رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بداية.. لا بد من الاعتراف، دون حدوث اختلاف، قد يؤدي إلى خلاف، أن أمتنا العربية، تواجه خطراً وجودياً، وتهديداً جوهرياً، ومأزقا مصيرياً، يستهدف أمنها، ويمس حدودها، وينال من حقوقها، وينتقص من سيادتها، ويؤثر في ثوابتها.
وعلى وجه الخصوص، ثوابت القضية الفلسطينية، المهددة بالتصفية، المستهدفة بمخطط تهجير الفلسطينيين، خارج وطنهم، وطردهم بعيداً عن ديارهم، لكي يهيموا في القفاري، وينزحوا نحو البراري، ويتشردوا في الصحاري!
ولتنفيذ هذا المخطط الاستعماري، تحاول إسرائيل، بدعم من ترامب، وإسناد من اللوبي الصهيوني، وتشجيع من قوى الاستكبار العالمي، وتحريض من الإدارة الأمريكية، تشريد الفلسطينيين، أهالي قطاع غزة، وتهويد ما تبقى من أراضي فلسطين المحتلة!
ولعل ما يثير القلق، ويسبب الأرق، ويبعث على الحنق، في مختلف الأوساط العربية، أن الإدارة الأمريكية، المنحازة لإسرائيل بأقوالها، والمساندة لها في أفعالها، والمتبنية لها في مواقفها، تتبنى دبلوماسية «الجمرة المشتعلة» مع الفلسطينيين!
وتستخدمها حتى ضد أطفال فلسطين، ومن بينهم «حنظلة»، الذي يقف حافي القدمين، مرتدياً لباسه المقطع، الذي يشهد على فقره المدقع، ويكتب على الجدران المدمرة، والبيوت المحطمة، عبارة «ثورة حتى النصر»، وهذا في المفهوم الأمريكي، تحريض على «الإرهاب»!
وعلى هذا الأساس، فهي تناهض «حماس»، وغيرها من حركات المقاومة الوطنية، وتمارس خلال تعاملها مع الشأن الفلسطيني، بمختلف مكوناته، وكل توجهاته، وجميع اتجاهاته، سياسة كرة النار المتدحرجة، مما يشكل ضيقاً فظيعاً، وضغطاً رهيباً، على النظام الرسمي العربي.
ومع تواصل هذا الضغط الأمريكي، الضاغط على العرب العاربة، والمستعربة، نشعر أننا أمام مشهد طويل لا ينتهي، محذوف بقرار من الرقابة، من صالات العرض السينمائي، من فيلم «الأب الروحي»، الذي تم إنتاجه وعرضه عام 1972، ويجسد القصص المروعة، والجرائم المريعة، التي ترتكبها عصابات الجريمة المنظمة، في الولايات المتحدة.
وخلال الواقع الفلسطيني، يؤدي الرئيس ترامب شخصية «فيتوكورليوني»، زعيم عصابة المافيا، التي تسيّدت المشهد الإجرامي، في نيويورك، من خلال أداء دور الممثل «مارلون براندو» في الفيلم الهوليودي.
لكن رئيس الإدارة الأمريكية، أضاف لهذه الشخصية السادية، بعداً إجرامياً عالمياً، عبر قيامه بالتحريض العلني المباشر، لفتح أبواب الجحيم على الفلسطينيين، مما يشكل جميع أركان الجريمة العالمية المنظمة، التي تعاقب عليها القوانين الدولية، وتدينها الأعراف الإنسانية.
والملاحظ أن الولايات المتحدة، في عهد رئيسها ترامب- بعد عودته الرئاسية الثانية- تحاول فرض وقائع استعمارية في المنطقة، يتم استحضارها من أزمنة العصور الوسطى، وأيام القراصنة، والمستعمرين، الذين ينتهكون حقوق الآخرين، بشكل لا ينسجم مع روح العصر، ولا يتفق مع سيادة القانون الدولي.
ووفقاً لهذه المعطيات الخطيرة، تقف الأمة العربية، من أقصاها، إلى آخر مداها، حائرة، أمام مفترق طرق خطير، تتأرجح خلالها أقدامها على حافة الهاوية السحيقة:
- فإما أن تتخذ القرار، وتتحرك بعيداً عن الانحدار، وتتوجه لدعم الفئات الفلسطينية المسحوقة، وتتضامن لوقف الأطماع الصهيونية، المدعومة بالتصريحات «الترامبية» المسمومة..
- وإما أن تسير في طريق الانهيار، ليشهد التاريخ على نجاح الرئيس الأمريكي، في إجبار العرب، على تنفيذ مخططاته، التي تتجاوز القواعد القانونية، وتتخطى الحدود السياسية، وتنتهك المعايير الحقوقية، ليتم بعدها إعادة ترسيم الحدود الجغرافية، لصالح الحركة الصهيونية ومشروعها الجديد - القديم، المتمثل في تهجير الفلسطينيين خارج ديارهم، وطردهم باتجاه مصر والأردن وغيرهما.
