي والإعلامي لقوى العولمة ، مؤسسة على ثوابت الهوية العربية
4- إطلاق حرية قوى الشعب العربى وتكريس حقه في المشاركة فى العمل الوطني والقومي على قاعدة الشورى.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11730
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8691
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3726
| 22 أكتوبر 2026