رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة العتوم

كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية / تميز مؤسسي
[email protected]
@faalotoum

مساحة إعلانية

مقالات

243

فاطمة العتوم

نحو برنامج وطني يربط البيانات الصحية بعوامل الخطورة

28 يوليو 2026 , 11:19م

هناك مشاهد لا تغادر الذاكرة مهما مر عليها الزمن. بالنسبة لي، لم يكن ذلك المشهد رقماً في تقرير أو نتيجة دراسة علمية، بل كان في غرفة العلاج الكيميائي للسرطان.

كنت أرافق ابنة أخي في إحدى جلسات علاجها. شابة في مقتبل العمر، لم يمضِ وقت طويل على زواجها، وأم لطفلتين صغيرتين تنتظران عودتها إلى المنزل بعد كل جلسة. كنت أظن أن أصعب ما في ذلك اليوم هو مشاهدة أحد أفراد العائلة يصارع المرض، لكن ما ترك أثراً أعمق في نفسي كان ما رأيته داخل غرفة العلاج. وجوه كثيرة لشابات في أعمار متقاربة، لكل واحدة منهن قصة وأسرة وحياة كانت تسير بصورة طبيعية قبل أن تتوقف فجأة أمام تشخيص السرطان.

خرجت من المستشفى وأنا أحمل سؤالاً واحداً: هل ما رأيته مجرد مصادفة فرضتها تجربة شخصية، أم أن هناك تغيراً حقيقياً يستحق أن نتوقف عنده؟

هذا السؤال لم يدفعني إلى البحث عن إجابة عاطفية، بل إلى العودة إلى ما أعرفه جيداً؛ البيانات.

في تلك الليلة فتحت موقع وزارة الصحة العامة، وحملت تقارير السجل الوطني للسرطان، وبدأت أقرأها بعين الباحثة. لم أكن أبحث عن دليل يثبت ما شعرت به، لأن البحث العلمي لا يبدأ بالنتائج، بل بالأسئلة. كنت أبحث عن مؤشرات تساعد على فهم ما إذا كانت أنماط السرطان في دولة قطر تشهد تغيرات تستحق مزيداً من الدراسة.

أظهرت تقارير السجل الوطني للفترة ما بين 2016-2021 أن سرطان الثدي ما زال يحتل المرتبة الأولى بين السرطانات الأكثر شيوعاً لدى النساء، كما برزت تغيرات في توزيع عدد من السرطانات الأخرى، منها سرطان القولون والمستقيم وسرطان الغدة الدرقية، مع حضور أكبر لسرطانات الكلى والكبد والمعدة مقارنة بالتقارير السابقة. وبالطبع، فإن هذه الملاحظات لا تعني أن أسباب السرطان قد تغيرت، كما أن مقارنة أعداد الحالات لا تكفي وحدها لتفسير الاتجاهات الزمنية دون الاعتماد على معدلات الإصابة المعيارية حسب العمر، لكنها تثير سؤالاً علمياً مشروعاً حول ما إذا كانت عوامل الخطورة في المجتمع تستحق قراءة أكثر عمقاً.

ومع الانتقال إلى التقرير الصحي الموجز لدولة قطر 2024، اتضحت صورة أخرى لا تقل أهمية. فالسمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم وتعاطي التبغ ما زالت تشكل تحديات صحية رئيسية، وهي عوامل ترتبط علمياً بزيادة خطر الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة، بما فيها بعض أنواع السرطان. إلا أن المعرفة العلمية الحديثة تؤكد أن السرطان ليس نتاج عامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والسلوكية والهرمونية والبيئية، يمتد أثره عبر سنوات طويلة قبل أن يظهر المرض.

هنا وجدت نفسي أعود إلى سنوات عملي البحثي في مجال الصحة البيئية. فعلى مدى سنوات، شاركت في أبحاث تناولت التعرضات البيئية المرتبطة بمياه الشرب في دولة قطر. تناولت إحدى الدراسات انتقال عنصر الأنتيمون من عبوات المياه البلاستيكية المصنوعة من مادة PET إلى مياه الشرب في ظروف تخزين مختلفة، بينما تناولت دراسة أخرى نواتج التطهير الثانوية في مياه الشرب المحلاة والعوامل المؤثرة في تكوّنها وسبل الحد منها.