والمؤسف، أن الإدارة الأمريكية، تعمل على إلغاء الواقع الجيوسياسي الحالي في قطاع غزة، دون مراعاة حقوق الفلسطينيين التاريخية الثابتة في أرضهم، ودون احترام سيادة الدول العربية، المجاورة للقطاع الفلسطيني، ودون اعتراف بالشرعية الدولية، ودون التزام بتطبيق القرارات الأممية، بكل حيثياتها القانونية، ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
وهذه التحديات الخطيرة كلها، وكل المخططات والتهديدات المنبثقة منها وعنها، تستوجب وقفة عربية جماعية - جامعة، تحت سقف الجامعة العربية للتأكيد على أن ما يتم ترويجه حالياً في واشنطن، وما يتم النفخ فيه، بالأبواق اليهودية، في «تل أبيب»، هو أمر مرفوض عربياً، ومدحوض قانونياً، وغير مقبول سيادياً، وغير مبرر سياسياً، وغير مرحب به.. لا أخلاقياً ولا إنسانياً.
ومع مواصلة النفخ اليهودي الكثير، وإطلاقه في ذلك الكير، والتكلم بالكلام الكبير، عن مخطط الهجرة والتهجير، تدفعني وحدة المصير، إلى التنبيه والتحذير، من ذلك التحدي الخطير.
ولكل هذا، أواصل الكتابة، واستطرد في التعبير، مستنكراً بشدة، تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية، الاستفزازية، التي يحاول من خلالها تمرير أفكاره الشيطانية، بشأن إقامة دولة فلسطينية في السعودية، أو غيرها من الدول العربية، لأن ذلك يشكل انتهاكاً متعمداً للقرارات الدولية، وخرقاً متعدداً لميثاق الأمم المتحدة، ويؤدي إلى نسف مساعي السلام المتعثرة في الشرق الأوسط.
وما من شك، في أن السلام العادل والشامل والمستدام لن يتحقق في المنطقة، إلا بعد تمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة، على حدود الرابع من يونيو 1967، وفرض سيادة الفلسطينيين على أراضيهم المحتلة.
وفي هذا السياق، أجدد الإشادة، بصفتي واحداً من أبناء الشعب القطري، بموقف قطر التاريخي، الثابت، والداعم لصمود الشعب الفلسطيني..
المناصر لقضية فلسطين العادلة، المؤيد لقرارات الشرعية الدولية، ومبادرة السلام العربية، التي تضمن إقامة الدولة المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية.
ولا أنسى، دعم المشروع القومي الأكبر، في تاريخ الأمة العربية، وهو إعادة إعمار قطاع غزة المدمر، مع بقاء الفلسطينيين في أراضيهم، دون تهجيرهم خارج وطنهم..
وتوفير فرص عمل للشباب الفلسطيني المقهور، والعمل على إخراجه من حالة القهر، وانتشاله من المعاناة والفقر، ليتمتع كغيره من شعوب الأرض، بالرخاء، ويحس بالعدالة، وينعم بالحرية، ويعيش الاستقلال، بعيداً عن تسلط الاحتلال.
وهذا يتحقق، من خلال الشروع في مشاريع الإعمار، التي ينبغي إنجازها بالسواعد العربية، والكفاءات العربية، والقرارات العربية، بمشاركة دول العالم الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني.
وإنفاذاً لكل ذلك، جاء تحديد موعد انعقاد القمة العربية، المقرر عقدها في «أم الدنيا»، في الرابع من مارس المقبل، بعد تأجيلها الصادم لبضعة أيام، ليعيد الزخم القومي، في عروق القضية الفلسطينية، ويشعل جذوة التفاؤل بإمكانية توحيد الجهود السياسية العربية، لتحقيق التضامن العربي المفقود، والوقوف صفاً واحداً، في مواجهة التهديدات الصهيونية المدعومة من الإدارة الأمريكية.
ولعل ما يميز القمة المرتقبة المصيرية، التي ستلئم في الرحاب المصرية، أنها ستعقد في شهر رمضان، هناك في القاهرة، العاصمة العربية، التي قهرت جميع الأعداء الطامعين.
ولا يحتاج الأمر إلى التذكير، بأن أعظم البطولات العربية، ارتبطت بشهر الصيام، وأعظمها انتصار العاشر من رمضان، الذي تحقق على العدو الإسرائيلي، في السادس من أكتوبر عام 1973.
وفي هذا النصر المبين، كان جنود الجيش المصري الباسل، بمختلف تشكيلاته، وجميع قطاعاته يحاربون على جبهات القتال، هناك على ضفاف القنال، وهم في حالة صيام، وألسنتهم تلهج «الله أكبر».
ومع هذا التكبير، نجحوا في تحطيم «خط بارليف» الذي كان يوصف، بأنه أكبر وأصلب وأقوى خط دفاعي إسرائيلي، عرفه التاريخ المعاصر.
ومن ذلك التاريخ المطرز بالانتصارات، إلى هذا الحاضر المستهدف بالمخططات، لا أنسى مع الإعلان عن عقد القمة العربية، في شهر رمضان، أن أكبر الفتوحات الإسلامية، تحققت في هذا الشهر العظيم، بداية من غزوة بدر، وهي المعركة الفاصلة في تاريخ المسلمين، مروراً بفتح مكة المكرمة، وصولاً إلى فتح الأندلس.
إضافة إلى المعارك الحاسمة، وأبرزها معركة حطين، وعين جالوت، وعمورية، والزلاقة، وغيرها.
