رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك مشاهد لا تغادر الذاكرة مهما مر عليها الزمن. بالنسبة لي، لم يكن ذلك المشهد رقماً في تقرير أو نتيجة دراسة علمية، بل كان في غرفة العلاج الكيميائي للسرطان.
كنت أرافق ابنة أخي في إحدى جلسات علاجها. شابة في مقتبل العمر، لم يمضِ وقت طويل على زواجها، وأم لطفلتين صغيرتين تنتظران عودتها إلى المنزل بعد كل جلسة. كنت أظن أن أصعب ما في ذلك اليوم هو مشاهدة أحد أفراد العائلة يصارع المرض، لكن ما ترك أثراً أعمق في نفسي كان ما رأيته داخل غرفة العلاج. وجوه كثيرة لشابات في أعمار متقاربة، لكل واحدة منهن قصة وأسرة وحياة كانت تسير بصورة طبيعية قبل أن تتوقف فجأة أمام تشخيص السرطان.
خرجت من المستشفى وأنا أحمل سؤالاً واحداً: هل ما رأيته مجرد مصادفة فرضتها تجربة شخصية، أم أن هناك تغيراً حقيقياً يستحق أن نتوقف عنده؟
هذا السؤال لم يدفعني إلى البحث عن إجابة عاطفية، بل إلى العودة إلى ما أعرفه جيداً؛ البيانات.
في تلك الليلة فتحت موقع وزارة الصحة العامة، وحملت تقارير السجل الوطني للسرطان، وبدأت أقرأها بعين الباحثة. لم أكن أبحث عن دليل يثبت ما شعرت به، لأن البحث العلمي لا يبدأ بالنتائج، بل بالأسئلة. كنت أبحث عن مؤشرات تساعد على فهم ما إذا كانت أنماط السرطان في دولة قطر تشهد تغيرات تستحق مزيداً من الدراسة.
أظهرت تقارير السجل الوطني للفترة ما بين 2016-2021 أن سرطان الثدي ما زال يحتل المرتبة الأولى بين السرطانات الأكثر شيوعاً لدى النساء، كما برزت تغيرات في توزيع عدد من السرطانات الأخرى، منها سرطان القولون والمستقيم وسرطان الغدة الدرقية، مع حضور أكبر لسرطانات الكلى والكبد والمعدة مقارنة بالتقارير السابقة. وبالطبع، فإن هذه الملاحظات لا تعني أن أسباب السرطان قد تغيرت، كما أن مقارنة أعداد الحالات لا تكفي وحدها لتفسير الاتجاهات الزمنية دون الاعتماد على معدلات الإصابة المعيارية حسب العمر، لكنها تثير سؤالاً علمياً مشروعاً حول ما إذا كانت عوامل الخطورة في المجتمع تستحق قراءة أكثر عمقاً.
ومع الانتقال إلى التقرير الصحي الموجز لدولة قطر 2024، اتضحت صورة أخرى لا تقل أهمية. فالسمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم وتعاطي التبغ ما زالت تشكل تحديات صحية رئيسية، وهي عوامل ترتبط علمياً بزيادة خطر الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة، بما فيها بعض أنواع السرطان. إلا أن المعرفة العلمية الحديثة تؤكد أن السرطان ليس نتاج عامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والسلوكية والهرمونية والبيئية، يمتد أثره عبر سنوات طويلة قبل أن يظهر المرض.
هنا وجدت نفسي أعود إلى سنوات عملي البحثي في مجال الصحة البيئية. فعلى مدى سنوات، شاركت في أبحاث تناولت التعرضات البيئية المرتبطة بمياه الشرب في دولة قطر. تناولت إحدى الدراسات انتقال عنصر الأنتيمون من عبوات المياه البلاستيكية المصنوعة من مادة PET إلى مياه الشرب في ظروف تخزين مختلفة، بينما تناولت دراسة أخرى نواتج التطهير الثانوية في مياه الشرب المحلاة والعوامل المؤثرة في تكوّنها وسبل الحد منها.
