رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اطلت علينا جريدة الشرق القطرية في عددها رقم 8883، الخميس 11 أكتوبر 2012 بتحقيق صحفي دارت محاوره حول جدوى الاختلاط في جامعة قطر، وما يصاحبه من إيجابيات وسلبيات، ورضا وعدم رضا أفراد الفئة المستهدفة بالتحقيق. وجاءت النتيجة طبيعية، ومنسجمة مع طبيعة المجتمع القطري، وثقافته العربية الأصيلة، والمتمسك بعاداته وتقاليده وثوابته وقيمه الأخلاقية، ومتوافقة مع توقعاتنا كآباء وأولياء أمور وأعضاء هيئة تدريس مواطنين حيث بلغت نسبة رفض الفكرة من أساسها 75 % مقابل تأييد بنسبة قدرها 25 % من عينة التحقيق. وهذه نتيجة كما وردت الإشارة طبيعية ومفرحة وتصب في الخانة الصحيحة الكفيلة بقطع الطريق على العابثين بقيم المجتمع وثوابته، وتحديه بشكل أو بآخر، ومحاولة فرض واقع مزيف غير طبيعي، وغير متوافق مع هذه القيم والثوابت الأصيلة، ومنافٍ لعادات المجتمع القطري، وتقاليده وأعرافه. لذا، وتعقيباً على هذا الأمر، فلا يسعنا في البداية إلا مباركة نتيجة التحقيق الصحفي المشار إليه، ودعمها وتأييدها لما تعكسه من مواقف مشرفة لأبناء هذا الوطن وبناته. وعليه، وجبت الإشارة إلى ضرورة تهنئة آباء وأولياء أمور الطلبة الرافضين لفكرة الاختلاط من أساسها، والمدافعين عن مبادئهم وقيمهم الأخلاقية على حسن تربيتهم لأبنائهم وبناتهم، وتنشئتهم على المثل العليا، والمبادئ المجتمعية السمحة المستمدة من ديننا الإسلامي الحنيف.
وبالنظر إلى هذه النتيجة، والتمعن في نسبة الــ 25 % الأخرى من عينة التحقيق الصحفي المشار إليه، والمؤيدة لفكرة الاختلاط، ووفقا لما ورد بالجريدة تلميحاً وتصريحاً، فإن هذه النسبة ربما تمثل الطلبة غير القطريين الذين شملهم التحقيق، والذين أبدوا رأيهم، وأيدوا فكرة الاختلاط لما فيه من وجهة نظرهم من فائدة للتحصيل الدراسي لكلا الطرفين لما يهيئه من جو تنافسي بين الطلاب والطالبات، ناسين أو متناسين طبيعة المجتمع القطري المحافظة، ومتجاهلين عاداته وتقاليده التي لا تسمح بأي حال من الأحوال بمثل هذه التقليعات والممارسات غير المعتادة على الإطلاق.. لذا، فلن يسمح المجتمع القطري بكل فئاته وشرائحه، وخصوصا أولياء أمور الطالبات بالاختلاط في قاعات الدراسة في جامعتهم الوطنية. أما فيما يتعلق بسر تأييد هذه الفئة من الطلبة لهذا التوجه، فلم يأت من فراغ، بل كان انعكاساً لخلفياتهم الثقافية وعاداتهم وتقاليدهم المجتمعية التي عاشوا وترعرعوا عليها في مجتمعاتهم الأصلية حيث ألفوا ذلك وتآلفوا وتكيفوا معه في أوطانهم الأصلية، ولا يجدون أي حرج في ذلك، ولا خطأ ولاعيب على الإطلاق. أما في قطر، ومن وجهة نظر محافظة، فهو خطأ وعيب، وغير مقبول، ومنافٍ للأعراف والقيم والعادات والتقاليد المجتمعية، ويُشكل الكثير من الحرج للجامعة من جهة، ولأبنائها وبناتها ومجتمعها العربي الإسلامي الأصيل من جهة أخرى، ويُحدث فرقة وعدم توافق بين الجامعة ومجتمعها المحلي، فلكل مجتمع طبيعته وخصائصه وخصوصياته، وثقافته الخاصة، فما يصلح هناك قد لا يصلح هنا، وما يُقبل هناك قد لا يُقبل هنا، وما يصح هناك قد لا يصح هنا، وهكذا فالاختلافات المجتمعية، والثقافات المختلفة تحدد خصوصيات المجتمعات وتحكمها. وبناء عليه، يُنصح في مثل هذه الأمور، وفي هذا الشأن بالذات لخصوصيته بأن يقتصر الأمر على أبناء المجتمع المعني، ولا يتعداه إلى ابناء المجتمعات الأخرى، الذين وجدوا في هذا المجتمع، ولم يتعايشوا ويتشربوا من قيمه ويتطبعوا بطبائع أهله وأفراده.
