رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إبراهيم عبد المجيد

كاتب وروائي مصري

مساحة إعلانية

مقالات

324

إبراهيم عبد المجيد

"تبوك" أنستني السياسة!

08 أكتوبر 2026 , 12:00ص

بين السياسة والأدب أظل اتنقل. هكذا كانت ولا زالت حياتي. أخذتني حادثة طائرة رحلات دبي، التي هبطت في مطار تبوك بالسعودية، بعد مشاجرة بيت طاقم ركابها. تابعت كثيرا مما كتب، ولم أصل لحقيقة حاسمة، فتذكرت حين كنت أعمل في تبوك في نهاية السبعينيات، وكيف كان المثل السائد وقتها هناك " تبوك تنسيك أمك وأبوك" هكذا فسرت كيف فوقها نسي طاقم الطائرة، أنهم متجهون إلى تل أبيب وتشاجروا.

عدت إلى الأدب. كل يوم يتسع الحديث عن قضايا لا أجعلها هدفا لمقالاتي رغم إغرائها. خاصة على السوشيال ميديا فهي تجلب كثيرا جدا من الإعجاب. يزداد الحديث كل يوم عن أشياء، مثل الترويج للأعمال التافهة أو المتوسطة، على حساب الأعمال الجيدة. أو المحاصصة بين الكتاب، فكل يقدم للآخر الاهتمام، الذي سبق للآخر أن قدمه له، أو يدعوه إلي سفر انتظارا أن يفعل مثله. ويزيد الأمر عند البعض فيكون الاهتمام بكاتب ما، لما يحتله من مركز صحفي أو ثقافي، سيفيد من يهتم به. وصل الحديث إلى حد الغضب الكبير والإدانة، فبدا الأمر وضعا لا يمكن الخروج عنه. بالنسبة لحياتي فكم شهدت كتابا متوسطي القيمة، لم يتأخروا في إظهار حقدهم على غيرهم، في مقال أو نميمة في المقاهي. لكن لم يكن الأمر متسعا كما هو الآن في السوشيال ميديا. كان في إطار الكتب الورقية مهما اتسعت، رغم أن طبعات الكتب كانت تبدأ بثلاثة آلاف نسخة في الطبعة الواحدة. ليس كما هو الآن في الأغلب لا تزيد على ألف نسخة، وبعض دور النشر تطبع خمسمائة نسخة، لكن السوشيال ميديا تتيح عشرت الآلاف من القراء. كل ما قيل كان موجودا ويشكل حصارا علي الكاتب الحقيقي. لكن درس التاريخ هو أن الكتابة الحقيقية عابرة للزمن، مهما وجدت من إهمال أو حصار، أو لأن صاحبها غير متنفذ في السلطة، أو ليست لديه القدرة على رد المحاصصة، أو زاهد في الدعاية لنفسه على السوشيال ميديا مثلي. هذا الدرس عشته، فحين بدأت الكتابة في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات كان هناك جيل الستينيات. أصحابه أقاموا سورا حولهم لا يدخله غيرهم. جعلوا مني وكتابا مثل محمد المنسي قنديل وجار النبي الحلو ومحمد المخزنجي وعبده جبير ومحمود الورداني وسعيد الكفراوي وغيرنا كتابا للسبعينيات. هكذا صار هناك جيل كل عشر سنوات، ويستمر الأمر حتى الآن في الدراسات النقدية، رغم أن الأجيال هي بنت الأحداث الكبرى. لم يكتب عني ناقد من كتاب الستينيات. أخلصت للكتابة ففزت بحماس كتاب من العرب مثل محمود درويش وفيصل دراج ومحمد برادة وغيرهم. وكتب عني نقاد كبار مثل علي الراعي وشكري عياد وصلاح فضل، ممن تعلموا أيام الملكية، ولا علاقة لهم بهذه المحاصصة، وغيرهم كثير من نقاد أصغر سنا منا. الأمر حدث لمن ذكرتهم ممن جعلونا جيلا مختلفا، رغم أننا جميعا جئنا من رحم هزيمة 1967. هكذا صارت لي ولغيري روايات عرفت طريقها إلى العالم بالترجمة، وإلى السينما والتليفزيون، دون محاصصة مع أحد، وإلى دراسات جامعية في كل الدنيا. كيف حدث ذلك؟ لأننا أخلصنا للكتابة نفسها، وشعارنا الذي لم نقله، أن العالم واسع فسيح الأرجاء. كتبت في الأعوام الأخيرة مقالات عن أكثر من مائة كتاب، ولم انتظر أن يكتب عني من مؤلفيها أحد. يكفي متعتها تمشي معي. هكذا أقول لكل من يشكو، أخلص للكتابة فالعالم مهما ضاق يتسع. ولن أعود إلى تبوك "التي تنسيك أمك وأبوك" ربما يأتي وقت آخر.

مساحة إعلانية