لم يكن الهدف من تلك الدراسات البحث عن علاقة مباشرة بالسرطان، ولم تدّعِ ذلك، لأن إثبات العلاقة السببية بين أي تعرض بيئي ومرض معين يتطلب دراسات وبائية طويلة الأمد تراعي جميع العوامل المؤثرة. لكنها أثبتت أمراً لا يقل أهمية، وهو أن التعرضات البيئية يمكن قياسها ورصدها وتحليلها علمياً، وأن لدينا القدرة على إنتاج بيانات دقيقة حول البيئة التي نعيش فيها.
ومن هنا بدأ يتشكل أمامي سؤال مختلف، لا يتعلق بالسرطان وحده، بل بمنهجية التعامل معه.
إذا كانت لدينا سجلات وطنية متقدمة ترصد الأمراض، وإذا كانت لدينا دراسات قادرة على قياس التعرضات البيئية، فلماذا يبقى كل مسار يعمل بمعزل عن الآخر؟ ولماذا لا ننتقل إلى مرحلة جديدة تربط بين البيانات الصحية والبيانات البيئية لفهم الصورة بصورة أشمل؟
لقد حققت دولة قطر خلال السنوات الماضية إنجازات كبيرة في بناء منظومة صحية متطورة، واستثمرت في السجلات الوطنية، وفي البنية البحثية، وفي الجامعات والمراكز العلمية، وأصبحت تمتلك قاعدة بيانات صحية تعد من الأفضل في المنطقة. واليوم، تبدو الفرصة مهيأة للانتقال إلى مستوى أكثر تقدماً، لا يقتصر على تشخيص المرض وعلاجه، بل يمتد إلى فهم العوامل التي قد تسهم في تشكيل أنماطه، بما يدعم الوقاية ويعزز جودة السياسات الصحية.
إن إطلاق برنامج وطني تقوده وزارة الصحة العامة بالشراكة مع الجامعات ومؤسسة حمد الطبية ومؤسسات البحث العلمي والجهات الوطنية ذات العلاقة، لربط البيانات الصحية بعوامل الخطورة البيئية والسلوكية والمهنية والوراثية، سيكون خطوة استراتيجية تتجاوز حدود مشروع بحثي منفرد. فهذا النوع من البرامج يوفر قاعدة معرفية متكاملة تساعد على تحديد الأولويات الصحية، وتوجيه البحوث نحو القضايا الأكثر تأثيراً، وتعزيز السياسات الوقائية المبنية على الأدلة، بما ينسجم مع رؤية دولة قطر في بناء نظام صحي رائد يعتمد على المعرفة والابتكار.
إن الدعوة إلى مثل هذا البرنامج لا تعني أن البيئة هي السبب، ولا أن نمط الحياة هو التفسير الوحيد، ولا أن الوراثة يمكن تجاهلها. بل تعني أن الأمراض المعقدة تستحق أن تُدرس بالمنهجية نفسها التي تتسم بها، منهجية تنظر إلى جميع عوامل الخطورة بوصفها أجزاءً من صورة واحدة، لا ملفات منفصلة.
لقد بدأت رحلتي مع هذا المقال من غرفة علاج، لكنها انتهت أمام قناعة مختلفة تماماً. فالقصة الإنسانية كانت الشرارة، أما الاتجاه فقد رسمته البيانات، وأما الوجهة التي ينبغي أن نتطلع إليها فهي العلم.
قد لا نستطيع أن نمنع جميع حالات السرطان، لكننا نستطيع أن نفهمها بصورة أفضل. وقد لا نملك اليوم كل الإجابات، لكننا نملك المؤسسات، والكفاءات، والبيانات، والإرادة التي تمكننا من طرح الأسئلة الصحيحة والبحث عنها وفق أعلى المعايير العلمية.
ولعل أعظم ما يمكن أن نقدمه لكل أم تغادر غرفة العلاج لتعود إلى أطفالها، ولكل أسرة تواجه المرض بالأمل، ليس فقط تطوير وسائل العلاج، بل الاستثمار في المعرفة التي تجعل الوقاية أكثر دقة، والسياسات الصحية أكثر استباقية، والمستقبل أكثر قدرة على حماية صحة الإنسان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية / تميز مؤسسي
[email protected]
@faalotoum
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
12897
| 27 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2013
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1884
| 29 يوليو 2026