رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إبراهيم عبدالرزاق آل إبراهيم

مساحة إعلانية

مقالات

306

إبراهيم عبدالرزاق آل إبراهيم

ماما عوده

26 أغسطس 2026 , 11:21م

كلمتان جميلتان باللهجة القطرية (الخليجية) ويشار إليهما إلى الجدة أو الجد (بابا عود)، وتحمل الكثير من معاني الحب والحنان والتلطف وإدخال السرور عليهما والاحترام لهما بهاتين الكلمتين. أرسلت إلينا ابنة أخي فاطمة بنت يوسف بن عبدالرزاق آل إبراهيم-حفظها الله- هذا البوح بالمشاعر عن فقيدة آل إبراهيم وآل عبدالله واليوسف بمدينة(الوكرة) الوالدة الغالية الحبيبة لدى الجميع أسماء بنت علي بن أحمد آل إبراهيم رحمها الله ورحم الجميع رحمة واسعة، وتأتي على هذه الكلمات قراءة تأمل وما تحمله من ذكريات فتأخذك العبرة والدمعة على "ماما عوده"، فتقول فيها…

"جدتي "ماما عوده" رحمها الله لم تكن جدةً ليّ فقط، بل قدوة النساء في حياتي.

رأيت فيها المرأة العابدة المحسنة الصابرة، فكانت نِعم الابنة والزوجة والجدة.

نِعم الابنة في برها وعنايتها بأمها عند كبرها إلى وفاتها-رحمها الله-.

ونِعم الزوجة في قيامها بشؤون بيتها ورعايتها لزوجها وأبنائها، ونِعم الجدة فكانت أمًا ثانية لنا كبرنا ونحن نلعب في أحضانها أمام عينها.

جدتي رحمها الله أرى فيها صفاتُ عبادُ الرحمن التي ذكرها البارئ في سورة الفرقان. كانت تمشي على الأرض بسكينة وتواضع، عابدة لربها، لسانها يلهج بتلاوة القرآن والذكر دائمًا. كانت قليلة الكلام وممن يصونون لسانهم عن كلام السوء. لا أذكر أني رأيتها يومًا غضبة، كانت دائمة السكينة، كُنت بعد زيارتها دائمًا أقول لأمي: “ماما عوده ملائكتها مرتاحة”.

ذكريات الطفولة لعلها مُغبشة في مخيلتي؛ لكني أتذكرها وهي في المطبخ في المنزل القديم تُعد الطعام، وأيضًا ونحن معاها في غرفتها نتنطط على (تختها) يعني سريرها كعادة الصغار.

هناك بعض اللحظة التي لا تزال مطبوعة في ذاكرتي لها مع جدي، خصوصًا جلوسهما بجنب بعضهما البعض، وعند وفاته رحمه الله حين ألقت عليه السلام الأخير، تودع رفيق دربها، أخذت تمسح على رأسه وتدعو له، كانا في عيشهما نموذج للمودة والرحمة والسكن، يجعلني أشعُر بالأسى على حال العلاقات الاجتماعية في هذا الزمن.

لا أنسى عندما كنتُ أزورها، كانت تسمع صوت إمام الحرم المكي أو المدني يقرأ في الصلاة، تتبع الآيات معه، وتقرأ من حفظها.

لا أنسى تلك اللحظة التي عندما اشتد عليها المرض وأقعدها وضعفت قواها، بدنها الضعيف بالكاد كان يحملها، لكن قلبها كان عامرًا بالله تعالى. في إحدى المرات كُنت جالسةً بجانبها فسألت من حولها: “أذن؟” كان قلبها معلقًا بربها والصلاة حتى في أضعف حالاتها.

هل هذا إيمان العجائز الذي قال عنه بعض العلماء؟!

كانت تبهرني عند سماعها لصوت الساعة التي تدق في مجلسها فتعرف من دقاتها الوقت!

كُنت أحيانًا أداعبها فأقول لها وأبي بجانبها: “ماما عوده هاوشي أبوي” فكانت تضحك.

كُنتُ أتدبر فيها خلق الإنسان؛ يكُن طفلاً ضعيفًا ثم شابًا قويًا ثم يعود ضعيفًا هرمًا (أرذل العمر).

كُنتُ أرى فيها بركة العُمر، بأن الله تعالى مدى في عمرها حتى تُكُثر من عبادتها وإن كانت عبادة قلبية لا يلقي لها بالاً من حولها.

جدتي هي نعمة من الله تعالى عليّ، فمنها تعلمت أن حوليّ قدوات من النساء عليّ أن اتبع اثرهن، واتعلم منهن، وأن بعض بنات ونساء هذا الزمان قد اعمت أعينهن ما تراه في وسائل التواصل الاجتماعي من نماذج نسائية اختزلن النجاح في الشهادة والوظيفة والمنصب وشعارات “تمكين المرأة”، في حين أن حقيقة “الفلاح” في هذه الدنيا بأن يكون الفرد عبدًا لله قائمًا بما أوجبه الله عليه بحسب دوره، وأن تكون له أولويات في الحياة، وهكذا كانت جدتي رحمها الله.

جدتي رحمها الله لا تعرف شيئًا عن حقوق المرأة ولا ما تقوله النسويات من تراهات وخزعبلات، بل كانت على فطرتها كأنثى، تعرف حقوقها وواجباتها تجاه ربها ونفسها وللآخرين.

البعض قد يقول نساء الزمن الماضي ضعيفات، مغلوب على أمرهن، صبرن لأنه لا خيار لهن، لكن أنا أقول هُن جبال أقمن بيوتًا وحافظن عليها، هُن الصابرات لأنهن فهمن أن الإنسان في هذه الدنيا يعيش في كبد، هُن غايتهن لم تكن دنيا بل جنات عرضها السماوات والأرض.

ذهبت جدتي لكن بقيّ عبق أثرها الحسن، وشجنُ ذكراها الطيبة"رحمها الله، ألا ما أصعب فراق ماما عوده!.

"ومضة"

رحمكِ الله يا “ماما عوده” وجمعني معكِ مع جدي (بابا عود) وأخي (أحمد) رحمهم الله وجميع الأحبة في الفردوس الأعلى على سرر متقابلين.

مساحة إعلانية