رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

249

د. أحمد المحمدي

محاسبة النفس دون قسوة

23 فبراير 2026 , 04:17ص

من أعظم ما يعين العبد على الانتفاع برمضان، والارتقاء فيه إيمانا وسلوكا، محاسبة النفس، ولكن المحاسبة التي تصلح ولا تحطم، وتقوّم ولا تقسّي، وتبعث الأمل ولا تولد اليأس. فليست محاسبة النفس جلدا للذات، ولا قسوة على القلب، ولا احتقارا للنفس، وإنما هي وقفة صدق ورحمة، يراجع فيها العبد طريقه ليحسن المسير.

وقد كان السلف الصالح يرون محاسبة النفس أصلا عظيما من أصول الاستقامة.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزن عليكم، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا. فالمحاسبة عندهم لم تكن باب قنوط، بل طريق نجاة.

ورمضان هو الزمن الأنسب لهذه المحاسبة؛ لأن النفس فيه أرق، والشهوات أضعف، والقلوب أقرب. فمن لم يراجع نفسه في رمضان، فمتى يراجعها؟ ومن لم يقف مع تقصيره في هذا الموسم، ففي أي وقت يفعل؟ لكن الخلل يقع حين تتحول المحاسبة إلى قسوة؛ فيغالي الإنسان في لوم نفسه، ويضخم ذنوبه، ويغفل عن رحمة الله، فيقوده ذلك إلى الإحباط، وربما إلى ترك العمل. وهذا مسلك خطير، لم يكن من هدي السلف، ولا من منهج النبوة.

وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: المؤمن قوّام على نفسه، يحاسبها لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا. ولم يكن يقصد بذلك جلد النفس، بل تهذيبها وتقويمها.

ومحاسبة النفس دون قسوة تعني أن يسأل العبد نفسه أسئلة صادقة:

هل صلاتي في رمضان أقرب إلى الخشوع؟

هل قلت ذنوبي أم ما زلت أصر عليها؟

هل تغير لساني؟ هل لان قلبي؟ هل زادت رحمتي بالناس؟ فإن وجد خيرا حمد الله وسأله الثبات، وإن وجد تقصيرا استغفر وتاب وسأل العون، دون أن يحتقر نفسه أو ييأس من الإصلاح.

وكان بعض السلف يقول: لا تكرهوا أنفسكم على العبادة كرها، فتملوا، ولكن خذوها بالرفق؛ فإن هذا الدين متين. فالرفق بالنفس جزء من الحكمة، والقسوة عليها قد تؤدي إلى الانقطاع.

ورمضان يعلمنا هذا التوازن؛ صيام مع رحمة، وقيام مع سكينة، ومحاسبة مع أمل. فمن حاسب نفسه برفق، دلّه ذلك على مواضع الخلل، وساعده على الإصلاح.

أما من قسا على نفسه، فقد يغلق عليها باب الرجاء.

وفي ختام هذا الحديث، نتذكر أن محاسبة النفس عبادة قلبية، لا تثمر إلا إذا اقترنت بالرحمة، وحسن الظن بالله، واليقين بأن الله يريد بنا الخير، لا العنت. فحاسب نفسك لتصلحها، لا لتكسرها، وعاتبها لتقودها إلى الله، لا لتبعدها عنه.

مساحة إعلانية