رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ناصر المالكي

مساحة إعلانية

مقالات

264

ناصر المالكي

بين بريق الكلمات وصدق المواقف

06 أكتوبر 2026 , 12:00ص

بعض الأثرياء يتفننون في تغريداتهم في تويتر فقط أما خارجه فهُم عكس ما يكتبونه، فتجدهم يتحدثون عن التواضع وهم يزدرون الناس، يتحدثون عن الخوف من الله والذمة وهم لا يعرفون طريق الالتزام وضميرهم ميت.

يتحدثون عن الزكاة والصدقات والاهتمام بالفقراء وهم أبخل الناس، هداهم الله.. ولا نعمم.

يحدث هذا في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي منابر مفتوحة للجميع، لم يعد من الصعب أن يكتب الإنسان عن الفضائل، أو يتحدث عن القيم، أو يُغرّد بالحكم والمواعظ، لكن التحدي الحقيقي ليس في جمال الكلمات، وإنما في صدق الترجمة العملية لها على أرض الواقع.

ومن المشاهد المؤلمة أن بعض الناس، وخاصة ممن رزقهم الله مالًا أو شهرةً أو مكانةً اجتماعية، يتحدثون عن التواضع وهم يمارسون التعالي على الناس، ويكتبون عن الأمانة والخوف من الله وهم يتساهلون في الحقوق والواجبات، ويتغنون بالزكاة والصدقات ورعاية الفقراء بينما يُعرف عنهم الشح والبخل وقسوة القلب على المحتاجين.

إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس وجود الخطأ فحسب، بل اتساع الفجوة بين القول والعمل؛ فالنفاق العملي يُفقد الناس ثقتهم بالقيم والدعوات والإصلاحات. 

وقد أشار علماء الاجتماع إلى أن مصداقية الإنسان تنبع من توافق سلوكه مع ما يدعو إليه، لأن الناس تتأثر بالنماذج أكثر مما تتأثر بالشعارات.

ويؤكد المربون أن القدوة الصالحة هي أقوى وسائل التربية، فالابن يتعلم من أفعال والده أكثر مما يتعلم من نصائحه، والمجتمع يقتدي بالسلوك أكثر من اقتدائه بالخطب والكلمات.

ولذلك جاء التحذير الشرعي شديدًا من التناقض بين القول والعمل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ﴾. كما قال النبي ﷺ: «إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالمًا لم ينفعه الله بعلمه».

وقد عبّر الإمام الحسن البصري عن هذه الحقيقة بقوله: "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل". وقال الإمام الشافعي: "العلم ما نفع، ليس العلم ما حُفظ".

إن المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الوعاظ الإلكترونيين بقدر حاجته إلى نماذج صادقة تُجسد القيم في تعاملاتها اليومية؛ فالتواضع يُعرف عند التعامل مع الضعفاء، والكرم يظهر عند الحاجة، والخوف من الله يتجلى في الخلوات قبل العلن.

ولذلك فإن أعظم رسالة يمكن أن يقدمها الإنسان للناس أن يكون صادقًا مع نفسه قبل أن يكون بليغًا في حديثه، وأن يجعل أفعاله شاهدةً لكلماته لا مكذبةً لها.

هداهم الله وأصلح أحوالنا جميعًا، فليس المقصود التشهير بأحد أو التعميم على الناس، فما زال في الأمة كثير من أهل المال والخير والإحسان الذين جمعوا بين نعمة الثراء وشرف الأخلاق، وبين حسن القول وصدق العمل، وهؤلاء هم الثروة الحقيقية للمجتمعات، والقدوات التي تُحيي القيم وتبني الإنسان.. فما أحوجنا إلى الكثير من أمثالهم في زمن قلت فيه القيم العملية وكثر فيه التنظير والكلام الخالي من المصداقية.

مساحة إعلانية