وهذا يؤكد، أن في شهر رمضان تنبثق روح النصر، وأنه وسط التهديد الوجودي، تولد إرادة الفخر، ونأمل أن يتحقق ذلك، في القمة العربية المصيرية، التي ستعقد في العاصمة المصرية.
هناك في القاهرة، العاصمة القاهرة، التي قهرت عبر تاريخها الكثير من التحديات، وأبطلت الكثير من التهديدات، وأفشلت العديد من المؤامرات الخارجية.. هناك ستعقد القمة العربية، في أمسية رمضانية، تحت عنوان واحد، هو إفشال المخططات الصهيونية التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وتشكيل جبهة عربية صلبة تتصدى للمشروع الصهيوني وتعمل على إعادة إعمار قطاع غزة دون تهجير سكانه وأهله.
.. هناك في القاهرة، حيث ترتفع المآذن، وتعلو المنارات، وحيث يسكن الإيمان في القلوب، والأزقة، والدروب، والعمارات، وحيث يرتفع الأذان إلى العنان، في شهر رمضان، عندما يصدح «الله أكبر»، بصوت الشيخ أبو العينين شعيشع، الذي «يشعشع» الأمل، في النفوس المحبطة، ويطرد الإحباط الذي «يعشعش» في القلوب المحطمة، ويزيل الاضطراب، الذي «يشوش» العقول المرتبكة.
.. هناك في القاهرة الظافرة، ستعقد القمة العربية، في عاصمة انتصار العاشر من رمضان، حيث تسمع «شقشقة» عصافير الأمل في الصباح، وحيث الديك «بيدن كوكو كوكو» في الفجرية، على طريقة سيد درويش، ملحن النشيد الوطني المصري «بلادي بلادي بلادي، لك حبي وفؤادي»، والذي ألّفه محمد يونس القاضي.
.. هناك يقف الديك المصري، فوق برج القاهرة، يوجه النداء القومي، إلى أمتنا العربية، لتستيقظ من سباتها العميق، وتدافع عن تاريخها العريق، وتتوحد أمام الهجمة الصهيونية الوحشية، المدعومة من الإمبريالية الأمريكية.
.. هناك في القاهرة العريقة، صاحبة القصص، والمليئة بالحكايات، والزاخرة بالروايات المدهشة، التي كتبها نجيب محفوظ، والقصائد التي صاغها الأبنودي، والألحان، التي هندسها بليغ حمدي.
.. هناك في القاهرة، سنسمع خلال انعقاد القمة العربية، لحن الانتصار المدوي، الذي لحنه الموسيقار العبقري، بليغ (ملك الموسيقى)، وكتبه الشاعر عبدالرحيم منصور «بسم الله، الله أكبر، بسم الله، بسم الله».
.. هناك في القاهرة الشعبية العتيقة، بكل حواريها، وجميع حوانيتها، وكافة أزقتها، ومشربياتها، ومقاهيها سنسمع خلال القمة العربية، نشيد:
«حلوة بلادي، السمرا بلادي الحرة».
.. هناك وسط مبانيها، سنسترجع قصة بانيها «الحلواني»، الذي أضاف اللمسة الحلوة، على شخصيتها الحلوة، وأضاف الحلاوة على ناسها الرايقين، وأهلها الطيبين، وسكانها الحلوين.
.. هناك في القاهرة، التي تشتهر بأجوائها الروحانية، في الليالي الرمضانية، ستعقد القمة العربية، بينما تتهادى على المسامع ابتهالات الشيخ «النقشبندي»، وهو يبتهل بصوته الرنان، منشداً روائع البيان، التي تحرك جذوة الإيمان، في داخل الإنسان، وتعتبر أشهر ملامح شهر رمضان، وأشهرها ابتهال «مولاي إني ببابك قد بسطت يدي».
ومع تلك اليد «المبسوطة»، أو الممدودة إلى السماء، والألسن التي تلهج بالدعاء، في كل صباح ومساء، لا يمكن أن ننسى صوت محمد عبدالمطلب، الذي يعتبر أيقونة شهر الصيام، وهو يعبر عن مشاعر الناس، التي تتصاعد مع حركة الأنفاس، ويترجم بكل إحساس، فرحة المصريين بقدوم الشهر الكريم، خلال أغنيته الشهيرة:
«رمضان جانا، وفرحنا به بعد غيابه، وبقاله زمان».
.. هناك في القاهرة، التي تجمع العرب تحت مظلتها، وجه الأمين العام لجامعة الدول العربية، دعوة حماسية، لحركة حماس، وطالبها بشكل حماسي، بالتخلي عن إدارة قطاع غزة.
ولأن هذه الحركة الفلسطينية، التي تقود المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، لا تحتاج إلى دعوة «أبو الغيط» لتأكيد أنها لا تتمسك بحكم القطاع، ما دام ذلك يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني، وقضيته العادلة، في هذه المرحلة المصيرية.
من الواجب على «أبو الغيط»، المتحمس بشدة للموقف الحماسي، إثبات أن موقفه السياسي، ينبع من قناعة ذاتية، وليس من توجيهات خارجية!
وهذا لن يتحقق، إلا من خلال تطبيق «نكران الذات»، على نفسه أولاً، والمبادرة بالتخلي عن منصبه القيادي في الأمانة العامة، التي تشهد في عهده حالة غير مسبوقة من الضعف والوهن والهوان، والانفصام عن الواقع.
