رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سعدت جدا بالحضور اللافت للشباب في المعرض المهني المنعقد في لندن فبراير الماضي، بل وبالمؤسسات المهنية التي قدمت لاستقطاب الشباب للالتحاق في صفوفها، وكان لي شرف زيارته وتفقد كل أروقته وفيه من العروض مستجدة الطرح بالطبع ما لفت انتباهي، مما سيأتي ذكره.
وفي ذات الإطار المهني احتضنت العاصمة الأسترالية كانبرا منذ أسبوعين معرضا مهنيا أستراليا تم تنظيمه بالتعاون مع الجامعة الأسترالية الوطنية، وجامعة كانبرا والجامعات المتاخمة للعاصمة، كان الهدف ليس إيجاد فرص عمل للخريجين فحسب، بل تسهيل مهمة حصول الطالب على وظيفة في هذه المدينة وهي العاصمة الريفية الهادئة الوادعة التي طالما وصفت بأنها مدينة كبار السن، حيث تفتقر إلى مغريات المدينة السياحية التجارية التي غالبا ما تجذب فئة الشباب، خصوصا في ظل منافسة إغراءات سدني التجارية، وملبورن الثقافية.
لعل ما لفت انتباهي في المعرض الأسترالي هو أنه معرض مهني بمعايير نوع ومستوى الاحتياج المتبادل بين المهن، أربابها وطلابها، ووفقا لكفاءات الأفراد واهتماماتهم ودرجات تعليمهم، سواء في وظائف متعددة في عاصمة إدارية ودبلوماسية وبما فيها أيضا من وظائف أخرى حرفية أو مهنية تعزز مصدر دخل الطالب كعادة الأجانب أثناء دراستهم.
المعارض المتزامنة في لندن وأستراليا ذكرتني بموضوعين مهمين.
الموضوع الأول:
هو تقدير قيمة العمل كمهنة دون النظر إلى نوعه، أعني "البرستيج" عربي النكهة والصنع والمزاج، الذي يجعل أي خريج ثانوية عامة إذا لم يكمل تعليمه لدينا يفضل العمل المكتبي والإداري كسكرتير دون أن يتجشم عناء الدراسة أو دون أن يركز على عمل نوعي يطور فيه مستقبله، فكم من شبابنا وفتياتنا تركوا الجامعات والتحقوا بأعمال مكتبية فحسب دون اتخاذ مسارات لإكمال التعليم، أو تحقيق الاحتراف في هواية أو مهنة، أو دون استقطاب يذكر لهم حتى من قبل المعارض المهنية في قطر.
هنا أعود لما وعدتكم بذكره في مطلع المقال، ففي المعرض المهني القطري المنعقد في لندن التقيت بممثلي برنامج ومبادرة مهمة تثلج الصدر وهي مبادرة استقطاب الشباب القطري لسلك التعليم كمدرسين في برنامج "علّم لأجل قطر" وهي المهنة الأهم، خصوصا بعد النفور منها والهجرة الجماعية العكسية التي حدثت في قطر نحوها في السنوات الأخيرة.
كم كنت أتمنى أن يستقطب هذا البرنامج أيضا الأعداد المهولة من الشباب من الجنسين في قطر الذين تحولوا من الثانوية العامة إلى الأعمال الإدارية في الوزارات الحكومية دونما أي برنامج إرشادي أو مهني يوجههم لعمل مستقبلي يفيد مجتمعهم ويفيدهم، ودون أن تأخذ المبادرة الرائدة تلك بأيديهم نحو مستقبل تعليمي مشرق يحتذي بدبلوم التربية مثلا، أو ما يكون حديثا على غرار "دار المعلمين" القوية سابقا في الإعداد التي خرجت مدرسين أكفاء نذكرهم بالخير.
فمهنة التعليم ليست كأي مهنة وهنا يحضرني مثال، فبالأمس كنت أجلس مع بارونة في مجلس اللوردات في الحكومة البريطانية، تعمل ابنتها النابهة مدرّسة أطفال في مدرسة ابتدائية وهي خريجة ماجستير متمكنة ودارسة في أعرق الجامعات البريطانية.
"نعم" هنيئا لها ولهم، حيث يتم اختيار أفضل الكفاءات في الدول المتقدمة لمهنة التعليم، خصوصا للمرحلة الابتدائية.
الموضوع الثاني:
هو أنه يجب رفع قيمة العمل المهني ودفع الصورة النمطية عن الأعمال الحرفية أو الخدمية بما يحقق، وبفخر، اكتساب الأجيال التدريب في مجالها واكتساب خبراتها ميدانيا.
هنا يحضرني مثالان عمليان: الأول، يوم أن كنت أدرس في الجامعة الأمريكية وكان يوكل لزملائي الطلاب تطوعيا العمل بالساعات بأجر في مقهى الكلية المجاورة لكلية الإعلام للتدريب وكنت أحلم بأن أقوم به مثلهم، خصوصا أنهم يتدربون على كيفية إعداد أطيب قهوة في أطيب مقاهي كليات الجامعة - كلية العلاقات الدولية - وهذه الحرفة غرامي وهي احتراف مطلوب.
