رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دفع الشعب التونسي ثمن الحرية واستقلال بلاده غاليا وقدم للوطن شهداء لم يعد الناس يذكرونهم لأن التاريخ حكم ألا يسجل في الذاكرة الجمعية سوى أسماء مشاهير الشهداء أي أولئك الذين كانوا زعماء في حياتهم واختارهم الله سبحانه للشهادة وهم أحياء عند ربهم يرزقون أمثال فرحات حشاد والهادي شاكر وصالح بن يوسف رحمة الله عليهم أما بسطاء المواطنين الذين جندلهم رصاص الاستعمار الصليبي التخريبي في لحظات الثورات المتعاقبة أو توفاهم الله على أيدي زبانية الأنظمة الفاسدة فإنهم مع مرور الزمن تمحى أسماؤهم من ذاكرة الأجيال ولا يبقى لبعضهم سوى نهج صغير أو زقاق ضيق في الحي الذي ولدوا فيه في مدينتهم أو قريتهم تحمل أسماؤهم بلا إشارة للسبب الذي من أجله أعطيت تلك الأسماء. وأذكر اليوم أحداث ثورة (يناير) 1952 في مدينتي القيروان وكنت طفلا صغيرا في الخامسة من عمري في أول سنة دراسية لي في مدرسة الفتح القرآنية التي يدرسنا فيها مناضلون وطنيون تعرفهم السجون كما تعرفهم فصول المدرسة أمثال محمد بودخان والطاهر عطاء الله وفي يوم 20 يناير انطلقت أول مظاهرة شعبية ضد الاستعمار وخرج الجيش الفرنسي من ثكنة القيروان للتصدي لها وإخماد جذوة التمرد العارم وأخرجنا مدرسونا من المدرسة صفوفا نلوذ بأسوار المدينة لنعود إلى ديارنا خوفا علينا وسقط أول شهداء القيروان وهو طالب من طلاب الزيتونة اسمه عمار القحطار كان يقود الشباب ويتقدم الصفوف ويعطي المثل حين جندله رشاش غادر فسقط الطالب الشاب على أرض عقبة بن نافع وطارق بن زياد والإمام سحنون والإمام السيوري وعبدالله بن أبي زيد وحين استقلت تونس وضعت البلدية اسمه على نهج صغير فيه دار الشهيد في حينا المتواضع (نهج عمار القحطار) رحمك الله يا عمار ولن ننساك أبدا في زحمة سوق التهريج السياسي الذي انتصب قبل وبعد 14 (يناير) في بلادنا. أما الشهيد الآخر الذي لا يعرفه أحد فهو الرجل الذي قاوم الاستعمار بالسلاح وعرفته الجبال أثناء معركة التحرير وهو المناضل أبوبكر العمامي الذي اشتغل منذ الخمسينيات في جريدة (العمل) التونسية لسان الحزب الدستوري والتي أسسها الزعيم بورقيبة سنة 1934 وكان عم بوبكر العمامي موظفا قائما على جمع ديون الجريدة من المؤسسات والشركات ويتقاضى عن عمله وجهده نسبة مئوية يخولها القانون لأنه يجري وراء مستحقات الجريدة بسيارته الشخصية ووقوده الخاص. وحين عينت في الجريدة من قبل بورقيبة رئيس تحريرها ومدير إدارتها سنة 1981 وجدت عم بوبكر على رأس عمله ولكن الذي وقع هو انقلاب 7 نوفمبر 1987 وبداية مسلسل الانتقام الرخيص من رئيس الحكومة الأستاذ محمد مزالي ورفاقه المقربين بعد أن خرجت أنا مع محمد مزالي إلى منفانا الفرنسي وشرعنا نقاوم الطاغوت منذ انتصابه ولم يكن معنا سوى دستوريين أمثال أحمد بنور وزير الدفاع ثم الأمن والطاهر بلخوجة وزير الداخلية وأحمد بن صالح وزير الاقتصاد وجميعنا طالتنا آلة القمع إلى جانب مجموعة من الإسلاميين أولهم الشيخ صالح كركر ورفاقه من شباب الصحوة وحين استولى على السلطة الجنرال ابن علي سلط علينا وزيره الأول الهادي البكوش فدشن عهدا غريبا من التهم الكيدية الملفقة ووظف حسن بن فلاح (عميد قضاة التحقيق) فكانت الملفات جاهزة والأحكام مملاة والضحايا يدخلون السجون لمجرد كونهم حطبا لإرضاء شهوات وأمراض سعيدة ساسي وخالها بورقيبة لأن زين العابدين حين تمكن من رئاسة الحكومة انساق وراء "رهاب" الزعيم الخرف الذي كان يرفع شعارا أجوف هو مقاومة الفساد. فانتقمت سعيدة من عدوتها اللدودة وسيلة بن عمار زوجة بورقيبة بتلفيق تهم ضد زوج ابنتها توفيق الترجمان وأحد المحسوبين عليها رئيس شركة تونس الجوية محمد بلحاج وعينت صديقها حمادي السخيري محافظا للبنك المركزي. لكن الهادي