ويكفي أن «الأمين العام»، لم يكلف نفسه بزيارة قطاع غزة، ولم يبادر بزيارة مدينة «العريش» المصرية المتاخمة للقطاع الفلسطيني، لتفقد أحوال الجرحى الفلسطينيين الذين يتلقون العلاج في مستشفى المدينة.
ولم يفكر ـ مجرد التفكير ـ بالوقوف من بعيد، أمام بوابة «معبر رفح»، والتقاط صورة «سيلفي» أمام المعبر، عند الجانب المصري، وهو يمسك بعلم فلسطين، ويلوح به بيده اليمنى، أو علم الجامعة العربية، أو علم «نيكاراغوا»، التي بادرت بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، تضامناً مع الشعب الفلسطيني، واحتجاجاً على استمرار العدوان الإسرائيلي، ورداً على الإبادة الجماعية الوحشية، التي ترتكبها الحكومة الصهيونية الفاشية، ضد الفلسطينيين!
وكان يمكنه الذهاب إلى هناك، وفي يده «كوباية» شاي، أو صينية «بسبوسة»، أو «ربطة خبز»، في دلالة رمزية تعبر عن تضامنه مع أطفال غزة وأهاليهم، ورفضه لتجويعهم، ووقوفه إلى جانبهم، وسعيه لكسر وطأة الجوع، الذي تعاني منه تلك الجموع، التي لم تعرف «الهجوع»، ولا كيفية الرجوع الآمن إلى منازلهم والعودة الى بيوتهم المدمرة، ويعانون الحرمان، ويحتاجون إلى الدعم والرعاية وتوفير الأمان، والكثير من الحنان من الجامعة العربية.
لكن «أبو الغيط» اكتفى بإرسال، مساعده «حسام زكي» لزيارة المعبر في منتصف الشهر الجاري، بعد مرور أكثر من عام على إطلاق الصاروخ الإسرائيلي الأول، على قطاع غزة!
وهذا يؤكد إشكالية القصور، ومشكلة التقصير، في تعامل الأمانة العامة، مع مأساة الفلسطينيين، بسبب اتباعها الأسلوب الإداري السقيم، والأداء العقيم، الذي لا يستقيم، مع معاناة الشعب الفلسطيني العظيم.
وربما لا يعلم «أبو الغيط»، أن «أنطونيو غوتيرش» الأمين العام للأمم المتحدة، حضر خصيصاً من نيويورك، للتضامن مع الفلسطينيين، وقام بزيارة تضامنية في شهر مارس الماضي، إلى رفح الواقعة على بعد أمتار، من الخاصرة الرخوة في قطاع غزة، وتوقف أمام بوابة المعبر، ووجه حديثه لأهالي القطاع قائلا:
«لستم وحدكم».
كل هذه المواقف، وتلك الوقفات، تؤكد أن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية تعيش في عهد أمينها العام، حالة مأساوية، من الترهل الإداري، والانتفاخ الذاتي، والانفصال التام عن قضايا الأمة، الذي يستوجب على «أبو الغيط» التخلي الفوري، والتنازل الطوعي عن المنصب القيادي.
ما بين ضفتي الخليج
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع... اقرأ المزيد
87
| 06 أبريل 2026
الأنفاس الأخيرة للحرب
اليوم تنتهي المهلة التي كان الرئيس الأمريكي قد منحها لإيران لإبرام اتفاق أو فتح مضيق هرمز وإلا كما... اقرأ المزيد
48
| 06 أبريل 2026
غادر.. بكرامتك!
التجاوز ليس ضعفًا كما يُظن، بل مهارة نجاةٍ يتقنها المرء حين يختار كرامته على حساب الاستنزاف؛ فبعض المعارك... اقرأ المزيد
42
| 06 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان صانعي القرار، قد تكون الحرب اختباراً للقدرات والإمكانات وللقدرة على الصبر وتحمُّل أعباء خسائر الحرب من قتل ودمار ولكن صانعي القرار ومن هو مسؤول عن دولة وعن نظام وعن شعب يجب أن يظل حاضراً في ذهنه ماذا بعد الحرب، فقد عانت إيران من الحصار لأكثر من 40 سنة مما دفع بالكثير من بنيتها التحتية وبنية قطاع الطاقة للتهالك خلال تلك الفترة، فإذا جاءت الحرب بدمارها من جديد فإن موضوع الإعمار إن كان قبل الحرب ضرورة فإنه بعد الدمار وبعد الحرب ضرورة قصوى، كما عانت إسرائيل من دمار سنين الحرب السابقة للحرب على إيران ويزداد الدمار يوماً عن يوم وبوتيرة متسارعة