رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شكل الأداء الأمريكي حيال سعي الفلسطينيين إلى الاعتراف بدولتهم في مجلس الأمن نموذجا متجددا للانحياز ولما تستطيعه الضغوط والابتزازات الإسرائيلية عبر "اللوبي اليهودي"، إذ لم يكن كافيا أن تشهر إدارة باراك أوباما "الفيتو" لإحباط الطلب الفلسطيني وتعطيله، بل كان على هذه الإدارة أن تثبت ولاءً خالصاً لإسرائيل توسلاً لرضاها وتعاونها الإيجابي في انتخاب أوباما لولاية ثانية في البيت الأبيض.
ذهب أوباما في عملية إبداء الولاء هذه إلى أقصى ما يستطيع منذ منتصف مايو الماضي، انتهز خطاب التمجيد بـ"الربيع العربي" لإطلاق تحذير واضح بأن هذا الربيع يتوقف بالنسبة إلى الولايات المتحدة عند الخريف الإسرائيلي في نيويورك، كان يعرف انه يجازف بكل ما بناه من صورة حسنة لدى العرب والمسلمين في العالم، وانه يبدل مواقفه على نحو مستهجن، لكنه فعل، فمصلحته ومصلحة حزبه تأتي بالتأكيد قبل حقوق الشعب الفلسطيني.
وفي ذلك الخطاب وضع "الفيتو" باكراً على الطاولة، لئلا يظن "اللوبي" أو الإسرائيليون أنه بصدد القيام بمناورة خلال الشهور الفاصلة عن سبتمبر، وبذلك اختار أن يشكل دبلوماسيته باكرا جدا، فما دام مبعوثوه إلى الفلسطينيين وسائر العرب سيصلون مسبوقين بهذا الفيتو فإن قدرتهم على الإنجاز ستكون محدودة ان لم تكن معدومة، كان لابد إذا من حث الأوروبيين على التحرك لدعم الموقف الأمريكي، أي الإسرائيلي. لكن الأوروبيين وجدوا بدورهم انه طالما اختار أوباما أن يصبح بطة عرجاء فإنه ضرب أيضا حظوظ دبلوماسيتهم في تحقيق أي اختراق لدى الفلسطينيين.
مع ذلك، بذلت محاولات كثيرة، سرعان ما تبين انها انطلقت يائسة، فإذا لم يكن لديك منطق قوي ومتماسك لن تتمكن من الإقناع، وإذا لم تتوافر مغريات وازنة فلن تتمكن من إجراء نقاش مجد، عندئذ التفت الأوروبيون إلى إسرائيل إذا كانت تسعى فعلا إلى تجنب استحقاق "ايلول" أو "تسونامي" - كما سمته – فلتتقدم بأفكار يمكن أن تساعد الوسطاء، لم يكن لديها سوى شروط ومطالب وتهديد ووعيد. فهكذا خاضت المفاوضات، وهكذا أفشلتها، وهكذا تعتزم الاستمرار فيها، الفلسطينيون يعرفون ذلك والأوروبيون أيضا لكن الإلحاح الأمريكي كان يحضهم على المحاولة.
ما المانع والمزعج في ذهاب الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة؟ لاشيء يمنع، وكل شيء يزعج، إذ أن "عصابة الرباعية" حتى لو كانت تضم الأمم المتحدة لزوم الديكور، نشأت عام 2002 على أساس ان الملف الفلسطيني لن يعود له سوى وجود شكلي في المنظمة الدولية، وبالتالي فإن الحل والربط فيه أصبحا عند "الرباعية"، وبتفاهم أعضائها الذين يشملون الأمريكيين والروس والأوروبيين، وهذا "التفاهم" أوجب على الأمم المتحدة أن تكون حاضرة، رغم أن هذا الحضور هو على حساب دورها وشرعيتها، لكن "الرباعية" لا تعني أنها تضم أربعة أطراف متكافئة النفوذ والتأثير، انها طرف واحد هو الولايات المتحدة التي أبلغت الأطراف الثلاثة الأخرى أنها تريد مساعدتهم في الضغط على الفلسطينيين والإسرائيليين كي يتوصلوا إلى حل بالمفاوضات، فيما بعد، تبين أن الطرف الواحد، الأمريكي، هو أيضا الإسرائيلي، وقد اعترف العديد من الدبلوماسيين الأوروبيين بضيقهم من طريقة عمل "الرباعية" لأنها باتت مدعوة دائما إلى إيجاد أكثر الصيغ حذاقة لتبني الإملاءات الإسرائيلية المرسلة مع ساعي البريد الأمريكي، أي أن "الرباعية" تحولت إلى مصيدة واقعة تحت الإرادة الإسرائيلية، لكن أيا من أطرافها يستطيع الخروج منها طالما أن أمريكا مصرة على إدامتها، الروس يحققون عبرها مصالح لا علاقة لها بالمسألة الفلسطينية، والأوروبيون لا يمكن أن يتفقوا على خيار الانسحاب منها لأنهم اكبر جهة مانحة للفلسطينيين ويريدون على الأقل الاطلاع على ما يجري، أما الأمم المتحدة فدعيت إلى "الرباعية" ولبّت وهي تكتفي بدور المراقب، علما بأن الأمريكي-الإسرائيلي يستغلها لإخفاء "شرعية" وهمية على "الرباعية".
