رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

243

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

هل نحن في عالمنا هذا ينتظر عالماً جديداً؟

25 يناير 2026 , 02:22ص

نحن اليوم لا نعيش زمنًا عاديًا من تواريخ البشر، بل نقف عند عتبة مرحلة مفصلية تتشكل فيها ملامح عالم جديد بهدوء، دون إعلان رسمي أو لحظة فاصلة. فالعالم لا يتغير فجأة كما نتصور، بل يتسلل التغيير إلى حياتنا اليومية خطوة خطوة، حتى نجد أنفسنا نعيش واقعًا مختلفًا كليًا عمّا اعتدناه، دون أن نشعر متى بدأ التحول.

لسنا في عالم ينتظر التغيير، بل في عالم يعيد تعريف ذاته. أنماط الحياة، والعمل، والتفكير، والعلاقات الإنسانية تشهد تحولات عميقة لم يشهدها التاريخ بهذا التسارع. التكنولوجيا لم تعد مجرد أدوات نستخدمها، بل أصبحت بيئة نعيش داخلها. الذكاء الاصطناعي، البيانات الضخمة، والمنصات الرقمية باتت تتداخل مع قراراتنا اليومية، وتؤثر في رؤيتنا لأنفسنا وللعالم من حولنا.

العالم الجديد لا يُبنى فقط بالاختراعات، بل بانهيار مسلّمات ظلت لعقود طويلة تشكل أساس الحياة. لم تعد الوظيفة الدائمة ضمانًا للاستقرار، ولم يعد النجاح مرهونًا بشهادة واحدة أو مسار تقليدي. الأجيال القادمة قد لا تعرف مفهوم «المهنة الواحدة» طوال العمر، بل ستنتقل بين مجالات متعددة تتغير بوتيرة سريعة، حيث تصبح المرونة والتعلم المستمر أهم من الخبرة الجامدة.

وفي قلب هذا التحول، يبرز سؤال الإنسان ومكانته. فحين تستطيع الآلة أن تحلل، وتكتب، وتنتج، وتخطط، يثور القلق: ما الذي يتبقى للإنسان؟ والجواب ليس في الصراع مع التقنية، بل في العودة إلى جوهر الإنسان ذاته. فالقيم، والأخلاق، والضمير، والقدرة على الإبداع، والتعاطف الإنساني، كلها عناصر لا يمكن للآلة أن تستحوذ عليها مهما بلغت من تطور.

لكن العالم الجديد لا يحمل وعودًا وردية فقط، بل يحمل تحديات عميقة. الفجوة بين من يملك المعرفة ومن يفتقر إليها تتسع، والخصوصية باتت مهددة، والإنسان أصبح مكشوفًا أكثر من أي وقت مضى. في المقابل، يشعر الفرد بالعزلة رغم وفرة وسائل التواصل، إذ تحولت العلاقات في كثير من الأحيان إلى تفاعلات سريعة تفتقر إلى العمق الإنساني.

ويعيد هذا الواقع الجديد تعريف السلطة والنفوذ. لم تعد القوة محصورة في السلاح أو المال وحدهما، بل في القدرة على التحكم بالمعلومة، وتوجيه الوعي، وصناعة الرأي العام. من يملك البيانات، ومن يفهم الخوارزميات، يملك قدرة غير مرئية على التأثير في المجتمعات، دون حاجة إلى ضجيج أو استعراض.

أما الهوية، فهي أكثر ما يتعرض للاختبار في هذا العالم المتغير. تتشظى الهوية بين ما نعيشه فعليًا وما نعرضه رقميًا، وبين ما نؤمن به وما يُتوقع منا إظهاره. وفي غياب الوعي، قد يضيع الإنسان بين صور مصقولة وأدوار افتراضية، بينما يفقد صلته بجذوره وقيمه الأصيلة.

العالم الجديد أيضًا يفرض على الدول والمجتمعات إعادة ترتيب أولوياتها. لم تعد الثروات وحدها ضمانة للمستقبل، بل الاستثمار الحقيقي أصبح في الإنسان: تعليمًا، ووعيًا، وقدرة على الابتكار. المجتمعات التي لا تجعل التعليم مشروعًا وطنيًا مستدامًا، ستجد نفسها في موقع المتلقي لا الشريك، مهما بلغت إمكاناتها المادية.

ولعل أخطر ما في انتظار هذا العالم الجديد، أن البعض يظنه أمرًا مؤجلًا، أو شأنًا خاصًا بالأجيال القادمة، بينما الحقيقة أننا نعيشه الآن. كل تأخير في الاستعداد هو شكل من أشكال الغياب عن المستقبل. فالزمن لا ينتظر المترددين، ولا يمنح الفرص لمن يكتفي بالمشاهدة.

الاستعداد للمستقبل لا يكون بالخوف من التغيير، ولا بالانبهار الأعمى به، بل ببناء عقل نقدي قادر على الفهم والاختيار. أن نعلّم أبناءنا كيف يفكرون لا ماذا يحفظون، وكيف يتعاملون مع التقنية دون أن يفقدوا إنسانيتهم، وكيف يوازنون بين السرعة والتأمل، وبين الإنجاز والمعنى.

وفي خضم هذا التحول، يبقى السؤال الأخلاقي حاضرًا بقوة: كيف نستخدم ما نملك من قوة معرفية وتقنية؟ هل نجعلها أداة للهيمنة أم وسيلة للشراكة؟ هل نخضع الإنسان للأنظمة أم نطوّر الأنظمة لخدمة الإنسان؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد ملامح العالم القادم، لا مستوى التقدم التقني وحده.

في النهاية، العالم الجديد ليس قدرًا غامضًا ينتظرنا، بل نتيجة مباشرة لاختياراتنا اليوم. المستقبل لا يُمنح، بل يُصنع. ومن يعي لحظة التحول، ويستعد لها بوعي وقيم، سيكون جزءًا من صناعته لا ضحية له.

نعم نحن، في عالمٍ ينتظر عالمًا جديدًا، لكن الحقيقة الأعمق أن العالم الجديد ينتظر إنسانًا جديدًا: إنسانًا واعيًا، متوازنًا، متصالحًا مع قيمه، وقادرًا على أن يسير بثبات وسط سرعة الزمن. فهل نكون على قدر هذا الانتظار، أم نترك الغد يكتب قصته دوننا؟

مساحة إعلانية