يدفع للتساؤل من أين سيأتي الإعمار. عندما تضع الحرب أوزارها ستكون إيران منهكة كلياً وتحتاج للإعمار، في الوقت نفسه أمريكا لم تعد قادرة على الإعمار فأعباء الديون على أمريكا يجعلها في خطر فقدان القدرة على الوفاء بخدمة الدين وفقدان جدارتها الائتمانية التي استمتعت بها على مدى عقود وعقود ولذلك فتوقع أي إعمار من أمريكا توقع يفتقد للموضوعية، وإسرائيل في نفس المعضلة ولذلك من سيكون قادراً على الإعمار سوى دول الخليج لوفرة رؤوس الأموال وعمق صناديق الاستثمار والاحتياطات الكبيرة المتوفرة في القطاع المصرفي والمصارف المركزية لديها والقدرات في تجاوز تبعات الحرب بشكل سريع، ولذلك مراعاة أمن دول الخليج من قبل الأطراف المتحاربة كونها ليست طرفا في الحرب فهي ضرورة أساسية لما بعد الحرب، إذن من يملك القدرة على الإعمار هي دول الخليج، فمن الحكمة لصناع القرار من البيت الأبيض وطهران وغيرها الأخذ في الحسبان عدم توتير العلاقة مع دول المنطقة والعمل على عدم تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لدول الخليج. إذا أراد النظام الإيراني البقاء فهو يعلم أنه ملزم بتوفير ما يطلبه الشعب الإيراني ما بعد الحرب من إعمار ومستشفيات وغذاء واقتصاد وعملة مستقرة، هل سيكون قادرا لوحده على الإيفاء بمتطلبات الشعب الإيراني بعد الحرب، فترامب أقصى الحلفاء واستهزأ بهم وادعى أنه لا يحتاج أحداً فأمريكا لديها القدرات والإمكانات أن تعمل ما تريد ورأيناه حين أغلق مضيق هرمز يبحث عن دعم الحلفاء ويضرب أخماسا بأسداس على أنهم تبرأوا منه حين الحاجة، فهل ستجد إيران نفسها بعد الحرب بحلفاء قادرين على إعمار ودعم الاقتصاد الإيراني والاستثمار فيه أم ستكون وحيدة تضرب أخماسا بأسداس على أنه ليس هناك من له رغبة في إعمار إيران أو الاستثمار فيها. قد يعتقد البعض أن إيران استطاعت أن تتحمل الحصار الاقتصادي وكانت قادرة على الاستمرار في تلك الظروف ولأنها استمرت لفترات طويلة استطاع الشعب الإيراني التعايش معها ولو أنه كان هناك فترات فقد فيها مثل هذا الهدوء فعندما تتراجع العملة بشكل كبير ويرتفع معدل التضخم لدرجات غير مسبوقة فإن الشعب الإيراني يخرج في الشوارع. فما حدث في الأربعين سنة الماضية شيء وما سيحدث بعد وقف الحرب مباشرة شيء آخر سيكون كل يوم ما بعد الحرب معادلا لفترة ما قبل الحرب، فالدمار وحضور مثل هذا الدمار أمام التجار وأمام السوق وأمام الشعب سيبعث على التشاؤم وإن حدث هذا دون أي أفق يبعث على الأمل سنرى تراجع التومان العملة الإيرانية كما لم نره سابقا وستزداد معدلات التضخم بشكل غير مسبوق وسيفقد الناس الأمل في حياة أفضل ولذلك سيفقد النظام قدرته على إدارة الدولة، أما إذا كان هناك رؤية لمشاريع إعمار فانها ستكون الداعم الحقيقي للنمو الاقتصادي والنشاط الاقتصادي وسيملأ الناس الأمل بأنه ما بعد الحرب هو وضع أفضل مما قبل الحرب فإن طغى على الناس الإحساس بالأمل وبالعمل وبالاستثمار سيكون هناك استتباب في إيران، أما إذا طغى التشاؤم وفقد الناس الأمل قد تفقد إيران الكثير من وحدتها لأن كل منطقة سترى أنها أقدر على إدارة شأنها الاقتصادي وأن طهران لم تعد قادرة على مد يد العون. وما لم تحققه أمريكا وإسرائيل في حربهما لتفكيك إيران سيتحقق ما بعد الحرب إذا لم يكن هناك مشاريع إعمار، كل يوم تستمر فيه الحرب تزداد فيه الحاجة للإعمار، فكما عمَّرَت قطر بقيادة الأمير الوالد جنوب لبنان في حرب 2006 من سيعمر جنوب لبنان ومن سيعمر إيران وإلى أي مدى غزة والضفة وإيران وجنوب لبنان سيكونون في حاجة ماسة للدعم ولمشاريع الإعمار.