بين خطاب "الربيع العربي" وخطاب "الخريف الإسرائيلي"، كان أوباما قد تلقى ما اتفق المراقبون على تسميته "صفعة نتنياهو" وتبعتها صفعات عدة جعلت جميع المعنيين بالشرق الأوسط يؤكدون ألا شيء يمكن توقعه من واشنطن قبل الانتخابات الرئاسية، لذلك كان أوباما على المنبر الدولي يودع ملف الشرق الأوسط بـ"فيتو" يعرف تماما ما الذي يعنيه، انه يناقض ويمسح كل ما تفوه به منذ يوم تنصيبه رئيسا، لم تعد لديه سياسة خارج الإطار الذي حدده له "اللوبي"، وعصابة المتطرفين في حكومة نتنياهو.
لكن ما الذي يعنيه فعلا هذا "الفيتو"؟ إن أخطر ما يعنيه أن الولايات المتحدة موافقة ومتواطئة مع الأجندة الخفية لإسرائيل في مفاوضاتها مع الفلسطينيين، وقوامها أن "لا دولة" فلسطينية وإنما كيان حكم ذاتي مرتبط بإسرائيل، ليس من المبالغ فيه أن يشكك الفلسطينيون والعرب في أن تكون واشنطن مؤيدة فعلا لـ"حل الدولتين"، وليس مبالغة أن يشككوا أيضا في أن واشنطن تريد مفاوضات ندية، وحقيقية وذات مرجعية دولية مستندة إلى القرارات الدولية والحقوق المعترف بها للشعب الفلسطيني، هذا ما كشفته عملياً محاولة الفلسطينيين قبل الاعتراف بعضوية كاملة لدولتهم، إذ أنهم اقتربوا بها من الخط الأحمر الذي رسمه الأمريكيون والإسرائيليون، حتى أن الأوروبيين أوحوا بانقساماتهم في الرأي كأنهم هم أيضا لا يعرفون فحوى تلك الأجندة الخفية، أو لعلهم يعرفون لكنهم لم يتعرضوا لأي اختبار كي يحسموا مواقفهم، أو لعلهم أخيرا يعرفون ولم يوافقوا أصلا، وإلا فكيف يمكن تفسير هذه الثرثرة المستمرة منذ أعوام عن "الدولتين" وعن تأييد هذه الدولة وتلك لـ"دولة فلسطينية" ذات سيادة.
سبقت خطاب أوباما أمام الجمعية العامة وأعقبته سلسلة من التصريحات الهستيرية لأعضاء في الكونجرس ومرشحين جمهوريين للرئاسة تصف سياسته الشرق أوسطية بأنها مهزلة، بل تحمله مسؤولية وصول الفلسطينيين الى الامم المتحدة، ففي رأيهم انه كان عليه ان يمنع هذا المسعى ويحبطه في مهده، لذلك فإن البعد الآخر لـ"الفيتو" انه يريد إبلاغ الفلسطينيين انهم يخرجون عن قواعد اللعبة الوحيدة المسموح بها، وهي التفاوض برعاية "الرباعية"، وبمعزل عما يمكن أو لا يمكن أن يتحقق، وعدم البحث عن أي بديل آخر لا وجود له على أي حال، ولا معنى لهذا الإصرار على استئناف المفاوضات سوى أن على الفلسطينيين أن يعطوا موافقة ولو ضمنية على استمرار الاستيطان الذي سبق لأوباما أن أدانه لكنه من خلال "الفيتو" تخلى عن هذه الإدانة، وبات يعتبر الاستيطان حقاً مشروعاً لإسرائيل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6240
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5295
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
4116
| 10 سبتمبر 2026