لم يكن الهدف من تلك الدراسات البحث عن علاقة مباشرة بالسرطان، ولم تدّعِ ذلك، لأن إثبات العلاقة السببية بين أي تعرض بيئي ومرض معين يتطلب دراسات وبائية طويلة الأمد تراعي جميع العوامل المؤثرة. لكنها أثبتت أمراً لا يقل أهمية، وهو أن التعرضات البيئية يمكن قياسها ورصدها وتحليلها علمياً، وأن لدينا القدرة على إنتاج بيانات دقيقة حول البيئة التي نعيش فيها.

ومن هنا بدأ يتشكل أمامي سؤال مختلف، لا يتعلق بالسرطان وحده، بل بمنهجية التعامل معه.

إذا كانت لدينا سجلات وطنية متقدمة ترصد الأمراض، وإذا كانت لدينا دراسات قادرة على قياس التعرضات البيئية، فلماذا يبقى كل مسار يعمل بمعزل عن الآخر؟ ولماذا لا ننتقل إلى مرحلة جديدة تربط بين البيانات الصحية والبيانات البيئية لفهم الصورة بصورة أشمل؟

لقد حققت دولة قطر خلال السنوات الماضية إنجازات كبيرة في بناء منظومة صحية متطورة، واستثمرت في السجلات الوطنية، وفي البنية البحثية، وفي الجامعات والمراكز العلمية، وأصبحت تمتلك قاعدة بيانات صحية تعد من الأفضل في المنطقة. واليوم، تبدو الفرصة مهيأة للانتقال إلى مستوى أكثر تقدماً، لا يقتصر على تشخيص المرض وعلاجه، بل يمتد إلى فهم العوامل التي قد تسهم في تشكيل أنماطه، بما يدعم الوقاية ويعزز جودة السياسات الصحية.

إن إطلاق برنامج وطني تقوده وزارة الصحة العامة بالشراكة مع الجامعات ومؤسسة حمد الطبية ومؤسسات البحث العلمي والجهات الوطنية ذات العلاقة، لربط البيانات الصحية بعوامل الخطورة البيئية والسلوكية والمهنية والوراثية، سيكون خطوة استراتيجية تتجاوز حدود مشروع بحثي منفرد. فهذا النوع من البرامج يوفر قاعدة معرفية متكاملة تساعد على تحديد الأولويات الصحية، وتوجيه البحوث نحو القضايا الأكثر تأثيراً، وتعزيز السياسات الوقائية المبنية على الأدلة، بما ينسجم مع رؤية دولة قطر في بناء نظام صحي رائد يعتمد على المعرفة والابتكار.

إن الدعوة إلى مثل هذا البرنامج لا تعني أن البيئة هي السبب، ولا أن نمط الحياة هو التفسير الوحيد، ولا أن الوراثة يمكن تجاهلها. بل تعني أن الأمراض المعقدة تستحق أن تُدرس بالمنهجية نفسها التي تتسم بها، منهجية تنظر إلى جميع عوامل الخطورة بوصفها أجزاءً من صورة واحدة، لا ملفات منفصلة.

لقد بدأت رحلتي مع هذا المقال من غرفة علاج، لكنها انتهت أمام قناعة مختلفة تماماً. فالقصة الإنسانية كانت الشرارة، أما الاتجاه فقد رسمته البيانات، وأما الوجهة التي ينبغي أن نتطلع إليها فهي العلم.

قد لا نستطيع أن نمنع جميع حالات السرطان، لكننا نستطيع أن نفهمها بصورة أفضل. وقد لا نملك اليوم كل الإجابات، لكننا نملك المؤسسات، والكفاءات، والبيانات، والإرادة التي تمكننا من طرح الأسئلة الصحيحة والبحث عنها وفق أعلى المعايير العلمية.

ولعل أعظم ما يمكن أن نقدمه لكل أم تغادر غرفة العلاج لتعود إلى أطفالها، ولكل أسرة تواجه المرض بالأمل، ليس فقط تطوير وسائل العلاج، بل الاستثمار في المعرفة التي تجعل الوقاية أكثر دقة، والسياسات الصحية أكثر استباقية، والمستقبل أكثر قدرة على حماية صحة الإنسان.

مساحة إعلانية