16755
| 30 مارس 2026
كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية في الأدب الغربي؛ إذ نشأت غالبًا من تصورات وثنية تحاول تفسير الكون عبر صراعات الآلهة وتدخلها في حياة البشر. فمن هرقليز ورأس ميدوسا وعقب أخيل، مرورًا بقصص الخالدين والمستذئبين ومصاصي الدماء، إلى الأبطال الخارقين الذين يقارعون الكائنات الفضائية، والقائمة لا تنتهي. وللشرق كذلك منها نصيب وافر، فإيزيس وأوزريس في مصر الفرعونية وجلجاميش في العراق القديم الذي ثلثاه إله وثلثه بشر، وجارودا في الهند ذلك الكائن ملك الطيور نصفه إنسان والنصف الآخر صقر، وآديري أرض الموتى في ماليزيا، وغيرها الكثير، يتجلى فيها حضور الخيال بوصفه أداة لفهم العالم أو الهروب منه. هذا التراث الأسطوري، بما يحمله من خرافات حول النجوم والأرقام والتعاويذ والقوى الخارقة، دفع بعض أبناء الأمة إلى التساؤل: لماذا خلا التراث الإسلامي من هذا اللون الأدبي؟ ربما السؤال الأجدر بالطرح هو: لماذا لم يُقبل المسلمون في عصور الترجمة الزاهرة على نقل هذه الأساطير كما فعلوا مع علوم الفلسفة والطب والرياضيات؟ الحقيقة أن هذه الأساطير كانت في جوهرها محاولة لملء فراغ نفسي ومعرفي لدى الشعوب التي نشأت فيها، نتيجة غياب تصور واضح لعلاقة الإنسان بالكون، ومن هنا لم يكن غريبًا أن تتسلل هذه النزعة حتى إلى الفكر العلمي الغربي، كما ظهر عند فرويد الذي استند إلى أسطورة أوديب في بناء نظرياته حول النفس البشرية. في المقابل، لم يلتفت العقل الإسلامي إلى هذه الأساطير، لأنه كان مشبعًا برؤية واضحة ومتماسكة للكون والإنسان، فقد قدم الإسلام تفسيرًا متوازنًا للوجود، ينسجم مع العقل، ويمنع الوقوع في الحيرة أمام الغيبيات. المنهج الإسلامي ضبط هذا المجال ومنع الانزلاق في متاهات الميتافيزيقا، فبيّن حقيقة الملائكة والجن، وحدد طبيعة النجوم والكواكب، مؤكدًا أنها لا تملك نفعًا ولا ضرًا، ولا علاقة لها بمصائر البشر. كما حارب الإسلام الخرافات المرتبطة بالمرض والعلاج، وأبطل الطقوس الكهنوتية التي كانت تعزو الأمراض إلى الأرواح الشريرة، وأرسى مبدأ واضحًا: أن لكل داء دواء إلا الموت. ويتجلى هذا التصحيح في موقف النبي عند كسوف الشمس يوم وفاة ابنه إبراهيم، حيث قال: (إن أهل الجاهلية كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله به عباده). بهذا المنهج، وجّه الإسلام الإنسان إلى التأمل في الكون بعقلية علمية، مما مهّد لقيام المنهج التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الحديثة. لذلك، اتسم الأدب الإسلامي، خاصة في عصور ازدهاره، بالواقعية، واعتمد على نقل الأحداث وتوثيقها، حتى اشتهر بأسلوب العنعنة. وحتى القصص الرمزية، كالحوارات بين الحيوانات، لم تكن تهدف إلى ترسيخ الوهم، بل إلى تقريب المعاني والعِبر، مع وضوح أنها مجرد وسائل تعليمية. إن ابتعاد المسلمين عن الأسطورة لم يكن نقصًا، بل كان نتيجة طبيعية لقيمهم التي قامت على الشجاعة والكرامة والعمل، لا على الهروب من الواقع، فترى أشعارهم تعبر عن هذه الروح، فعلى سبيل المثال يقول الإمام الشافعي: ما حكّ جلدَك مثلُ ظُفرك....فتول أنت جميعَ أمرك من هنا، فإن خلو التراث الإسلامي من الخرافات يُعد ميزة لا عيبًا، ولم تظهر النزعة إلى تقليد الأساطير إلا في فترات الضعف، حين فقدت الأمة توازنها، وبدأت تبحث عن بدائل خيالية تعوض الفراغ النفسي. ومع ارتكاز صناعة السينما العالمية والأدب الغربي على الأسطورة والخرافة والشخصيات الخيالية، ومحاولات محاكاة هذا النمط في العالم العربي والإسلامي عن طريق الدراما والقصة والرواية، ازداد تعلق الأجيال بالخيال على حساب الواقع، رغم ما يحمله ذلك من آثار تربوية وثقافية وخيمة. في المقابل، يزخر التاريخ الإسلامي بقصص حقيقية وشخصيات ملهمة، لكنها تحتاج إلى إعادة تقديم في قالب أدبي جذاب يجمع بين التشويق والرسالة. وليست هذه السطور رفضًا لأدب الخيال العلمي والأساطير بشكل مطلق، بل هي إشارة إلى ضرورة التوازن بين الواقع والخيال، فنحن لسنا بحاجة اليوم إلى استنساخ الأساطير، بل إلى إنتاج أدب هادف يعبر عن القيم، ويكون وسيلة للبناء لا للهروب، فالأدب الحقيقي ليس الذي يغرق في الوهم، بل الذي يضيء الطريق أمام الإنسان ليعيش واقعه بوعيٍ وإرادة.
