رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
للمرة الأولى يكاد رئيس أمريكي يعترف بأن إدارته لا تملك سوى مواكبة الأحداث في العالم العربي تمهيداً للتأثير فيها، وبالتالي للسعي إلى توجيهها، ففي خطابه الأخير قال باراك أوباما إن الولايات المتحدة لم تكن هي التي أخرجت الناس إلى الشارع العربي لتطالب بالحرية وتستعيد كرامتها وتطرح خيار الديمقراطية سبيلاً إلى التخلص من الحكم الاستبدادي ولم يفته أوباما أن ينبه مرتين على الأقل، إلى أن التغيير المنشود قد يأتي إلى الحكم هنا وهناك بمجموعات وتيارات قد لا تنسجم مع السياسة الأمريكية لكنه اعتبر أن من الأفضل التعامل مع أنظمة تتمتع بتمثيل شعبي والعمل على بناء أطر للتفاهم معها بدل الاعتماد على أنظمة تبني أنها استطاعت إطالة أعمارها بالعنف والبطش.
قبل سبعة أعوام، غداة غزو العراق واحتلاله وإعلان أنه سيكون "نموذجا" للديمقراطية في العالم العربي، كان الرئيس جورج بوش وإدارته فرضا مقاربة مختلفة إذ بلورا نوعا من التحالف الدولي الموازي لتحالف الدول المشاركة في الغزو ليعتمد خطة سميث "الشرق الأوسط الكبير" أو "الموسع" تحت شعارات الديمقراطية والإصلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي، كانت تلك الخطة التي عقدت لأجلها مؤتمرات دولية عدة، سليمة من حيث الأهداف وحتى في التفاصيل، إلا أن إطارها السياسي العام رسم بذهنية "الحرب على الإرهاب" ووفقا لطموحات الهيمنة الأمريكية، أي أنه انطوى على منحى "عقابي" لدول المنطقة، أنظمة وحكومات وشعوبا، فضلا عن إرادة – معلنة أحيانا – لإعادة رسم خريطة المنطقة بما يعنيه ذلك من تقسيمات وإثارة حروب أهلية، ورغم أن أمريكا جندت "تحالفا دوليا" لمساندة هذا المشروع إلا أن المعارضة الحقيقية له جاءت من داخل هذا التحالف، فبعض الدول المؤثرة شكك في المنطلقات والأهداف، مع تأييده القوي لتشجيع نهجي الإصلاح والدمقرطة.
لعل رفض الأنظمة العربية لـ"التدخل في شؤونها" أسهم في إعاقة ذلك المشروع، إلا أن تفجر العنف داخل العراق نفسه ما لبث أن أضعف حماس الإدارة الأمريكية التي انشغلت أيضا بمعالجة ورطتها في العراق، وما عزز شكوك المعارضين الغربيين أن وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، كوندليزا رايس كررت أكثر من مرة على مسامع نظرائها أنه يجب إقناع العرب بتجاوز صراعهم مع إسرائيل وعدم التذرع به لتبرير تهاون حكوماتهم في واجباتها سواء في الإصلاح السياسي أو في تنظيم الأداء الاقتصادي، وهنا أيضا كانت هواجس "الحرب على الإرهاب" مسيطرة، إذ فهمت واشنطن أن ذاك الإرهاب هو نتاج القهر والقمع بمقدار ما هو نتاج سوء توزيع الموارد وارتفاع معدلات البطالة، قد يكون الربط بين معاناة المجتمع وظاهرة الإرهاب صحيحا جزئيا، إلا أن الطريقة التي اختارتها واشنطن للمعالجة لم تكن مفيدة على الإطلاق وقد تبين في ما بعد أنها لم تكن جدية، فمن جهة وجد الأمريكيون أن مصالحهم تفرض عليهم استمرار العمل مع الأنظمة القائمة وتعزيزها، ومن جهة أخرى لم يكن لديهم الاستعداد – ولو النظري – لقبول مجموعات إسلامية أو "غير منسجمة معهم" حتى لو اكتسبت شرعية عبر صناديق الاقتراع.