وبقدر استحساننا لهذه النتيجة، وإشادتنا برفض فكرة الاختلاط رفضاً باتاً من قبل غالبية أفراد العينة المستهدفة بالتحقيق، أو بالأحرى من قبل كل أفراد العينة القطريين، نتساءل عن مغزى إثارة هذه الفكرة بين الفينة والأخرى، وخلق توجه نحوها عند القائمين على إدارة الجامعة، وكأن هناك نية فعلا لتطبيقها على أرض الواقع. فقد أثير الموضوع من قبل، وخلق جواً من التوتر والاستياء والغضب الشعبي، مما دفع الجامعة إلى احتواء الأزمة، وتلطيف الأجواء، وامتصاص الغضب، وتهدئة الخواطر برد لطيف مرضٍ في ذلك الوقت. فقد ردت إدارة الجامعة على هذه الإشاعات بعبارة صريحة واضحة لا لبس فيها، وعلى لسان رئيستها شخصيا تفيد بعدم وجود النية للاختلاط بجامعة قطر، ونُشرت في الصحف المحلية ووسائل الإعلام الأخرى، فلماذا يثار الآن؟ ولمصلحة من يثار هذا الموضوع؟ فهل اشتم المغردون في وسائل الاتصال الاجتماعي تويتر، والصحفيون المحليون كما ورد في الجريدة (الشرق، الخميس 11 أكتوبر 2012)، أية رائحة لهذا التوجه في الوقت الحاضر؟ وإذا كانت هناك رائحة قد فاحت لهذا الموضوع، فما مصدرها؟ أم هي بالون اختبار يفجر بين فترة وأخرى لجس نبض المجتمع الجامعي وإدارته؟ ولماذا العبث بالعلاقة بين الجامعة ومجتمعها المحيط بها؟ ولماذا تُكرس المحاولات الواحدة تلو الأخرى لدق أسفين بين الجامعة والمجتمع من خلال العبث بقيم المجتمع ومبادئه وعاداته وتقاليده، والتدخل في خصوصياته؟ ولماذا الآن!! وبعد أن التأمت الجراح الغائرة بين الجامعة والمجتمع القطري، ودحض أسباب القطيعة والتوتر وسوء الفهم، وعودة المياه إلى مجاريها بين الجامعة ومجتمعها وأهلها وناسها وأبنائها وبناتها التي ظهرت آثارها جلية واضحة مع بداية العام الجامعي الحالي (2012 — 2013) من خلال الاقبال الكبير على الجامعة من قبل الطلاب والطالبات، وازدحام قاعات الدراسة بالطلبة؟ ألا تكفي سنوات من القطيعة والغربة بين الجامعة والمجتمع القطري؟ وهل الجامعة على علم بهذا التحقيق، وما يتبعه من آثار سلبية على أبناء الجامعة وبناتها، وأولياء أمورهم؟ وما سر صمت الجامعة تجاه هذا الموضوع الكفيل بخلق جو من التوتر في العلاقة بين الجامعة ومحيطها القطري؟ وتساؤلات كثيرة ليست الجامعة في منأى عنها، بل عليها كسر حاجز الصمت الذي يغلفها بردٍ قوي حاسم بهذا الشأن، وعدم السماح بإثارته مرة أخرى، ان لم تكن هناك نية أو توجه يخدم هذا الأمر.. والله من وراء القصد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3423
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3165
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1218
| 01 أكتوبر 2026