2985
| 30 مارس 2026
-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها قبل أن تصدر - نسمع كلاماً «منمقاً» من إيران ونرى أفعالاً عسكرية تستهدف عواصمنا الخليجية - 5290 صاروخاً ومسيّرة إيرانية على الخليج مقابل 980 على إسرائيل بنسبة 15 % ! - العالم صُدِم من نقل المعركة من العمق الإسرائيلي إلى العمق الخليجي بكل من فيه وما فيه - قطر استنكرت قصف الكيان الإسرائيلي حقل «بارس» الإيراني.. فماذا كان رد طهران؟! - لولا الله ثم كفاءة دفاعاتنا لرأينا دماء سالت وضحايا سقطوا ومرافق هدمت ومنشآت دمرت - جهود دبلوماسية مكثفة قامت بها قطر لإيجاد بيئة تفاوضية بين إيران والاتحاد الأوروبي - إيران تحرق «سفن» العودة لعلاقات مستقرة بينها وبين جوارها العربي -الاعتداءات الإيرانية على الخليج بعد أقل من ساعة من الضربات الإسرائيلية الأمريكية وكأن القائمة محضّرة مسبقاً بداية.. وقبل كل شيء.. لا أحد في دول الخليج رحب بالضربة الإسرائيلية الأمريكية على إيران.. بل إن الخليج لم يكن على علم بالضربة الأمريكية الإسرائيلية التي حدثت يوم 28 فبراير.. الذي حدث أن إيران لم تترك مساحة لهذه الإدانة والرفض بصوت مرتفع.. ولم تترك فرصة للخليج لكي «يتنفس».. فقد أحرقت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية بيان التنديد والرفض الذي كان سياسيو الخليج عاكفين على صياغته.. إيران بعد ساعة من الضربة الإسرائيلية الأمريكية وجّهت صواريخها لدول الخليج العربي قبل أن توجهها للكيان الإسرائيلي، منتهكة بذلك حرمة الإسلام والدين والجوار، قبل أن تنتهك السيادة الوطنية للدول الخليجية، وكأن قائمة الاستهداف لدول الخليج جاهزة ومحضّرة من قِبَل إيران قبل أن تبدأ الضربات الإسرائيلية الأمريكية التي لم تعلم بها دول الخليج أصلا..!! قطر والخليج كله - شعوبا وحكومات - صدم من هذه الخطوة الإيرانية التي نقلت المعركة من استهداف عمق الكيان الصهيوني إلى استهداف عمق دول الخليج بكل ما فيها ومن فيها.. الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وصلت إلى عواصم الخليج.. الدوحة والرياض والكويت والمنامة وأبوظبي ودبي.. قبل أن تصل إلى العمق الصهيوني.. فمن ضرب إيران هو الكيان الإسرائيلي وأمريكا وليست دول الخليج. نددت قطر واستنكرت في صباح يوم 18 مارس بعد أقل من ساعة من قيام الكيان الإسرائيلي بقصف حقل «بارس» الإيراني للغاز، فماذا كان الرد الإيراني وكيف كافأت إيران دولة قطر؟ الرد الإيراني لم يكن على الكيان الإسرائيلي الذي ضرب منشآتها للغاز، بل كان على قطر.. إيران كافأت قطر قبل المساء في نفس يوم 18 مارس بعد أقل من 8 ساعات بقصف مدينة راس لفان وحقل الشمال للغاز، مما أدى إلى إعلان قطر للطاقة عن القوة القاهرة بعد توقف إنتاج الغاز من حقل الشمال. هكذا ردت إيران على موقف قطر المندد للعدوان الإسرائيلي على منشآتها الحيوية.. والأغرب أن قطر والشقيقة سلطنة عمان كانتا منخرطتين حتى اللحظات الأخيرة - قبل بدء الضربات - لإيجاد حل دبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وبالرغم من ذلك أمطرت إيران سماء قطر بالصواريخ والمسيّرات، بعد لحظات من قيام الكيان الإسرائيلي وأمريكا بتوجيه ضربات لإيران، بل حتى الشقيقة عمان لم تسلم من رشقات لطائرات مسيّرة استهدفت الأراضي العمانية.. ! ولولا الله أولا، ثم الكفاءة العالية لرجال الدفاع والأمن وجاهزية المنظومة الدفاعية والأمنية في قطر والخليج عموما لرأينا دماء سالت بغزارة، وضحايا سقطوا بكثرة، ومرافق حيوية هدمت، ومنشآت دمرت، وبنى تحتية خربت، ومطارات ومحطات مياه وكهرباء وغاز استهدفت، وأرزاق الناس قطعت... كلا لا أبالغ في ذلك.. هل تعلمون أن عدد الصواريخ والمسيرات التي أطلقت على دول الخليج حتى يوم 31 مارس بلغ 5290 صاروخا ومسيرة بنسبة 85%. فيما عدد الصواريخ التي أطلقت على إسرائيل حتى يوم 31 مارس بلغ 980 صاروخا ومسيرة بنسبة 15%. بل حتى صبيحة عيد الفطر المبارك، والمصلون يؤدون صلاة العيد بالمساجد في عواصم خليجية، كانت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية تنهمر عليهم.. لم تراعِ إيران حتى قدسية هذا اليوم، الذي هو عيد ويوم فرح عند المسلمين، وهي الدولة المسلمة والجارة.. إيران تقلص - وتكاد تنفد - مخزونها من الصواريخ والمسيرات باستهداف دول الخليج العربي وليس الكيان الإسرائيلي، وهذه حقيقة. ماذا لو صححت إيران بوصلتها باتجاه الكيان الإسرائيلي، وحوّلت ما ترسله للخليج من صواريخ إلى هناك، أليس هذا هو المنطق؟