والمثال الآخر مجددا عندما كنت أحتسي كوبا من القهوة مع مجموعة من النساء والفتيات في أشهر مقهى في العاصمة الأسترالية –كانبرا، فأجد طالبات صغيرات يعملن في المخابز ويصنعن ويقدمن القهوة - وهذا متوقع في أي دولة أجنبية - حيث تشرع مجتمعاتهم للطفل وهو ابن 18 عاما أو 16 في بعض الدول أن يغادر أسرته ليشق طريق حياته بنفسه، وهذا ما نحمد الله أنه ليس لدينا، حيث تنص تعاليم ديننا على أن يكفل الوالدان أبناءهما حتى زواجهم.
ولكن المفاجأة هي أنني عندما سألت إحداهن: ما تخصصك؟ وكلي ثقة أنها جامعية، أجابت: أنا في آخر سنة في الثانوية وأعمل هنا لكي أحقق لي عائدا يمكنني من دراستي ويؤهلني للخبرة وللحلم الذي أريده، وأريد الالتحاق به كمجال للدراسة بعد عام.
لم تأخذني عبارة كونها طالبة ثانوية فحسب، بل الحلم أيضاً والذي قد يعتبره أبناؤنا القطريون والخليجيون هواية فحسب، لا مركزا مهنيا مرموقا، فهي تريد أن تصبح "شِيف" أي طباخا عالميا مشهورا.
طباخ نعم، بل وقد رسمت طريقها في أي مجال، ألا وهو "مجال الخَبْز"، بل ورسمت طريقها أيضاً في أي اتجاه في الخبْز ذاته، في اتجاه البايز "الشطائر الحلوة"، التي يشتهر بها الإنجليز والفرنسيون ومثلهم الأستراليون بالطبع.
حييتها على ذلك، والتفت إلى فتيات خليجيات صغيرات يدرسن في الثانوية والجامعة حولي قلت لهن: هل سمعتن؟.
وكنت أعني أنه يجب أن نجتهد ويجتهدن جميعا لأجل أحلامهن المهنية الاحترافية، وأن نجتهد لأن تحارب المهن الحرفية في الخليج الخجل الاجتماعي لتصل لبوابات الاحتراف العالمي.
إنه، ودون نقاش، أهمية تعددية الوظائف المطلوبة في سوق العمل الخليجي في كل وطن حسب مصادره وسوقه، لكن معرض كانبرا المهني أعادني إلى شجون البيروقراطية الدراسية والمهنية للعرب في تبجيل الكراسي وتقديس تخصصات الألقاب في ثقافة الـ"بشمهندش و"الطبيب" و"الدكتور" حتى لو كانت (االدال- نقطة) منتحلة ومشتراة بالمال.
بالطبع لست ألوم شبابنا على عدم اتخاذ الحرف مهنا مستقبلية مبجلة ومقدرة في مجتمعات المكاتب، ولكنني أنعي بشدة أيضاً ثقافتنا وأعرافنا وتعليمنا وممارسات ونظم مؤسساتنا المالية والإدارية الخجولة والمعيبة التي أشبعت الوظائف الإدارية احتراما ولكنها لم تلتفت إلى الاحتراف ولم تدخل بعدُ في عرف الأعمال الإبداعية، ولم تنل لا هي ولا التعليم أيضا- رغم أنه أصعب المهن - حظا مما نالته حتى الرياضة، إلا ما كان منها من قبل بعض المؤسسات الحديثة القليلة نسبيا بدعم مباشر وبرؤية سديدة للقيادة الحكيمة لسمو الأمير وسمو الأمير الوالد وسمو الشيخة موزا بنت ناصر، ونطمح منهم لمثلها المزيد، فلدينا مجالات استثمارية أخرى في التنمية البشرية تواكب الاحتراف، وتريد فقط من الأجهزة المعنية العودة للقوائم المنسية في أرفف الدولة من حملة الثانوية العامة أو المتقاعدين من الشباب، أو من أولئك الواعدين الذين لم يكتشف أحد بعد مهاراتهم واحترافهم.
التعليم في قطر والذكاء الاصطناعي في زمن ChatGPT
لا.. ChatGPT لا !! لا مرفوض … ممنوع! هذه ليست ردود أفعال مجتمع بين متعلم وغير متعلم أو... اقرأ المزيد
3153
| 11 سبتمبر 2024
درس الحروب.. احفظوا وثائقكم رقميا
تعطينا الحروب دروسا كل يوم، مع غمرة الألم نرى كيف يخرج الإنسان صامدا وغنيا في نفسه وإرادته ولكنه... اقرأ المزيد
1005
| 04 سبتمبر 2024
المقعد الأخير
ماذا يعني أن تكون في المقعد الأخير في المقهى أو المطعم؟ وماذا يعني أن تكون في المقعد الأول... اقرأ المزيد
1206
| 28 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3303
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1272
| 28 سبتمبر 2026