البكوش ألصق بي وبغيري تهما تتعلق بسرقة المال العام وكان أول من ألبس القضايا السياسية لباس الحق العام ولتمرير الكذبة حشر معي في نفس القضية أبوبكر العمامي ومن حسن حظي فررت بجلدي إلى باريس حيث منحتني الحكومة الفرنسية اللجوء السياسي بسرعة لكن المناضل بوبكر بقي في تونس وتحمل مأساة الوقوف عدة مرات أمام عميد قضاة التحقيق وهو مهدد بالسجن وكانت الصدمة قاصمة لظهره وهو المقاوم بالسلاح للمستعمر من أجل استقلال تونس.. هذه تونس التي عاش حتى شاهدها تتحول إلى سجن كبير ثم أوقفوه أمام رئيس المحكمة (الطيب بن عبيد) ولم يقدر على الوقوف فأمر له بن عبيد بكرسي ورفض بوبكر أن يجلس فهو ابن الجبال والسباسب التي عاش فيها سنوات الكفاح بطلا من أبطال الوطن. وبحكم معرفتي بالرجل أدركت أنه من شدة الصدمة بما آلت إليه أمور الوطن من الدرك الأسفل عاد إلى بيته المتواضع وقلبه الكبير لم يعد يتحمل تلك المظالم فانهار بجلطة في القلب رحمك الله يا صديقي ويا من ظلموك فقتلوك والأغرب في قصة الملفات الكيدية أن البكوش مدير الحزب آنذاك هو الذي بدأ يشن على كل رفاق مزالي حربا جائرة تمهيدا لتتويج ابن علي فأذن لمدير جريدة العمل الذي هو أنا بأن يدفع من ميزانية الجريدة عشرين ألف دينار للمحاسب منجي العتيري وهو من مقربيه ومن مواليد حمام سوسة أجرة مكتب محاسبته على ما سماه البكوش (سوء التصرف والاختلاس..!) فالجريدة تدفع للمحاسب المحسوب عليهم مبلغا هاما جدا في ذلك التاريخ (1986) ليعد ملفا ضدي وضد بوبكر العمامي! كل هذا كان يهون وتطوى صفحاته السوداء لولا أن رجلا مناضلا شهما اسمه أبوبكر العمامي توفي متأثرا بالإهانات والمرمطة والمظالم. وحين كنت في منفاي وسمعت خبر استشهاده أقسمت أن يأتي يوم أنعيه وأرثيه وأحيي أسرته التي تحملت الأذى بعد وفاته وأكشف للرأي العام جزءا بسيطا من عار الصراع على السلطة وضحاياها في الهزيع الأخير من خرف بورقيبة.
الشهيد الثالث هو المرحوم علي السعيدي الذي استقال من منصبه كموظف بوزارة الخارجية وانشق مثلنا عن مهازل أواخر عمر الزعيم وأصبح معنا في المنفى الفرنسي يدير شبكة من العلاقات المفيدة بشخصيات بارزة من أوروبا واستقر في مدينة (إيفرو) وكان يلازمنا ويسهل لقاءاتنا إلى أن أغراه نظام ابن علي بالعودة واعدا إياه بإصلاحات سياسية وسن العفو التشريعي فعاد إلى أرض الوطن وباشر وظيفته بوزارة الخارجية ثم اكتشف الخدعة سريعا وعاد للاتصال بنا في المعارضة المنفية حين التحق بنا محمد المنصف المرزوقي هو الآخر يائسا من وعود ابن علي وفي الأثناء رجعت أنا إلى أرض الوطن سنة 2000 واستقبلني ابن علي في قصر قرطاج وبدأ نوع من الانفراج لكن علي السعيدي تم اغتياله في ظروف غامضة وتواصل النفاق واستمر القمع وعاد النظام لاضطهادي سنة 2006 حين أصدرت كتابي (ذكريات من السلطة إلى المنفى) وشاركت في برنامج للجزيرة حول الفساد والقمع في تونس. رحم الله الشهيد علي السعيدي وأبقى ذكره حيا في وجدان الأجيال.
الأندية الرياضية وبناء الإنسان (1)
بعد أن رسّخت دولة قطر حضورها العالمي في مجال الرياضة، ونجحت في بناء منظومة رياضية متقدمة على مستوى... اقرأ المزيد
141
| 27 مايو 2026
... يبقى الأهل عزوة صلة لا تنقطع
ليس كل ما يحدث داخل العائلة يُحكى، فهناك مشاعر تُخفى احترامًا للعِشرة، وأوجاع نصمت عنها لأن الطرف الآخر... اقرأ المزيد
177
| 27 مايو 2026
حرب أم هيمنة؟
حاولت الابتعاد قليلا عما يحدث بين أمريكا وإيران، خاصة أن دولا مثل باكستان والصين وقطر والسعودية ومصر وتركيا،... اقرأ المزيد
207
| 27 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
2061
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1134
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1128
| 21 مايو 2026