، خاصة أن دول الخليج أعلنت أنها لن تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها وتنأى بنفسها عن أي صراع. الجميع يتذكر جيدا الموقف الخليجي من الضربات الإسرائيلية الأمريكية على إيران في يونيو 2025 - ما عرف بحرب 12 يوما - فقد اتسم موقف دول الخليج بالرفض الصريح والإدانة للضربات، وتمسكت بمسار التهدئة والحوار وعدم التصعيد، وحذرت من انزلاق المنطقة لحرب إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة عليها، وأعلنت - كما حصل مع هذه الحرب - أنها لن تسمح باستخدام أراضيها، أو أجوائها لشن هجمات ضد إيران. والأكثر من ذلك أن من قام بالوساطة لوقف الحرب على إيران هي قطر، رغم ما لحقها من أذى واستهداف من إيران آنذاك إلا أنها تسامت على كل ذلك من أجل المصلحة العليا للمنطقة وشعوبها، والحفاظ على الأمن والاستقرار، قبل أن تتهاوى المنطقة برمتها في أتون صراع لا آخر له. إيران خسرت ليس فقط الدول الخليجية، بل قبل ذلك خسرت تعاطف شعوب المنطقة ، ففي حرب «12» يوما التي شنت عليها في يونيو 2025 كان هناك تعاطف شعبي عربي معها بدرجة كبيرة، لأنها حصرت معركتها مع الكيان الاسرائيلي، بينما اليوم للأسف «تاهت» بوصلتها، فخسرت شعبيتها. إيران ارتكبت خطأ استراتيجيا فادحا باستهداف دول الخليج العربي، التي كان يشكّل البعض منها «رئة» تنفست منها طهران عقودا من الزمن، فيما دول أخرى حملت ملفات إيران وأزماتها السياسية مع المجتمع الدولي، كما قطر وعمان، وعملت على حلحلة هذه الأزمات، وحققت نجاحات في محطات عدة، أبرزها الاتفاق النووي بين أمريكا وإيران في 2015 بوساطة عمانية، والإفراج عن ودائع مالية إيرانية من قبل أمريكا قدرت بـ 6 مليارات دولار وتبادل سجناء في 2023 بين واشنطن وطهران بوساطة قطرية، إضافة إلى جهود دبلوماسية متعددة قامت بها قطر لإيجاد بيئة تفاوضية وفتح نوافذ حوار بين إيران والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، بهدف إبعاد المنطقة عن الأزمات وترسيخ الأمن والاستقرار فيها، والعمل للحفاظ على مقدرات المنطقة وشعوبها من الضياع في حروب لا طائل منها، لطالما كانت المنطقة ساحة لها، وأحرقت كل ثروات المنطقة، التي هي أولى بالتنمية من الدخول في حروب وصراعات تستنزف هذه الثروات، التي لو صرف «عُشرُها» لكانت المنطقة «جنة» وعاشت شعوبها برفاهية عالية وحياة رغيدة كريمة. إيران باستمرارها للشهر الثاني باستهداف دول الخليج هي تحرق «سفن» العودة لعلاقات مستقرة بينها وبين جوارها العربي. دول الخليج لا تريد الانجرار للوقوع في «فخ» الدخول بالحرب، وهي متماسكة ومحافظة على ذلك، لكن إيران للأسف الشديد بتصرفاتها الرعناء والطائشة واللامسؤولة تدفع نحو توسيع رقعة الصراع، وتحقيق هدف «إسرائيل» بالزج بدول الخليج في هذه الحرب. نريد وقفا فوريا لهذه الاعتداءات العسكرية على الدول الخليجية إذا كانت إيران - حسب التصريحات الشفوية - تريد علاقات حسن جوار مع جيرانها، لكن للأسف نسمع كلاما «منمقا» من إيران، ونرى أفعالا عسكرية تستهدف عواصمنا الخليجية. خلال الأعوام القليلة الماضية تحسنت نوعا ما العلاقات الخليجية الإيرانية، وظهرت حسن نوايا من الجانبين، وكنا نتطلع لبناء المزيد من الجسور، بدلا من هدمها بهذا التصرف الأهوج، الذي يحتاج لسنوات طوال لإعادة بناء الثقة بينها وبين جيرانها. إننا لم نختر الجغرافيا التي نتواجد فيها، ولا يمكن لأي طرف - العرب أو إيران - أن يغيّر الجغرافيا، أو يقصي أحدهما الآخر ويبعده لقارة أخرى، وهو ما يفرض علينا جميعا البحث عن السبل الكفيلة بالتعايش معا في جغرافيا محددة، بحسن الجوار، بعيدا عن التقاتل والصراع. لأكثر من 45 عاما - منذ قيام الجمهورية الإسلامية في 1979 - لم تستقر علاقات إيران مع دول الخليج، بعضها وفي فترات معظمها، رغم رسائل إيجابية بادرت بها دول مجلس التعاون الخليجي، ومحاولات لبدء صفحة جديدة في العلاقات بين الجانبين في محطات مختلفة، وصل الأمر بدعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي بالدوحة في 2007، أملا في بناء علاقات قوية، وفتح صفحة جديدة. إلى هذه اللحظة، ونحن بالشهر الثاني من الحرب، وصواريخ إيران ومسيراتها تنهمر على العواصم الخليجية، إلا أن دول الخليج لازالت متمسكة وحريصة على حسن الجوار، فلم تنجر للرد على ذلك، ولازالت تتحلى بضبط النفس، وتدير الأمور بحكمة، وتفكّر بمستقبل المنطقة وشعوبها، على أمل أن تسترجع إيران رشدها، ويفكّر قادتها كذلك بمستقبل المنطقة، وكيفية التعايش بين شعوبها، بعيداً عن الحروب والصراعات والفتن، التي طحنت المنطقة لسنوات، وأدخلتنا في أزمات.
1989
| 02 أبريل 2026