أكثر من ذلك، كان واضحا أن إدارة بوش افترضت أن مسألة الإرهاب أطاحت القضية الفلسطينية، فهذا ما طرحه الإسرائيليون وعملوا بموجب فور حصول هجمات 11 سبتمبر، إذ انكب ارييل شارون على تقويض السلطة الفلسطينية وصولاً إلى تصفية رئيسها ياسر عرفات، وما لبث إيهود أولمرت أن تسلح بذريعة الإرهاب ليرفض نتيجة الانتخابات الفلسطينية عام 2006 وفوز "حماس" فيها وذلك بحجة أن "حماس" لا تعترف بإسرائيل، ولا تزال عقلية "الحرب على الإرهاب" تملي التعامل الأمريكي مع الشأن الفلسطيني، حتى لو أدى ذلك إلى رفض مصالحة شاءها جناحا الشعب الفلسطيني بكامل إرادتهما.
رغم أن أوباما تمايز كليا عن أفكار الإدارة البوشية، ورغم أن الظروف وفرت له معطيات جديدة مكنته من طرح "عقيدة" جديدة للسياسة الخارجية، إلا أن جوهر تلك السياسة لم يمس، فهو لا يزال ومن الواضح أنه سيستمر في التعامل مع القضية الفلسطينية خارج إطار القوانين والأعراف الدولية. إذ لم يعط أوباما أي انطباع بأنه قادر على الخروج من قوقعة المفاهيم الإسرائيلية والخطوط الحمر التي وضعتها إسرائيل للسياسة الأمريكية، فليفسر ذلك بمصالحة الانتخابات وبالتوازنات داخل حزبه وإدارته وبحسابات التعامل مع كونجرس جمهوري أو ديمقراطي، لكنه لا يحجب التناقض الفاضح بين فهم التحولات الجارية في العالم العربي وبين ما يدعيه أوباما عن بناء علاقة جديدة مع العرب والمسلمين، صحيح أن الثورات الشبابية لم تضع الشأن الفلسطيني في أولوياتها، لكن من الخطأ الاعتقاد كما فعل وزراء إسرائيليون بأن شباب الثورة هنا وهناك لم يعودوا مؤمنين بهذه القضية، الأصح هو أنهم بسعيهم إلى الحرية والكرامة، يستعجلون فعل إيمان جديد بها، بل الأكيد أن "السلمية" التي يخوضون بها ثوراتهم ستساهم في إنتاج مقاومة مدنية قد تغدو أكثر فاعلية من الجيوش وهزائمها المتلاحقة.
لا بأس في أن يعتمد أوباما في "عقيدته" مبدأ مكافأة الدوليتين، مصر وتونس، اللتين أسستا نادي التغيير العربي، ففي ذلك إشارة ضرورية للدول (أي للشعوب والمجتمعات) التي لم تستكمل تغييرها بعد، لكن العبرة ليست في القيمة المالية للمساعدات وإنما في الاشتراطات التي يتوقع أن ترافقها، فكلما اقتربت من محاولة بيع إسرائيل وجرائمها واحتلالها ومخالفاتها القوانين الدولية، فضلاً عن ترسانتها النووية وتمييز أمنها عن أمن جيرانها، كلما فقدت تلك المساعدات المعاني السامية والجميلة التي أراد أوباما الإقناع بأنها باتت هي التي تسيّر السياسات الأمريكية في المنطقة، الأفضل أن تتضمن برامج المساعدة عملاً حقيقياً وجدياً لبناء سلام عادل وإلا فإن فرصة التغيير السانحة الآن في العالم العربي قد تتعرض لتصدعات إذا سعت أمريكا وإسرائيل إلى توجيهها نحو تسويغ الوضع الاستعماري الشاذ على أنه وضع مقبول وطبيعي.
عبدالوهاب بدرخان
يستطيع الفلسطينيون أن يدهشوا أنفسهم، وأن يقدموا أحياناً على ما لا يتوقع منهم، لكن الآخرين ولا سيما العرب... اقرأ المزيد
1042
| 07 يناير 2013
المالكي ومخاطر التلاعب بالسلطة
آخر حجة يريد العراقيون سماعها من رئيس الوزراء نوري المالكي أن استهدافه وزير المال رافع العيساوي، وقبله نائب... اقرأ المزيد
635
| 31 ديسمبر 2012
سقوط "الممانعة" في مخيم اليرموك
كانت صدمة مروّعة لفلسطينيي مخيم اليرموك أن تُقصف "عاصمة الشتات" – كما كرّسوا مخيمهم – بطائرات "نظام الممانعة"،... اقرأ المزيد
547
| 24 ديسمبر 2012
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3324
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026